ثقافة

«خيانة أينشتين»…أزمة المثقف أبدية

علامات فارقة «خيانة أينشتين»…أزمة المثقف أبدية تاريخ النشر: 28/07/2019 استمع  '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: محمدو لحبيب

«لم أفعل شيئاً، لكن لن أسامح نفسي»، «أنا أحد أكبر المنتجين للنفايات على الأرض»، «أصبح لي ضحايا بمئات الآلاف، بل الملايين في الغد القادم، ستفوح منها رائحة الجثث المتحلِّل»، بتلك الجمل الحوارية يختزل الكاتب المسرحي والروائي الفرنسي من أصول بلجيكية، أريك إيمانويل شميت، في مسرحيته «خيانة أينشتين»، مأساة المثقف حين يرى بأم عينه التأثير المهلك والمدمر لما أنتجه من أفكار، أو مخترعات، وهي تستخدم بيد من لا يأبهون للبعد الأخلاقي الإنساني، ولا يهتمون إلا بالسبق في ميدان السيطرة والهيمنة على السلطة المطلقة.
من الواضح من المسرحية، ومشاهدها، وحوارتها، أن شميت أراد نقاش إشكالية قديمة متجددة تتمثل في التناقض بين علاقة المثقف بالسلطة، من جهة، وعلاقته بذاته، وأفكاره، ومبادئه، من خلال الصراع الذي نشأ لدى العالم الألماني ألبرت أينشتين الذي غير وجه الفيزياء، ووجه العالم كله، حين أسهم بصناعة أشد الأسلحة فتكا في عصرنا، وهو القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، في أواخر الحرب الثانية.
وفي الواقع ليس ذلك الصراع النفسي بين المثقف ومنتجه ومبادئه خاصاً بأينشتين وحده، فقد سبقه إلى ذلك الكثيرون من بينهم: ألفريد نوبل، مخترع الديناميت، الذي قرر بعد ما رأى الآثار المدمرة لمنجزه أن يُكفِر عن ذلك بتخصيص جائزة للآداب والعلوم والسلام، تعرف باسمه إلى الآن.
وربما أراد شميت أن يناقش تلك الإشكالية بشكل عام من خلال هذه المسرحية، لكنه أراد بلعبة إثارة وتشويق تليق بكاتب محترف مثله، أن يتكئ على الشهرة الكبيرة التي تقترب من الأسطورة، والتي تُحاط بها شخصية أينشتين، وما يروى عن عبقريته الفذة، وأراد أن يدفع المتلقي إلى شحذ انتباهه ومتابعة مجريات المسرحية، لشهرة من تتحدث عن «خيانته»، وبشكل مستتر، يناقش المواضيع الأخلاقية الآنفة الذكر، إضافة لمواضيع أخرى تم تناولها في ثنايا النص من خلال علاقة أينشتين بالمجتمع الذي هاجر إليه، واستقر فيه وهو المجتمع الأمريكي، وكيف تنظر إليه بعض الدوائر النخبوية السلطوية فيه بنظرة إقصائية دونية، رغم مكانته كعالِم نابغة في زمنه.
وفي ثمانية مشاهد يصوغ شميت حكايته عن خيانة أنشتاين، ويستخدم شخصيات محدودة في العمل هي «أينشتين» نفسه، وشخص أمريكي أسود «المتشرد»، ومخبر من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية اسمه «أونيل»، وامرأة تدعى «هيلين دوكاس» تظهر في نهاية المسرحية، وركز شميت على تكثيف العلاقات بين تلك الشخصيات، من خلال الحوارات الرمزية والمواقف المؤثرة، وقام باستدعاء التاريخ الذي يبدأ في المسرحية، ما قبل الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في سنة 1934، ليستمر سنوات بعد ذلك في مدينة نيوجرسي الأمريكية التي كان يسكنها في الواقع أينشتين.
العدد المحدود من الشخصيات سمح للكاتب بإدارتها بشكل متقن، وعرض الصراعات العديدة بشكل يجعل القارئ للنص أو المشاهد للعرض، يغوص عميقاً في أبعاد الحكاية، ليفكر بشكل كوني، ويطرح سؤالاً بارزاً: ماذا لو انسجم كل مثقف مع مبادئه الأخلاقية العامة؟ ماذا لو التزم بعدم الانجراف وراء إغراء السلطة والشهرة، وحافظ على منتجه بعيداً عن كل تلك الضغوط؟ كأن شميت من خلال ذلك أراد أن يضع على لسان المتلقي جواباً بسيطاً ومباشراً، هو: بالتأكيد سيكون العالم أجمل، وأكثر سلاماً.
في بدايات المسرحية يُظهر شميت بطله أينشتين وهو يستعرض مبادئه التي ترفض الحرب كوسيلة للهيمنة، وتأبى أن يقتل الإنسان أخيه الإنسان، من خلال حواراته مع المتشرد، ثم يوضح مقاومة أينشتين المتمثلة في إيمانه بالفكرة، وبأن الاستبداد والقمع اللذين يمثلهما هتلر ونازيته لا يستطيعان القضاء على الفكرة، في معرض حديثه مع المتشرد حول إحراق كتبه في ساحة عامة في وطنه الأصلي ألمانيا، حيث يقول له: «هتلر لن يتمكَّن من إحراق الفكرة؛ لأن الفكرة هي النار نفسها».
لكن تلك المبادئ كلها تتغير حين يلجأ أينشتين إلى مراسلة الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، عارضاً عليه أن ينتج السلاح النووي انطلاقاً من أبحاثه التي أعدت لذلك، وذلك كي يلقيه على هتلر، وجنوده، ثم تأتي مرحلة الندم عند أينشتين، والتشظي بين مبادئه السابقة، وآثار التدمير الهائل الذي أحدثته القنبلة النووية.
يظهر شميت ذلك العذاب الذي عاشه أينشتين من خلال حوارات مع المتشرد، ويعبر فيها أينشتين عن أسفه، وندمه، ويقول في إحدى جملها: «لم أخترع القنبلة النووية، ولم ألهمها؛ لم تكن معادلاتي تقصد الكارثة، كانت أبحاثي نظريات خالصة، وأعمالًا فيزيائية قاعدية».
ويختزل شميت مسرحيته في نهايتها التي يظهر فيها أينشتين وهو يدعو إلى توقيع ميثاق سلام، ما يدفع السلطة إلى اعتباره خصماً لها، ويدفع «أونيل» إلى التوصية بمراقبته، والحذر منه، وتفتيش كل ما يتعلق به، ما يجعل منه «متشرداً» آخر أفدح حالاً من المتشرد الأمريكي الذي كان يحاوره في المسرحية، ويشكو إليه همومه، إنه اختزال لغربة المثقف حين يبقى وحيداً في مواجهة تشظيات نفسه، وحيرته، وندمه على التأثيرات السيئة التي نتجت عن أفكاره، وما صاغه عقله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق