ثقافة

حياة كاملة في الدراما

حياة كاملة في الدراما تاريخ النشر: 14/07/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); هو لا يكاد يكتب شيئاً إلا للمسرح، ولا يكاد يعيش إلا حياة المسرح، ولا ينضوي تحت لواء مدرسة أدبية أو فلسفية، ولا يكتب في الصحف أو يفلسف مسرحياته، ورغم شهرته العريضة، فإنه كان يؤثر العزلة والبعد عن الأضواء، كأنما كان يكتب وحده لعالم المسرح الخاص الغريب، إنه الكاتب الفرنسي «جان آنوي» (23 يونيو/ حزيران 1910 – 3 أكتوبر/ تشرين الأول 1987) الذي ولد لأسرة فقيرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، ولم يكمل دراسته لأسباب مالية، فقد انقطع عن دراسة الحقوق، ليعمل في دار للإعلان، وبعد أن أمضى فترة الخدمة العسكرية عمل سكرتيراً للممثل الشهير «لوي جوفيه».
كان «جان آنوي»، منذ صباه الباكر مفتوناً بالمسرح، وحاول كتابة مسرحيات شعرية منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، وراح يشهد المسرح بانتظام في فترة دراسته الثانوية، وفي عام 1932 صعد إلى قمة الشهرة، في ليلة واحدة، ليلة البروفة العامة لمسرحية «السمور الأبيض»، لكن هذه الشهرة العريضة لم تستطع أن تغير شيئاً من حياته، كما لم تستطع متاعب الفقر التي عانى منها الكثير في حداثته، أن تغير منه شيئاً، فتجربة الفقر المريرة هذه، والتي طبعت طفولته بطابعها القاسي، تجعلنا ندرك سر إلحاح هذه التجربة عليه في عمله الفني، فهذا كاتب لم تكد تتاح له حياة خاصة يحياها خارج عالم المسرح، وهو إذن يحيا حياته كلها مع شخصيات مسرحياته، إنه يكتب للمسرح ما كان له مقدراً أن يعيشه في الحياة.
تأتي هذه التجربة عند «آنوي» في سياق تصور درامي مميز، ففي البدء كانت السعادة هي الكنز المفقود، الجنة التي طرد منها الإنسان منذ الحداثة الأولى، وظل يفتقدها أبداً، ويتوق إليها، ولا يبلغها قط، ثم يأتي بعد ذلك الفقر، الذي يسمم حياة شخصياته المسرحية، ويلطخها، وهنا يرى إدوار الخراط في تقديمه لترجمة مسرحية «آنوي»: «ميديا» أن الصراع مع الحياة يلعب دوراً رئيسياً في أعمال هذا الكاتب المسرحي، كأن هذه المرارة تركت عنده بصمات لا تمحى، ودفعته دفعاً نحو التمرد المستمر، لكنه ليس تمرداً سياسياً ولا اجتماعياً، إنه يوشك أن يكون ثورة ميتافيزيقية لا حل لها، ثورة على الأمل والسعادة وعلى الحياة الدميمة، هو تمرد لا حل له إلا بالاتجاه إلى الموت.
إن النغمات الرئيسية التي نجدها في «ميديا»، هي احتقار السعادة، والسعي إلى أمجاد لا تنال إلا بالتضحية بالعالم والحياة، كما نجد أيضاً النغمة المألوفة التي تزدري عامة الناس؛ إذ يتوجسون خيفة من الدخول في غمار المغامرة، ويؤثرون العيش الرخي، مع التسليم والخضوع، بدلاً من اقتحام المخاطر في سبيل استجابة النداء القوي للنقاء الكلي والخلاص المطلق، ولو كان معناه الموت. ميديا عند «آنوي» تعالج موضوعاً من الموضوعات التي يلح عليها، إنها نموذج متميز، فهي المرأة التي تتعذب لأنها امرأة، وتشقى بأنوثتها وتتمرد عليها، نحن هنا بإزاء علاج درامي نادر لموقف من المواقف، التي لم يكشف عنها على نحو مستفيض مدروس، إلا في أعمال التحليل النفسي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق