مقالات

وبسقتِ النخلة في اليونيسكو!


تركي الدخيل

يشتركُ العربي، مع أخيه العربي، من الخليج إلى المحيط، في تقدير النخلة، تلك الباسقة، التي تميِّزُها الكتب السماوية، حتى عن باقي الشجر.
لا تجد من يخلط بين الأشجار والنخيل، داخل اللغة العربية أينما اتجهت، فهي الوفية الكريمة، ظلاً وثمراً، للمزارع والمستقر، في القرية والمدينة.
وتمر النخيل، هو أكثر ما يحرص البدوي على تقديمه للضيف، قبل كل زاد، حتى تستوي القهوة. فالتمرة هي الفطور للصحيح والسقيم، والتصبيرة حتى يستويَ الغداء على النار، وعشاء الفطين الهارب من السمنة، الطامع بكل الأملاح، التي يحتاجها في نهاره الطويل.
إن كانت المملكة العربية السعودية، تملك فوق ترابها الطاهر، أكثر من 30 مليون نخلة، فهي قبل هذا الرقم، جعلت النخلةَ شعارَها الذي تعرف به في كل المحافل، دلالة على النماء.
ودول الخليج العربي – بالأخص – تفتخر كما المملكة، بهذه الشجرة المباركة، فقلَّ أنْ تخلوَ من رسمها عملة، أو أنْ تمرَّ بشارع رئيسي، من دون أن ترى النخلة صابرة شامخة في كل الفصول. والنخلة أختُ الجمل، لكنها تغارُ من مزاين الإبل، فيرضيها محبوها بمهرجانات، يسمونها باسمها، لتهدأ وتعود للتمايل من جديد.
وإن كان هذا واقع الحال في الجزيرة العربية، فيبدو أن النخلة تسافر مع اللسان العربي أينما حل، فشموخها يتعدى شطآن الخليج، لتتمايل حتى حدود الأطلسي، وقد أخذها العرب معهم للأندلس وتسللت من هناك لأميركا اللاتينية فالشمالية، ولا عجب، فالنخلة رفيق الإنسان العربي منذ أقدم العصور والحقب. بعض المؤرخين يقدر عمر النخيل بأربعة آلاف سنة، ولكن آخرين يسافرون بعيداً زاعمين أنها هبطت مع أبينا آدم من الجنة، ولا يلوم المحبين أو يعاتبهم في مبالغاتهم، إلا عذول. الأكيد أنها بعمر أقدم الديانات، فهي الشجرة أو النبتة الوحيدة، التي ذكرت في كل الكتب السماوية، ولا تسأل عن قدسيتها في بلاد الرافدين، ووادي النيل، وصولاً إلى السِّند. إثر انتشار الإسلام، سافرت النخلة أبعد وأبعد، فالأحاديث الواردة في فضل التمر لا تعد، فهي هدية المسلمين المحببة في شهر رمضان، وهل هناك أفضل من تمرة يبدأ بها صائم إفطاره؟!
لم تعد النخلة إرثاً عربياً خالصاً، بل مادة غذائية قل أن تفقدها في بلاد المسلمين، ولذا لم يكن مستغرباً، أن يربطها المستشرق، بلاتر، بالدين، لا بالجزيرة العربية، حين زار مصر، فقال: «يقدس المسلمون النخيل، حتى أنهم يعتقدون أنه لا ينمو في غير بلاد المسلمين، وهذا الاعتقاد يمنع الفلاح المصري من غرس نخلة بغير وضوء»!
ولأن شجرة المعرفة في سفر التكوين، هي النخلة، ولأنَّ السيدَ المسيح، ولد تحت ظل نخلةٍ كريمة، أظلت مريمَ العذراء، ثم تناولت ثمر الشجرة المباركة، كي يكثر حليبها ويسهل مخاضها، لذلك استعمل سعف النخلة علامة للمنتصرين في مواكبهم.
الغربي المسيحي، اعتبر النخلة شجرة الحياة، وقد شاهدت وثائقياً مطولاً، عن عراقي حمل نخلات البصرة، وزرعها في بلاد العم سام، ثم استطاب المستهلكون طعم التمر العراقي في التربة الأميركية، أقرضه البنك لتنمية عنايته بالنخيل، حتى غدا بستانه مزاراً، وتمره على كل رف أميركي.
ولأنها شجرة الحياة، فإن نشرات جمعية منتجي التمور، في ولاية كاليفورنيا، تضع صورة للنخلة، يقف تحتها رجل وامرأة اعتبروهما آدم وحواء. وليس كل التمر كتمر هجر، ولا كل التمر السكري كسكري القصيم، بل من النخل ما يزرع لا طمعاً في ثمره، بل للاستفادة من سعفه، فخارج روما تقف خمسة آلاف نخلة نامية غير مثمرة، يباع سعفها – لا تمرها – لإقامة شعائر الأحد (في يوم أحد النخيل) من كل عام، في مقر الكنيسة البابوية!
وإن اكتفى المسيحيون بالسعف، فقد اعتبرت الديانة اليهودية التمر من الأثمار السبعة المشهورة، والتمر وعصارته، سواء الدبس، أو العسل، من الأثمار التي تنقي الجسم من الأشرار، واسم تمارا للفتاة اليهودية الجميلة، مأخوذ من قوام النخلة المديد، ليس ذلك فحسب، بل مدح أنبياء بني إسرائيل وأحبارهم النخلة، وفي التلمود، أن بعض الأحبار، أوصى باستثمار صداق الزوجات، بشراء البساتين، خاصة ما حوى منها النخيل.
وإن كانت العرب – وقد أخذ الرحالة الغربيون بذات المبدأ – لا يكملون وصف مدينة أو حاضرة إلا بالحديث عن نخيلها، فإن من كرم العرب، وقف البساتين والنخيل، على الحجاج والمعتمرين، وطلاب العلم، وابن السبيل، والمحتاجين. وكم من البساتين، استعصت على البيع والشراء، لوجود علة الوقف في أصلها، ولمن استغرب ذلك، فعليه مراجعة شريعة حمورابي، خاصة المادتين الرابعة والستين والخامسة والستين، فالأولى تنص على أن «من يقطع شجرة، يغرم نصفاً من نصيبه»، والثانية عن تلقيح النخل أو إهماله «إذا أهمل البستاني ولم يلقح البستان، وتسبب في تقليل الحاصل فعليه أن يؤدي إيجار البستان».
ومن نافلة القول، التذكير بأن النخلة رمز العطاء الوفير، والصبر على كل الفصول، فلا جزء من أجزائها إلا وفيه فائدة لمستفيد، أقول ذلك إثر قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) إدراج «النخلة» ضمن قائمة التراث غير المادي للبشرية، لـ14 دولة عربية بينها السعودية، خلال اجتماعها الرابع عشر، المنعقد في بوغوتا عاصمة كولومبيا، في الفترة الممتدة بين 9 و14 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
ولو كنت معترضاً على جزئية في هذا قرار اليونيسكو السعيد، لاعترضت على آخر جزء في اسم القائمة، فهي فعلاً رمز أصيل في تراثنا الثقافي المادي وغير المادي، ففي واحة الأحساء فقط، أكثر من ثلاثة ملايين نخلة، تنتج أكثر من 120 ألف طن من التمور، موزعة على 48 صنفاً. هذا في الأحساء فقط، فما بالك ببقية مناطق المملكة، التي لا تخلو من أنواع نخيل مختلفة، أقول ذلك وأنا سعيد جداً، بهذا الإنجاز التاريخي لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، و12 دولة عربية. لعل العرب جميعاً قدموا شيئاً من الوفاء، لمحبوبتهم النخلة، وضموها حصرياً، زارعين نخلة باسقة، لكل محب لثقافتهم، وفي صلبها النخلة، التي ربما لا يفهم غيرهم قيمتها، فلا يرونها إلا شجرة تنتج ثمرة تدعى التمر، بينما العربي يعتبرها فاكهة كل المواسم، والغذاء الذي لا ينقطع عن بيته، والدواء في بعض الأحيان، وشراباً في عز الصيف، وحلوى عند المجيدين.
وأختم بفخر العربي بصفاته، التي يقارنها بالنخلة، ففي بيت جميل للأمير بدر بن عبد المحسن، يقول، في قصيدة؛ «رسالة من بدوي»:
ومثل النخيل خلقت أنا وهامتي فوق
وما اعتدت أنا أحني قامتي إلا فصلاتي

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 8٬770٬951
إجمالي الإصابات: 8٬770٬951
إجمالي الوفيات: 229٬570
حالات الشفاء: 5٬705٬323
حالات نشطة: 2٬836٬058
الهند 7٬845٬328
إجمالي الإصابات: 7٬845٬328
إجمالي الوفيات: 118٬320
حالات الشفاء: 7٬054٬252
حالات نشطة: 672٬756
البرازيل 5٬358٬498
إجمالي الإصابات: 5٬358٬498
إجمالي الوفيات: 156٬565
حالات الشفاء: 4٬797٬872
حالات نشطة: 404٬061
روسيا 1٬497٬167
إجمالي الإصابات: 1٬497٬167
إجمالي الوفيات: 25٬821
حالات الشفاء: 1٬130٬818
حالات نشطة: 340٬528
إسبانيا 1٬110٬372
إجمالي الإصابات: 1٬110٬372
إجمالي الوفيات: 34٬752
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬075٬620
الأرجنتين 1٬069٬368
إجمالي الإصابات: 1٬069٬368
إجمالي الوفيات: 28٬338
حالات الشفاء: 866٬695
حالات نشطة: 174٬335
فرنسا 1٬041٬075
إجمالي الإصابات: 1٬041٬075
إجمالي الوفيات: 34٬508
حالات الشفاء: 109٬486
حالات نشطة: 897٬081
كولومبيا 998٬942
إجمالي الإصابات: 998٬942
إجمالي الوفيات: 29٬802
حالات الشفاء: 901٬652
حالات نشطة: 67٬488
بيرو 883٬116
إجمالي الإصابات: 883٬116
إجمالي الوفيات: 34٬033
حالات الشفاء: 800٬480
حالات نشطة: 48٬603
المكسيك 880٬775
إجمالي الإصابات: 880٬775
إجمالي الوفيات: 88٬312
حالات الشفاء: 641٬075
حالات نشطة: 151٬388
المملكة المتحدة 854٬010
إجمالي الإصابات: 854٬010
إجمالي الوفيات: 44٬745
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 809٬265
جنوب أفريقيا 712٬412
إجمالي الإصابات: 712٬412
إجمالي الوفيات: 18٬891
حالات الشفاء: 643٬523
حالات نشطة: 49٬998
إيران 562٬705
إجمالي الإصابات: 562٬705
إجمالي الوفيات: 32٬320
حالات الشفاء: 450٬891
حالات نشطة: 79٬494
إيطاليا 504٬509
إجمالي الإصابات: 504٬509
إجمالي الوفيات: 37٬210
حالات الشفاء: 264٬117
حالات نشطة: 203٬182
تشيلي 500٬542
إجمالي الإصابات: 500٬542
إجمالي الوفيات: 13٬892
حالات الشفاء: 476٬576
حالات نشطة: 10٬074
العراق 449٬153
إجمالي الإصابات: 449٬153
إجمالي الوفيات: 10٬568
حالات الشفاء: 378٬209
حالات نشطة: 60٬376
ألمانيا 423٬666
إجمالي الإصابات: 423٬666
إجمالي الوفيات: 10٬100
حالات الشفاء: 314٬100
حالات نشطة: 99٬466
بنغلاديش 397٬507
إجمالي الإصابات: 397٬507
إجمالي الوفيات: 5٬780
حالات الشفاء: 313٬563
حالات نشطة: 78٬164
إندونيسيا 385٬980
إجمالي الإصابات: 385٬980
إجمالي الوفيات: 13٬205
حالات الشفاء: 309٬219
حالات نشطة: 63٬556
الفلبين 367٬819
إجمالي الإصابات: 367٬819
إجمالي الوفيات: 6٬934
حالات الشفاء: 313٬112
حالات نشطة: 47٬773
تركيا 359٬784
إجمالي الإصابات: 359٬784
إجمالي الوفيات: 9٬727
حالات الشفاء: 313٬093
حالات نشطة: 36٬964
المملكة العربية السعودية 344٬552
إجمالي الإصابات: 344٬552
إجمالي الوفيات: 5٬281
حالات الشفاء: 330٬995
حالات نشطة: 8٬276
أوكرانيا 337٬410
إجمالي الإصابات: 337٬410
إجمالي الوفيات: 6٬289
حالات الشفاء: 139٬755
حالات نشطة: 191٬366
باكستان 327٬063
إجمالي الإصابات: 327٬063
إجمالي الوفيات: 6٬727
حالات الشفاء: 310٬101
حالات نشطة: 10٬235
إسرائيل 309٬374
إجمالي الإصابات: 309٬374
إجمالي الوفيات: 2٬366
حالات الشفاء: 291٬130
حالات نشطة: 15٬878
بلجيكا 287٬700
إجمالي الإصابات: 287٬700
إجمالي الوفيات: 10٬658
حالات الشفاء: 22٬517
حالات نشطة: 254٬525
هولندا 281٬052
إجمالي الإصابات: 281٬052
إجمالي الوفيات: 7٬019
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 274٬033
التشيك 246٬022
إجمالي الإصابات: 246٬022
إجمالي الوفيات: 2٬047
حالات الشفاء: 91٬922
حالات نشطة: 152٬053
بولندا 241٬946
إجمالي الإصابات: 241٬946
إجمالي الوفيات: 4٬351
حالات الشفاء: 109٬344
حالات نشطة: 128٬251
كندا 213٬727
إجمالي الإصابات: 213٬727
إجمالي الوفيات: 9٬920
حالات الشفاء: 179٬537
حالات نشطة: 24٬270