مقالات

حياتنا بعد الخروج من الحبس

عثمان ميرغني

الحذر هي أكثر كلمة تسمعها مع بدء عدد من الدول تخفيف الإجراءات المشددة التي فرضت لمواجهة جائحة فيروس «كورونا المستجد». فمنظمة الصحة العالمية شددت على أهمية توخي الحذر الشديد في الدول التي بدأت ترفع القيود، محذرة من انتكاسات خطيرة إذا لم يحدث الأمر بالتدرج، ووفق ضوابط لمنع انتشار الفيروس. الاتحاد الأوروبي أيضاً دعا أعضاءه للتنسيق والحذر، مشيراً إلى أن تخفيف الإجراءات سيصاحبه بالضرورة ارتفاع في الإصابات، ما يتطلب الاستمرار في اتباع سياسة «البعد الآمن» في الأماكن العامة. كذلك أعلنت كل الحكومات التي بدأت خطوات للخروج من العزلة التي فرضها فيروس «كورونا» أنها تفعل ذلك بحذر شديد وخطوات متدرجة، وسوف تسير وفقاً لرأي العلماء والمختصين حتى لا تفلت الأمور وترتفع الإصابات مجدداً، ما يهدد حياة الناس، وينسف جهود استئناف الأنشطة الاقتصادية.
هذا التشديد على مفردة «الحذر» سببه أن الحكومات تعرف أن هناك درجة من المخاطرة في تخفيف الإجراءات قبل التوصل إلى علاج ولقاح، لكنها في المقابل تعرف أنه لا بد من استئناف الحياة وعودة العمل والنشاط الاقتصادي بشكل متدرج. فالناس بدأوا يتململون من الحبس الذي طال، بينما يشعر كثيرون بالضغوط المالية والمعيشية والقلق نتيجة تعطل أعمالهم أو فقدانهم وظائفهم. ذلك أن الجائحة قلبت الحياة رأساً على عقب، وخلّفت أزمة مالية واقتصادية عالمية غير مسبوقة سوف تستمر تداعياتها لسنوات، مع التقديرات التي تشير إلى أن خسائر العالم خلال هذه الأشهر الخمسة تقدر بأكثر من 9 تريليونات دولار. الحكومات تشعر بهذه الضغوط المتراكمة، وتدرك أن حزم المساعدات المالية للناس وللأعمال لا يمكن أن تستمر طويلاً بهذا الشكل، وأنه لا بد من استئناف العمل وعودة دوران عجلة الاقتصاد، على الرغم من تحذيرات الخبراء من حدوث انتكاسات وعودة الإصابات إلى الارتفاع، بما يزيد احتمال موجة ثانية من «كورونا».
لهذا اختارت كل الدول التي بدأت تخفف إجراءاتها أسلوب التدرج، سواء في السماح للناس بحرية أكبر في الحركة، أو استئناف بعض الأنشطة الاقتصادية، مع مراعاة ضوابط «البعد الآمن»، وارتداء كمامات في وسائل المواصلات العامة أو في الأماكن الضيقة المغلقة، وأقلمة بيئة العمل، لمراعاة الجوانب الصحية، سواء بتغيير طريقة الجلوس في المدارس والمكاتب للاحتفاظ بمسافة مترين تقريباً بين كل شخص وآخر، أو بتوفير مطهر الأيادي وتعقيم بعض الأماكن.
الواقع أنه لا أحد يعرف بالضبط ما ستكون عليه الأمور، مع خروج الناس تدريجياً من الحبس واستئناف العمل والنشاط الاقتصادي، لذلك تراقب كل دولة ما يحدث عندها وعند الآخرين، وتضع احتمال إعادة فرض بعض القيود والإجراءات إذا عادت أرقام الإصابات بفيروس «كورونا المستجد» إلى الارتفاع بمعدلات عالية. فالحكومة البريطانية مثلاً واجهت أمس انتقادات شديدة في أول يوم لعودة كثير من الناس إلى مكاتبهم أو أعمالهم في عدد من القطاعات، وذلك بسبب مناظر الزحام الشديد في وسائل المواصلات العامة، وعدم الالتزام بسياسة «البعد الآمن»، بينما تجاهل كثيرون النصيحة بارتداء كمامات.
حكومة بوريس جونسون اتُهمت بأنها لم تستعد بشكل كافٍ لتخفيف القيود، وأن الوثيقة التي أصدرتها في 50 صفحة واعتبرتها بمثابة خريطة طريق اتسمت بالضبابية ولم تقدم تفاصيل كافية توضح خطوات العودة إلى العمل، والاستعدادات التي يجب توفيرها لحماية الناس وضمان التقيد بإجراءات الوقاية. فالحكومة مثلاً دعت الناس لاستخدام سياراتهم أو الدراجات أو السير على الأقدام ما أمكنهم ذلك لتخفيف الزحام في وسائل المواصلات العامة، لكنها تجاهلت أن أغلبية الناس يعيشون خارج لندن ويعملون داخلها، ويصعب عليهم الوصول بالدراجات أو على الأقدام، ولم تراعِ كذلك رسوم دخول السيارات إلى وسط المدينة والتكلفة العالية لمواقف السيارات التي تعتبر عوامل ردع لكثيرين من استخدام سياراتهم.
وزيادة في تعقيد الصورة حذرت دراسة أعدتها كلية لندن الجامعية نشرت في مجلة «لانسيت» الطبية، أمس، من أن هناك نحو 8 ملايين شخص في بريطانيا قد يواجهون مخاطر إذا عادوا إلى العمل في ظروف «كورونا» لأنهم يعانون من مشكلات صحية، مثل السكر والربو وأمراض القلب، إضافة إلى من يعانون من نقص المناعة لخضوعهم لعلاجات السرطان أو لأسباب أخرى. وأشارت الدراسة إلى أن أكثر من 73 ألف حالة وفاة قد تحدث، إذا عاد الأشخاص في هذه الفئات إلى العمل في ظل الجائحة الراهنة.
في ألمانيا أيضاً تراقب الحكومة التطورات بحذر، بعدما حدثت زيادة في الإصابات بالفيروس بمجرد البدء في تخفيف الإجراءات والسماح بفتح المدارس والمطاعم وبعض المتاجر، بينما استعد دوري كرة القدم للعودة، لكن من دون جمهور. فقد بلغ المعدل اليومي للإصابات نحو 1200 حالة الأسبوع الماضي، بينما سجلت أول من أمس 933 إصابة. ونتيجة لذلك قررت بعض المقاطعات، مثل شمال الراين فستفاليا، تأجيل عودة فتح المطاعم وصالونات الحلاقة وصالات الرياضة والمواقع السياحية، حتى يعود معدل الإصابات إلى الانخفاض.
ما يحدث في ألمانيا سيكون مؤشراً مهماً، لأنها كانت من بين أنجح الدول في كبح جماح «كورونا» والحد من معدل الوفيات، وأي انتكاسة مع تخفيف الإجراءات واستئناف بعض الأنشطة سترسل إشارة تحذير لدول أخرى تفكر في استئناف النشاط الاقتصادي والحد من القيود المفروضة، أو بدأت في ذلك بالفعل. وستكون هناك دروس أيضاً مما سيحدث في فرنسا والصين وكوريا الجنوبية بعد الارتفاع الطفيف في الإصابات الأيام الماضية.
لكن الاهتمام الأكبر قد ينصب على أميركا التي تعتبر الأولى عالمياً الآن في عدد الإصابات (1.4 مليون) أو الوفيات (أكثر من 83 ألفاً حتى أمس)، وبدأت بعض ولاياتها تخفيف القيود المفروضة، بينما يضغط الرئيس دونالد ترمب بشدة لإعادة تشغيل الاقتصاد، وعينه على الانتخابات الرئاسية المقبلة. فأي انتكاسة الآن في جهود احتواء فيروس «كورونا المستجد» الذي ضرب أميركا بعنف قد تؤدي إلى موجة ثانية ستكون لها تداعيات كبيرة سواء على الانتخابات، أو على الاقتصاد العالمي، أو على صعيد أرقام الضحايا. وكان لافتاً أن اثنين من أبرز خبراء الحكومة الأميركية في هذا المجال، وهما الدكتور أنطونيو فوشي، والدكتور روبرت ريدفيلد، ناقضا ترمب وحذرا من نتائج وخيمة إذا استعجلت الإدارة تشغيل الاقتصاد وسمحت بعودة الناس إلى العمل قبل السيطرة على المرض ومعدل الإصابات.
الناس سيخرجون تدريجياً من الحبس وستخفف القيود المفروضة بالتأكيد، كما أن الضرورة تحتم استئناف الأعمال والأنشطة الاقتصادية بشكل متدرج، لكن الحياة ستكون مختلفة تماماً عما كانت عليه مع استمرار إجراءات الوقاية مثل البعد الآمن، ولبس الكمامات واستخدام مطهر الأيادي، وتفادي الأماكن المزدحمة، والعودة إلى مكاتب ومدارس ومصانع يتباعد فيها أماكن الجلوس والوقوف. سيتأثر كثير من تفاصيل حياتنا لفترة، لا أحد يستطيع أن يحدد كم ستطول، بانتظار التوصل إلى علاج ولقاح… أو أن تحدث المعجزة ويضعف الفيروس ويختفي مثلما حدث لفيروسات أخرى.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 13٬755٬039
إجمالي الإصابات: 13٬755٬039
إجمالي الوفيات: 273٬130
حالات الشفاء: 8٬109٬154
حالات نشطة: 5٬372٬755
الهند 9٬433٬600
إجمالي الإصابات: 9٬433٬600
إجمالي الوفيات: 137٬190
حالات الشفاء: 8٬848٬080
حالات نشطة: 448٬330
البرازيل 6٬314٬740
إجمالي الإصابات: 6٬314٬740
إجمالي الوفيات: 172٬848
حالات الشفاء: 5٬578٬118
حالات نشطة: 563٬774
روسيا 2٬295٬654
إجمالي الإصابات: 2٬295٬654
إجمالي الوفيات: 39٬895
حالات الشفاء: 1٬778٬704
حالات نشطة: 477٬055
فرنسا 2٬218٬483
إجمالي الإصابات: 2٬218٬483
إجمالي الوفيات: 52٬325
حالات الشفاء: 161٬427
حالات نشطة: 2٬004٬731
إسبانيا 1٬646٬192
إجمالي الإصابات: 1٬646٬192
إجمالي الوفيات: 44٬668
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬601٬524
المملكة المتحدة 1٬617٬327
إجمالي الإصابات: 1٬617٬327
إجمالي الوفيات: 58٬245
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬559٬082
إيطاليا 1٬585٬178
إجمالي الإصابات: 1٬585٬178
إجمالي الوفيات: 54٬904
حالات الشفاء: 734٬503
حالات نشطة: 795٬771
الأرجنتين 1٬418٬807
إجمالي الإصابات: 1٬418٬807
إجمالي الوفيات: 38٬473
حالات الشفاء: 1٬249٬843
حالات نشطة: 130٬491
كولومبيا 1٬308٬376
إجمالي الإصابات: 1٬308٬376
إجمالي الوفيات: 36٬584
حالات الشفاء: 1٬204٬452
حالات نشطة: 67٬340
المكسيك 1٬107٬071
إجمالي الإصابات: 1٬107٬071
إجمالي الوفيات: 105٬655
حالات الشفاء: 818٬397
حالات نشطة: 183٬019
ألمانيا 1٬059٬469
إجمالي الإصابات: 1٬059٬469
إجمالي الوفيات: 16٬593
حالات الشفاء: 739٬100
حالات نشطة: 303٬776
بولندا 990٬811
إجمالي الإصابات: 990٬811
إجمالي الوفيات: 17٬150
حالات الشفاء: 577٬514
حالات نشطة: 396٬147
بيرو 962٬530
إجمالي الإصابات: 962٬530
إجمالي الوفيات: 35٬923
حالات الشفاء: 893٬061
حالات نشطة: 33٬546
إيران 962٬070
إجمالي الإصابات: 962٬070
إجمالي الوفيات: 48٬246
حالات الشفاء: 668٬151
حالات نشطة: 245٬673
جنوب أفريقيا 787٬702
إجمالي الإصابات: 787٬702
إجمالي الوفيات: 21٬477
حالات الشفاء: 730٬633
حالات نشطة: 35٬592
أوكرانيا 732٬625
إجمالي الإصابات: 732٬625
إجمالي الوفيات: 12٬327
حالات الشفاء: 345٬149
حالات نشطة: 375٬149
تركيا 607٬628
إجمالي الإصابات: 607٬628
إجمالي الوفيات: 13٬558
حالات الشفاء: 400٬242
حالات نشطة: 193٬828
بلجيكا 576٬599
إجمالي الإصابات: 576٬599
إجمالي الوفيات: 16٬547
حالات الشفاء: 37٬383
حالات نشطة: 522٬669
العراق 552٬549
إجمالي الإصابات: 552٬549
إجمالي الوفيات: 12٬258
حالات الشفاء: 482٬674
حالات نشطة: 57٬617
تشيلي 550٬430
إجمالي الإصابات: 550٬430
إجمالي الوفيات: 15٬356
حالات الشفاء: 525٬212
حالات نشطة: 9٬862
إندونيسيا 538٬883
إجمالي الإصابات: 538٬883
إجمالي الوفيات: 16٬945
حالات الشفاء: 450٬518
حالات نشطة: 71٬420
هولندا 523٬478
إجمالي الإصابات: 523٬478
إجمالي الوفيات: 9٬376
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 514٬102
التشيك 519٬723
إجمالي الإصابات: 519٬723
إجمالي الوفيات: 8٬138
حالات الشفاء: 444٬406
حالات نشطة: 67٬179
رومانيا 475٬362
إجمالي الإصابات: 475٬362
إجمالي الوفيات: 11٬331
حالات الشفاء: 353٬188
حالات نشطة: 110٬843
بنغلاديش 464٬932
إجمالي الإصابات: 464٬932
إجمالي الوفيات: 6٬644
حالات الشفاء: 380٬711
حالات نشطة: 77٬577
الفلبين 431٬630
إجمالي الإصابات: 431٬630
إجمالي الوفيات: 8٬392
حالات الشفاء: 398٬658
حالات نشطة: 24٬580
باكستان 398٬024
إجمالي الإصابات: 398٬024
إجمالي الوفيات: 8٬025
حالات الشفاء: 341٬423
حالات نشطة: 48٬576
كندا 370٬278
إجمالي الإصابات: 370٬278
إجمالي الوفيات: 12٬032
حالات الشفاء: 294٬411
حالات نشطة: 63٬835
المملكة العربية السعودية 357٬360
إجمالي الإصابات: 357٬360
إجمالي الوفيات: 5٬896
حالات الشفاء: 346٬802
حالات نشطة: 4٬662