مقالات

حربنا الإقليمية القادمة

خالد البري

في الحرب العالمية الأولى، هُزمت ثلاثُ قوًى استعمارية: العثمانيون، والألمان، والطليان. قوتان من هذه القوى لم تتحمَّلا مرارةَ الهزيمة، وأرادتا استعادة ما اعتبرتاه «حقاً» لهما، وأشعلتا حرباً توسعية قبل أنْ تجف ذكريات الحرب الأولى، بما فيها من مآسٍ.
أما القوة الاستعمارية الثالثة، العثمانية، فأخفت المرارة تحت العجز. كان رجل أوروبا المريض من الضعف قبل الحرب الأولى بحيث انهزم بالضربة القاضية. ولم يكن ممكناً أن يقوم من أرض الحلبة، ويطالب باستعادة المستعمرات.
حظ تركيا كان أفضل، إذ صعد إلى القيادة مصطفى كمال أتاتورك، قرأ الأحداث، وقاسَ الواقع، فعلم أنَّ عهد الإمبراطوريات الاستعمارية إلى أفول، وأنَّ المستقبل للدولة الوطنية، فأنشأ تركيا الحديثة. هتلر وموسوليني جرا مزيداً من الخراب على دولتيهما، وخرجا بهزيمة أنكى من سابقتها.
أنصار الإمبراطورية الاستعمارية من العثمانيين لم يختفوا. أُبعدوا عن الواجهة لكن لم يختفوا. القيادة التركية انضمت إلى تحالف «الناتو» مع هازميها. أما هم فوظفوا فلول الإمبراطورية المهزومة في مستعمراتها السابقة، انتظاراً للحظتهم الهتلرية.
إن أردنا تقوية اقتصادنا بالسياحة، هاجم فلول العثمانيين عندنا السياح. إن أردنا تقوية وجودنا الاستراتيجي بالتحالفات العسكرية، رفعوا شعارات الولاء والبراء. إن أردنا تحديث الاقتصاد وتنويعه، حولوا المجتمع إلى طارد للأجانب كاره لهم. كل هذا في بلادنا. أما في تركيا، فعلى قلوبهم أحلى من العسل.
كانت وظيفة فلول العثمانيين في بلادنا تجريدنا من وسائل القوة، والسماح بها فقط لتركيا، استعداداً لتلك اللحظة الهتلرية، الموسولينية، حين يحين موعدها. حين يخرج من بين صفوف العثمانيين هتلر التركي يشكو من «سايكس بيكو» كما شكا هتلر من «فرساي». ويطالب باستعادة المستعمرات وكأنها حق له. اللحظة التي لا يهتم فيها بالعالم؛ بل يراهن على تخاذله، وينطلق في الجوار متوسعاً. هذا نقل بالمسطرة من كتاب هتلر.
ليس هذا عجيباً بالنسبة لنا، نحن الذين تخلَّصنا من الاستعمار العثماني سابقاً؛ لكننا لم نتخلص أبداً من دعايته على أرضنا. سمعناها في خطابات فلول العثمانيين كثيراً، تحت شعار «إعادة الخلافة». روَّجوا بلا خجل أنَّ مجتمعاتنا القديمة التي نشأت منها الحضارة قبل آلاف السنين «صنيعة سايكس بيكو». وكأن التاريخ بدأ في بني عثمان قبل خمسة قرون. حتى النازيون لم يكونوا بهذه «البجاحة». وشاهدنا أجيالاً من عناصر محلية داعمة تنمو حولنا. وشاهدناهم وقد صاروا نجوماً على شاشات التحالف العثماني الداخلة إلى بيوتنا. شاهدناهم وهم يجعلون «الخيانة الوطنية» وجهة نظر. أعوانهم من جماعات حقوق بني عثمان حرمتنا حتى من الحق الطبيعي في مواجهة عدونا، الحق الذي تمتع به الغرب حين كان يحارب هتلر، فيطارد المتعاونين معه بتهمة الخيانة. فعلمنا أن العثمانيين قادمون لحربنا لا محالة.
أما المثير للعجب فتكرار أوروبا رد فعلها المتأخر مع هتلر، ومراضاته، وقد أقسموا من قبل أنهم وعوا الدرس. سوَّلت لهم أنفسهم أن إردوغان ليس هتلر. وهو أخطر.
الحزب النازي نشأ وذكريات الحرب العالمية الأولى لا تزال حاضرة، والطموح الاستعماري لم يكن شيئاً مستهجناً. كان خصومه أيضاً لهم مستعمرات. أما إردوغان فيريد إحياء الإرث الاستعماري وقد زال من العالم، مدعماً أطماعه بدعاية دينية جهادية، ومعتمداً في توسعاته على جهاديين يتنقل بهم من سوريا إلى ليبيا. جهاديين كفرانكنشتين: تجميعهم كارثة، وتفريقهم كارثة.
حروب هتلر قضت على ملايين من الشباب الأوروبي من الجنود؛ لكنها كانت حرباً نظامية، انتهت وتمت السيطرة على العمليات الحربية. أما حروب إردوغان فتخرج جهاديين لن يضبطهم أحد.
كانت أوروبا تخشى موجات الهجرة لأيادٍ باحثة عن الرزق وهاربة من الحرب. الآن، تعد لها تركيا على سواحل المتوسط القريبة موجات جديدة من أيادٍ رزقها القتال، وتبحث عن الحرب.
لكن لننسَ أوروبا. انتبهت أم لا، ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرك. علينا أن نتجهز مادياً ومعنوياً وإعلامياً لاحتمال ليس ضئيلاً: أن حربنا الكبرى المؤجلة، لحظتنا مع هتلر، ربما تكون أقرب مما نظن. علينا ألا نخطئ خطأ شرق أوروبا فننتظر عون غيرنا. وعلينا – حتى لو لم تقع المواجهة العسكرية – أن نعمل للمستقبل بتجريده من أدوات حربه الأخرى. الآن وإلى الأبد.
لدى إردوغان ميزتان كبريان ومتصلتان؛ الأولى هي الصورة الذهنية التي تكونت عن تركيا، والثانية هي امتلاكه للعناصر المحلية الداعمة.
الصورة الذهنية عن تركيا في أي بلد أوروبي شبيهة بأوروبا، السياح لا يضايقهم أحد، والبلد مفتوحة لا توحي أبداً بوجود تطرف أو تشدد. أما عندنا، فالعناصر المحلية الداعمة وظيفتها الأولى كانت خلق صورة ذهنية معاكسة عنا نحن. لم تكن تلك مهمة ثانوية في الاستعداد للحرب. كل هذا يترجم سياسياً إلى قبول العالم لطرف ونفور من آخر.
حين حانت لحظة المواجهة، كانت العناصر المحلية الداعمة هي هي، تقف صراحة إلى جانب تركيا. لا زهدنا ولا حياتنا الصعبة المتقشفة، لا الحجاب، ولا الأذان في الميكروفونات، ولا «محاربة مظاهر الفجور» شفعت لنا عندهم وهم يختارون الدولة التي يخدمونها! بل استخدموها لإغراء مزيد من الشباب بـ«جمال تركيا» و«انفتاح تركيا».
هزيمة العناصر المحلية الداعمة – ينبغي أن نكون تعلمنا – الخطوة الأولى في حربنا.
علينا أن نعي خطورة أفكار التشدد الديني، حتى لو لم يصاحبها سلاح. هذه الأفكار غرضها هدم الدولة في أذهان مواطنيها، ثم في أذهان العالم، تمهيداً لابتلاعها. هدفها تحويل أوطاننا إلى بلاد نفورة، لا يحبها أبناؤها، يزهدون فيها، فيسهل على الطامعين ابتلاعها.
أما اجتماعياً، فعلينا أن نشين أفكار «الطابور الخامس» ورموزه، في كل مناسبة، ولو كان تعليقاً على «السوشيال ميديا»، وأن نخبرهم أننا نفهم ما يفعلون. ونعرف من يلمعهم وينفخ في صورهم.
لا يمكن للحياة أن تعطينا دروساً أوضح مما أعطتنا. وإلا: لا نلومن إلا أنفسنا.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 3٬355٬895
إجمالي الإصابات: 3٬355٬895
إجمالي الوفيات: 137٬405
حالات الشفاء: 1٬490٬702
حالات نشطة: 1٬727٬788
البرازيل 1٬840٬812
إجمالي الإصابات: 1٬840٬812
إجمالي الوفيات: 71٬492
حالات الشفاء: 1٬213٬512
حالات نشطة: 555٬808
الهند 851٬261
إجمالي الإصابات: 851٬261
إجمالي الوفيات: 22٬696
حالات الشفاء: 536٬544
حالات نشطة: 292٬021
روسيا 727٬162
إجمالي الإصابات: 727٬162
إجمالي الوفيات: 11٬335
حالات الشفاء: 501٬061
حالات نشطة: 214٬766
بيرو 322٬710
إجمالي الإصابات: 322٬710
إجمالي الوفيات: 11٬682
حالات الشفاء: 214٬152
حالات نشطة: 96٬876
تشيلي 312٬029
إجمالي الإصابات: 312٬029
إجمالي الوفيات: 6٬881
حالات الشفاء: 281٬114
حالات نشطة: 24٬034
إسبانيا 300٬988
إجمالي الإصابات: 300٬988
إجمالي الوفيات: 28٬403
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 272٬585
المكسيك 295٬268
إجمالي الإصابات: 295٬268
إجمالي الوفيات: 34٬730
حالات الشفاء: 180٬852
حالات نشطة: 79٬686
المملكة المتحدة 288٬953
إجمالي الإصابات: 288٬953
إجمالي الوفيات: 44٬798
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 244٬155
جنوب أفريقيا 264٬184
إجمالي الإصابات: 264٬184
إجمالي الوفيات: 3٬971
حالات الشفاء: 127٬715
حالات نشطة: 132٬498
إيران 257٬303
إجمالي الإصابات: 257٬303
إجمالي الوفيات: 12٬829
حالات الشفاء: 219٬993
حالات نشطة: 24٬481
باكستان 248٬872
إجمالي الإصابات: 248٬872
إجمالي الوفيات: 5٬197
حالات الشفاء: 156٬700
حالات نشطة: 86٬975
إيطاليا 242٬827
إجمالي الإصابات: 242٬827
إجمالي الوفيات: 34٬945
حالات الشفاء: 194٬579
حالات نشطة: 13٬303
المملكة العربية السعودية 229٬480
إجمالي الإصابات: 229٬480
إجمالي الوفيات: 2٬181
حالات الشفاء: 165٬396
حالات نشطة: 61٬903
تركيا 211٬981
إجمالي الإصابات: 211٬981
إجمالي الوفيات: 5٬344
حالات الشفاء: 193٬217
حالات نشطة: 13٬420
ألمانيا 199٬812
إجمالي الإصابات: 199٬812
إجمالي الوفيات: 9٬134
حالات الشفاء: 184٬500
حالات نشطة: 6٬178
بنغلاديش 183٬795
إجمالي الإصابات: 183٬795
إجمالي الوفيات: 2٬352
حالات الشفاء: 93٬614
حالات نشطة: 87٬829
فرنسا 170٬752
إجمالي الإصابات: 170٬752
إجمالي الوفيات: 30٬004
حالات الشفاء: 78٬388
حالات نشطة: 62٬360
كولومبيا 145٬362
إجمالي الإصابات: 145٬362
إجمالي الوفيات: 5٬119
حالات الشفاء: 61٬186
حالات نشطة: 79٬057
كندا 107٬347
إجمالي الإصابات: 107٬347
إجمالي الوفيات: 8٬773
حالات الشفاء: 71٬266
حالات نشطة: 27٬308
قطر 103٬128
إجمالي الإصابات: 103٬128
إجمالي الوفيات: 146
حالات الشفاء: 98٬934
حالات نشطة: 4٬048
الأرجنتين 97٬509
إجمالي الإصابات: 97٬509
إجمالي الوفيات: 1٬810
حالات الشفاء: 41٬408
حالات نشطة: 54٬291
الصين 83٬594
إجمالي الإصابات: 83٬594
إجمالي الوفيات: 4٬634
حالات الشفاء: 78٬634
حالات نشطة: 326
مصر 81٬158
إجمالي الإصابات: 81٬158
إجمالي الوفيات: 3٬769
حالات الشفاء: 23٬876
حالات نشطة: 53٬513
إندونيسيا 75٬699
إجمالي الإصابات: 75٬699
إجمالي الوفيات: 3٬606
حالات الشفاء: 35٬638
حالات نشطة: 36٬455
العراق 75٬194
إجمالي الإصابات: 75٬194
إجمالي الوفيات: 3٬055
حالات الشفاء: 43٬079
حالات نشطة: 29٬060
السويد 74٬898
إجمالي الإصابات: 74٬898
إجمالي الوفيات: 5٬526
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 69٬372
الإكوادور 67٬209
إجمالي الإصابات: 67٬209
إجمالي الوفيات: 5٬031
حالات الشفاء: 30٬107
حالات نشطة: 32٬071
بيلاروس 64٬767
إجمالي الإصابات: 64٬767
إجمالي الوفيات: 459
حالات الشفاء: 54٬919
حالات نشطة: 9٬389
بلجيكا 62٬606
إجمالي الإصابات: 62٬606
إجمالي الوفيات: 9٬782
حالات الشفاء: 17٬196
حالات نشطة: 35٬628
إغلاق