مقالات

دعه يمرض ولا تدعه يُشف!

د. آمال موسى

في خضم حالة الاستنفار التي عرفها العالم أثناء ذروة انتشار جائحة «كورونا»، لاحظنا أن تلك الحالة لم تمنع، رغم الصعوبات والصراعات الحادة الظاهرة والمسكوت عنها، من ظهور خطاب مختلف النبرة والرؤية يمكن القول إن زعيمه شبه الأوحد هو الفرنسي البروفسور راوولت الذي حاول خصومه ومن يهدد مصالحهم في البداية التعتيم على خطابه والاستخفاف به، ولكن اختلاف الخطاب ونضاليته الواضحة وانتصاره للمريض من دون سواه جعلت كل محاولات التعتيم تفشل، وتصدّر راوولت صحف العالم وتلفزيوناته وهرع النّاس يستمعون إلى خطابه بجدية وتفاعل إيجابي.
لقد تميّز خطاب الطبيب راوولت بالإحراج؛ كان محرجاً للنّخبة الطّبيّة العلمية بما طرحه من أسئلة خلقت بدورها ردود فعل عنيفة ضده. وفي مقابل هذا الإحراج فإنه نجح إلى حد كبير في نزع القداسة واليقينية عن مسلّمات كثيرة. يمكن القول إن راوولت بأسئلة تبدو بسيطة جداً في ظاهرها أعاد للفكر جذوة الشك. ذلك أن التساؤل عن سبب تمكن فيروس «كورونا» من الدول الغنية أكثر من الفقيرة هو فعلاً في محلّه، إضافة إلى أنه سؤال يجر وراءه مئات من الأسئلة التي لم تطرح بعد، وجدير بالعقل البشري طرحها والتفكير فيها. فالطبيب راوولت وضع التطور والقوة والتقدم في موضع الشك والريبة وخلع عنها كل قراءة يقينية ثابتة. وهنا نتذكر ما قام به أعلام مدرسة فرنكفورت عندما أشهروا النقد في وجه الرأسمالية ومنتجات الحداثة وفكرها. ويحسب لهم الريادة في تناول مفاهيم على غرار التسليع والصناعة الثقافية والإنسان ذي البعد الواحد وخداع الجماهير…
وفي الحقيقة فإن زلزال «كورونا» في بُعد من أبعاده كأن مسار العقل البشري أراده حدثاً يقودنا لوضع كل أجوبة القرنين الأخيرين أمام المحك. لذلك فإن الجدل الذي خلقه راوولت في ظاهره يتصل بعقار الكلوروكين ومدى نجاحه وخلوه من الآثار الجانبية الوخيمة، ولكن ما وراء الكلوروكين هو هدم ما بنته الحداثة من مسلّمات فرضتها القوة ومنطق موازين القوى، وليس مصداقية المسلّمات وفعلها الإيجابي النافع للإنسانية جمعاء.
وفي هذا السياق كأن بالبروفسور راوولت يتقاطع مع عالِم الاجتماع إميل دوركايم في القاعدة الأولى الدوركايمية في معالجة الظواهر الاجتماعية معالجة علمية وتتمثل في التّحرر من كل فكرة سابقة. ويصف هذه القاعدة بأنّها الأساس لكل طريقة علميّة. وللعلم فإن هذه القاعدة تتماهى مع طريقة الشك المنهجي لدى روني ديكارت وأيضاً نظرية الأصنام لبيكون.
طبعاً هناك مفكرون أسهموا بقوة في صنع فكر يقيني على رأسهم فرانسيس فوكوياما الذي بشر الإنسانية بنهاية التاريخ، بمعنى أن أرقى وأهم ما يمكن بلوغه هو النظام الرأسمالي الليبيرالي الديمقراطي مع ما يعنيه ذلك من لجم حقيقي للفكر وكبح لجماحه.
قام البروفسور راوولت بشيء من رتق لعلاقة الطبيب بالمريض من خلال إعادة طرح وظيفة الطبيب الحقيقية والمثالية التي جعلت أجيالاً تحلم بأن تمارس هذه المهنة التي ظلت في التّمثلات نبيلة وإنسانية ولكن في الواقع أصبحت سوقاً شرسة لا ترحم المريض.
ربما من النقاط التي تحسب لراوولت أن ما كنا نعتقد أنه مؤامرة وأكاذيب لا دليل يثبتها بالنسبة إلى ما يروّج من سنوات طويلة عن عالم شركات الدواء قد فضحه هذا الطبيب من خلال ما تمخض عن الخلاف حول استعمال الكلوروكين من عدمه من توتر وعنف وتكشير عن الأنياب.
وهنا نستحضر أيضاً معارك شركات الأدوية من قطاع الطّب البديل والمتخصصين في الأعشاب الرافضين لفكرة المرض المزمن من أصلها والذين يرون أن الدواء الذي تقدمه شركات الأدوية هو الذي يحول المريض إلى صاحب مرض مزمن من خلال خلق تبعية بين المريض والدواء لا هدف لها غير استقرار حالة المريض وليس معالجته وجعله يبلغ الشفاء.
الفكرة المركزية لوظيفة الطبيب والدواء تم ضربها في مقتل وفي الصميم؛ فكرة العلاج ليست صالحة من وجهة نظر رأسمالية، حيث الشفاء يعني التوقف عن شراء الدواء واستشارة الطبيب، وهذا يعني انحسار الربح وعدم تراكم الأرباح.
وبما أن هذا الموضوع الخطير الذي كان مسكوتاً عنه قد انكشف، للعلن فإن الخطاب النقدي التشكيكي أصبح لدى البعض يسمي عالم شركات الأدوية المافيا، ممّا يفيد بأن الرأسمالية في نقطة قصوى من التوحش قد أبدعت في إنتاج باقات من المافيا وليست مافيا السلاح بأكثر رعب من مافيا الأدوية.
ويتقاطع أيضاً ما لمح إليه راوولت تلميحاً وتصريحاً أيضاً مع ما أعلنه الفائز بجائزة نوبل للطب البريطاني جون روبار عام 1993 قبل أيام من أفكار تصب في التهم الخطيرة الموجهة لشركات الأدوية الكبرى المسيطرة على العالم، حيث قال حرفياً إن معالجة المرضى وشفاءهم ليسا مربحين بالنسبة إلى الصناعة الصيدلانية، منتقداً إيثار المصالح الاقتصادية على صحة النّاس.
ولعل الفكرة المهمة جداً التي أثارها الطبيب العالم جون روبار أن ظاهرة جشع شركات الأدوية وهوسها بالربح على حساب التعلق بفكرة شفاء المريض والانتصار على الأمراض تمثل عائقاً حقيقياً أمام التطور العلمي في مجال الطب.
وهنا نتساءل: لماذا ظلت الأمراض السرطانية مستعصية على الأطباء والعلماء، وما هي صلة حالة العجز أمام هذه الأمراض القاتلة بالسوق المربحة جداً أدوية وعمليات وحصص علاج… ذلك أن اكتشاف العلاج للأمراض السرطانية يعني إفلاس كبرى شركات الأدوية وتراجع أرباح المصحات.
إن المريض سلعة يحتكم إلى قوانين السوق: دعه يمرض ولا تدعه يشف.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 7٬244٬184
إجمالي الإصابات: 7٬244٬184
إجمالي الوفيات: 208٬440
حالات الشفاء: 4٬480٬719
حالات نشطة: 2٬555٬025
الهند 5٬903٬932
إجمالي الإصابات: 5٬903٬932
إجمالي الوفيات: 93٬410
حالات الشفاء: 4٬849٬584
حالات نشطة: 960٬938
البرازيل 4٬692٬579
إجمالي الإصابات: 4٬692٬579
إجمالي الوفيات: 140٬709
حالات الشفاء: 4٬040٬949
حالات نشطة: 510٬921
روسيا 1٬136٬048
إجمالي الإصابات: 1٬136٬048
إجمالي الوفيات: 20٬056
حالات الشفاء: 934٬146
حالات نشطة: 181٬846
كولومبيا 798٬317
إجمالي الإصابات: 798٬317
إجمالي الوفيات: 25٬103
حالات الشفاء: 687٬477
حالات نشطة: 85٬737
بيرو 794٬584
إجمالي الإصابات: 794٬584
إجمالي الوفيات: 32٬037
حالات الشفاء: 650٬948
حالات نشطة: 111٬599
إسبانيا 735٬198
إجمالي الإصابات: 735٬198
إجمالي الوفيات: 31٬232
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 703٬966
المكسيك 720٬858
إجمالي الإصابات: 720٬858
إجمالي الوفيات: 75٬844
حالات الشفاء: 518٬204
حالات نشطة: 126٬810
الأرجنتين 691٬235
إجمالي الإصابات: 691٬235
إجمالي الوفيات: 15٬208
حالات الشفاء: 546٬924
حالات نشطة: 129٬103
جنوب أفريقيا 668٬529
إجمالي الإصابات: 668٬529
إجمالي الوفيات: 16٬312
حالات الشفاء: 599٬149
حالات نشطة: 53٬068
فرنسا 513٬034
إجمالي الإصابات: 513٬034
إجمالي الوفيات: 31٬661
حالات الشفاء: 94٬891
حالات نشطة: 386٬482
تشيلي 453٬868
إجمالي الإصابات: 453٬868
إجمالي الوفيات: 12٬527
حالات الشفاء: 428٬580
حالات نشطة: 12٬761
إيران 439٬882
إجمالي الإصابات: 439٬882
إجمالي الوفيات: 25٬222
حالات الشفاء: 369٬842
حالات نشطة: 44٬818
المملكة المتحدة 423٬236
إجمالي الإصابات: 423٬236
إجمالي الوفيات: 41٬936
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 381٬300
بنغلاديش 356٬767
إجمالي الإصابات: 356٬767
إجمالي الوفيات: 5٬093
حالات الشفاء: 267٬024
حالات نشطة: 84٬650
العراق 341٬699
إجمالي الإصابات: 341٬699
إجمالي الوفيات: 8٬867
حالات الشفاء: 273٬266
حالات نشطة: 59٬566
المملكة العربية السعودية 332٬329
إجمالي الإصابات: 332٬329
إجمالي الوفيات: 4٬625
حالات الشفاء: 315٬636
حالات نشطة: 12٬068
تركيا 311٬455
إجمالي الإصابات: 311٬455
إجمالي الوفيات: 7٬858
حالات الشفاء: 273٬282
حالات نشطة: 30٬315
باكستان 309٬581
إجمالي الإصابات: 309٬581
إجمالي الوفيات: 6٬451
حالات الشفاء: 295٬333
حالات نشطة: 7٬797
إيطاليا 306٬235
إجمالي الإصابات: 306٬235
إجمالي الوفيات: 35٬801
حالات الشفاء: 222٬716
حالات نشطة: 47٬718
الفلبين 299٬361
إجمالي الإصابات: 299٬361
إجمالي الوفيات: 5٬196
حالات الشفاء: 232٬399
حالات نشطة: 61٬766
ألمانيا 283٬706
إجمالي الإصابات: 283٬706
إجمالي الوفيات: 9٬530
حالات الشفاء: 249٬500
حالات نشطة: 24٬676
إندونيسيا 266٬845
إجمالي الإصابات: 266٬845
إجمالي الوفيات: 10٬218
حالات الشفاء: 196٬196
حالات نشطة: 60٬431
إسرائيل 217٬899
إجمالي الإصابات: 217٬899
إجمالي الوفيات: 1٬412
حالات الشفاء: 153٬574
حالات نشطة: 62٬913
أوكرانيا 191٬671
إجمالي الإصابات: 191٬671
إجمالي الوفيات: 3٬827
حالات الشفاء: 85٬133
حالات نشطة: 102٬711
كندا 150٬456
إجمالي الإصابات: 150٬456
إجمالي الوفيات: 9٬255
حالات الشفاء: 129٬573
حالات نشطة: 11٬628
بوليفيا 133٬222
إجمالي الإصابات: 133٬222
إجمالي الوفيات: 7٬800
حالات الشفاء: 92٬868
حالات نشطة: 32٬554
الإكوادور 132٬475
إجمالي الإصابات: 132٬475
إجمالي الوفيات: 11٬236
حالات الشفاء: 102٬852
حالات نشطة: 18٬387
قطر 124٬650
إجمالي الإصابات: 124٬650
إجمالي الوفيات: 212
حالات الشفاء: 121٬512
حالات نشطة: 2٬926
رومانيا 119٬683
إجمالي الإصابات: 119٬683
إجمالي الوفيات: 4٬633
حالات الشفاء: 96٬158
حالات نشطة: 18٬892