مقالات

كارثة بيروت وسط شرعيتين

حسام عيتاني

لم يُدرك طغاة لبنان هول ما جرى في بيروت. لم يشعروا بالعصف الذي اقتحم غرف نوم ومعيشة مئات آلاف اللبنانيين، ولا بانهمار شظايا الزجاج وحطام الأحجار ونثار الأخشاب عليهم وعلى أطفالهم الغافلين عن أن جريمة خرافية الأبعاد تُحضَّر لهم.
لم يبالوا بمئات القتلى، ولا أن هؤلاء ليسوا رقماً، بل هم آباء وأمهات وأبناء وبنات وأحباء لأناس لا يقلون أهمية عن المسؤولين الفاسدين، ومن بينهم من لا يتجاوز الثلاث سنوات من العمر. ولم يحفلوا بآلاف الجرحى الذين أصابهم الانفجار إصابات سترافقهم ما تبقى لهم من عمر، ولا بالمعاناة التي واجهها هؤلاء أمام المستشفيات المكتظة والمدمرة، ببقاء مئات منهم ساعات طويلة ينزف دمه قبل الحصول على الرعاية اللازمة.
تصرفوا بلا مبالاة إجرامية مع الضحايا، وتركوا عشرات الأحياء تحت الأنقاض، من دون أن يدفعوا بالآليات والرافعات الثقيلة لإنقاذهم، كما كانت لتفعل أي سلطة تتمتع بحد أدنى من الأخلاق والمسؤولية والكفاءة. مات عشرات المفقودين قبل أن تصل فرق الإنقاذ إليهم بسبب إهمال السياسيين، وتآكل المؤسسات المعنية بالإنقاذ. وانضم إلى الضحايا عدد كبير من عناصر الإطفاء والدفاع المدني الذين لم تبلغهم السلطات بخطورة المهمة التي أوكلتها لهم عند محاولة تطويق الحريق الذي تسبب في الانفجار الهائل.
أو لعل هذه الطغمة أدركت وشعرت، لكنها لم تقارب المصيبة إلا من زاوية مصالحها المباشرة: كيف نستفيد من إعادة الإعمار؟ كيف نتقاسم المساعدات التي قد تصل؟ من سيعيد بناء الإهراءات؟ ومن سيرمم الشقق السكنية؟ وما الأرباح التي سيجنيها كل منهم بعد الانتهاء من لملمة جثث الضحايا وتوقف عويل الأرامل والأيتام؟ فلا يخفى أن السياسيين اللبنانيين، من دون استثناء، يسيطرون على قطاعات المقاولات والبناء، ويسعهم سرقة كل ما قد يأتي من هبات دولية أو عربية، ما لم تتجه هذه مباشرة إلى الضحايا، من دون المرور بمغارة الدولة الفاسدة.
مقاربة مشابهة تجري على المستوى السياسي؛ سارعت الجماعة المتسلطة على اللبنانيين، فور تقديم حسان دياب استقالة حكومته مساء الاثنين 10 أغسطس (آب)، إلى إطلاق البحث في تشكيل حكومة بديلة. الأسماء والمعلومات التي نُشرت وسُربت تشير إلى استعادة حرفية للطريقة التي دأبت هذه المجموعة على استخدامها في تشكيل سلطتها منذ عقود: تمثيل القوى الطائفية الرئيسية، والكتل الحزبية الممثلة في البرلمان، مع مراعاة التوازنات الإقليمية والدولية، طمعاً في «إقناع» العالم بأن معالجة جدية للكوارث التي جلبها هؤلاء الأشخاص على أكثرية اللبنانيين قد بدأت.
في واقع الأمر، إن ما تخطط له «الطبقة السياسية» التي ارتقت من الفساد إلى الإجرام الصريح ليس أكثر من إعادة إنتاج لهيمنتها على مقدرات الدولة، وسط اعتقاد بأن الدول الغربية ستوافق على هذه المقاربة، استناداً إلى ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أثناء زيارته إلى بيروت المنكوبة، وخلال مؤتمر الدول الداعمة يوم الأحد 9 أغسطس. والحال أن الموقفين الفرنسي والأوروبي يذهبان في اتجاه إبقاء المشهد السياسي على حاله، من دون تغيير جدي قد يقود – في حال فشله – إلى انهيار آخر ما تبقى من أعمدة السلطة.
يطرح كل ذلك مشكلة كبيرة: هل ما زال السياسيون اللبنانيون يمثلون أكثرية المواطنين؟ وبالتالي، هل ما زالوا محتفظين بالشرعية التمثيلية حتى يحق لهم التحدث باسم الشعب، وتشكيل الحكومة المقبلة على المنوال والشكل ذاتهما اللذين خبرهما وعانا منهما اللبنانيون؟ الغالب على الظن أن انعدام المحاسبة الفعلية في النظام السياسي اللبناني المتشكل من مجموعة من الديكتاتوريات الصغيرة، يتولى كل منها احتكار تمثيل جماعته الأهلية، والنطق باسمها والتعبير عن مصالحها المفترضة، يحول دون تحسس التغيرات التي تعتمل في الشارع منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول)، خصوصاً أن القوة المسلحة غير الشرعية ساندت هذه المنظومة، وأكدت مراراً، وبما لا يدع مجالاً للشك أو التردد، أنها ستمنع التغيير السلمي الديمقراطي بالقوة، ولو تطلب ذلك إزهاق الأرواح ومزيداً من الدمار.
وعليه، بات لبنان يحتضن شرعيتين لا صلة بينهما: شرعية شعبية تعبر عنها «انتفاضة 17 تشرين» التي كررت في مظاهراتها الأخيرة، يوم السبت 8 أغسطس، حداداً على ضحايا الانفجار، استعراض أزمتها العميقة، وعجزها عن صوغ برنامج، وإنتاج قيادة حقيقية تتحدى الطغمة الفاسدة؛ والشرعية التمثيلية التي يتربع أعضاؤها على مقاعدهم مطمئنين اطمئناناً عميقاً إلى غياب البديل الكفيل بمحاسبتهم، وجرهم إلى المحاكم والسجون، وتعليقهم على المشانق، كما يستحقون.
شرعيتان مأزومتان تتعايشان من دون أن تعترف الثانية بالأولى، ومن دون أن تفلح هذه في التحول إلى لاعب سياسي جدي وازن، قادر على التفاوض وفرض الشروط، وذلك على أرض تتقلص مساحتها، وبين جثث تتكاثر وبيوت تنهار.
فلا يبقى من هذا المشهد إلا طعم المرارة ورائحة العفن ونعيق البوم.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 9٬216٬077
إجمالي الإصابات: 9٬216٬077
إجمالي الوفيات: 234٬207
حالات الشفاء: 5٬984٬184
حالات نشطة: 2٬997٬686
الهند 8٬089٬593
إجمالي الإصابات: 8٬089٬593
إجمالي الوفيات: 121٬144
حالات الشفاء: 7٬373٬375
حالات نشطة: 595٬074
البرازيل 5٬496٬402
إجمالي الإصابات: 5٬496٬402
إجمالي الوفيات: 159٬033
حالات الشفاء: 4٬954٬159
حالات نشطة: 383٬210
روسيا 1٬599٬976
إجمالي الإصابات: 1٬599٬976
إجمالي الوفيات: 27٬656
حالات الشفاء: 1٬200٬560
حالات نشطة: 371٬760
فرنسا 1٬282٬769
إجمالي الإصابات: 1٬282٬769
إجمالي الوفيات: 36٬020
حالات الشفاء: 115٬287
حالات نشطة: 1٬131٬462
إسبانيا 1٬238٬922
إجمالي الإصابات: 1٬238٬922
إجمالي الوفيات: 35٬639
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬203٬283
الأرجنتين 1٬143٬800
إجمالي الإصابات: 1٬143٬800
إجمالي الوفيات: 30٬442
حالات الشفاء: 946٬134
حالات نشطة: 167٬224
كولومبيا 1٬053٬122
إجمالي الإصابات: 1٬053٬122
إجمالي الوفيات: 30٬926
حالات الشفاء: 950٬348
حالات نشطة: 71٬848
المملكة المتحدة 965٬340
إجمالي الإصابات: 965٬340
إجمالي الوفيات: 45٬955
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 919٬385
المكسيك 912٬811
إجمالي الإصابات: 912٬811
إجمالي الوفيات: 90٬773
حالات الشفاء: 668٬667
حالات نشطة: 153٬371
بيرو 897٬594
إجمالي الإصابات: 897٬594
إجمالي الوفيات: 34٬362
حالات الشفاء: 819٬717
حالات نشطة: 43٬515
جنوب أفريقيا 721٬770
إجمالي الإصابات: 721٬770
إجمالي الوفيات: 19٬164
حالات الشفاء: 649٬935
حالات نشطة: 52٬671
إيطاليا 616٬595
إجمالي الإصابات: 616٬595
إجمالي الوفيات: 38٬122
حالات الشفاء: 279٬282
حالات نشطة: 299٬191
إيران 596٬941
إجمالي الإصابات: 596٬941
إجمالي الوفيات: 34٬113
حالات الشفاء: 472٬598
حالات نشطة: 90٬230
تشيلي 507٬050
إجمالي الإصابات: 507٬050
إجمالي الوفيات: 14٬118
حالات الشفاء: 483٬922
حالات نشطة: 9٬010
ألمانيا 498٬353
إجمالي الإصابات: 498٬353
إجمالي الوفيات: 10٬435
حالات الشفاء: 339٬200
حالات نشطة: 148٬718
العراق 467٬755
إجمالي الإصابات: 467٬755
إجمالي الوفيات: 10٬815
حالات الشفاء: 394٬386
حالات نشطة: 62٬554
إندونيسيا 406٬945
إجمالي الإصابات: 406٬945
إجمالي الوفيات: 13٬782
حالات الشفاء: 334٬295
حالات نشطة: 58٬868
بنغلاديش 406٬364
إجمالي الإصابات: 406٬364
إجمالي الوفيات: 5٬905
حالات الشفاء: 322٬703
حالات نشطة: 77٬756
بلجيكا 392٬258
إجمالي الإصابات: 392٬258
إجمالي الوفيات: 11٬308
حالات الشفاء: 24٬443
حالات نشطة: 356٬507
الفلبين 378٬933
إجمالي الإصابات: 378٬933
إجمالي الوفيات: 7٬185
حالات الشفاء: 330٬457
حالات نشطة: 41٬291
أوكرانيا 378٬729
إجمالي الإصابات: 378٬729
إجمالي الوفيات: 7٬041
حالات الشفاء: 155٬026
حالات نشطة: 216٬662
تركيا 370٬832
إجمالي الإصابات: 370٬832
إجمالي الوفيات: 10٬099
حالات الشفاء: 320٬762
حالات نشطة: 39٬971
المملكة العربية السعودية 346٬482
إجمالي الإصابات: 346٬482
إجمالي الوفيات: 5٬363
حالات الشفاء: 333٬005
حالات نشطة: 8٬114
بولندا 340٬834
إجمالي الإصابات: 340٬834
إجمالي الوفيات: 5٬351
حالات الشفاء: 134٬724
حالات نشطة: 200٬759
باكستان 332٬186
إجمالي الإصابات: 332٬186
إجمالي الوفيات: 6٬795
حالات الشفاء: 313٬527
حالات نشطة: 11٬864
هولندا 330٬255
إجمالي الإصابات: 330٬255
إجمالي الوفيات: 7٬258
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 322٬997
إسرائيل 313٬590
إجمالي الإصابات: 313٬590
إجمالي الوفيات: 2٬511
حالات الشفاء: 299٬822
حالات نشطة: 11٬257
التشيك 310٬068
إجمالي الإصابات: 310٬068
إجمالي الوفيات: 2٬862
حالات الشفاء: 128٬628
حالات نشطة: 178٬578
رومانيا 229٬040
إجمالي الإصابات: 229٬040
إجمالي الوفيات: 6٬764
حالات الشفاء: 163٬852
حالات نشطة: 58٬424