مقالات

غيري بأكثَرِ هذا الناسِ


تركي الدخيل

الجار القريب، والصديق القديم، أستاذنا سمير عطا الله، متَّعنا الله بعافيته وبحرفه، الذي لا تستقيم شمس نهارنا من دون قراءته، ومشاركته من نحب، إذ نتوسم فيه الأدب والظرف وحب الشعر والشعراء، ذكر في مقالاته، الأسبوع الماضي، العبد الفقير إلى الله، ضمن حديثه عن المتنبي.
ضحكت كثيراً على ما أصابه في دار «العبيكان»، من طلب الاعتذار للمتنبي، على رؤوس الأشهاد، وكم تمنيت أن أكون حاضراً، لأطلب من أستاذنا، الذي أعرف مقدار حبِّه لأبي الطيب – وإن لم يصرح خمسة آلاف مرة، ويستغفر عما بدر منه تجاه المتنبي – بأن يحدثنا ولو قليلاً عن «معجز أحمد»، فيقيني جازم بأن من نجا من شعر أبي الطيب، ولم يقيده بنفسه، فيكفيه أن تهديَه نسخة من «معجز أحمد» كي ينضم إلى ركب المهتدين السائرين خلف معاني الرجل التي لا تنقضي، وأتفهم تماماً إلباس مثله تهمة مهاجمة أبي الطيب؛ لأن الكبار محتاجون دائماً للاختلاف حول الرجال، الأفكار، وحتى الأحداث التاريخية المفصلية كي يكون لها شأن.
بعض التواطؤ على الاتفاق، مجاملة لحفظ الوقت، وليس أبو نصري ممن يأخذه في الشعر لومة لائم.
ولا شك أن محبَّ أبي الطيب، كغير محبه في استواء الحال، كما يقول أهلنا المتصوفة، فكلا الحالين محقق علو شأن المتنبي التي ضمن بها الخلود بعده، وما حرفي الآن، ولا اعتذارك القشيب، سوى إقرار بعظمته، المتأكدة يوماً بعد يوم، على رؤوس الأشهاد:
وتركك في الدنيا دويّاً كأنمَا
تداول سمع المرءِ أنمله العشر
وأما عني، فموقن أن مثلك يخفي حبه للرجل، ويخاف من المحبة على الحاسدين، فحبك للمتنبي فعل قلبي ونية ترفض التلفظ بها علانية أمام السادة الحنابلة، وسط الرياض، وحالك من حال صاحبك في نونيته، التي مدح بها قاضي أنطاكية أبا عبد الله محمد الخصيبي، حين قال مخبراً عنك، كأني أراك:
يستَخبِرونَ فلا أُعطيهِمُ خَبَري وما
يطيشُ لهُم سَهمٌ من الظِنَنِ
ولست أسوق الشاهد، معتبراً أبا نصري كثير التبرم من الناس، فحاشاه ذلك وهو أرق من النسمة، لكني أسوقه تعاطفاً معه في محنة تهمة تأبى الأفول، خصوصاً أن جهود المتنبي التنكرية باءت جميعها بالفشل، حتى طاشت سهام ظنون الناس فيه، لكني أسوق البيت متهماً أبا نصري بحب سري مفضوح – مهما خبأه وواراه عن الأعين – للمتنبي، ومحذراً إياه من بخل قد يصيبه بمشاركتنا ما دونته يداه على جنبات الديوان الأحمر الضفتين، وما خرج به من مسيرة عريضة لم يغب عنها أبو الطيب، والأستاذ سمير جليس الكبار، كثير الترحال، العارف بنفوس الناس جيداً، من بيروت إلى باريس، ومن الرياض إلى مونتريال.
وعلى ذكر الهروب من السياسة إلى فياض الأدب، فقد نقم أبو نصري على العبد الفقير إلى الله، أن يتخذ من الشعر والأدب موضوعاً لبعض مقالاته، وكأنه وهو دودة الكتب، والقارئ النهم، لم يقرأ ما نقله ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» (1-21)، من قول العرب: «من أراد السيادة: فعليه بأربع: العلم، والأدب، والعفة، والأمانة». ولم يخرج عطاالله عن واحدة منها. وأحسبه علم بقولهم في الصفحة ذاتها من الياقوت نفسه: «من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان وضيعاً، وبعد صوته، وإن كان خاملاً، وساد، وإن كان غريباً، وكثرت الحاجة إليه، وإن كان حقيراً»، وأحمد الله أن أستاذنا الكبير يمكن أن يشهد لي بعدم مطابقة – أي وصف ورد في المقولتين الأنقتين، بعد «إن»، أفلا يزيد ذلك من رفعة الإكثار من الأدب، وإن لم أصب إلا شرف المحاولة، ولو لم تكن المحاولة إلا امتثالاً لما نقله المبرد في «الكامل» (1-65) من قولهم: «عليكم بالأدب، فإنه صاحب في السفر، ومؤنس في الوحدة، وجمال في المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة»، لكفى العبد الفقير، ليتوجه إلى الأدب، مزية لا منقصة.
ولن أشتكي شكوى صاحبنا، المحسود حتى على موته، لكني وأنا أسهر الآن، كي أنتصف لك ممن لم يجدوا فيك علة، فرموك بأقسى العلل، وهي البعد عن بحور المتنبي، متذكراً صورة من صوره العجيبة، التي لا يصورها سواه:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني
وفرق الهجرُ بين الجفن والوسن
روح تردد في مثل الخلال إذا
أطارت الريحُ عنه الثوب لم يَبنِ
وأذكر أني كنت مرة في دروب بيروت، سمعت وقرأت لبعض الأصدقاء وقتها، أن أبا نصري يقول في المتنبي كذا وكذا، فلم أقبل قول الوشاة، ولكني عزمت النية على أن أهديك كتاباً كنت أبحث عنه في بيروت يومها، والطريف أني نويت أن أرسل إليك نسخة وقتها، وما زالت النية في محلها لم تخرج ولم تشخ بعد، لكني لم أجد سوى نسخة واحدة تهلهلت الآن في مكتب أخيك الذي يحبك، وهي الطبعة الثانية من «معجز أحمد»، تحقيق عبد المجيد دياب، في أربعة أجزاء، نشر الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، وفي نيتي الآن أن أؤجل إشاعة ضياع النسخة الأصلية من «المعجز» بين محبي أبي الطيب، حتى يجمعني الله بك.
ولست بمصدق في أستاذنا قول الوشاة، ولا نقل الناقلين؛ فيمن لا أعرف، فكيف بمن أعرف وأحب:
غيري بأكثَرِ هذا الناسِ ينخدِعُ
إن قاتلوا جبنوا أو حَدَّثوا شَجُعوا
أهلُ الحَفيظَة إلّا أن تُجرِّبُهُم
وفي التجاربِ بعدَ الغَي ما يَزَعُ
أما غيرة أهل نجد، على العربية عموماً، تأكيداً لما واجهته يا أبا نصري في دار «العبيكان» الكرام، فهو مما يبشر بالخير، ويسعد كل محب للأدب واللغة.
ولا أنسى، إن أنساني السهر وفرحي بحرفك واعتذارك، الذي سيهاجمك عليه محبو شكسبير، أن أختم بحوار علي بن أبي طالب مع ابن عباس، رضي الله عنهما، فقد قرأ عليه الآية: «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك»، فأنكر عليه ابن عباس، فقال علي: هذا من الترخيم في النداء، فقال ابن عباس: ما أشغل أهل النار عن الترخيم في النداء؟ فقال علي: صدقت. وإن دلت القصة على اهتمام الصحابة بالنحو، فإن شأني وإياك مع المتنبي وشوارده، ومواقف الناس منه إلى اليوم، دلالة بينة على أن تقدم أبي الطيب على زمانه، فشعره، والنقاش عليه، باق لـ4900 عام من الآن!

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 5٬306٬851
إجمالي الإصابات: 5٬306٬851
إجمالي الوفيات: 167٬761
حالات الشفاء: 2٬756٬107
حالات نشطة: 2٬382٬983
البرازيل 3٬112٬393
إجمالي الإصابات: 3٬112٬393
إجمالي الوفيات: 103٬099
حالات الشفاء: 2٬243٬124
حالات نشطة: 766٬170
الهند 2٬333٬166
إجمالي الإصابات: 2٬333٬166
إجمالي الوفيات: 46٬216
حالات الشفاء: 1٬640٬463
حالات نشطة: 646٬487
روسيا 902٬701
إجمالي الإصابات: 902٬701
إجمالي الوفيات: 15٬260
حالات الشفاء: 710٬298
حالات نشطة: 177٬143
جنوب أفريقيا 566٬109
إجمالي الإصابات: 566٬109
إجمالي الوفيات: 10٬751
حالات الشفاء: 426٬125
حالات نشطة: 129٬233
المكسيك 492٬522
إجمالي الإصابات: 492٬522
إجمالي الوفيات: 53٬929
حالات الشفاء: 332٬800
حالات نشطة: 105٬793
بيرو 489٬680
إجمالي الإصابات: 489٬680
إجمالي الوفيات: 21٬501
حالات الشفاء: 335٬756
حالات نشطة: 132٬423
كولومبيا 410٬453
إجمالي الإصابات: 410٬453
إجمالي الوفيات: 13٬475
حالات الشفاء: 230٬427
حالات نشطة: 166٬551
تشيلي 376٬616
إجمالي الإصابات: 376٬616
إجمالي الوفيات: 10٬178
حالات الشفاء: 349٬541
حالات نشطة: 16٬897
إسبانيا 373٬692
إجمالي الإصابات: 373٬692
إجمالي الوفيات: 28٬581
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 345٬111
إيران 333٬699
إجمالي الإصابات: 333٬699
إجمالي الوفيات: 18٬988
حالات الشفاء: 290٬244
حالات نشطة: 24٬467
المملكة المتحدة 312٬789
إجمالي الإصابات: 312٬789
إجمالي الوفيات: 46٬628
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 266٬161
المملكة العربية السعودية 291٬468
إجمالي الإصابات: 291٬468
إجمالي الوفيات: 3٬233
حالات الشفاء: 255٬118
حالات نشطة: 33٬117
باكستان 285٬921
إجمالي الإصابات: 285٬921
إجمالي الوفيات: 6٬129
حالات الشفاء: 263٬193
حالات نشطة: 16٬599
بنغلاديش 266٬498
إجمالي الإصابات: 266٬498
إجمالي الوفيات: 3٬513
حالات الشفاء: 153٬089
حالات نشطة: 109٬896
الأرجنتين 260٬911
إجمالي الإصابات: 260٬911
إجمالي الوفيات: 5٬004
حالات الشفاء: 181٬389
حالات نشطة: 74٬518
إيطاليا 251٬237
إجمالي الإصابات: 251٬237
إجمالي الوفيات: 35٬215
حالات الشفاء: 202٬461
حالات نشطة: 13٬561
تركيا 243٬180
إجمالي الإصابات: 243٬180
إجمالي الوفيات: 5٬873
حالات الشفاء: 226٬155
حالات نشطة: 11٬152
ألمانيا 219٬530
إجمالي الإصابات: 219٬530
إجمالي الوفيات: 9٬268
حالات الشفاء: 199٬900
حالات نشطة: 10٬362
فرنسا 204٬172
إجمالي الإصابات: 204٬172
إجمالي الوفيات: 30٬354
حالات الشفاء: 82٬836
حالات نشطة: 90٬982
العراق 156٬995
إجمالي الإصابات: 156٬995
إجمالي الوفيات: 5٬531
حالات الشفاء: 112٬102
حالات نشطة: 39٬362
الفلبين 143٬749
إجمالي الإصابات: 143٬749
إجمالي الوفيات: 2٬404
حالات الشفاء: 68٬997
حالات نشطة: 72٬348
إندونيسيا 130٬718
إجمالي الإصابات: 130٬718
إجمالي الوفيات: 5٬903
حالات الشفاء: 85٬798
حالات نشطة: 39٬017
كندا 120٬421
إجمالي الإصابات: 120٬421
إجمالي الوفيات: 8٬991
حالات الشفاء: 106٬746
حالات نشطة: 4٬684
قطر 113٬646
إجمالي الإصابات: 113٬646
إجمالي الوفيات: 188
حالات الشفاء: 110٬324
حالات نشطة: 3٬134
كازاخستان 100٬855
إجمالي الإصابات: 100٬855
إجمالي الوفيات: 1٬269
حالات الشفاء: 74٬677
حالات نشطة: 24٬909
مصر 95٬834
إجمالي الإصابات: 95٬834
إجمالي الوفيات: 5٬059
حالات الشفاء: 54٬888
حالات نشطة: 35٬887
الإكوادور 95٬563
إجمالي الإصابات: 95٬563
إجمالي الوفيات: 5٬951
حالات الشفاء: 78٬610
حالات نشطة: 11٬002
بوليفيا 93٬328
إجمالي الإصابات: 93٬328
إجمالي الوفيات: 3٬761
حالات الشفاء: 31٬753
حالات نشطة: 57٬814
إسرائيل 87٬173
إجمالي الإصابات: 87٬173
إجمالي الوفيات: 633
حالات الشفاء: 61٬577
حالات نشطة: 24٬963
إغلاق