ثقافة

روكي دالتون.. شاعر قتله رفاقه باسم النضال

روكي دالتون.. شاعر قتله رفاقه باسم النضال تاريخ النشر: 09/08/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); القاهرة:«الخليج»

كان شاعر السلفادور «روكي دالتون»، يشدد على ارتباط حياته بالثورة والشعر، وهذا ما اتضح في إهداء ديوانه «الحانة وأماكن أخرى»، إذ يقول: «عزيزي خورخي: لقد وصلت إلى الثورة عن طريق الشعر، سيكون بإمكانك أن تصل (إذا شئت، إذا أحسست بالحاجة لذلك) إلى الشعر عن طريق الثورة، ولك بذلك ميزة، لكن تذكر أنك لو كنت قد وجدت ذات مرة دافعاً خاصاً للابتهاج بصحبتي في النضال، فبعض الفضل في ذلك يعود أيضاً إلى الشعر».
هذا الإهداء يكشف لنا كيف شكلت السياسة عصب رؤية الشاعر «روكي دالتون» للعالم، لكن ذلك لم يعن تبنيه الصيغة الرسمية الضيقة للإبداع، التي سميت بالواقعية الاشتراكية، بل جمع بين معرفة عميقة بتراث الشعر المكتوب بالإسبانية وإنجازات الشعر المضاد والسيريالية، فكان يرى أن الثورة قصيدة حب، والشاعر سلوك أخلاقي، كل إبداع ثورة، وكل ثورة فعل إبداع، يسعى إلى الرقي بالحياة، والتكريس السياسي هو ببساطة تكريس للحياة.
المترجم أحمد حسان في ترجمته لمختارات شعرية لروكي دالتون، صدرت عن المركز القومي للترجمة بعنوان «الموتى يصبحون كل يوم أصعب مراساً»، يوضح أن الثورة هي أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر اسم دالتون، لكنها لا تلخص وحدها حشد التداعيات المترابطة التي يستحضرها هذا الاسم من مواهب وملكات، فالسياسي المؤمن إلى حد حمل السلاح هو شاعر وكاتب متدفق الموهبة متعدد الوجوه، أحد أهم شعراء أمريكا الوسطى، وإنسان مرح وصديق سخي ودود مندفع للقاء الحياة التي تقلبت به كما لم تفعل بأحد من معاصريه.
كان دالتون يضحك حين يحكي أنه الشاعر الأمريكي اللاتيني الوحيد، الذي أفلت من فصيلة إعدام لأن زلزالاً حطم جدار السجن الذي كان محتجزا فيه، وسجل ذلك في روايته «الشاعر البائس الذي كنته»، التي نشرت بعد وفاته، قبلها كان حجر قد حطم أنفه في مراهقته، نتيجة خلاف على احتساب ضربة جزاء في مباراة كرة قدم، وأصابت طوبة عينه، وتعثر بالسلاح ليجهز على ما تبقى من وجهه في كوبا، قبل أن يعود إلى بلاده محارباً، يؤمن بنظرية البؤرة الثورية المسلحة، التي انخرط فيها مع ريجي دوبريه، وطبقها تشي جيفارا في بوليفيا.
في هذه الأثناء – كما يكشف أحمد حسان مترجم المختارات – كان دالتون قد صنع مئات العلاقات مع أصدقاء وصديقات في أركان المعمورة، ونشر حوالي 12 كتاباً ما بين الشعر والدراسات، وعمل محرراً في مجلة «السلم والاشتراكية» في براغ، وبعد عودته إلى بلاده أصدر القصائد السرية تحت أسماء مستعارة لخمسة شعراء بينهم امرأة ليراجع من خلالها آراءه وتحيزاته الذكورية التي كانت رائجة بين مناضلي ذلك الزمان، فقد كان حسه بالحياة يتيح له السخرية من نفسه، والحفر تحت السطح ليكشف أصعب مناطق الخبرة الإنسانية، ليلمسها بعمق ويستكشفها، ويبرزها بطريقة جميلة.
هذه المختارات كان دالتون ذاته قد أعدها للنشر عام 1973 وراجع فيها نصوص وتبويب كل دواوينه السابقة، واختتم تقديمه لها بأن قال: «ما تريد في العمق أن تقوله هذه القصائد عند طبعها في مجموع هو هكذا رأى الشاعر في طريقه الحب والنضال وحماقة البرجوازية، والميثولوجيا الرقيقة لآبائه، وشكوكه الخاصة، والسجون، وقرب الموت، والحوار، والبلد المستلب، والمتعة والدموع والأمل، رؤية متعددة متنوعة، لكنها دائماً منحازة، لن تكتسب معناها الأصيل إلا في قلب النضال العملي، هذه هي الدراما البديعة لكل الشعراء الثوريين لأمريكا اللاتينية».
تبدو العودة إلى روكي دالتون الآن- كما يرى أحمد حسان- بمثابة استحضار لموتى لا يهدأون في قبورهم، فحياته وشعره وموته التراجيدي تنتمي جميعاً إلى زمن يبدو نائياً، ذروة الحرب الباردة بين معسكرين متناحرين يقتسمان العالم، ذروة حركات التحرر الوطني والصراع الأيديولوجي والكفاح المسلح، والشعر والسياسة كوجهين لتغيير العالم ضمن نطاق آخر موجات الحشود الجماهيرية الضخمة للقرن العشرين.
ولد روكي دالتون في العاصمة سان سلفادور عام 1935 لأب ميسور، لم يعترف ببنوته حتى بلغ السابعة عشرة، على الرغم من أنه ظل يدفع مصروفات دراسته لرغبته في أن يتلقى الصبي تعليماً كاثوليكياً، وبعد أن أقام في كوبا وجاب المنافي، عاد إلى بلاده سراً ليقاتل أواخر عام 1974 لكنه لقي مصرعه ولم يكمل الأربعين في العاشر من مايو على يد زملائه، الذين اتهموه بالعمالة لكوبا والمخابرات المركزية الأمريكية، في الوقت نفسه، واستغرق الأمر نحو عقدين لينتزع ابنه اعتراف المسؤولين عن قتله بالحقيقة عام 1993.
اعترف أحد أعضاء المحكمة الثورية التي أدانته لابنه، أن ذلك كان فعلاً من أفعال عدم النضج الشخصي والعاطفي والأيديولوجي، وأقر بأن دالتون كان ضحية للجهل والتآمر، وهكذا كانت السياسة عنصراً حاسماً في حياته، كانت الخيط الذي يربط حياته وشعره، وكذلك الجهل الذي يضع نهاية للاثنين، لكن عنوان المختارات «الموتى يصبحون كل يوم أصعب مراساً»، يؤكد صحة نبوءة دالتون فآمال البشر لا تموت بل تتجدد في قاع المحن، ولا تزال أحلام العدل والحرية والحق في حياة كريمة تجتذب أعداداً كبيرة من البشر رغم تضاؤل سيطرتهم على مسار حياتهم.

اظهر المزيد

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق