ثقافة

د. فاطمة الصايغ.. رائدة الكتابة التاريخية

وجوه من الإمارات د. فاطمة الصايغ.. رائدة الكتابة التاريخية تاريخ النشر: 25/08/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: محمدو لحبيب

لم تختر التاريخ لكنه ربما هو الذي اختارها، فالدكتورة فاطمة الصايغ التي تعد رائدة في مجال البحث والكتابة التاريخية النسوية في الإمارات، وأحد أهم الباحثين في ذلك المجال في الدولة، لم تكن تريد دراسة التاريخ في الجامعة، أو أنه لم يكن خيارها الأول كما قالت لنا: «كان التاريخ هو اختياري الثالث بعد العلوم السياسية، والحقوق، كنت أفكر بالعقل لا بالقلب، وأحاول تجاهل ذلك الشغف الذي يسكنني بالتاريخ وعوالمه وقصصه منذ صغري، أردت التفكير في التخصص الذي يمكنني من العمل في وظيفة كبيرة بعد التخرج».
بعد أن بدأتْ دراسة علم التاريخ ومناهجه، قرر عقلها طواعية أن يتبع قلبها المحب لذلك العلم، وها هي اليوم تقف على منجز تاريخي رصين تمثل في عشرات البحوث التاريخية، وعدد من المؤلفات من بينها: «الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة»، و «تاريخ الخليج العربي: التكوين السياسي والتطور الاقتصادي والاجتماعي»، وغيرها، وها هي تعبر عن شغفها الدائم بتخصصها فتقول لنا: «لو لم أدرس التاريخ، لتمنيت وقررت أن أدرس التاريخ من جديد».
البداية لم تكن بالنسبة لها صعبة، رغم أنه في مجتمعها المحافظ لم يكن من المقبول عند الكثيرين أن تكمل الفتاة دراستها في الخارج، لكن وجودها ضمن أسرة متعلمة كما قالت لنا، جعلها تشكل استثناء ضمن بنات جيلها وتفسر ذلك قائلة: «الناس آنذاك كانوا يقولون لوالدي ولأمي: لم تتركون ابنتكم تتغرب وتدرس في الخارج، لكن الأبوين المتعلمين، كانا يردان بأن الكويت قريبة، بعد عودتي بليسانس التاريخ من جامعة الكويت، والتحاقي بجامعة الإمارات في العين، كان عليّ أن أسافر في بعثة مع عدد من المعيدين إلى أمريكا، كان الأمر أكثر صعوبة، لأن الجميع كان آنذاك لا يعرف عن أمريكا إلاّ ما كان يعرفه عن بلاد الواق واق مثلاً، لكن والدي ووسطي المتعلم وبيئتي،كل ذلك سهّل لي أن أواصل دراستي في أمريكا وأخوض تلك التجربة آنذاك وأحصل على الماجستير من هناك، وبالمجمل فلولا ظروفي الأسرية الخاصة لما استطعت أن أحقق ذلك».
التاريخ عندها يرتبط بالناس، بحياتهم، بتطورهم عبر الزمن في ممارسة تلك الحياة، بالحوادث المفصلية الاقتصادية أو الاجتماعية التي أثرت فيهم، لذلك فحين ابتدأت البحث والدراسة الأكاديمية العالية، كان ذلك السبيل مرسوماً بين عينيها، وهدفاً أرادت بوعي كامل بلوغه، فاختارت أن تكون أطروحتها للدكتوراه من جامعة ايسكس في المملكة المتحدة سنة 1989، قريبة مما يخدم الناس ويمكث في الأرض، ولم تشأ أن تحصرها في موضوع نخبوي أو نمطي لا يهم إلاّ القلة من المتخصصين، لقد فتحت بأطروحاتها نقاشاً حيوياً رصيناً موثقاً تحت عنوان: «الخط الجوي البريطاني وتأثيره على صنع القرار البريطاني تجاه مشيخات الساحل 1929 1952»، وكانت تلك الأطروحة إعلاناً وإيذاناً ببداية أسلوبها الخاص المتميز في البحث التاريخي.
تعاملها مع التاريخ ينطلق بدوره من ثنائية القلب والعقل، ورغم دقتها في بحوثها التي أهّلتها لتتبوّأ مكانة علمية رفيعة، بحيث أصبحت من أهم النساء العربيات والخليجيات اللواتي شاركن في إلقاء محاضرات في الجامعات الأجنبية كالجامعات الأمريكية، والبريطانية وفي جمهورية أوزبكستان وفي أسكتلندا، إلا أنها لا تخفي أنها لا يمكن أن تكون «محايدة» مئة بالمئة حين يتعلق الأمر بوطنها وتقول: «حين يتعلق الأمر بالوطن لا يمكن أن أكون محايدة مئة بالمئة، رغم أنه من الناحية النظرية المفاهيمية البحتة، فإن الباحث يُطلب منه الحياد تجاه الوثائق التي يدرسها، لكن هل يمكن مثلاً أن أظل محايدة تجاه وثيقة غربية تصف بلدي وشعبه في مرحلة معينة بأوصاف سلبية، بالتأكيد لا، لكني كذلك لا أسمح للعاطفة أن تتغلب عليّ، إنني آخذ تلك الوثيقة، وأحللها انطلاقاً من مقارنتها بوثائق أخرى ومستندات ووقائع من تاريخ الوطن في تلك الفترة، وأكشف أنها كانت متحاملة ومكتوبة حسب مزاج صاحبها فقط».
لم ينطلق أسلوبها ذاك في التعامل مع التاريخ من فراغ، بل بنته كما تقول من خلال دراستها الجامعية وتحديداً أثناء تحضيرها للدكتوراه، وتنبهت عند ذاك لخطورة وحساسية التعامل المتسرع مع التاريخ وتقول عن ذلك: «أثناء إعدادي لأطروحتي، كان عليّ أن أبقى أربع سنوات معتمدة على نفسي في التعامل مع الوثائق والأرشيف والمعطيات التاريخية، كان ذلك جزءاً من الطريقة التي يتعاملون بها في الجامعة البريطانية التي تخرجت فيها، وجدتني أمام كمٍّ من الوثائق التي تقدم أوصافاً وحوداث مكتوبة بطريقة فيها قدر كبير من اللبس، وكانت لديّ مشرفة قالت لي إن الوثيقة، أيّ وثيقة لا يجب التعامل معها وكأنها نص دقيق أو مقدس تماماً، بل يجب تحليلها ومقارنتها مع وثائق أخرى، ومن هنا اكتسبت ذلك الوعي في التعامل مع الكتابة التاريخية».

نمط مختلف

مجال التخصص الصعب، والبيئة العملية الأكاديمية، والأبحاث المتواصلة في «الحفر» في عمق التاريخ الإماراتي والخليجي..الخ كلها مفردات شكلت إلى حد كبير شخصية الصايغ، بحيث باتت لديها عادات معينة، وطريقة في تنظيم وقتها أثناء إعداد بحث أو كتاب، تقول عن ذلك: «أعتقد أن الباحثين بشكل عام، هم فئة من الناس لا تمتلك علاقات اجتماعية كثيرة، نمط اهتماماتهم لا يلتقي بنمط اهتمامات الكثيرين، وتنظيمهم لوقتهم يختلف أيضاً، وبالنسبة لي أُصاب بنوع من التيه حين أبدأ التفكير في بحث ، وأظل في ذلك التيه وقد يصل الأمر إلى أسبوع في تلك الحالة، حتى أحدد الموضوع، ثم أبدأ مرحلة البحث عن الوثائق، والدراسات التي كُتبت عن الموضوع، وهي عملية شاقة هي الأخرى، ثم أبدأ القراءة، والتحليل، وبعدها أجمع أفكاري وأبدأ الكتابة، لكن قبل ذلك لا بد أن أحدد ما أريد الوصول له بدقة، في كل تلك المراحل تجدني منعزلة عن الناس، أغلق على نفسي باب مكتبي، وأركز فيما أصنع».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق