مقالات

تجاعيدُ سوفياتيةٌ في وجهِ النظام الإيراني


غسان شربل

مشهدٌ من الماضي السوفياتي قد يساعد في تفسير بعض الحاضر الإيراني على رغم اختلاف المسارح والمعطيات. في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) 1986 اتَّجهت أنظار العالم إلى الكرملين لمناسبة انعقاد المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي. كان يترقب باهتمام أول إطلالة واسعة للأمين العام للحزب ميخائيل غورباتشوف الذي اضطر كرادلة الحزب للجوء إليه قبل عام بعدما تعبوا من الجنازات المتتالية للقيادات الهرمة. وكنت بين الصحافيين الذين توافدوا إلى موسكو لتغطية الحدث.
كان كل شيء يوحي بالقوة في القاعة الكبيرة. جلس «فتى الكرملين» على منصة توزَّعَ عليها كبار قادة أوروبا الشرقية والدول الحليفة والصديقة وبينهم فيديل كاسترو ومنغيستو هايلي مريام. وانتشر في القاعة حزبيون من مختلف أنحاء العالم ومعهم جنرالات من المعسكر الاشتراكي تكاد صدورهم تنوء بحمل الأوسمة. كانت الإمبراطورية مسلحة حتى الأسنان ولدى بلاد لينين من الأسلحة النووية ما يكفي لتدمير العالم مرات عدة. ولم يخطر يومها ببال أحد أن الاتحاد السوفياتي سيختفي من الخريطة بعد خمسة أعوام، وأنَّ «الجيش الأحمر» ومعه الـ«كي جي بي» لن ينجحا في ردِّ الموت عنه. وفي ذلك المؤتمر أطلق غورباتشوف المدرك لشيخوخة النظام كلمتين سحريتين هما الشفافية وإعادة البناء، والغرض منهما التصالح مع حقائق العصر. لم يحتمل النظام المتكلس محاولة التطوير من الداخل وتحول فتح النافذة نوعاً من استدعاء العاصفة التي دفعت النظام إلى ركامه.
وعلى هامش المؤتمر أبلغني زميلٌ مقيمٌ في موسكو أنَّ أجهزة الأمن شنَّت منذ أسابيع حملة قاسية لإبعاد المتسولين من شوارع موسكو. فالدولة لا تعترف بوجود سوفياتي متسول بعد سبعة عقود من انتصار الثورة، ثم إنَّها لا تريد أن يعاين الزوار و«الرفاق» مشاهد تسول. استوقفني الموضوع خصوصاً حين رأيت الشرطة تسارع إلى إبعاد عجوز كانت تحاول أن تبيعَ قطعة صابون لأحد الواقفين في طابور انتظار زيارة ضريح لينين. وحين انهار الاتحاد السوفياتي بدا واضحاً أنه سقط بفعل الفشل الاقتصادي أكثر مما سقط بفعل غياب الحريات. وسقط أيضاً لأنَّ المواطن العادي لم يعدْ يصدق المفردات الخشبية للقاموس الرسمي. هذا علاوة على أنَّ الاتحاد السوفياتي توسع أكثر من قدرة اقتصاده على احتمال هذا القدر من التوسع وأعباء تمويل الحلفاء والأذرع.
جاءت الثورة الإيرانية من قاموس مختلف عن الذي جاءت منه الثورة البلشفية. منطلقاتها مغايرة وكذلك آلياتها ومرجعياتها. لكن ذلك لا يمنع من بعض المقارنات. تطلعت الثورة الروسية إلى تنظيم انقلاب كبير على مستوى العالم. وحلمت الثورة الإيرانية بتنظيم انقلاب كبير على التوازنات التي كانت قائمة في المنطقة. مارست الأولى عملية تصدير الثورة وهز الكيانات بدرجات متفاوتة تبعاً للمراحل، وكرست الثانية بنداً ثابتاً في دستورها. زعمت الأولى أنها تتطلع إلى بناء إنسان جديد، وكادت الثانية تدعي الأمر نفسه. تسللت الأولى إلى الخرائط عبر الأحزاب الشيوعية، وتسللت الثانية عبر علاقات مذهبية أو عبر شبكة الممانعة. حركت الأولى بيادقها وسجلت فتوحات جديدة في العالم فتزايدت أعباؤها. وتقدمت الثانية للإمساك بأربع عواصم عربية فتزايدت أعباؤها أيضاً. مارست الأولى سياسة زعزعة الاستقرار والحروب بالواسطة، وهو ما لم تتردد الثانية في ممارسته. تعمدت الأولى محاولة إضرام النار في الثوب الأميركي، وحرصت الثانية على درجة من تسخين خط التماس مع «الشيطان الأكبر».
الطلاق الذي وقع في الاتحاد السوفياتي بين الثورة والأجيال الجديدة يبدو واضحاً في إيران اليوم. يزيد من حدة الطلاق تدفق المعلومات والأنباء والصور بفعل ثورة الاتصالات. في الأسابيع الماضية، طرحت الاحتجاجات التي يشهدها العراق ولبنان موضوع الخيط الإيراني الحاضر بقوة في العاصمتين. نجحت طهران في تصدير نفوذها إلى بعض بلدان المنطقة، لكنها لم تستطع تصدير نموذج ناجح في الإدارة ومعالجة المشكلات الاقتصادية. وبسبب حضور إيران القوي في مواقع القرار في بغداد وبيروت بدا أن المطالبة بقيام دولة عصرية وطبيعية في البلدين تمر حكماً بتقليص قبضة إيران في البلدين. لكن المسألة بدتْ أبعدَ من ذلك حين وصلت الاحتجاجات إلى الداخل الإيراني الذي كان يعتقد أنه بعيد عن الموجة الحالية.
ليست المرة الأولى التي ينزل فيها إيرانيون إلى الشارع تعبيراً عن غضبتهم وخيبتهم. شهدت إيران احتجاجات في 2017، لكنها نجحت في قمعها وتشتيت المحتجين والالتفاف على مطالبهم. شهدت قبل ذلك «الحركة الخضراء» في 2009 بعد فوز أحمدي نجاد بولاية ثانية، وتمكَّنت آليات القمع المدروسة من إخماد نار الاحتجاجات. جديد الوضع الحالي هو أن إيران تعيش في أسوأ أوضاع اقتصادية منذ الثورة بفعل العقوبات الأميركية التي أعيدت بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران في 2015. يزيد من حدة الأزمة سقوط الرهان على دور أوروبي يعوض الخروج الأميركي ولجوء طهران إلى تخفيف التزاماتها بموجب الاتفاق، ما أثار القلق الأوروبي مجدداً.
واضح أن النظام الإيراني الذي رفض التقاط الرسائل المتضمنة في احتجاجات العراق ولبنان يرفض بصورة قاطعة التقاط الرسائل التي تبعث بها الاحتجاجات الإيرانية. لذلك سارع المسؤولون الإيرانيون إلى الحديث عن التخريب الموجه من الخارج لتبرير قمع الاحتجاجات. الصعوبات التي تعيشها إيران جدية وفعلية. إنها تهدد اقتصادها وتهدد أيضاً قدرتها على متابعة دورها في الإقليم. يصعب الاعتقاد أنها ستسلم بأن الانتقال من الثورة إلى الدولة حتمي لتفادي الانهيار أو الصدامات التي لا تنتهي. لهذا يُخشى أن تلجأ إيران إلى الهروب إلى الأمام بافتعال حريق خارجي بعد أن صارت النار في الدار.
تشيخ الثورات وتنقطعُ صلتها الفعلية بالأجيال التي تولدُ بعد انتصارها ما لم تتمكن الأرقام من تأكيد تحسن حياة الناس في ظلها. غزا الاتحاد السوفياتي الفضاء وصوَّب صواريخه العابرة في اتجاه كل القارات، لكنَّه سقط في معركة الأرقام في الداخل. لم تعد الشعارات قادرة على إقناع المواطن العادي بشد الحزام مرة تلو أخرى. راح يسأل عن حقه في حياة أفضل، وعن مداخيله وتقاعده، وتواضع المتوافر على مائدته. لم يعدْ يصدق أرقام الخطة الخمسية ولا نتائج الانتخابات الشكلية. وحين يستحيل على المواطن التعبير عن سخطه بصورة علنية خوفاً من القمع، يلجأ إلى أشكال من المقاومة السلبية في العمل والإنتاج والسخرية، فتنحسر جاذبية الحزب، وتتعثر برامج القولبة التي ترمي إلى مصادرة العقول والقلوب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 2٬972٬224
إجمالي الإصابات: 2٬972٬224
إجمالي الوفيات: 132٬531
حالات الشفاء: 1٬285٬107
حالات نشطة: 1٬554٬586
البرازيل 1٬579٬837
إجمالي الإصابات: 1٬579٬837
إجمالي الوفيات: 64٬383
حالات الشفاء: 978٬615
حالات نشطة: 536٬839
الهند 697٬836
إجمالي الإصابات: 697٬836
إجمالي الوفيات: 19٬700
حالات الشفاء: 424٬891
حالات نشطة: 253٬245
روسيا 681٬251
إجمالي الإصابات: 681٬251
إجمالي الوفيات: 10٬161
حالات الشفاء: 450٬750
حالات نشطة: 220٬340
بيرو 302٬718
إجمالي الإصابات: 302٬718
إجمالي الوفيات: 10٬589
حالات الشفاء: 193٬957
حالات نشطة: 98٬172
إسبانيا 297٬625
إجمالي الإصابات: 297٬625
إجمالي الوفيات: 28٬385
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 269٬240
تشيلي 295٬532
إجمالي الإصابات: 295٬532
إجمالي الوفيات: 6٬308
حالات الشفاء: 261٬032
حالات نشطة: 28٬192
المملكة المتحدة 285٬416
إجمالي الإصابات: 285٬416
إجمالي الوفيات: 44٬220
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 241٬196
المكسيك 252٬165
إجمالي الإصابات: 252٬165
إجمالي الوفيات: 30٬366
حالات الشفاء: 152٬309
حالات نشطة: 69٬490
إيطاليا 241٬611
إجمالي الإصابات: 241٬611
إجمالي الوفيات: 34٬861
حالات الشفاء: 192٬108
حالات نشطة: 14٬642
إيران 240٬438
إجمالي الإصابات: 240٬438
إجمالي الوفيات: 11٬571
حالات الشفاء: 201٬330
حالات نشطة: 27٬537
باكستان 228٬474
إجمالي الإصابات: 228٬474
إجمالي الوفيات: 4٬712
حالات الشفاء: 129٬830
حالات نشطة: 93٬932
المملكة العربية السعودية 209٬509
إجمالي الإصابات: 209٬509
إجمالي الوفيات: 1٬916
حالات الشفاء: 145٬236
حالات نشطة: 62٬357
تركيا 205٬758
إجمالي الإصابات: 205٬758
إجمالي الوفيات: 5٬225
حالات الشفاء: 180٬680
حالات نشطة: 19٬853
ألمانيا 197٬558
إجمالي الإصابات: 197٬558
إجمالي الوفيات: 9٬086
حالات الشفاء: 181٬700
حالات نشطة: 6٬772
جنوب أفريقيا 196٬750
إجمالي الإصابات: 196٬750
إجمالي الوفيات: 3٬199
حالات الشفاء: 93٬315
حالات نشطة: 100٬236
فرنسا 166٬960
إجمالي الإصابات: 166٬960
إجمالي الوفيات: 29٬893
حالات الشفاء: 77٬060
حالات نشطة: 60٬007
بنغلاديش 162٬417
إجمالي الإصابات: 162٬417
إجمالي الوفيات: 2٬052
حالات الشفاء: 72٬625
حالات نشطة: 87٬740
كولومبيا 113٬389
إجمالي الإصابات: 113٬389
إجمالي الوفيات: 3٬942
حالات الشفاء: 46٬563
حالات نشطة: 62٬884
كندا 105٬535
إجمالي الإصابات: 105٬535
إجمالي الوفيات: 8٬684
حالات الشفاء: 69٬239
حالات نشطة: 27٬612
قطر 99٬799
إجمالي الإصابات: 99٬799
إجمالي الوفيات: 128
حالات الشفاء: 92٬284
حالات نشطة: 7٬387
الصين 83٬553
إجمالي الإصابات: 83٬553
إجمالي الوفيات: 4٬634
حالات الشفاء: 78٬516
حالات نشطة: 403
الأرجنتين 75٬376
إجمالي الإصابات: 75٬376
إجمالي الوفيات: 1٬490
حالات الشفاء: 27٬597
حالات نشطة: 46٬289
مصر 75٬253
إجمالي الإصابات: 75٬253
إجمالي الوفيات: 3٬343
حالات الشفاء: 20٬726
حالات نشطة: 51٬184
السويد 71٬419
إجمالي الإصابات: 71٬419
إجمالي الوفيات: 5٬420
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 65٬999
إندونيسيا 63٬749
إجمالي الإصابات: 63٬749
إجمالي الوفيات: 3٬171
حالات الشفاء: 29٬105
حالات نشطة: 31٬473
بيلاروس 63٬554
إجمالي الإصابات: 63٬554
إجمالي الوفيات: 423
حالات الشفاء: 50٬871
حالات نشطة: 12٬260
بلجيكا 61٬838
إجمالي الإصابات: 61٬838
إجمالي الوفيات: 9٬771
حالات الشفاء: 17٬091
حالات نشطة: 34٬976
الإكوادور 61٬535
إجمالي الإصابات: 61٬535
إجمالي الوفيات: 4٬769
حالات الشفاء: 28٬507
حالات نشطة: 28٬259
العراق 60٬479
إجمالي الإصابات: 60٬479
إجمالي الوفيات: 2٬473
حالات الشفاء: 33٬017
حالات نشطة: 24٬989
إغلاق