ثقافة

علي أبو الريش.. الظامئ للسرد

وجوه من الإمارات علي أبو الريش.. الظامئ للسرد تاريخ النشر: 21/07/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: محمدو لحبيب

ما الذي يجمع الثلاثية الكونية «الحب والماء والتراب»؟، ثمة إجابات ربما بعدد سنوات هذا الكوكب الذي كان يشكل الماء فيما مضى ما يناهز أغلبيته، قبل أن تتجفف منه اليابسة، وتلقي برمالها كما تلقي الحسناء بشعرها ليجف تحت ضوء الشمس.
لكن الإجابة التي يخطها بأسلوبه السردي العميق الكاتب الروائي ورائد الرواية في الإمارات علي أبو الريش، هي إجابة خاصة، مضمخة بلون الصحراء والبحر والأسطورة القديمة الكائنة في العلاقة بينهما، والسحر الذي يرافق كل ذلك. يقول ل«للخليج» مفسراً ومعلقاً على روايته التي حملت العنوان «ك، ص، ثلاثية الحب والماء والتراب»: «الكاف، والصاد، هما رمز الكينونة والصيرورة»، ربما أراد أبو الريش أن يستعرض العلاقة بين تلك الثلاثية من منطلق فلسفي عميق كما يفعل في معظم سرده، إنها الكينونة التي ابتدأت بالثلاثية، وإنه التفاؤل الحالم بالمستقبل الذي ينتهي ويبدأ بالثلاثية أيضاً، حين يستبشر خيراً بالصيرورة.
هذا العمق الفلسفي وذلك الانزياح نحو تشريح أعماق النفس البشرية وتحولاتها، وذلك العشق اللامتناهي للصحراء ولإنسانها، هي أهم السمات التي امتدت عبر سرد أبو الريش ومنجزه الروائي الذي يصل إلى عشر روايات، وقد يعود ذلك إلى تأثير تخصصه الأكاديمي، فقد تخرج في جامعة عين شمس قسم علم النفس، ومنذ ذلك ورواياته تتخذ منطقة خاصة، وتحفل بغوص عميق بحثاً عن اللآلئ التي يختزنها بحر كل شخصية، وغورها المدفون في ثناياها، وهو يقول لنا محللاً علاقة تخصصه بمسيرته الإبداعية السردية: «في أغلب رواياتي اعتمدت على تقنية التداعي الحر في السرد؛ ذلك أنني أعتقد أن مهمة الرواية هي الغوص داخل الذات البشرية، وتحليل أبعادها النفسية وعلاقتها بالأشياء من حولها، إن تخصصي أفادني كثيرا في كتاباتي الروائية».
في سنة 1982 قرر أبو الريش أن يلج منطقة الاعتراف، ربما لأنه يكشف بطبيعته عن لذة خاصة، وتسامٍ عن التكلف وعن الحدود الموضوعة بتحفظ سلفاً لدى كل إنسان، وفي روايته الأشْهر والأولى التي تحمل اسم «الاعتراف» كشف أبو الريش ببراعة سردية عن ذلك التعارض أو الصراع الذي يعيشه «صارم» بعد اعتراف «سمحان» والد صديقه محمد وهو يحتضر، بقتله لوالده؛ إذ ذاك بدت الرواية كلها وكأنها تشريح نفسي ذكي لا يقع في المباشرة التقريرية، لنفسية صارم الذي وجد نفسه غير قادر على الانتقام لأبيه، أو التخلص من ذلك الهاجس، ليظل في كل الرواية مطارداً بآثار ذلك الاعتراف، ومحملاً بعقدة ذنب لا تنفك.
حاول أبو الريش أن يحلل بعض التناقضات المجتمعية، وفضل أن يكتب وهو هناك في مصر، كي يرى اللوحة بشكل أفضل، يقول: «أحياناً تحتاج إلى أن تبتعد عن اللوحة كي ترى كل تفاصيلها، في فترة وجودي في مصر كان ثمة هاجس يُلح عليّ أن أكتب بداية تلك الرواية وأنا هناك، ثم أكملتها حين عدت للإمارات».
حازت الرواية على اعتراف أدبي فريد، وتم اختيارها من جانب اتحاد الكتاب العرب ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين، لكنه مع ذلك وعلى الرغم من كل منجزه السردي الذي راكمه منذ كتابته لتلك الرواية وحتى الآن، ورغم فوزه بجائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب سنة 2008، فإنه يتحدث بتواضع جم، وبمفاهيمية معمقة عن الجوائز، ويؤكد أنها لا تكفي لصنع مبدع، وإنما لا بد من وجود تلك المادة الخام السحرية المسماة بالموهبة، يقول: «أي تقدير من شأنه أن يترك تأثيراً إيجابياً بالطبع، ويجعل المبدع سعيداً، لكنني أعتقد أنه ينبغي التعامل مع الجوائز باعتبارها لا تصنع مبدعاً، هي لا شك تقدير للموهبة، لكنها لا تصنع الموهبة إن لم تكن موجودة أصلاً».

رحلة السرد

رحلة السرد الروائي عند أبو الريش هي رحلة ومشروع لا ينتهيان، ولا سبيل فيهما للإحساس بالوصول إلى القمة والنضج، إنه مبدع يعيش حالة ظمأ لا تتوقف للكتابة، ويعبر عن ذلك قائلاً: «ليس هناك كاتب حقيقي سيقول لك إنه وصل إلى قمة الإبداع، وإلى قمة النضج، فالكاتب الحقيقي ينبغي أن يظل دائماً في حالة عطش، في حالة إصرار على المضي قدماً، وينبغي ألاَّ يحس في أية لحظة أنه وصل».
تحضر الكتابة عند أبو الريش بمختلف أصنافها الأدبية حيث كتب المسرح والشعر، إلى جانب وكان في كل ذلك مسكوناً بالتأمل وتأويل الذاكرة الإنسانية وتمثلها، ويحلم بمشروع روائي عن إحدى الشخصيات الإماراتية «الوجودية» كما يصفها، وهي شخصية الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني. ويقول عنه: «إنه شخصية لم تُكتشف ولم توفّ قدرها حتى الآن، إنه يستحق الكتابة عنه كمشروع روائي؛ لأنه شخص كان يُصر على أن يكون خارج القطيع».
وطوال مساره الروائي والكتابي بشكل عام، ومنذ طفولته الأولى التي بدأت بمولده سنة 1956، لم يترك أبو الريش نصوصه وحيدة قابعة في زوايا الإهمال، إنه يحتفي بها وخصوصاً محاولاته الأولى، ويحتفظ بها كمن يخط بصبر على صفحة التاريخ توقيعه الشخصي، ويقول مفسراً ذلك: «أحتفظ بكل القصاصات والمقالات وببعض القصص التي كتبتها ولم تنشر، إنها تاريخي، لذلك لا أرميه».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق