مقالات

مكر الوباء


عبد الرحمن شلقم

نعترف أو لا نعترف إننا كتلة البشر المليارية، يسري في نسغها وفي تحركها قوة القطيع المتدافع أبداً. التأديب والترويض عبر التعليم والتثقيف، يبقى على مرّ العصور محدود التأثير فيه. المدارس والجامعات والفلاسفة الذين لم يسكتوا من أفلاطون إلى من تبعه من الإغريق وغيرهم، مكيافيلي وهيغل ونيتشه وكانط وكونت وروسو وسبينوزا وراسل وغيرهم، وفلاسفة العرب والفرس والهند. أشعلوا عقولهم، كتبوا المجلدات ونشروا الأفكار المتعددة والمتنوعة. اتفقوا واختلفوا، لكنهم صبُّوا عصارة اجتهاداتهم لرفعة هذا الكائن الجامح أبداً وهو الإنسان. العلماء الذين طوّروا الآلة من المحرك الذي خلق دنيا جديدة بالمصانع والطائرات والسلاح، حوّلت أيدي البشر إلى مخالب وأنياب مفترسة في غابة الحياة حيث يقتل الإنسان شقيقه، وذلك ما لا تفعله الضواري في الغابات.
الفلاسفة والمفكرون على كثرتهم عبر العصور لم ينجحوا في أن يزرعوا في المخالب عقلاً، وما وصلت قصائد الحب والسلام التي أبدعها الشعراء إلى الحواس الفاعلة في أجسام البشر، وأن تجعل منها منابعَ وروافدَ للتعايش والسلام. مصانع السلاح أكثر وأغلى ثمناً وأكثر إنتاجاً من المطابع والمكتبات ومصانع الأغذية والأدوية. الجنود لا يقارن عددهم بمن يعملون في الجامعات والمساجد والكنائس والمعابد والمستشفيات والمسارح ودور الأوبرا.
ما يُنفَق على السلاح في العالم من المسدس إلى القنبلة الذرية، يكفي أقل من ربعه للقضاء على الفقر والمرض والأميّة في هذا العالم الرهيب. لقد كان الإنسان وبقي هو العدو الأزلي للإنسان. لم تنجح الأديان والفلسفة والأفكار التي وُجدت منذ القدم في كفاح مستمر لترويض البشر وتكييف العقل الإنساني مع سلام الحياة والتعايش على كوكب الأرض دون عنف بين جنس الإنسان وتحقيق فرحة الوجود على كوكب الأرض. ضحايا الحروب التي شهدها التاريخ لا تقارَن أبداً بضحايا الأمراض وكل أنواع الأوبئة. الموتى الذين يقضون من السموم المختلفة سنوياً في العالم هم ضحايا ما صنعه الإنسان من مواد للتدخين والمشروبات الروحية والأغذية الفاسدة وضحايا حوادث السيارات وكذلك تسميم العالم بالتلوث البيئي. الوباء الذي حوّل المليارات من البشر إلى كائنات حبيسة كهوف الخوف والحذر، يفر بعضها من بعض وتنتظر المجهول القادم من حيث لا تعرف، هذا الوباء سواء كان من اختراع البشر أو من خلق ذاته فهو لم يكن سلاحاً جديداً للقتل والإرهاب والغلبة. ففي ميادين الصراع البشري أسلحة هائلة ومرعبة، تفوق قدرتها القاتلة ما تمتلكه أيدي القوة المسلحة الرسمية في العالم مرات ومرات. الحرب فيروس وُلد مع وجود البشر على الأرض، وسكن العقول وسخّرها لشيء واحد وهو قتل الناس بشكل جماعي تحت عنوان العدو. بطموح فردي أو جماعي للسيطرة والاستيلاء على أراضي الغير وثرواتهم وبسط النفوذ عليهم قهراً.
الجوائح من كوليرا وطاعون وحمى بأنواعها وسل وجدري وحصبة، تزور البشر من حين لآخر، تقطف حياة بعضهم دون تمييز أو تخطيط، ضرب عشواء ثم تزول ولا تستولي على أرض أو ممتلكات أو تفرض آيديولوجيا أو نظاماً سياسياً. هي تقتل لكنها لا تقهر. أمراض أخرى مثل نقص المناعة (الإيدز) التي أرعبت الناس في القرن العشرين، والسرطان، ليست من الجوائح التي تفعل فعلها بالعدوى الموجية بين الناس. مرض الإيدز ينتقل بين الناس عبر علاقة التصاق حميمي بين طرفين وبقرار واعٍ منهما، أما السرطان فهو نتيجة معركة جينية بين دنيا الجسم الواحد، تتصادم الخلايا فينتصر خبيثها ولكنها لا تطال من هو خارج الجسم الواحد، وعلاجها يتم بشكل فردي.
الجائحة التي غزت الدنيا اليوم لها قوة خاصة وتكتيك من صلب إبداعها الماكر. قد تتشابه فيه مع الأوبئة الجائحة الأخرى كالطاعون والتيفويد والكوليرا والإنفلونزا، لكنها وليدة زمننا الذي وُلدت فيه أنماط جديدة وواسعة ومعقّدة في عالم كل ما فيه ممتد وشامل. مصطلح العولمة قد يصبح قريباً قاصراً عن الوصف الدقيق لدنيا البشر اليوم.
وباء الطاعون الرهيب، كان الرحالة الذي يدخل البلدان عبر الموانئ التي كانت محطات الانتقال بين الأقطار المختلفة، يجتاح المدن القديمة، أما القوافل فكانت مسيراتها رحلات اختبار. من يسير فيها حاملاً لفيروس الوباء يموت في الفيافي قبل أن يصل إلى محطته المبتغاة. لكنّ الطاعون كان جيشاً قاتلاً لم ينجُ منه كبار الأقوام وجيوشهم وفلاسفتهم. في سنة 160م اجتاح الوباء أجزاء من العالم في عصر الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور ماركوس أوريليوس، الذي ما زال القوس الذي يحمل اسمه منتصباً في وسط مدينة طرابلس الليبية، قتل الملايين من سكانها والتهم غالبية من أفراد الجيش وصعق الإمبراطور الفيلسوف ذاته. كانت تلك بداية ضعف الإمبراطورية. في القرن الخامس عشر هاجم الطاعون إيطاليا مرة أخرى وحصد أرواح الملايين، والمفارقة أنه في جميع الحالات قيل إنه قادم من الصين. أما في القرن السادس عشر فقد هاجم الوباء لندن وهرب منها الناس ومن بينهم الشاعر شكسبير الذي فقد إخوته وابنه، أما في القرن التاسع عشر فقد دخل وباء الكوليرا إلى مدينة برلين وهرب منها الناس إلى الأرياف والفيلسوف هيغل الذي لم يغادر قضى نحبه.
وباء القرن الحادي والعشرين (كورونا)، هو وباء الزمن الجديد. امتلك قوة الانتشار، كائن يمشى ويسبح ويطير. شنَّ هجوماً شاملاً على الكرة الأرضية. استهدف الكيانات العملاقة اقتصادياً والمدججة بالسلاح وقوة السياسة والعلم والمال. اخترق أجسام كبارها من حكام وأثرياء. أما أهل البلدان النامية والفقيرة فقد كان أقل قسوة عليهم وتمدده فيها محدود، هو المهاجم الشبح الغامض. حوّل الدنيا إلى سجن كبّل فيه الكبار والصغار. إنه الوباء الذي نصّب نفسه طاغية مرعبة يحتل الأجسام ويقود من يموت منها منفرداً إلى قبره أو إلى محارق غير مقدسة. هذا العدو الماكر سيجعل العقل الإنساني يطرح أسئلة ساخنة على نفسه، أولها مراجعة من هو العدو الأخطر الذي يهدد كل البشر؟ لا يعترف بحدود أو هويات أو أعراق. هل سيشهد العالم أحلافاً من نوع جديد تتجاوز التكتلات العسكرية والسياسية ويصار إلى تحالف إنساني علمي يواجه عدواً لا هوية له إلا القتل أو غرس دائه في صدور البشر؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 5٬149٬723
إجمالي الإصابات: 5٬149٬723
إجمالي الوفيات: 165٬070
حالات الشفاء: 2٬638٬470
حالات نشطة: 2٬346٬183
البرازيل 3٬013٬369
إجمالي الإصابات: 3٬013٬369
إجمالي الوفيات: 100٬543
حالات الشفاء: 2٬094٬293
حالات نشطة: 818٬533
الهند 2٬152٬020
إجمالي الإصابات: 2٬152٬020
إجمالي الوفيات: 43٬453
حالات الشفاء: 1٬479٬804
حالات نشطة: 628٬763
روسيا 882٬347
إجمالي الإصابات: 882٬347
إجمالي الوفيات: 14٬854
حالات الشفاء: 690٬207
حالات نشطة: 177٬286
جنوب أفريقيا 553٬188
إجمالي الإصابات: 553٬188
إجمالي الوفيات: 10٬210
حالات الشفاء: 404٬568
حالات نشطة: 138٬410
المكسيك 475٬902
إجمالي الإصابات: 475٬902
إجمالي الوفيات: 52٬006
حالات الشفاء: 318٬638
حالات نشطة: 105٬258
بيرو 471٬012
إجمالي الإصابات: 471٬012
إجمالي الوفيات: 20٬844
حالات الشفاء: 319٬171
حالات نشطة: 130٬997
كولومبيا 376٬870
إجمالي الإصابات: 376٬870
إجمالي الوفيات: 12٬540
حالات الشفاء: 204٬591
حالات نشطة: 159٬739
تشيلي 371٬023
إجمالي الإصابات: 371٬023
إجمالي الوفيات: 10٬011
حالات الشفاء: 344٬133
حالات نشطة: 16٬879
إسبانيا 361٬442
إجمالي الإصابات: 361٬442
إجمالي الوفيات: 28٬503
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 332٬939
إيران 324٬692
إجمالي الإصابات: 324٬692
إجمالي الوفيات: 18٬264
حالات الشفاء: 282٬122
حالات نشطة: 24٬306
المملكة المتحدة 309٬763
إجمالي الإصابات: 309٬763
إجمالي الوفيات: 46٬566
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 263٬197
المملكة العربية السعودية 287٬262
إجمالي الإصابات: 287٬262
إجمالي الوفيات: 3٬130
حالات الشفاء: 250٬440
حالات نشطة: 33٬692
باكستان 283٬487
إجمالي الإصابات: 283٬487
إجمالي الوفيات: 6٬068
حالات الشفاء: 259٬604
حالات نشطة: 17٬815
بنغلاديش 255٬113
إجمالي الإصابات: 255٬113
إجمالي الوفيات: 3٬365
حالات الشفاء: 146٬604
حالات نشطة: 105٬144
إيطاليا 250٬103
إجمالي الإصابات: 250٬103
إجمالي الوفيات: 35٬203
حالات الشفاء: 201٬947
حالات نشطة: 12٬953
الأرجنتين 241٬811
إجمالي الإصابات: 241٬811
إجمالي الوفيات: 4٬523
حالات الشفاء: 108٬242
حالات نشطة: 129٬046
تركيا 239٬622
إجمالي الإصابات: 239٬622
إجمالي الوفيات: 5٬829
حالات الشفاء: 222٬656
حالات نشطة: 11٬137
ألمانيا 216٬896
إجمالي الإصابات: 216٬896
إجمالي الوفيات: 9٬261
حالات الشفاء: 197٬400
حالات نشطة: 10٬235
فرنسا 197٬921
إجمالي الإصابات: 197٬921
إجمالي الوفيات: 30٬324
حالات الشفاء: 82٬836
حالات نشطة: 84٬761
العراق 147٬389
إجمالي الإصابات: 147٬389
إجمالي الوفيات: 5٬310
حالات الشفاء: 105٬504
حالات نشطة: 36٬575
الفلبين 126٬885
إجمالي الإصابات: 126٬885
إجمالي الوفيات: 2٬209
حالات الشفاء: 67٬117
حالات نشطة: 57٬559
إندونيسيا 123٬503
إجمالي الإصابات: 123٬503
إجمالي الوفيات: 5٬658
حالات الشفاء: 79٬306
حالات نشطة: 38٬539
كندا 119٬221
إجمالي الإصابات: 119٬221
إجمالي الوفيات: 8٬976
حالات الشفاء: 103٬566
حالات نشطة: 6٬679
قطر 112٬650
إجمالي الإصابات: 112٬650
إجمالي الوفيات: 182
حالات الشفاء: 109٬438
حالات نشطة: 3٬030
كازاخستان 97٬829
إجمالي الإصابات: 97٬829
إجمالي الوفيات: 1٬058
حالات الشفاء: 71٬609
حالات نشطة: 25٬162
مصر 95٬314
إجمالي الإصابات: 95٬314
إجمالي الوفيات: 4٬992
حالات الشفاء: 51٬672
حالات نشطة: 38٬650
الإكوادور 93٬572
إجمالي الإصابات: 93٬572
إجمالي الوفيات: 5٬916
حالات الشفاء: 71٬605
حالات نشطة: 16٬051
بوليفيا 89٬055
إجمالي الإصابات: 89٬055
إجمالي الوفيات: 3٬587
حالات الشفاء: 28٬904
حالات نشطة: 56٬564
الصين 84٬619
إجمالي الإصابات: 84٬619
إجمالي الوفيات: 4٬634
حالات الشفاء: 79٬168
حالات نشطة: 817
إغلاق