مقالات

هل يُحاسب العالم الصين؟


د. آمال موسى

رغم أن جائحة فيروس «كورونا» من أقوى المحن التي عرفتها البشريّة في العصر الحديث، ورغم أن عدد الموتى بدأ يقترب من 200 ألف، فإن غالبية الكتابات تركز على أزمة الرأسمالية المتوحشة، وتحملها المسؤولية فيما وصل إليه العالم من رعب وانقلاب في طريقة العيش والتواصل، إضافة إلى المستقبل الغامض. بل إن هناك من لم يرَ من الأزمة سوى الضربة التي تلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وتفشي الوباء في الولايات المتحدة بشكل يكاد يتجاوز كل البقاع التي سجل فيها فيروس «كورونا» انتصاراً.
طبعاً مفهوم جداً نقد الرأسمالية المشطّة وهي تتحمل مسؤولية كبيرة في فرض نمط حياة واجتماع ماديين؛ مما أثر على القيم والنّظرة إلى الإنسان التي أصبحت مُتشيئة. كما أن نقد الولايات المتحدة هو تقريباً عمل نقوم به باستمرار ومن دون هوادة منذ زمن طويل بصرف النظر عن النتائج. الآن الولايات المتحدة هي بصدد الوقوف عند تداعيات ممارسة الرأسمالية بتوحش وإهمال الجانب الاجتماعي للدولة، وغير ذلك من الدروس. ونظن أن قيمة المواطن الأميركي ستُجبر الإدارة على اقتلاع البعض من أنياب الرأسمالية المتوحشة.
منذ تاريخ بداية تفشي الوباء في العالم كان يجب أن تكون الصين موضوع النقد الشديد. ونحن في هذه الأزمة العالمية الخانقة يجب أن تتوجه جميع السّهام نحو الصين، وتحديداً الحزب الشيوعي الصيني الحاكم. لكننا لم نفعل إلا قلة قليلة من الكتّاب في العالم، ربما نكاية في الرئيس ترمب الذي حمّل الصين المسؤولية. اختار الكثيرون الصمت ورفضوا الاصطفاف معه في الموقف نفسه. كما أن الصراع الأميركي – الصيني، إذا جاز الوصف، لعب دوره في تغذية فكرة المؤامرة، حيث ذاع في بداية انتشار الفيروس أن «كورونا» ظهر في الصين تحديداً هذه القوة العظيمة المهددة للقوة الأولى في العالم بفعل فاعل، واتجهت أصابع الاتهام نحو الولايات المتحدة وها هو واقع تفشي الوباء وجغرافية تنقله يُسقطان سيناريو المؤامرة حتى لو كان السيناريو يردد في كواليس العالم وليس في شاشاته.
صحيح أن هناك أصواتاً وجهت إصبع الاتهام للصين، لكنها لم تكن مرتفعة أو بشكل أكثر دقة كانت هذه الأصوات ضحية هيمنة أصوات أخرى ذهبت بنا بعيداً عن أصل الموضوع، في حين أن المنطق يقول إن هذه الظرفية هي وقت تحميل المسؤولية للحزب الشيوعي الصيني بسبب ما جناه على العالم.
ليست المشكلة في ظهور الفيروس في مدينة من المدن الصينية، وإلا فإن الحديث سيكون بلا معنى. بل كل المشكل في كيفية تعامل الحزب الشيوعي الصيني مع خبر الفيروس وكتمانه ومعاقبة من يحاول نشره.
مع الأسف، الفكر الشيوعي الذي يؤله الدولة على حساب الأفراد هو الذي وضعنا في هذا المأزق. فالصين التي تحاول تطبيق شعار «نظام السوق الاشتراكية» التي تراجعت نسبياً عن تقديس أبي الشيوعية الصينية ماو تسي تونغ بدليل احتفالها شبه الباهت عام 2013 بذكرى ميلاده المائة والعشرين، لم تفلح في صياغة فكر متجانس مع انفتاحها الاقتصادي تسير على هداه. انفتحت الأسواق الصينية واستفادت من بعض مبادئ الفكر الرأسمالي وظلت تمسك بقبضة من حديد على الحريات. وهنا نكتشف الفرق بين الانفتاح وذهنية التوسع.
لم تكن الصين، وهي البلد الذي أصبح مثالاً في العمل والإرادة والعزيمة، واستفاد من رصيد العدوانية إزاء الولايات المتحدة… لم تكن في مستوى الأزمة في أولها وجنت على كل العالم بفقيره وغنيه وظالمه ومظلومه. ومرّد هذه الجناية أنها لم تكن من الشفافية والصراحة ما يؤهلها لإعلان خبر الفيروس وإغلاق حدودها ومجالها الحيوي منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) المنقضي. بل العكس هو ما قامت به، حيث وبّخت الشرطة الصينية طبيب العيون الشاب الذي اكتشف الفيروس، وحققت معه بتهمة نشر أخبار خاطئة، ثم توفي الطبيب في فبراير (شباط) بسبب «كورونا».
إنّه مشكل الأنظمة الاشتراكية بشكل عام الشمولية، حيث هاجس تلميع الصورة والتحكم في نشر المعلومات كي لا يذاع إلا ما يخدم الأنظمة. بمعنى آخر، فإن مشاكل الفكر الشيوعي مع الحريّات هي التي جنت على العالم، ولو تمّ نشر خبر الفيروس منذ ديسمبر لما دخل الصين زائر واحد وما كان سينتشر، حيث إنه في الوقت الذي مارست فيه الصين الكتمان دخل بلادها قرابة سبعة ملايين ثم خرجوا، والكثير منهم حامل للفيروس. ولقد صرح عمدة مدينة ووهان نفسه تحت ضغط انتقادات سكان المدينة بأنه لم يعلن عن ظهور المرض بعد ظهور أول حالة في ديسمبر الماضي؛ لأنه لم يكن مخولاً الكشف عن هذه المعلومات إلا بتصريح من القيادة المركزية للحزب الشيوعي. ثم وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ أول ظهور لفيروس «كورونا» يوجه الرئيس الصيني رسائل متأخرة جداً عن فيروس «كورونا» إلى بلدان العالم، ويتحدث عن التضامن والتنسيق العالميين، مضيفاً أن الصين بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن لها مسؤولية حماية أرواح وصحة الجنس البشري!
أظن أننا أمام مسؤولية أخلاقية لم تقم بها الصين إزاء العالم. كما أن خطابها المتأخر حول التضامن والتنسيق يتعارض مع ما قامت به من كتمان تسبب في تفشي وباء عالمي وحَجْر مليارات من الناس في بيوتهم، وهو السبب أيضاً فيما سيعيشه كل العالم من أزمة مالية اقتصادية لا أحد يعرف حدّتها. لذلك؛ فإن الإشادة بالمساعدات التي قدمتها لمنظمة الصحة العالمية مؤخراً، وأيضاً ما قامت به من مساعدات في إيطاليا وإسبانيا وغيرهما لا يعفيها من المسؤولية. بل إن جسامة التداعيات والتسبب في موت كل هذه الآلاف يحتم على العالم محاسبتها. ومن جهة ثانية، يجب أن تدرك الصين أن الانفتاح عملية شاملة والانفتاح الاقتصادي لن يدوم نجاحه الباهر ما دامت حرية التعبير تعاني من التضييقات، وما دام المدافعون عن حقوق الإنسان والمثيرون لقضايا الفساد يطاردون ويسجنون.
وكي لا ننسى؛ فإنه منذ أقل من ثلاث سنوات توفي الصيني الحائز جائزة نوبل للسلام ليو شياوبو في مستشفى تحت الحراسة المشددة في يوليو (تموز) 2017، ولقد قضى الراحل تسعة أعوام في السجن بتهمة التحريض على التخريب. بل إن النظام رفض طلب ليو شياوبو السماح له بالعلاج خارج الصين.
فهل سيحاسب العالم الصين، وكيف؟

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 13٬752٬679
إجمالي الإصابات: 13٬752٬679
إجمالي الوفيات: 273٬113
حالات الشفاء: 8٬108٬383
حالات نشطة: 5٬371٬183
الهند 9٬433٬143
إجمالي الإصابات: 9٬433٬143
إجمالي الوفيات: 137٬185
حالات الشفاء: 8٬847٬600
حالات نشطة: 448٬358
البرازيل 6٬314٬740
إجمالي الإصابات: 6٬314٬740
إجمالي الوفيات: 172٬848
حالات الشفاء: 5٬578٬118
حالات نشطة: 563٬774
روسيا 2٬295٬654
إجمالي الإصابات: 2٬295٬654
إجمالي الوفيات: 39٬895
حالات الشفاء: 1٬778٬704
حالات نشطة: 477٬055
فرنسا 2٬218٬483
إجمالي الإصابات: 2٬218٬483
إجمالي الوفيات: 52٬325
حالات الشفاء: 161٬427
حالات نشطة: 2٬004٬731
إسبانيا 1٬646٬192
إجمالي الإصابات: 1٬646٬192
إجمالي الوفيات: 44٬668
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬601٬524
المملكة المتحدة 1٬617٬327
إجمالي الإصابات: 1٬617٬327
إجمالي الوفيات: 58٬245
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬559٬082
إيطاليا 1٬585٬178
إجمالي الإصابات: 1٬585٬178
إجمالي الوفيات: 54٬904
حالات الشفاء: 734٬503
حالات نشطة: 795٬771
الأرجنتين 1٬418٬807
إجمالي الإصابات: 1٬418٬807
إجمالي الوفيات: 38٬473
حالات الشفاء: 1٬249٬843
حالات نشطة: 130٬491
كولومبيا 1٬308٬376
إجمالي الإصابات: 1٬308٬376
إجمالي الوفيات: 36٬584
حالات الشفاء: 1٬204٬452
حالات نشطة: 67٬340
المكسيك 1٬107٬071
إجمالي الإصابات: 1٬107٬071
إجمالي الوفيات: 105٬655
حالات الشفاء: 818٬397
حالات نشطة: 183٬019
ألمانيا 1٬058٬358
إجمالي الإصابات: 1٬058٬358
إجمالي الوفيات: 16٬571
حالات الشفاء: 739٬100
حالات نشطة: 302٬687
بولندا 990٬811
إجمالي الإصابات: 990٬811
إجمالي الوفيات: 17٬150
حالات الشفاء: 577٬514
حالات نشطة: 396٬147
بيرو 962٬530
إجمالي الإصابات: 962٬530
إجمالي الوفيات: 35٬923
حالات الشفاء: 893٬061
حالات نشطة: 33٬546
إيران 962٬070
إجمالي الإصابات: 962٬070
إجمالي الوفيات: 48٬246
حالات الشفاء: 668٬151
حالات نشطة: 245٬673
جنوب أفريقيا 787٬702
إجمالي الإصابات: 787٬702
إجمالي الوفيات: 21٬477
حالات الشفاء: 730٬633
حالات نشطة: 35٬592
أوكرانيا 732٬625
إجمالي الإصابات: 732٬625
إجمالي الوفيات: 12٬327
حالات الشفاء: 345٬149
حالات نشطة: 375٬149
تركيا 607٬628
إجمالي الإصابات: 607٬628
إجمالي الوفيات: 13٬558
حالات الشفاء: 400٬242
حالات نشطة: 193٬828
بلجيكا 576٬599
إجمالي الإصابات: 576٬599
إجمالي الوفيات: 16٬547
حالات الشفاء: 37٬383
حالات نشطة: 522٬669
العراق 552٬549
إجمالي الإصابات: 552٬549
إجمالي الوفيات: 12٬258
حالات الشفاء: 482٬674
حالات نشطة: 57٬617
تشيلي 550٬430
إجمالي الإصابات: 550٬430
إجمالي الوفيات: 15٬356
حالات الشفاء: 525٬212
حالات نشطة: 9٬862
إندونيسيا 538٬883
إجمالي الإصابات: 538٬883
إجمالي الوفيات: 16٬945
حالات الشفاء: 450٬518
حالات نشطة: 71٬420
هولندا 523٬478
إجمالي الإصابات: 523٬478
إجمالي الوفيات: 9٬376
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 514٬102
التشيك 519٬723
إجمالي الإصابات: 519٬723
إجمالي الوفيات: 8٬138
حالات الشفاء: 444٬406
حالات نشطة: 67٬179
رومانيا 475٬362
إجمالي الإصابات: 475٬362
إجمالي الوفيات: 11٬331
حالات الشفاء: 353٬188
حالات نشطة: 110٬843
بنغلاديش 464٬932
إجمالي الإصابات: 464٬932
إجمالي الوفيات: 6٬644
حالات الشفاء: 380٬711
حالات نشطة: 77٬577
الفلبين 431٬630
إجمالي الإصابات: 431٬630
إجمالي الوفيات: 8٬392
حالات الشفاء: 398٬658
حالات نشطة: 24٬580
باكستان 398٬024
إجمالي الإصابات: 398٬024
إجمالي الوفيات: 8٬025
حالات الشفاء: 341٬423
حالات نشطة: 48٬576
كندا 370٬278
إجمالي الإصابات: 370٬278
إجمالي الوفيات: 12٬032
حالات الشفاء: 294٬411
حالات نشطة: 63٬835
المملكة العربية السعودية 357٬360
إجمالي الإصابات: 357٬360
إجمالي الوفيات: 5٬896
حالات الشفاء: 346٬802
حالات نشطة: 4٬662