مقالات

عندما تتداعى الدولة

حنا صالح

«ثمة شيء فاسد في مملكة الدنمارك»! ماذا كان سيكتب شكسبير عن لبنان؟
كان التمني أن يكون شيئاً ما فاسد في بلد «الأرز والبخور»! لكانت الأمور قابلة للعلاج! لكن الفساد بكلِّ صوره وأشكاله خصوصاً الأخلاقي تحوّل إلى وباء مع ما يتناسل عنه من ارتهان وتبعية، بات عاماً وشاملاً كل نواحي الحياة، كأنه القاعدة وأقله العُرف وربما المنطلق لبعضهم للتسلق الوظيفي!
في أسبوع واحد تتالت ثلاثة أحداث كبيرة جعلت البطريرك الراعي يقرع ناقوس الخطر عن «فقدان الثقة» السائد في البلد الذي «ينسحب على جميع القيمين على شؤون الدولة»! الحدث الأول كان قراراً سياسياً همايونياً اتخذه قاضي العجلة في مدينة صور جنوب لبنان واستهدف السفيرة الأميركية دوروثي شيا، وأراد من خلال استهدافها إخراس الإعلام! والحدث الآخر قرار استقالة آلان بيفاني المدير العام للمالية، صاحب التوقيع الرابع في الدولة، الذي قرر القفز من مركب متهاوٍ أدرك أنه آيل للغرق! وبينهما يعلن الوزير محمد فهمي في حوار متلفز: «قتلت شخصين» مقدماً نفسه بأنه «وفيّ» ويكشف عن الأمور بـ«صدقٍ وعفوية»!
في مشهد سوريالي وفي يوم عطلة أصدر القاضي محمد مازح، قاضي العجلة في صور، قراراً على خلفية تصريحات للسفيرة الأميركية، يمنع بموجبه وسائل الإعلام من إجراء أي مقابلة معها لمدة سنة، كما يحظر نقل مواقفها، مع التهديد بعقوبات! ببساطة تضمن القرار تعدياً على صلاحيات السلطة التنفيذية وتجاوز كل المقاييس والمبادئ القانونية، خصوصاً اتفاقية فيينا التي تمنح حصانة كاملة للدبلوماسيين، ليصدر كقرار سياسي في مضمونه جاء تلبيةً لرغبات «حزب الله» الذي قرر وضع لبنان على منصة المواجهة مع «قيصر» والعقوبات الأميركية دفاعاً عن محور الممانعة! يقول القانوني د. إبرهيم نجار إنه «يستوجب الإبطال لأنه صادر بتجاوز حدِّ السلطة». والخطير في الموضوع أنه شكّل تدخلاً في قدسية وحرية العمل الإعلامي، عندما استهدف الإعلام كجزءٍ من مخطط تقييد الحريات، وهذا وجه من وجوه السعي لاستتباع البلد إلى محور الممانعة! وبالتأكيد متجاوزاً الحرية التي يصونها الدستور وتحميها القوانين.
كبيرة كانت تداعيات القرار؛ مستشار رئيس الجمهورية الوزير السابق جريصاتي يتصل بالسفيرة معتذراً ومؤكداً أنْ لا علاقة للرئيس بالموضوع. لكنّ الضغوط أدت إلى تماهٍ حكومي مع القرار عبّر عنه ما نُقل عن رئيس الحكومة: «لا أريد التدخل، لا من قريب ولا من بعيد، ما تدخلوني بهالورطة… ويجب سحب الاعتذار»! لكنّ وزير الخارجية الذي استدعى السفيرة ذهب في منحى مغاير لـ«حزب الله» معتبراً قرار القاضي مازح «كأنه لم يكن»، وأن «الخارجية» لن تكون طرفاً في المواجهة التي تريدها سوريا وإيران مع أميركا! وفيما استدعى مجلس القضاء الأعلى القاضي مازح وحوّله إلى التفتيش سارع الأخير إلى الاستقالة بعدما اكتشف انتهاء دوره. في المحصلة القرار الهمايوني فتح مواجهة داخلية أكدت أنه يمكن التصدي للترهيب الذي يمارسه «حزب الله»!
آلان بيفاني، الصندوق الأسود لأسرار المالية اللبنانية طيلة 20 سنة، يستقيل لأنه رفض «أن يكون شريكاً أو شاهداً على ما يجري»، ويضيف: «كان يجب أن نكون منكبّين على التوزيع العادل للخسائر لكن قوى الظلمة والظلم تكاتفت ومارست أكبر عملية تضليل على حساب مصلحة المجتمع بأكمله». الرمز المدلل لدى فريق رئاسة الجمهورية وجد نفسه وحيداً فاستقال. قال عنه جميل السيد: «عُين في أيامنا عام 2000 رغم اعتراض السنيورة والحريري»، مضيفاً: «هاجمه الزعران… وخسرت الدولة آدمياً». طبعاً شهادة رجل النظام الأمني اللبناني – السوري بأن بيفاني كان من عيون هذا النظام في مالية الدولة غير ذي فائدة للمستقيل، الذي مهر بتوقيعه على كل قرش ونفقة، وهو الشاهد – الشريك، على كل خفايا «الهبات» و«الإعفاءات» وأسرار الدوائر العقارية والجمارك…. إلخ، وطبعاً الانهيارات والإفلاسات التي اتخذت منحى تصاعدياً منذ عقدٍ من الزمن ولم يحرك ساكناً. لكن ما يستدعي وقفة متأنية ما كشفه من أن الخطة البديلة التي توحدت حولها الطبقة السياسية والكارتل المصرفي ستؤدي إلى «الاستيلاء على أصول اللبنانيين وسحق الطبقة غير الميسورة وتحميل بعض الفئات التكاليف الباهظة، إضافةً إلى تدهور العملة مع غياب أي برنامج إصلاحي»!
هذا لا يعني أن الخطة التي تم التخلي عنها كانت كلها إيجابيات، فهي تلتقي مع الطرح الجديد على استبعاد الجانب الاجتماعي وهو أساسي جداً للاستقرار، كما لم ترسم أي منحى لنهوض اقتصادي من شأنه أن يوفر فرص عمل في وقت تجاوزت فيه البطالة نسبة الـ50%، كما أن لبنان بات يحتل المرتبة الثالثة عالمياً في معدلات التضخم بعد فنزويلا وزيمبابوي مع نسبة 363% عند سعر صرف الدولار 7000 ليرة واليوم تجاوز سعر الصرف 9000! وتبقى الاستقالة أمراً محسوساً على تسارع الانهيار المخيف!
المشهد السوريالي الذي سيَرسخ في ذاكرة الناس يتمثل في الحديث المتلفز لوزير الداخلية العميد محمد فهمي عندما أفاض في الحديث عن سر «الوفاء» الذي يحمله للرئيس ميشال عون. قال عضو حكومة «الاختصاصيين»: «قتلت شخصين في عام 1981. يومها قال لي قائد اللواء: ليك يا محمد، طول ما فيي نفس ما حدا بيدقك بشوكة»… هكذا ببساطة؛ لا علة قتل، ولا أسماء لضحايا، ولا مبررات! لكن التداعيات لن تتأخر رغم الصمت الحكومي والرسمي، فالكثير من الضباط المتقاعدين طالبوا باستقالته.
وتتلاحق الأحداث ويبرز على السطح مزيد من العفن، لكن النظام الطائفي المسؤول عن نهب البلد وتجويع أهله ما زال قوياً جداً، رغم تراجع نسبي في الحال الزبائنية ارتباطاً بتجفيف المال الخارجي وإمكانات الدولة التي تتم محاصصتها. ما يعني أن إخراج البلد من خطر الانهيار والتفكك، يحتّم بلورة مشروع إنقاذي ينهض بالوضع الداخلي، يرسم معالم ميزان القوى الحقيقي القادر أيضاً على الإفادة من متغيرات في الإقليم آتية ولن تتأخر. نعم «ثورة تشرين» صدّعت منظومة الفساد، وعمّقت التباينات فيما بين أطرافها، لكنها لم تتمكن من فرض بدائل، وإن نجحت في الحجْر على الكثير من الرموز. أما التغيير، ووحده ما يضمن استعادة الحقوق والكرامات، فله مسار مغاير عن الراهن؛ مسار بلورة أطر تنظيمية قادرة على التفاعل مع الكتل البشرية واستعادتها إلى الساحات، ومسار تحريك المتضررين لإقامة شبكة أمان وطني لإنقاذ لبنان ومواطنيه.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 12٬955٬007
إجمالي الإصابات: 12٬955٬007
إجمالي الوفيات: 265٬891
حالات الشفاء: 7٬636٬684
حالات نشطة: 5٬052٬432
الهند 9٬222٬216
إجمالي الإصابات: 9٬222٬216
إجمالي الوفيات: 134٬743
حالات الشفاء: 8٬642٬771
حالات نشطة: 444٬702
البرازيل 6٬121٬449
إجمالي الإصابات: 6٬121٬449
إجمالي الوفيات: 170٬179
حالات الشفاء: 5٬476٬018
حالات نشطة: 475٬252
فرنسا 2٬153٬815
إجمالي الإصابات: 2٬153٬815
إجمالي الوفيات: 50٬237
حالات الشفاء: 154٬679
حالات نشطة: 1٬948٬899
روسيا 2٬138٬828
إجمالي الإصابات: 2٬138٬828
إجمالي الوفيات: 37٬031
حالات الشفاء: 1٬634٬671
حالات نشطة: 467٬126
إسبانيا 1٬614٬126
إجمالي الإصابات: 1٬614٬126
إجمالي الوفيات: 43٬668
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬570٬458
المملكة المتحدة 1٬538٬794
إجمالي الإصابات: 1٬538٬794
إجمالي الوفيات: 55٬838
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬482٬956
إيطاليا 1٬455٬022
إجمالي الإصابات: 1٬455٬022
إجمالي الوفيات: 51٬306
حالات الشفاء: 605٬330
حالات نشطة: 798٬386
الأرجنتين 1٬381٬795
إجمالي الإصابات: 1٬381٬795
إجمالي الوفيات: 37٬432
حالات الشفاء: 1٬210٬634
حالات نشطة: 133٬729
كولومبيا 1٬262٬494
إجمالي الإصابات: 1٬262٬494
إجمالي الوفيات: 35٬677
حالات الشفاء: 1٬167٬857
حالات نشطة: 58٬960
المكسيك 1٬060٬152
إجمالي الإصابات: 1٬060٬152
إجمالي الوفيات: 102٬739
حالات الشفاء: 791٬516
حالات نشطة: 165٬897
ألمانيا 962٬906
إجمالي الإصابات: 962٬906
إجمالي الوفيات: 14٬965
حالات الشفاء: 636٬700
حالات نشطة: 311٬241
بيرو 952٬439
إجمالي الإصابات: 952٬439
إجمالي الوفيات: 35٬685
حالات الشفاء: 882٬600
حالات نشطة: 34٬154
بولندا 909٬066
إجمالي الإصابات: 909٬066
إجمالي الوفيات: 14٬314
حالات الشفاء: 454٬717
حالات نشطة: 440٬035
إيران 880٬542
إجمالي الإصابات: 880٬542
إجمالي الوفيات: 45٬738
حالات الشفاء: 617٬715
حالات نشطة: 217٬089
جنوب أفريقيا 772٬252
إجمالي الإصابات: 772٬252
إجمالي الوفيات: 21٬083
حالات الشفاء: 716٬444
حالات نشطة: 34٬725
أوكرانيا 647٬976
إجمالي الإصابات: 647٬976
إجمالي الوفيات: 11٬263
حالات الشفاء: 299٬358
حالات نشطة: 337٬355
بلجيكا 561٬803
إجمالي الإصابات: 561٬803
إجمالي الوفيات: 15٬938
حالات الشفاء: 36٬569
حالات نشطة: 509٬296
تشيلي 543٬087
إجمالي الإصابات: 543٬087
إجمالي الوفيات: 15٬131
حالات الشفاء: 518٬834
حالات نشطة: 9٬122
العراق 539٬749
إجمالي الإصابات: 539٬749
إجمالي الوفيات: 12٬031
حالات الشفاء: 469٬784
حالات نشطة: 57٬934
إندونيسيا 506٬302
إجمالي الإصابات: 506٬302
إجمالي الوفيات: 16٬111
حالات الشفاء: 425٬313
حالات نشطة: 64٬878
التشيك 502٬534
إجمالي الإصابات: 502٬534
إجمالي الوفيات: 7٬499
حالات الشفاء: 416٬832
حالات نشطة: 78٬203
هولندا 493٬744
إجمالي الإصابات: 493٬744
إجمالي الوفيات: 9٬035
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 484٬709
تركيا 460٬916
إجمالي الإصابات: 460٬916
إجمالي الوفيات: 12٬672
حالات الشفاء: 381٬569
حالات نشطة: 66٬675
بنغلاديش 451٬990
إجمالي الإصابات: 451٬990
إجمالي الوفيات: 6٬448
حالات الشفاء: 366٬877
حالات نشطة: 78٬665
رومانيا 430٬605
إجمالي الإصابات: 430٬605
إجمالي الوفيات: 10٬373
حالات الشفاء: 304٬188
حالات نشطة: 116٬044
الفلبين 421٬722
إجمالي الإصابات: 421٬722
إجمالي الوفيات: 8٬185
حالات الشفاء: 386٬792
حالات نشطة: 26٬745
باكستان 382٬892
إجمالي الإصابات: 382٬892
إجمالي الوفيات: 7٬803
حالات الشفاء: 332٬974
حالات نشطة: 42٬115
المملكة العربية السعودية 355٬741
إجمالي الإصابات: 355٬741
إجمالي الوفيات: 5٬811
حالات الشفاء: 344٬311
حالات نشطة: 5٬619
كندا 342٬444
إجمالي الإصابات: 342٬444
إجمالي الوفيات: 11٬618
حالات الشفاء: 273٬391
حالات نشطة: 57٬435