ثقافة

كارل ماركس ولينكولن وجهاً لوجه

كارل ماركس ولينكولن وجهاً لوجه تاريخ النشر: 22/08/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); القاهرة:الخليج

يظهر كارل ماركس وإبراهام لينكولن في الصور الفوتوغرافية في هيئة سيدين مبجلين من العصر الفيكتوري، ومع هذا هناك تعارض شبه مطلق بين موقفيهما حول ما أطلق عليه حينها المسألة الاجتماعية، فقد مثل لينكولن محامي شركات السكك الحديد برضا كامل، وناصر- باعتباره سياسياً- حرية العمل بأجر، وعلى الجانب الآخر لم يخف كارل ماركس عداءه الصريح للرأسمالية، إذ أكد أن العمل بأجر ليس سوى عبودية الأجر في واقع الأمر، إذ يجبر العامل تحت وطأة الضرورة الاقتصادية على بيع السمة المميزة للبشر- قوة عمله- لأنه إن لم يفعل، سرعان ما ستواجه أسرته الجوع والتشرد.
«روبن بلاكبيرن» في كتابه «ثورة لم تتم.. كارل ماركس وإبراهام لينكولن» الذي أصدره المركز القومي للترجمة بترجمة عزة خليل، يوضح أن ماركس لم ينكر في نقده للرأسمالية ما لها من خصائص تقدمية، كما لم تمتد مناصرة لينكولن في عالم التجارة إلى من يحصلون على أرباحهم مباشرة من امتلاك العبيد، وتعامل كلاهما مع مفهوم السخرة كشيء محوري، في فلسفته السياسية، وعارضا معاً الرق باعتباره استغلالاً مكثفاً، ومن وجهة نظر لينكولن كان «الاتحاد» تجربة أمريكا الفذة في الديمقراطية التمثيلية، ورأى من واجبه الدفاع عنه بأي وسيلة يجدها ضرورية.
أما من وجهة نظر كارل ماركس فكانت الجمهورية الديمقراطية شكلاً سياسياً يسمح للطبقة العاملة بتطوير قدرتها على قيادة المجتمع ككل، لكنه رأى المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة نسخة أولية ناقصة من نموذج الجمهورية، وأنها لن تقدم أيضاً، بسبب فسادها وزيفها تمثيلاً حقيقياً للمجتمع في الولايات المتحدة، بل ستضفي قشرة شعبية على حكم الأثرياء، مع تميز خاص لملاك العبيد، لكنه خلص أيضاً إلى أنها ستصبح أكثر ديمقراطية، مع توسيع مجال حرية المؤسسات، وإلغاء كل أشكال الامتياز، والتوسع في التعليم العام المجاني.
وكشاب فكّر ماركس بجدية في الانتقال إلى الولايات المتحدة، ربما إلى تكساس- كما يكشف الكتاب- بل مضى إلى ما هو أبعد من التفكير، إذ كتب إلى عمدة ترير، المدينة التي ولد فيها، يطلب ترخيص هجرة، وفي العام التالي أوضح في أحد مقالاته تقديره لأفكار «الإصلاحيين الأمريكيين الوطنيين»، وكانت أهدافهم الأصلية متواضعة نسبياً، توزيع 160 فداناً من الأراضي العامة على أي شخص يكون مستعداً لزراعتها، والتي وجدها معقولة ومباشرة، إذ كتب: «نعلم أن الثمرة التي تسعى هذه الحركة إلى تحقيقها ستضفي بالتأكيد المزيد من الطابع الصناعي على المجتمع البرجوازي الحديث، لكن ذلك بصفته اعتداء على ملكية الأراضي، خاصة في ظل الظروف الحالية، سيدفع بالضرورة في اتجاه الشيوعية».
في عام 1849 كتب ماركس في إحدى الصحف الألمانية إشادة بالميزانية المقتصدة والمؤسسات الجمهورية في الولايات المتحدة مقارنة ببيروقراطية الملكية البروسية المتضخمة غير الخاضعة للمساءلة، وبقي بعد ذلك مفتوناً بالأحداث في الولايات المتحدة، وكان مراسلاً من لندن لإحدى جرائدها «نيويورك ديلي تريبيون» لمدة عشر سنوات من عام 1852 إلى 1861، وظلت هذه المهمة، طوال عقد من الزمان، العمل الوحيد الذي يؤديه بأجر، وأسهم بما يزيد على 400 مقال، نشر 84 منها كافتتاحية، وفيما بعد احتج ماركس بسبب الأجر، وبسبب الافتتاحيات التي يبترون ما كان يكتب فيها، وفي لحظة غضب شديد، إذ لم يتلق أي مقابل مالي لشهور، أفضى إلى صديقه فريدريك إنجلز بأن المسألة كلها عبارة عن استغلال صريح.
يقول كارل ماركس: «شيء مقزز حقاً أن يعد من قبيل الفضل أن يعمل المرء لدى بائع أوراق ملطخة مثل هذا، أن يسحق عظاماً ويطحنها ويصنع منها حساء كهذا الذي نتحدث عنه، للفقراء في أحد ملاجئ العمل، هذا هو العمل السياسي الذي يكره المرء عليه بمثل هذه الفداحة في عمل كهذا».
وفي مناسبات أخرى عبّر ماركس عن سروره بأن يجد متنفساً لبث وجهات نظره ونتائج بحثه حول الظروف الاجتماعية في بريطانيا، فكتب عن المشاكل اليومية للعمال البريطانيين، وحول تمرد الهنود، وحرب القرم، وتوحيد إيطاليا، والفضائح المالية الفرنسية، وحرب الأفيون البريطانية الشائنة.
يشير مؤلف هذا الكتاب إلى أنه للأسباب سالفة الذكر كانت الأحداث في الولايات المتحدة الموضوع الذي لم يتناوله ماركس، وفي فبراير عام 1861 اتخذت «تريبيون» إزاء الأزمة التي تمر بها، إلغاء عمل جميع المراسلين الأجانب، فيما عدا ماركس، ثم سرعان ما توقفت الجريدة- التي كانت تفسح مساحة للقليل من رسائل ماركس- عن دفع أي أجر، ووجد ماركس متنفساً آخر لنشر مقالاته الصحفية في إحدى صحف فيينا، التي انتظرت منه، على عكس «تريبيون»، الكتابة حول الصراع الاستثنائي في شمال أمريكا.
يشير المؤلف إلى أن ماركس ولينكولن سيدان نبيلان، كانت لكل منهما أحلام مختلفة حول الحرب الأهلية التي دارت في أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، طمح لينكولن إلى تحقيق الإصلاح البرجوازي والحكم الصحيح من خلال سيادة القانون ومؤسسات جيدة التنظيم، وانعقدت آماله على حزبه الجمهوري لتحقيق ذلك، وتعلقت أحلام ماركس بأن تضع الحرب والإصلاحات البرجوازية الطبقة العاملة على طريق نضالها لتحقيق الاشتراكية، واشترك الاثنان في حلم حرية العمل بأجر وإنهاء العبودية، ومثلما أصيبت أحلام لينكولن في مقتل بسبب فساد حزبه، أحبطت أيضاً أحلام ماركس في الطبقة العاملة الأمريكية التي تأسست داخلها فكرة استبعاد النضال السياسي والنقابي، ولم تفلح في تأسيس حزب العمال والفلاحين، وتكشف كل ذلك الرسائل المتبادلة بين الرجلين بشكل غير مباشر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق