ثقافة

مذبحة القطط في القرن 17

مذبحة القطط في القرن 17 تاريخ النشر: 21/04/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } });

في الستينات من القرن الماضي، بدا أن الجانب الشمالي من باريس يشهد كل ما هو جديد، وتم التبشير بهذا التاريخ بوصفه تاريخ العقلانية، أو دراسة العقل الجمعي للناس العاديين، وقبل ذلك الوقت كان المؤرخون يركزون على الحياة الفكرية للنخبة فحسب، ولكنهم مع ذلك لم يتمكنوا من إنكار أن العمال والفلاحين لديهم أفكار أيضاً، وإذا أمكن العثور على طريق ما للتغلغل في النظرة الكلية للجماهير ودراسة قيم الناس واتجاهاتهم في الصفوف الدنيا للمجتمع، فمن الممكن أن ينفتح بُعد جديد تماماً للتاريخ، غير أن المشكلات التي يطرحها هذا النوع من البحث بدت مستعصية على التناول، إذ إن معظم الأوروبيين كانوا أميين قبل القرن التاسع عشر، فكيف لمؤرخ أن يجد علامات على نشاط عقلي لأناس لم يخلفوا وراءهم أي سجل مكتوب يدل على ذلك.

يوضح «روبرت دارتون» في كتابه «المذبحة الكبرى للقطط»، ترجمة إبراهيم محمد إبراهيم، والصادر عن المركز القومي للترجمة، أن المؤرخين درسوا الحكايات التي كانت تقرأ بصوت مرتفع بين الفلاحين، وجمعوا إحصاءات عن الوصايا التي توحي بكيفية تخيل الفقراء لما بعد الحياة، وبحثوا في موضوعات غريبة مثل السحر والتحكم في قوى الطبيعة، وقطع الطرق، والطب الشعبي، ومع ذلك لم يحقق المؤرخون تقدماً منهجياً ملحوظاً في هذا المجال من الدراسات، إلى أن بدأوا في استعارة مفاهيم ومناهج وطرق بحث من علم آخر قريب، وهو علم الأنثروبولوجيا.

ويعد كتاب «المذبحة الكبرى للقطط»، الذي نشر لأول مرة عام 1984 محاولة مبكرة لكتابة التاريخ بهذا المعنى، وقد قصد مؤلفه أن يكون الكتاب لأجل جمهور من غير المتخصصين، ولذلك لم يعتمد على التأصيل النظري، فقد أراد أن يبين كيف يمكن أن يعمل التاريخ الأنثروبولوجي عن طريق كتابته هو ذاته بدلاً من كتابة موضوع منهجي مملوء بالحجج عن الكيفية، التي يجب أن يكتب بها التاريخ، وعن طريق النسخ التي سجلها علماء الأدب الشعبي في القرن التاسع عشر ومقارنة بعضها ببعض، رأى المؤلف أنه من الممكن تمييز تراث شعبي يعبر عن توجهات عامة نحو العالم، وعن طريق المضي على هذا النحو حاول المؤلف كتابة التاريخ الثقافي من أسفل، تماماً كما فعل المؤرخون الأوائل، أي أنه بدأ بعالم الفلاحين والحرفيين ثم انطلق إلى عالم التنوير.

يشير المؤلف إلى أنه في ثلاثينات القرن السابع عشر، في إحدى دور الطباعة بباريس قامت مجموعة من العمال المتدربين بعقد سلسلة من المحاكمات الهزلية للقطط، وانتهى الأمر بأنهم شنقوا كل القطط التي وقعت أيديهم عليها، لماذا وجدوا هذا الأمر مرحاً؟ بل لماذا وجدوه ممتعاً لدرجة أنهم أعادوا التمثيل الصامت لهذه المحاكمة عشرات المرات؟ هناك أسئلة أخرى كثيرة يجيب عنها المؤلف في «المذبحة الكبرى للقطط»، عبر نظرة فاحصة للثقافة الأوروبية في الفترة التي نسميها «عصر التنوير».

يبحث الكتاب في طرق التفكير السائدة في فرنسا في القرن الثامن عشر، ولا يحاول أن يبين ما كان يفكر فيه الناس فحسب، بل طريقة تفكيرهم وكيفية إدراكهم للعالم، وإضفاء معنى عليه، وبث الحيوية فيه بالعاطفة، وبدلاً من اتخاذ طريق البحث السريع للتاريخ الفكري يقودنا الكتاب إلى إقليم لا خريطة له، يعرف في فرنسا بتاريخ الإمكانات العقلية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق