ثقافة

«موت بائع متجول».. دراما الحلم الأمريكي

علامات فارقة «موت بائع متجول».. دراما الحلم الأمريكي تاريخ النشر: 23/06/2019 استمع  '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: عثمان حسن

استلهمت رائعة الكاتب المسرحي الأمريكي آرثر ميلر، 1915 -2005، «وفاة بائع متجول» أحداثها من أجواء أمريكا ما بعد الحرب، في خمسينات القرن الماضي، حين كانت معظم الأسر الأمريكية بالكاد تستطيع تأمين احتياجاتها المنزلية، في حين كانت «الميديا» تروج لرجال ملهمين وناجحين، فضلاً عما كانت تروجه هذه «الميديا» من رخاء يتجاوز الاحتياجات الأساسية إلى نوع من الطفرة في إمكانية الحصول على منازل حديثة مجهزة بالكماليات على غرار أجهزة الهاتف، والتلفاز، والسيارات، وكل ما يبشر بحياة سلسلة، ومريحة.

أمام هذا التناقض، استطاع آرثر ميلر أن يبني فكرة مسرحيته منتقداً هذه الصورة المبهرة، وما فيها من حجم دعائي كبير، هي من دون شك صورة «الحلم الأمريكي» الذي يتوه في الثقافة الاستهلاكية، فكانت «موت بائع متجول» بمثابة رسالة ذات شأن في بعدها النفسي والاجتماعي، من خلال بطلها «ويلي مان» وهو مندوب مبيعات، يفشل في تأمين احتياجات أسرته، وأكثر من ذلك، يتم تحجيم دوره في قسم المبيعات في الشركة التي يعمل فيها، إلى موظف من الدرجة الثانية، مهمته الحصول على مبيعات لشركته نظير العمولة فقط، بعد أن كان يحظى بامتيازات موظف بدوام كامل، مروراً بدخوله في دوامة من اليأس والإحباط، والشعور بالفشل، لأنه لم يستطع أن يجلب السعادة لزوجته، وولديه، فيقرر إنهاء حياته بالانتحار، لكي تستفيد عائلته من أموال بوليصة التأمين على حياته.

في التفاصيل، كان «ويلي مان» رجلاً ظريفاً، وبسيطاً، مقتنعاً بأن الظرف والطيبة، هما الأساس والأصل، هو نوع من السذاجة، التي تركته -أي ويلي مان- ضحية واقع، ليس لأمثاله فيه من نصيب في أن يكون رجلاً ذا شأن راغباً في تحقيق الحلم الموعود، أما بالنسبة لميلر فهو «اللامعقول» الذي يعالجه في ضوء تحليل نفسي اجتماعي، فبين النجاح والفشل، ثمة دراما حقيقية تحتاج إلى كشف، دراما تقع في ذلك الهامش الذي استطاع ميلر أن يصوره ببراعة، ويحجب الحياة الواقعية التي تحول دون تحقيق الرغبات لكثير من الناس البسطاء، ومن هم على شاكلة بطله «ويلي مان».

إنه سؤال «ميلر» الذي انتقد المكارثية الأمريكية، فجاء برجله، أو بطله ليكشفه على الملأ، وليقول له: تمهل: إن مفتاح السعادة والنجاح في الحياة ليس في ابتسامتك، وليس في ربطة العنق الزرقاء التي ترتديها، وليس بكل تأكيد في إعجاب الناس بك.. إنها في مكان آخر، فقد صرت نموذجاً سلبياً للشركات الكبرى، نموذجاً يقدم لطالبي مهنة «مندوب مبيعات»، ومطلوب ممن يبحثون عن مهنة النجاح أن يكونوا من سلالة المحترفين، بكل ما تحمله كلمة «محترف» من ادعاء ونفاق، شرط أن يتم جلب المال بالحنكة والحيلة، وبصرف النظر عن الوسيلة المتبعة.

إن «موت بائع متجول» من دون شك، من أهم أعمال ميلر المسرحية، التي تقترب من 13 عملاً، والتي ما زالت تقدم على المسارح الكبرى في العالم، كما تم تقديمها للتلفزيون، واقتبسها أكثر من فيلم أمريكي، وأهميتها تنبع من كونها تطرح أسئلة أمريكا الحلم، في صياغة أخرى، تحتمل الكثير من النقد والتشكيك، أسئلة من قبيل نهاية ثقافة عصر الاستهلاك، والثقافة الرأسمالية، وما زالت إلى اليوم تثير جدلاً حاداً، وهي في معرض نقدها على مستوى الخطاب، تثير العديد من الأسئلة الشائكة بين العاطفة والكره أو القبح والجمال وغير ذلك، لكن ما هو مهم أكثر، أن جمالها على مستوى الخطاب، وما وراء الخطاب، يفرض على القارئ مسؤولية أكبر في تمعن نهاية بطلها، هذا الرجل الذي بطبيعة الحال لم يكن من أفضل الشخصيات، ولكنه مع ذلك إنسان، ومن المؤكد أن النهاية التي وصل إليها بإقدامه على الانتحار، هي شيء فظيع، وميلر هنا، يقول: لماذا؟ وكيف؟ وما هي الأسباب؟ هو يكشف الأقنعة، ولا يريد لصاحبه أن «يسقط في قبره هكذا مثل كلب»، هكذا نعته زوجته «ليندا لومان»، وهي تتحدث باكية على قبره في وداعها الأخير.

ستعيدنا «موت بائع متجول» وبعيداً عن «الطوباوية» التي نحلم بها كمتفرجين من الخارج، إلى تأمل تجربة ميلر المسرحية، في قدرتها على فهم الحياة، ولكنه فهم معكوس في شخصية ميلر نفسه، الذي يتمتع ب«كاريزما» مثقفة إلى أبعد الحدود.

كان ميلر مؤمناً بالمسرح خطاباً يقدم رؤية ويضيف إلى المعرفة، ربما من هنا، نفهم نقده لمسألة تقديم نماذج هزلية في المسرح الأمريكي، وقد قوبلت أعماله بكثير من النقد والتحليل.. أما «موت بائع متجول» فتقرأ من بداياتها على نحو يجعل الشخصيات من الأب، والزوجة، وولديهما، يعيشون حالة من الهروب الدائم، ف«الأب» الذي يستهل حياته بخيانة زوجته، يقدم مثالاً سيئاً لولده «بيف» (أحد أبطال العرض).. هو نوع من السقوط الذي يجعل أبناءه يكذبون عليه حتى لا يواجه الحقيقة. وفي النهاية، يختار «ويلي مان» الهروب من الواقع، فيقتل نفسه. إنه يرى في الموت الطريقة المثلى، والوحيدة التي لها قيمة لعائلته، لكي يؤمّن لها بوليصة التأمين من بعده، هو لا يواجه مشاكله، يهرب منها. ولكن من المؤكد أن ذلك بالنسبة لميلر مجرد تورية، تنظر إلى إلى ما هو أبعد، إنه ينظر ومن دون شك ينتقد سياسة الجشع في مجتمع أمريكا ما بعد الحرب الثانية. وأكثر تحديداً، ينتقد، بل ويعري مسألة زج المال في السياسة، وهو الذي أشار إليه عالم الاجتماع «رايت ميلز» الذي طبق سوسيولوجيا المعرفة على الفكر السياسي، وانتقد بشدة انعدام الأخلاق والتخلي عن المسؤولية الاجتماعية ودخول أشخاص غير مؤهلين لتولي مناصب قيادية في المجتمع الأمريكي حينذاك.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق