ثقافة

«عالمية الأدب»..سيرة مصطلح عنصري

أهواء سياسية تتحكم في مفاهيم ثقافية «عالمية الأدب»..سيرة مصطلح عنصري تاريخ النشر: 22/08/2019 استمع   '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: عثمان حسن

انفتحت التكنولوجيا المعاصرة بوسائلها المتعددة على أسئلة مهمة حول تلاقي الثقافات، بعد أن صارت المعرفة ومن خلال تفرعاتها المختلفة تطرق أبواب العالم من جهاته الأربع، وقد طرحت بقوة في السنوات القليلة الماضية أسئلة كثيرة حول «عالمية الأدب»، وهو الذي انسحب بدوره على المنجز الأدبي العربي، الذي تشير معظم الدراسات النقدية المتخصصة إلى حظوظه المتواضعة في هذه العالمية، حيث طرح هذا السؤال بعد حصول الأديب المصري العربي نجيب محفوظ على نوبل للآداب في عام 1988.
طرحت «عالمية الأدب» أيضاً، بحسب رصد كثير من النقاد، بعد قيام محافل ثقافية أجنبية مهمة في الغرب بتكريم بعض الرموز الأدبية العربية، ومن ذلك، تكريم «اليونيسكو للشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش عام 1997 في فرنسا، وكذلك تكريم الكاتب المغربي الطاهر بن جلون بجائزة (غونكور) الفرنسية، وتكريم القاصّ السوري رفيق شامي في ألمانيا بمنحه جائزة (كاسيمو) وغير ذلك من أعمال التكريم، وحصول أمين معلوف على أحد مقاعد الأكاديمية الفرنسية.
من المهم بدءاً مقاربة مفهوم «عالمية الأدب»هذا المصطلح الساحر، الذي صار يسعى إليه الكتاب العرب بقوة، ويحاولون أن ينالوا قسطاً من بريقه من خلال ترجمة أعمالهم إلى اللغات الأجنبية، وفي هذا المقام لا بد من التذكير بالمصطلح ذاته الذي يرجع الفضل في ظهوره للشاعر الألماني غوته في ثلاثينات القرن التاسع عشر، كانت صياغة المفهوم من قبل غوته تبحث عن المشترك الإنساني بين الثقافات، في عصر بدأت تتغلغل في أركانه ثورة صناعية ناهضة أحدثت نقلة في تطور وسائل النقل والطباعة والنشر، رأى غوته أنّ عصر الآداب القومية قد ولّى، وأنّ هناك عصراً جديداً بدأ يتشكل ويتخطى الحدود القوميّة الضيقة للّغات والآداب.
غير أن ما طرحه غوته لم يعر كثير اهتمام من قبل مدارس عدة كالتاريخية التي كانت معنية باستكمال مسيرة تاريخ الآداب القومية عبر دراسة علاقات التأثير والتأثر التي نشأت بين تلك الآداب. وبرزت «المدرسة النقدية» الأمريكية التي اشتركت مع الماركسية في دعوتها لدراسة الأدب دراسة نقدية دون التقيد بالحدود اللغوية والثقافية للآداب، انطلاقاً من كون الظواهر الأدبية الكبرى، لا تنحصر في أدب قومي واحد، بل تتعداه إلى آداب مختلفة.
لم تتحرر»المدرسة النقدية الأمريكية»، من المركزية الأوروبية التي صبغت مفهوم الأدب العالمي بوصفه أدباً غربياً صرفاً، وهي وقعت في إشكالية تعريفها للأدب العالمي فأخضعته لمركزية أوروبية بعيدة كل البعد عن العالمية الحقة، وهو الذي همش دور آداب شعوب العالم الثالث، بصورة غير متوازنة ومجحفة، فرضت الهيمنة على آداب الشعوب الأخرى.
يرصد أكثر من باحث أن مثل هذه النزعة قوبلت بالرفض من قبل نقاد فرنسيين مثل «رينيه اتيامبل» وهو اعتراف ضمني بثقافات وآداب شعوب أخرى، ذات كنوز أدبية ثمينة لا يجوز تجاهلها. وهنا دعا اتيامبل إلى انفتاح الأدب المقارن على اللغات الشرقية، في سعي منه لإحياء مفهوم «الأدب العالمي» وطالب بإجراء مقارنات أدبية على المستوى العالمي.
‏وتبعه في ذات الفكرة الفرنسي»فان تيغم» ودعا للنظر بعين فاحصة إلى بعض أنواع الأدب القومي الذي يصيب نصيباً من العالمية، وله دور مؤثر لا يقل أهمية عن الأدب العالمي.
كان هذا الخلاف في النظر إلى مفهوم «عالمية الأدب» قد انتقل إلى الساحة النقدية العربية، ولم يعد يشفع للأدب العربي ترجمته إلى اللغات الأجنبية لكي ينظر إليه بوصفه أدباً عالمياً، وهنا برز في الساحة العربية باحثون تحت مسمى نقاد «الأدب المقارن» ومنهم محمد غنيمي الذي عني بمفهوم «عالمية الأدب» ورأى استحالة تطبيقه، بل قام برفضه كلياً ظناً منه أن الأدب هو بالضرورة تعبير عن حاجة فكرية واجتماعية ووطنية وقومية في الأساس، وبنى وجهة نظره معتبراً أن الآداب القومية، تنحصر مهمتها الأساسية في مسائل خاصة ذات صلة بالقضايا والمشكلات العربية الاجتماعية والسياسية والثقافية، وليس المطلوب منها أن تستجيب لحاجات العالم والإنسان، ومثل هذا الرأي جوبه بالرفض من نقاد عرب آخرين، واعتبروه لا يمثل سوى نظرة ضيقة مؤكدين على أن إسهامات العرب الأدبية، هي إسهامات ذات مضمون إنساني، وإن كان إطارها العام التحرر العربي والدفاع عن الذات ضد التجزئة والاستعمار.
‏تنامى وعي عربي كبير في السنوات الماضية، عمل على إبراز الأدب العربي في المحافل الدولية من خلال البحوث والدراسات التي سلطت الضوء على إسهامات الرواية والشعر العربيين في الإرث الإنساني والكوني، بعض النقاد رأى – على سبيل المثال- أن رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، عمل كبير يضاهي أعمال دوستوفسكي، وماركيز، وتولستوي، وديكنز، وفلوبير، وستاندال وغيرهم، وبالمناسبة فقد ظهرت تصنيفات أدبية عدة لهذه الرواية فوضعتها ضمن أهم مئة عمل عالمي، لما حملته من بعد إنساني كبير.
العالمية من وجهة نظر هؤلاء النقاد، ليست حكراً على الأدب الغربي، وأيد هذا الرأي كثير من الكتاب العالميين من بينهم السويسري هارتموت فاندريتش» فهو بحسب الباحث والشاعر الجزائري أزراج عمر، «واحد من المثقفين الذين أنصفوا الأدب العربي، ورأوا فيه قدراً عالياً من العالمية»، فقد ترجم عدداً من الأعمال الأدبية العربية إلى اللغة الألمانية، منها أعمال الروائي الليبي إبراهيم الكوني، وفي حوار أجرته معه إحدى الفضائيات السويسرية تحدث خلاله عن علاقته بالمجتمعات العربية وبالأدب العربي، وعن خصوصية هذا الأدب وقيمته الإبداعية، قال:«هناك الأنواع الرئيسية مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرح والشعر، وهي الأنواع الرئيسية للأدب في العالم العربي، وهذه الأعمال تتصف بعمق تاريخي يفوق ذلك الموجود لدينا، لأن بوسع الكتّاب العرب العودة إلى أدب يعود تاريخه لعدة مئات من السنين»،
في ذات الإطار ينصف الأكاديمي السوري الدكتور أحمد زياد محبك الأدب العربي ويصفه بالعالمي وأنه اجتاز الحدود بين الدول، وترجم إلى كثير من لغات العالم، وحقق انتشاراً واسعاً، وشهرة كبيرة، بفضل ما يمتلك من خصائص فنية، تتمثل في تصويره بيئته، وتعبيره عن قضايا تهم الإنسان، مثل أدب: وليم شكسبير أو تولستوي أو فكتور هيجو أو آرنست همنغواي أو غابرييل غارثيا ماركيز.
هنا، يتجلى المفهوم الإنساني أو الروح الإنسانية بوصفها شرطاً لعالمية الأدب، وعليه يمكن قياس مفردات السلام والمحبة والإخاء باعتبارها من مميزات الأدب العالمي بصرف النظر عن كونه أدباً غربياً أو ينتمي لدول وشعوب وقوميات أخرى، وهنا تختلف وتتمايز مفاهيم العالمية، بين كاتب وناقد ومؤرخ، ليظل السؤال مشرعاً على بوابة آداب عربية لا يستطيع المرء أن يشكك في أصالة بعضها، غير أنها في كل الأحوال لم تأخذ طريقها إلى النشر كما ينبغي في الساحة الثقافية العالمية، وهو سؤال لا يزال مشرعاً ويطرح حتى اللحظة.

نظرة سطحية

لا يزال النقد الغربي يتعامل مع الآداب الأخرى بوصفها ظلالاً لمجتمعات وشعوب متناحرة، وغير نامية، وهي بكل الأحوال نظرة سطحية وتخضع في كثير من الأحيان لاشتراطات السوق وهيمنة السياسة، والبعد «ما بعد الكولونيالي» الذي يخضع الأدب، لاعتبارات غير ثقافية، وفيها مؤثرات من العولمة الثقافية، فهناك حتى اللحظة، عدة محافل ثقافية غربية، تصدر عنها آراء وتصريحات نقدية، تنظر إلى الأدب العربي، بوصفه أدباً غير ناجز، يعود إلى مرحلة تاريخية وفولكلورية لم تستطع بعد أن تخاطب العالم، أو تقف على تماس مع جوهر الأدب، وهي ولا شك نظرة قاصرة وفيها الكثير من الإجحاف والتجني.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق