مقالات

حكاية مدينة جريحة اسمها طرابلس


إياد أبو شقرا

ما كان ممكناً أن تأتي في توقيت أسوأ تلك العملية الدامية الإرهابية والعبثية في آن، التي شهدتها أخيراً مدينة طرابلس، ثاني كبرى مدن لبنان. ما كان ممكناً أن تُوقّت بصورة أكثر إيذاء، سواءً على المستوى اللبناني أو في المناخ العربي والإقليمي.
فعلة الشاب عبد الرحمن مبسوط، التي انتهت بتفجيره نفسه في أعقاب جولة قتل مجنونة «ضربت عدة عصافير بحجر واحد»، أعادت إلى الأذهان ودهاليز السياسة ومنصات الإعلام أبشع المشاهد والخلاصات والتعابير.
على المستوى اللبناني، بينما يعيش اللبنانيون حالة خطرة من استنهاض الأحقاد و«شيطنة» المكوّن السنّي، بالذات، يأتي شاب سنّي من قلب «عاصمة» السنّة – كما أحبّ أحد الساسة الطرابلسيين الشماليين تذكيرنا قبل بضع سنوات – ليقتل عسكريين شباناً يمثلون آخر ما تبقى من خيال دولة وبقايا مؤسسات، صاحب المصلحة الأكبر في حمايتها… السنّة.
والحال، أنه في وضع لبنان المُزري حالياً، السنّة – وبطبيعة الحال، معهم الأقليات الصغرى حجماً – هم أصحاب المصلحة في استعادة الدولة في ظل حراب احتلال أمني فعلي تمثله إيران عبر «حزب الله»، وانشغال القيادة المسيحية الأولى في تصفية حساباتها الصغيرة مع الجميع إلا مع الذين صادروا الدولة لأنفسهم. بل، إن هذه القيادة المسيحية تستقوي بهؤلاء، وتضرب بسيوفهم، طمعاً بمناصب اسمية لا تستند إلى مقوّمات ديموغرافية أو عسكرية… رغم مناورات التذاكي والتآمر والتطاول داخل لبنان وخارجه.
أما على المستويين العربي والإقليمي، فأمامنا تفاقم المحنة السورية وسط تشرذم عربي، وتسابق على الهروب من اتخاذ مواقف شجاعة درءاً لويلات آتية حتماً، و«سيناريوهان» مقلقان يتعلقان بإيران وبإسرائيل، و«حالة تركية» غامضة محكومة بإيقاع حرية التحرك الروسي في الشرق الأوسط.
أما القاسم المشترك بين كل ما تقدّم فهو وجود مأزق كبير تتشابك عنده المصالح… وكلها تقريباً في غير صالح العرب، وبالذات، في غير صالح السنّة.
سياسيان لبنانيان تنبّها إلى «النغمة» التي رافقت «عملية مبسوط» وما تلاها، هما الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط والدكتور فارس سعيد، النائب السابق والأمين السابق لتجمع «قوى 14 آذار»، وبادرا بشجاعة إلى التحذير من «شيطنة» السنّة. وبالمناسبة، هذه «النغمة» ليست جديدة، بل ازدادت ارتفاعاً بعد التسوية الرئاسية التي جاءت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، ورضوخ قوى مؤثرة في «14 آذار» لشروط عون، التي هي شروط «حزب الله»، بالنسبة لقانون الانتخابات… ومن ثم اختلال موازين القوى التي أدت إلى استيلاد حكومة ائتلافية ضعيفة تعمل في ظل «أمر واقع» يقوم على مبدأ «غالب ومغلوب» صريح.
وواقع الأمر أن المسألة ما عادت لفظية أو إعلامية، بل نراها تمسّ أداء الوزراء، الذين استمرأ بعضهم تجاوز صلاحياته، بل تجاوز «المسؤولية الجماعية» المُلزِمة للفريق الحكومي الواحد، وأضحى يتصرف وكأنه حكومة قائمة بذاتها لأنه يحظى بدعم استثنائي داخلياً وخارجياً. ولكن حتى على الصعيد اللفظي، ثمة مَن يتعمّد الإيحاء، بل والإقناع، بأن الإرهاب صفة ملازمة حصراً لطائفة واحدة أو جماعة واحدة. وأن العنف الأهوج الأعمى «ماركة مسجلة»، و«التطرف» نقيصة محجوزة لفئة من اللبنانيين دون غيرها.
في جو كهذا، يتعذّر التفاهم الفعلي على شيء، ومن ثم، يستحيل بناء وطن.
ما حدث في طرابلس قد يكون حالة من حالات «الذئاب المنفردة» أو لا يكون. وقد تكون أو لا تكون هناك خلايا نائمة من الشباب الطرابلسي المأزوم مادياً، والمحروم ثقافياً، والمقهور اجتماعياً، كيف لا… وطرابلس لا تبعد كثيراً عن مدن وقرى سورية شهدت «تهجيراً طائفياً» بقوة السلاح، الذي بعضه عبر الحدود إلى الداخل السوري من لبنان، فازداد فقراؤها فقراً.
ثم إن لبنان شهد بسبب احتكار السلاح، تفاوتاً في المعاملة بين أشكال متعدّدة من التطرف الديني. إذ بينما دخل بعضهم البرلمان وصاروا نواباً ووزراء ومرجعيات في تعريف «الشرعية» و«الوطنية» و«الحرب على الإرهاب»، زُجّ بالبعض الآخر في السجون من دون محاكمة في الكثير من الحالات… ما ضاعف الشعور بالظلم والحيف، وولّد مرارة كان من الطبيعي أن تُترجَم سخطاً على المجتمع وحقداً على نخبه السياسية.
بل إن طرابلس، بالذات، عانت الكثير خلال العقود الماضية. وعمل البعض عمداً على تحويل هذه المدينة العريقة من معقل للفكر الوطني والهوية الثقافية العربية والنزعات التقدمية التحرّرية إلى «تهمة» بل «إدانة دائمة» بالتطرّف و«القندهارية».
هذه المدينة التي دخل مفتيها عبد الحميد كرامي عالم السياسة اللبنانية منافحاً عن العروبة لا الانغلاق الديني، وتنتمي والدة مفتيها الحالي مالك الشعار إلى بلدة بترومين المسيحية، التي انتخبت من النواب بعثيين وقوميين و… ماركسيين، والتي أسّست فيها مدارس مرموقة للإنجيليين الأميركيين والفرير الفرنسيين، ما كانت في يوم من الأيام بؤرة تعصّب ديني.
زرع بذور التعصّب كان متعمداً وازداد كثيراً في ظل ثلاثة عقود من هيمنة النظام الأمني السوري – اللبناني على المدينة. واللافت أن بعض الشخصيات الأكثر تطرفاً من أبناء المدينة كانت مقربة جداً من هذا النظام، وهو واقع يعرفه الطرابلسيون جيداً.
أكثر من هذا، إبان المعارك المدفعية التي كانت تندلع موسمياً في شرق طرابلس بين منطقتي باب التبانة ذات الغالبية السنّيّة، وبعل (أو جبل) محسن ذات الغالبية العلوية، سألت أحد أصدقائي من الأكاديميين الطرابلسيين عن خلفيات تلك الأحداث، فأجابني أن غالبية تقارب الـ80 في المائة من المشاركين في القتال مرتبطة بأجهزة أمنية، وهم يؤجّجون ويخفّفون تبعاً للتعليمات التي تردهم.
ما علينا من كل هذا… ثمة حقيقة مؤلمة في واقع طرابلس، التي أعطت لبنان عدداً لا يستهان به من رؤساء الحكومات، وعرفت الفنون والصناعات والمؤسسات الثقافية منذ القدم، وتضم اليوم عدداً من أغنى أغنياء لبنان والعالم العربي، هي أنها سميّت أخيراً كإحدى أكثر مدن حوض المتوسط فقراً.
هذه الصفة لا تليق بطرابلس…
الفقر كافر… وأسوأ ما فيه أنه يدفع إلى الهرب نحو عنف انتحاري تحت ستار الإيمان!

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 5٬149٬723
إجمالي الإصابات: 5٬149٬723
إجمالي الوفيات: 165٬070
حالات الشفاء: 2٬638٬470
حالات نشطة: 2٬346٬183
البرازيل 3٬013٬369
إجمالي الإصابات: 3٬013٬369
إجمالي الوفيات: 100٬543
حالات الشفاء: 2٬094٬293
حالات نشطة: 818٬533
الهند 2٬152٬020
إجمالي الإصابات: 2٬152٬020
إجمالي الوفيات: 43٬453
حالات الشفاء: 1٬479٬804
حالات نشطة: 628٬763
روسيا 882٬347
إجمالي الإصابات: 882٬347
إجمالي الوفيات: 14٬854
حالات الشفاء: 690٬207
حالات نشطة: 177٬286
جنوب أفريقيا 553٬188
إجمالي الإصابات: 553٬188
إجمالي الوفيات: 10٬210
حالات الشفاء: 404٬568
حالات نشطة: 138٬410
المكسيك 475٬902
إجمالي الإصابات: 475٬902
إجمالي الوفيات: 52٬006
حالات الشفاء: 318٬638
حالات نشطة: 105٬258
بيرو 471٬012
إجمالي الإصابات: 471٬012
إجمالي الوفيات: 20٬844
حالات الشفاء: 319٬171
حالات نشطة: 130٬997
كولومبيا 376٬870
إجمالي الإصابات: 376٬870
إجمالي الوفيات: 12٬540
حالات الشفاء: 204٬591
حالات نشطة: 159٬739
تشيلي 371٬023
إجمالي الإصابات: 371٬023
إجمالي الوفيات: 10٬011
حالات الشفاء: 344٬133
حالات نشطة: 16٬879
إسبانيا 361٬442
إجمالي الإصابات: 361٬442
إجمالي الوفيات: 28٬503
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 332٬939
إيران 324٬692
إجمالي الإصابات: 324٬692
إجمالي الوفيات: 18٬264
حالات الشفاء: 282٬122
حالات نشطة: 24٬306
المملكة المتحدة 309٬763
إجمالي الإصابات: 309٬763
إجمالي الوفيات: 46٬566
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 263٬197
المملكة العربية السعودية 287٬262
إجمالي الإصابات: 287٬262
إجمالي الوفيات: 3٬130
حالات الشفاء: 250٬440
حالات نشطة: 33٬692
باكستان 283٬487
إجمالي الإصابات: 283٬487
إجمالي الوفيات: 6٬068
حالات الشفاء: 259٬604
حالات نشطة: 17٬815
بنغلاديش 255٬113
إجمالي الإصابات: 255٬113
إجمالي الوفيات: 3٬365
حالات الشفاء: 146٬604
حالات نشطة: 105٬144
إيطاليا 250٬103
إجمالي الإصابات: 250٬103
إجمالي الوفيات: 35٬203
حالات الشفاء: 201٬947
حالات نشطة: 12٬953
الأرجنتين 241٬811
إجمالي الإصابات: 241٬811
إجمالي الوفيات: 4٬523
حالات الشفاء: 108٬242
حالات نشطة: 129٬046
تركيا 239٬622
إجمالي الإصابات: 239٬622
إجمالي الوفيات: 5٬829
حالات الشفاء: 222٬656
حالات نشطة: 11٬137
ألمانيا 216٬896
إجمالي الإصابات: 216٬896
إجمالي الوفيات: 9٬261
حالات الشفاء: 197٬400
حالات نشطة: 10٬235
فرنسا 197٬921
إجمالي الإصابات: 197٬921
إجمالي الوفيات: 30٬324
حالات الشفاء: 82٬836
حالات نشطة: 84٬761
العراق 147٬389
إجمالي الإصابات: 147٬389
إجمالي الوفيات: 5٬310
حالات الشفاء: 105٬504
حالات نشطة: 36٬575
الفلبين 126٬885
إجمالي الإصابات: 126٬885
إجمالي الوفيات: 2٬209
حالات الشفاء: 67٬117
حالات نشطة: 57٬559
إندونيسيا 123٬503
إجمالي الإصابات: 123٬503
إجمالي الوفيات: 5٬658
حالات الشفاء: 79٬306
حالات نشطة: 38٬539
كندا 119٬221
إجمالي الإصابات: 119٬221
إجمالي الوفيات: 8٬976
حالات الشفاء: 103٬566
حالات نشطة: 6٬679
قطر 112٬650
إجمالي الإصابات: 112٬650
إجمالي الوفيات: 182
حالات الشفاء: 109٬438
حالات نشطة: 3٬030
كازاخستان 97٬829
إجمالي الإصابات: 97٬829
إجمالي الوفيات: 1٬058
حالات الشفاء: 71٬609
حالات نشطة: 25٬162
مصر 95٬314
إجمالي الإصابات: 95٬314
إجمالي الوفيات: 4٬992
حالات الشفاء: 51٬672
حالات نشطة: 38٬650
الإكوادور 93٬572
إجمالي الإصابات: 93٬572
إجمالي الوفيات: 5٬916
حالات الشفاء: 71٬605
حالات نشطة: 16٬051
بوليفيا 89٬055
إجمالي الإصابات: 89٬055
إجمالي الوفيات: 3٬587
حالات الشفاء: 28٬904
حالات نشطة: 56٬564
الصين 84٬619
إجمالي الإصابات: 84٬619
إجمالي الوفيات: 4٬634
حالات الشفاء: 79٬168
حالات نشطة: 817
إغلاق