مقالات

لماذا تبدو أوروبا في حال أفضل من أميركا؟

فرديناندو جوليانو

بعد الركود العظيم، تعافى الاقتصاد الأميركي على نحو أسرع وأوقى عن منطقة اليورو، الأمر الذي أثار مخاوف بخصوص مدى فاعلية «النموذج الاجتماعي الأوروبي». ومع خروج أوروبا من الموجة الأولى لوباء «كوفيد-19» في صورة أفضل عن الولايات المتحدة، بدا فجأة المزيج الأوروبي من دول الرفاه ومنظومات الصحة العامة القوية جذاباً من جديد.
وفي الوقت الراهن، ما تزال الولايات المتحدة تناضل لاحتواء تفشي الوباء عبر كثير من الولايات، وتواجه المنظومات الصحية داخل هذه الولايات ضغوطاً هائلة تدفعها نحو شفا الانهيار. وفي الوقت ذاته، أخفقت الحكومة الفيدرالية، من جانبها، في صياغة رسالة موحدة للبلاد، ما دفع حكام الولايات إلى اتخاذ قرارات متضاربة بخصوص مدة استمرار، ومستوى صرامة، إجراءات الإغلاق داخل الولايات.
وفي المقابل، يبدو الوضع داخل معظم الدول الأوروبية تحت السيطرة. فمن ألمانيا إلى اليونان، تتعامل الدول مع حفنة من بؤر التفشي التي يجري احتواؤها من خلال فرض قيود محلية. ومن ناحيتها، أعادت الحكومات فتح اقتصاداتها بثبات، من دون أن تتسبب في ارتفاع شديد من جديد في أعداد الإصابات. ويبدو أن التضحيات التي جرى تقديمها على مدار شهور الإغلاق بدأت تؤتي ثمارها اليوم.
علاوة على ذلك، يبدو أن اقتصاد أوروبا يشهد حالة تحسن. ومن الجدير بالذكر أن منطقة اليورو في خضم حالة من الركود الشديد، وتتوقع المفوضية الأوروبية تراجع إجمالي الناتج الداخلي للاتحاد بنسبة تقارب 8 في المائة عام 2020. كما أن المصاعب التي تعانيها أجزاء أخرى من العالم ستلقي بثقلها على الصادرات، خاصة في قطاع السياحة.
ومع هذا، لا تبدو المطاعم والمتاجر في طريقها نحو موجة جديدة كبرى من عمليات الإغلاق، وذلك على خلاف الحال داخل الولايات المتحدة. ومن المتوقع كذلك استمرار الطلب المحلي، من جانب مستهلكين وحكومات، في التعافي ما دام أن الوباء يبقى قيد السيطرة.
وفي الوقت ذاته، تعمل أسواق العمل في أوروبا على تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة أزمة الوباء. وقد أقرت دول متنوعة، من ألمانيا وفرنسا إلى إيطاليا والمملكة المتحدة، خططاً سخية لمنح العاملين إجازات مدفوعة الأجر، بحيث تتولى الحكومات توفير أموال إعانة للعاملين عن الساعات التي لا يعملون فيها.
وتبعاً لهذه المخططات، أصبح بإمكان الشركات الاحتفاظ بعدد أكبر من الموظفين، دونما إثارة موجات من البطالة، وانخفاض في الطلب. ومع بدء عجلة الاقتصاد من جديد، تجد الشركات نفسها غير مضطرة لخوض عملية إعادة تعيين موظفين جدد، الأمر الذي يستغرق فترات طويلة، ويكبد الشركات تكلفة ضخمة.
أما أكبر مشكلة تجابه أوروبا، فستكون ضمان ألا يتحول هذا الوضع إلى ممارسة مستمرة، تتورط في إطارها الحكومات في توفير الدعم إلى الأبد لشركات وصناعات غير قادرة على الاستمرار بالاعتماد على نفسها.
وتكشف تجربة أسواق العمل في منطقة اليورو والولايات المتحدة منذ وقوع الوباء عن اختلاف واضح بين التوجهين. فداخل الولايات المتحدة، توقف معدل البطالة عند 11.1 في المائة في يونيو (حزيران)، بارتفاع عن 3.5 في المائة في فبراير (شباط)، إلا أن الرقم الفعلي ربما يكون أسوأ من ذلك، إذ يعتقد كل من جيسون فورمان وويلسون باول، من «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي»، أن «معدل البطالة الواقعي» كان 13 في المائة في يونيو (حزيران)، مع تصحيح أخطاء في التصنيف.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن البيانات لا تضع في الحسبان تفاقم الأزمة الطبية في النصف الثاني من يونيو (حزيران)، الأمر الذي دفع عدداً من الولايات نحو تعليق خطط إعادة فتح اقتصاداتها، والتحرك في الاتجاه المعاكس.
على الجانب الآخر، نجد أن معدل البطالة داخل منطقة اليورو قد ارتفع بمقدار أقل، ذلك أنه قفز إلى 7.4 في المائة في مايو (أيار)، من 7.2 في المائة في فبراير (شباط). والملاحظ أنه منذ بداية تفشي وباء «كوفيد-19»، نجحت أوروبا في إبقاء معدلات البطالة قيد السيطرة.
ويأتي هذا التباين بين جانبي الأطلسي نتاجاً لاعتماد دول منطقة اليورو على خطط لمنح العاملين إجازات مدفوعة الأجر، غطت أكثر من 35 مليون شخص داخل أكبر 5 اقتصادات في الاتحاد.
وخلصت مجموعة من الخبراء الاقتصاديين لدى البنك المركزي الأوروبي إلى أن هذه البرامج الداعمة للرواتب نجحت في التخفيف من تداعيات الوباء على الدخل القابل للتصرف فيه لدى الأسر. وحال غياب هذه البرامج، فإن تراجع دخل العامل عبر منطقة اليورو كان ليصبح 22 في المائة خلال فترات الإغلاق. إلا أنه بفضل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات، بلغ التراجع فعلياً 7 في المائة فقط، رغم وجود تباينات بين الدول الأعضاء، مع حصول الألمان على المساعدة الأكبر من حكومتهم.
وتكمن المشكلة القائمة أمام أوروبا في أن مثل هذه الخطط مكلفة للغاية، وتوفر محفزات ضارة للشركات والعمال الذين ربما لا يشعرون بعجلة تجاه العودة إلى أعمالهم. وسيبقى من الضروري على أصحاب الأعمال التكيف مع الواقع الاقتصادي المتغير بعد وباء «كوفيد-19»، سواء من خلال تقليص العمالة لديها في مواجهة تراجع الطلب، أو تغيير نماذج العمل لديها. وكلما طال أمد الإجازات مدفوعة الأجر، زاد أمد إرجاء هذه العملية. وينطبق هذا على نحو خاص على دول مثل إيطاليا التي حظرت على الشركات تسريح العمالة.
بيد أن هذا لا يعني أن الإجازات مدفوعة الأجر فكرة سيئة، وإنما يتعين على الحكومات أن تقر بالتزامن معها سياسات نشطة بمجال سوق العمل، مثل إعادة تدريب الأشخاص الذين من المحتمل أن يفقدوا وظائفهم. وفيما مضى، عانت مثل مجالات الإنفاق تلك من الإهمال داخل الدول الأشد تضرراً من الأزمة، مثل إيطاليا وإسبانيا. ولذلك، فإن إعادة فتح الاقتصاد قد ينطوي على صعوبة خاصة أمام هذه الدول.
ومع هذا، تظل الحقيقة في النهاية أن منطقة اليورو تستحق الإشادة مرتين: عن منظومات الرعاية الصحية لديها، وعن مؤسسات العمل، التي عاونت في صمود الدول في مواجهة أزمة الوباء على نحو أفضل عما عليه الحال داخل الولايات المتحدة. ومع هذا، يتعين على هذه الدول العمل على ضمان أنها لا تقدم دعماً لشركات ميتة. ومع أن تجميد سوق العمل يبدو إجراءً منطقياً على المدى القصير، فإنه بالتأكيد ليس استراتيجية ناجعة على المدى الطويل.

– بالاتفاق مع «بلومبرغ»

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 12٬773٬601
إجمالي الإصابات: 12٬773٬601
إجمالي الوفيات: 263٬659
حالات الشفاء: 7٬543٬481
حالات نشطة: 4٬966٬461
الهند 9٬177٬722
إجمالي الإصابات: 9٬177٬722
إجمالي الوفيات: 134٬254
حالات الشفاء: 8٬603٬575
حالات نشطة: 439٬893
البرازيل 6٬088٬004
إجمالي الإصابات: 6٬088٬004
إجمالي الوفيات: 169٬541
حالات الشفاء: 5٬445٬095
حالات نشطة: 473٬368
فرنسا 2٬144٬660
إجمالي الإصابات: 2٬144٬660
إجمالي الوفيات: 49٬232
حالات الشفاء: 152٬592
حالات نشطة: 1٬942٬836
روسيا 2٬114٬502
إجمالي الإصابات: 2٬114٬502
إجمالي الوفيات: 36٬540
حالات الشفاء: 1٬611٬445
حالات نشطة: 466٬517
إسبانيا 1٬606٬905
إجمالي الإصابات: 1٬606٬905
إجمالي الوفيات: 43٬131
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬563٬774
المملكة المتحدة 1٬527٬495
إجمالي الإصابات: 1٬527٬495
إجمالي الوفيات: 55٬230
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬472٬265
إيطاليا 1٬431٬795
إجمالي الإصابات: 1٬431٬795
إجمالي الوفيات: 50٬453
حالات الشفاء: 584٬493
حالات نشطة: 796٬849
الأرجنتين 1٬374٬631
إجمالي الإصابات: 1٬374٬631
إجمالي الوفيات: 37٬122
حالات الشفاء: 1٬203٬800
حالات نشطة: 133٬709
كولومبيا 1٬254٬979
إجمالي الإصابات: 1٬254٬979
إجمالي الوفيات: 35٬479
حالات الشفاء: 1٬158٬897
حالات نشطة: 60٬603
المكسيك 1٬041٬875
إجمالي الإصابات: 1٬041٬875
إجمالي الوفيات: 101٬676
حالات الشفاء: 779٬104
حالات نشطة: 161٬095
بيرو 950٬557
إجمالي الإصابات: 950٬557
إجمالي الوفيات: 35٬641
حالات الشفاء: 880٬645
حالات نشطة: 34٬271
ألمانيا 946٬648
إجمالي الإصابات: 946٬648
إجمالي الوفيات: 14٬583
حالات الشفاء: 618٬800
حالات نشطة: 313٬265
بولندا 876٬333
إجمالي الإصابات: 876٬333
إجمالي الوفيات: 13٬774
حالات الشفاء: 438٬868
حالات نشطة: 423٬691
إيران 866٬821
إجمالي الإصابات: 866٬821
إجمالي الوفيات: 45٬255
حالات الشفاء: 610٬406
حالات نشطة: 211٬160
جنوب أفريقيا 769٬759
إجمالي الإصابات: 769٬759
إجمالي الوفيات: 20٬968
حالات الشفاء: 711٬195
حالات نشطة: 37٬596
أوكرانيا 635٬689
إجمالي الإصابات: 635٬689
إجمالي الوفيات: 11٬075
حالات الشفاء: 291٬060
حالات نشطة: 333٬554
بلجيكا 558٬779
إجمالي الإصابات: 558٬779
إجمالي الوفيات: 15٬618
حالات الشفاء: 35٬949
حالات نشطة: 507٬212
تشيلي 542٬080
إجمالي الإصابات: 542٬080
إجمالي الوفيات: 15٬106
حالات الشفاء: 517٬524
حالات نشطة: 9٬450
العراق 537٬457
إجمالي الإصابات: 537٬457
إجمالي الوفيات: 11٬996
حالات الشفاء: 467٬654
حالات نشطة: 57٬807
إندونيسيا 502٬110
إجمالي الإصابات: 502٬110
إجمالي الوفيات: 16٬002
حالات الشفاء: 422٬386
حالات نشطة: 63٬722
التشيك 496٬638
إجمالي الإصابات: 496٬638
إجمالي الوفيات: 7٬360
حالات الشفاء: 405٬982
حالات نشطة: 83٬296
هولندا 489٬818
إجمالي الإصابات: 489٬818
إجمالي الوفيات: 8٬945
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 480٬873
تركيا 453٬535
إجمالي الإصابات: 453٬535
إجمالي الوفيات: 12٬511
حالات الشفاء: 377٬891
حالات نشطة: 63٬133
بنغلاديش 449٬760
إجمالي الإصابات: 449٬760
إجمالي الوفيات: 6٬416
حالات الشفاء: 364٬611
حالات نشطة: 78٬733
رومانيا 422٬852
إجمالي الإصابات: 422٬852
إجمالي الوفيات: 10٬177
حالات الشفاء: 296٬844
حالات نشطة: 115٬831
الفلبين 420٬614
إجمالي الإصابات: 420٬614
إجمالي الوفيات: 8٬173
حالات الشفاء: 386٬604
حالات نشطة: 25٬837
باكستان 376٬929
إجمالي الإصابات: 376٬929
إجمالي الوفيات: 7٬696
حالات الشفاء: 330٬885
حالات نشطة: 38٬348
المملكة العربية السعودية 355٬489
إجمالي الإصابات: 355٬489
إجمالي الوفيات: 5٬796
حالات الشفاء: 343٬816
حالات نشطة: 5٬877
كندا 337٬555
إجمالي الإصابات: 337٬555
إجمالي الوفيات: 11٬521
حالات الشفاء: 269٬199
حالات نشطة: 56٬835