مقالات

مسافة غير آمنة

عادل درويش

يوم الأربعاء من أهم أيام أسبوع الأجندة السياسية في أم البرلمانات في وستمنستر، باستثناءات قليلة مثل البيان الوزاري في مناسبات خاصة، أو إعلان الميزانية العامة، التي يقدمها وزير المالية، وهي أيضاً يوم الأربعاء بعد المساءلة الأسبوعية لرئيس الوزراء، والتي تستمر نحو نصف ساعة، وإن كانت امتدت لفترة أطول بسبب عزلة «كورونا» ومشاركة كثيرين إلكترونياً عبر اتصال الفيديو.
أداء رئيس الوزراء بوريس جونسون الأربعاء هذه المرة لم يكن على المستوى المعتاد، بل كان الأسوأ منذ توليه المنصب، وانتهت الجولة المكونة من ستة تبادلات للأسئلة لصالح زعيم المعارضة العمالية السير كيير ستامر (Keir Starmer والراء الوسطى صامتة لا تنطق في اسمه).
الهزيمة في المنازلة البلاغية هي أسوأ ما مر حتى الآن بجونسون وحكومته في أزمة وباء كورونا، التي أثارت كثيراً من التساؤلات حول أداء الحكومة. وقبل عام 1989 عندما بدأ البث التلفزيوني المباشر للجلسات كان يمكن موازنة أثر الأداء السيئ على الرأي العام والناخب، بتسريب معلومات للصحافة، المصدر الأساسي وقتها لما حدث في مجلس العموم للناخب «بتفسير وتحليل» الصحافيين من منصتهم لانطباعهم عن أهم المباريات السياسية الأسبوعية. فكان وقتها يمكن لنواب الحكومة في البرلمان، ومستشاريها في العلاقات العامة إقناع المتعاطفين من الصحافيين بتقليل أثر الصفعات البرلمانية التي تلقاها رئيس الحكومة في الجلسة، فالصحافة نفسها منقسمة بين القبائل السياسية المختلفة، حسب اهتمامات القراء والمشاهدين الذين بلا كسب ولائهم تفلس وسيلة التعبير الصحافي.
وكان احتكار الصحافيين لتفسير ما يجري في مجلس العموم، للعموم، عبر وسائلهم المختلفة، قد بدأ يتقلص في عام 1978 بانطلاق البث الإذاعي للجلسات وللجان البرلمانية، وحتى آنذاك لم يكن هناك اهتمام شعبي كبير بما يدور في وستمنستر إلا للمتابعين والمختصين. لكنه تقلص أكثر مع البث التلفزيوني لأن المشاهدين أنفسهم يستطيعون الحكم بمشاهدة لغة الأجسام وتعبيرات الوجوه وردود فعل بقية النواب، بل يكاد دور الصحافيين ينتهي تماماً بعد انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا يقتصر تقييم أداء النواب والوزراء أثناء الجلسة نفسها على الصحافيين في محيط الـ«تويتر»، بل الجمهور العادي، خاصة الناخبين من دائرة النائب. والأمثلة لا حصر لها عندما يغير رجل السياسة من موقفه وتصريحاته أثناء الجلسة نفسها لأنه بعد كلمته يطلع في تليفونه الذكي على «تويتر» لتغريدة من مراسل صحيفته المحلية في دائرته وردود فعل القراء بشكل سلبي، فيحاول إنقاذ الموقف بإعادة ترتيب كلمات تصريح ألقاه قبل دقائق.
رئيس الوزراء جونسون، طوال حياته السياسية وظف خفة الدم وسرعة البديهة والنكتة، وثقافته الواسعة، والعبارات اللاتينية للتفوق في المناظرات السياسية، خاصة مواجهة زعيم المعارضة السابق، وكان ضحل الثقافة بالمقارنة، بينما نواب الحكومة يدعمونه بصيحات الاستحسان. زعيم المعارضة الجديد محامٍ متمرس، وكان المدعي العام ما بين 2008 و2013. وبأسئلة وكيل نيابة بين يديه الأدلة الجنائية وتقرير الطب الشرعي أضاع على جونسون فرصة النكتة ووضعه في قفص الاتهام، بلا محامٍ يجنبه زلة لسان الاعتراف بالتهمة. بل إن ستامر قصفه بأسئلة لم يطرحها الصحافيون أنفسهم في المؤتمر اليومي الذي تعقده الحكومة في الخامسة مساء حول تطورات مكافحة وباء «كورونا».
استجواب ستامر دار حول قرار الحكومة يوم 12 مارس (آذار) من هذا العام بالتوقف عن إجراء الاختبار الطبي لمعرفة حاملي الفيروس في المجتمع وقصر الاختبار على المستشفيات، واتهم الحكومة بخداع الشعب بعدم دقة تصريحها «بأن دور رعاية العجزة والمسنين والمعوقين محمية من الوباء ومن غير المحتمل أن ينتشر فيها»، فالواقع أن نسبة الوفيات من «كورونا» في هذه الدور زادت عن 40 في المائة، بينما أصر رئيس الوزراء في إجابته على أنها 25 في المائة فقط، فرد زعيم المعارضة بأرقام المصلحة العامة للإحصاء المناقضة لها. واتهمه جونسون بانتقائية اختيار تصريحات الحكومة خارج السياق.
ارتفعت أسهم زعيم المعارضة الجديد ستامر بإرساله خطاباً رسمياً إلى رئيس الوزراء يطالبه بالعودة لمجلس العموم للاعتذار عن تضليله للبرلمان بإجابات مخالفة للأرقام الحقيقية، و«تضليل البرلمان» من أخطر التهم التي يمكن أن توجه لنائب في وستمنستر. كما أعجب المعلقون بطرح ستامر أسئلة لم يطرحها الصحافيون، ويعود إخفاقهم للأسباب نفسها وراء مأزق جونسون في مجلس العموم. حصار «كورونا» ومسافة الابتعاد الاجتماعي التي أبعدت الصحافيين عن الحضور جسمياً في المؤتمر الصحافي اليومي الذي أصبح يقتصر على اتصال الفيديو، مما أعطى الحكومة ورئيس الوزراء فرصة التهرب من أسئلة صعبة. ابتعاد الصحافيين عن قصر وستمنستر وعن التجول في دهاليز السلطة حرمهم بدوره من مصادر مهمة للمعلومات الآنية، وأيضاً من الاطلاع على حسابات توازن القوى بين الكتل المختلفة داخل كل حزب، بما فيها حزب المحافظين الحاكم. وحتى إذا غامر الصحافيون الشباب من الأصحاء، وهو خيار غير متاح لنا عواجيز الصحافة وأصحاب العلل الصحية، بالذهاب إلى مكاتبهم في البرلمان، فإن مسافة الوقاية، وهي متران بين الأشخاص، تحرم الصحافي من إحدى أهم وسائل العمل السياسي البرلماني، وهو تبادل الهمسات الخاصة بين أصدقاء من النواب قد يثق بهم، أو على الأغلب لا يثق بهم، فالهمسات ضرورية حتى ولو كانت لحاجة في نفس يعقوب. والاتصال التليفوني من أماكن العزل الوقائي ليس بديلاً لاستفسارات الهمس التي تتبع تطورات حدثت قبلها بدقائق.
وهي الأسباب نفسها التي جعلت رئيس الوزراء جونسون يبدو يوم الأربعاء كبحار سقط من ظهر السفينة باحثاً عن طوق نجاة. تبادل جونسون النظرات مع وزير الصحة ماثيو هانكوك، الذي جلس على مسافة أمان، غير قادر أن ينقذه بهمسة في أذنه عن الأرقام كالعادة عندما يكون، والوزراء الآخرون، جالسين بجواره كتفاً إلى كتف. نظر جونسون وراءه، فلم يجد النائبة ترودي هاريسون، السكرتيرة البرلمانية الخاصة. جونسون، مثل أي وزير، له سكرتير دائم كمنصب غير سياسي، وسكرتير وزاري كمنصب حكومي. ولأنه لا يسمح لغير النواب المنتخبين بحضور الجلسات، فقد أوجد منصب السكرتير البرلماني، ليشغله عضو منتخب من الحزب نفسه ليحضر الجلسات ويجلس وراء الوزير مباشرة، مسلحاً بملف ضخم بالأوراق والمعلومات ليزوده بها وقت الحاجة. وبسبب الوقاية الكورونية بقيت السيدة هاريسون على مسافة آمنة صحياً وغير آمنة سياسياً، فلم تستطع أن تمرر لجونسون ورقة صغيرة «يغش منها» الإجابة على وابل الأسئلة المحرجة من المحامي ستامر.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 13٬454٬346
إجمالي الإصابات: 13٬454٬346
إجمالي الوفيات: 271٬029
حالات الشفاء: 7٬945٬585
حالات نشطة: 5٬237٬732
الهند 9٬354٬426
إجمالي الإصابات: 9٬354٬426
إجمالي الوفيات: 136٬267
حالات الشفاء: 8٬762٬455
حالات نشطة: 455٬704
البرازيل 6٬238٬350
إجمالي الإصابات: 6٬238٬350
إجمالي الوفيات: 171٬998
حالات الشفاء: 5٬536٬524
حالات نشطة: 529٬828
روسيا 2٬242٬633
إجمالي الإصابات: 2٬242٬633
إجمالي الوفيات: 39٬068
حالات الشفاء: 1٬739٬470
حالات نشطة: 464٬095
فرنسا 2٬196٬119
إجمالي الإصابات: 2٬196٬119
إجمالي الوفيات: 51٬914
حالات الشفاء: 159٬915
حالات نشطة: 1٬984٬290
إسبانيا 1٬646٬192
إجمالي الإصابات: 1٬646٬192
إجمالي الوفيات: 44٬668
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬601٬524
المملكة المتحدة 1٬589٬301
إجمالي الإصابات: 1٬589٬301
إجمالي الوفيات: 57٬551
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬531٬750
إيطاليا 1٬538٬217
إجمالي الإصابات: 1٬538٬217
إجمالي الوفيات: 53٬677
حالات الشفاء: 696٬647
حالات نشطة: 787٬893
الأرجنتين 1٬407٬277
إجمالي الإصابات: 1٬407٬277
إجمالي الوفيات: 38٬216
حالات الشفاء: 1٬235٬257
حالات نشطة: 133٬804
كولومبيا 1٬290٬510
إجمالي الإصابات: 1٬290٬510
إجمالي الوفيات: 36٬214
حالات الشفاء: 1٬189٬499
حالات نشطة: 64٬797
المكسيك 1٬090٬675
إجمالي الإصابات: 1٬090٬675
إجمالي الوفيات: 104٬873
حالات الشفاء: 803٬581
حالات نشطة: 182٬221
ألمانيا 1٬027٬325
إجمالي الإصابات: 1٬027٬325
إجمالي الوفيات: 16٬172
حالات الشفاء: 696٬100
حالات نشطة: 315٬053
بولندا 973٬593
إجمالي الإصابات: 973٬593
إجمالي الوفيات: 16٬746
حالات الشفاء: 538٬273
حالات نشطة: 418٬574
بيرو 958٬324
إجمالي الإصابات: 958٬324
إجمالي الوفيات: 35٬839
حالات الشفاء: 888٬815
حالات نشطة: 33٬670
إيران 935٬799
إجمالي الإصابات: 935٬799
إجمالي الوفيات: 47٬486
حالات الشفاء: 648٬831
حالات نشطة: 239٬482
جنوب أفريقيا 781٬941
إجمالي الإصابات: 781٬941
إجمالي الوفيات: 21٬378
حالات الشفاء: 722٬876
حالات نشطة: 37٬687
أوكرانيا 709٬701
إجمالي الإصابات: 709٬701
إجمالي الوفيات: 12٬093
حالات الشفاء: 335٬135
حالات نشطة: 362٬473
بلجيكا 570٬829
إجمالي الإصابات: 570٬829
إجمالي الوفيات: 16٬339
حالات الشفاء: 37٬238
حالات نشطة: 517٬252
العراق 548٬821
إجمالي الإصابات: 548٬821
إجمالي الوفيات: 12٬200
حالات الشفاء: 478٬537
حالات نشطة: 58٬084
تركيا 548٬244
إجمالي الإصابات: 548٬244
إجمالي الوفيات: 13٬191
حالات الشفاء: 392٬616
حالات نشطة: 142٬437
تشيلي 547٬223
إجمالي الإصابات: 547٬223
إجمالي الوفيات: 15٬278
حالات الشفاء: 522٬259
حالات نشطة: 9٬686
إندونيسيا 527٬999
إجمالي الإصابات: 527٬999
إجمالي الوفيات: 16٬646
حالات الشفاء: 441٬983
حالات نشطة: 69٬370
التشيك 515٬984
إجمالي الإصابات: 515٬984
إجمالي الوفيات: 7٬967
حالات الشفاء: 432٬587
حالات نشطة: 75٬430
هولندا 513٬325
إجمالي الإصابات: 513٬325
إجمالي الوفيات: 9٬326
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 503٬999
رومانيا 465٬982
إجمالي الإصابات: 465٬982
إجمالي الوفيات: 11٬045
حالات الشفاء: 335٬764
حالات نشطة: 119٬173
بنغلاديش 460٬619
إجمالي الإصابات: 460٬619
إجمالي الوفيات: 6٬580
حالات الشفاء: 375٬885
حالات نشطة: 78٬154
الفلبين 427٬797
إجمالي الإصابات: 427٬797
إجمالي الوفيات: 8٬333
حالات الشفاء: 388٬062
حالات نشطة: 31٬402
باكستان 392٬356
إجمالي الإصابات: 392٬356
إجمالي الوفيات: 7٬942
حالات الشفاء: 337٬553
حالات نشطة: 46٬861
كندا 359٬064
إجمالي الإصابات: 359٬064
إجمالي الوفيات: 11٬894
حالات الشفاء: 286٬504
حالات نشطة: 60٬666
المملكة العربية السعودية 356٬911
إجمالي الإصابات: 356٬911
إجمالي الوفيات: 5٬870
حالات الشفاء: 346٬023
حالات نشطة: 5٬018