مقالات

بيئة وسلاح وأرض تستباح

جمعة بوكليب

أن يكون المرءُ متعاطفاً مع أنصار البيئة وحُماتها، متحمساً لأهدافهم النبيلة، لا يعني أنه راضٍ عمّا يصادفه من حين لآخر من أعمال عنيفة يقوم بها بعضهم تتسم بمغالاة تسبب تنغيصاً للناس، وإرباكاً لحيواتهم اليومية. ومن جهة أخرى، إن تعاطفه مع البيئويين لا يعني أنه على استعداد لتغيير ما تأصل في نفسه من عادات، يعتبرها البيئويون مضرة بالبيئة. وعلى سبيل المثال، ومن تجربة شخصية، فإن حرصي على حب الحياة في بيئة طبيعية صحّية، محاطاً بالطبيعة، وفي منأى عن التلوث بأشكاله، لم يجعلني قادراً على استبدال عادة حب القراءة في كتب ورقية بأخرى إلكترونية، كما يدعو إلى ذلك أنصار حماية البيئة، للمساهمة ولو بقدر ضئيل في التقليل من قطع الشجر، رغم ما أبديت من محاولات.
لكن علاقتي بالكتاب الورقي ظلت على حالها، مخلصة لتاريخها. تمدد الكتاب الإلكتروني، وسرعة انتشاره لا يتوقف على قراء من أمثالي، لأن للجديد نكهته المميزة، وسطوته التي لا تقاوم. ذلك الانتشار السريع نجم عنه تنافس على استقطاب المستهلكين. وأثار ذلك التنافس اهتمام وسائل الإعلام، وبدأنا نقرأ ونسمع تقارير مرفوقة بإحصائيات، أسبوعية وشهرية، تؤكد توسع مساحة الكتب الإلكترونية في السوق على حساب تقلص نظيراتها الورقية، لأسباب عدة، أهمها توافرها، ورخص أسعارها. لكن بمرور الوقت، بدأ الكتاب الورقي يستعيد مكانته تدريجياً، والمحافظة على وجوده في المكتبات، الأمر الذي يؤكد أن كثيراً من القراء الذين تحولوا إلى استخدام الكتب الإلكترونية قد أعادوا علاقاتهم بالكتب الورقية. وهذا، بدوره، يقودنا إلى العلاقة بالكتب عموماً، على مختلف أشكالها وأحجامها ومواضيعها. فالمرء كلما اتسعت دوائر قراءاته، ازدادت مساحات اطلاعه اتساعاً، وازداد وعياً بما يدور حوله من أمور الحياة وشؤونها وهمومها، وازداد أسئلة وريبة في كثير من المسلّمات.
المفارقة أنه، بمرور الزمن، يزداد المرء نسياناً لما اطلع عليه من كتب. ولا تبقى منها مضيئة على رفوف الذاكرة سوى قلة قليلة، لأسباب كثيرة، قد تكون ذات علاقة بمواقف وذكريات شخصية أو عامة. وفي هذا السياق، أعترف أن أحد أهم الكتب التي أحتفظ لها بمكانة في قلبي، وذاكرتي، كتاب «موسم الحكايات» للكاتب الليبي الراحل خليفة الفاخري، الصادر في بداية سبعينات القرن الماضي.
قرأتُ ذلك الكتاب الممتع في مرحلة مبكرة من شبابي وأحببته. وفيه يقدم خليفة الفاخري نصوصاً أدبية متميزة بجدّة عوالمها، وطزاجة لغتها، وجاذبية وسحر أسلوبها، ومروية على شكل حكايات، مستمدة من بؤس الواقع الليبي وما كان يدور فيه من تناقضات، في مرحلة ما قبل النفط وما بعدها، وكذلك من تجربة الفترة التي قضاها الكاتب مغترباً في بريطانيا. إحدى الحكايات، التي ما زلت أذكرها، تروي قصة رجل يحترف التهريب مهنة، في مرحلة ما قبل اكتشاف وتصدير النفط، ويقيم في قرية ليبية قرب الحدود البرية مع مصر، ويعبر الحدود يومياً على دراجة، قاصداً الجهة الأخرى من الحدود، حاملاً معه كيساً من رمل. في نقطة الحدود، ينهمك رجال الجمارك في تفتيش كيس الرمل، وحين يتأكدون من عدم وجود ممنوعات في ذلك الكيس ورمله، يسمحون له بالعبور إلى الجهة الأخرى. ويتكرر نفس الأمر في نوبة المساء لدى عودته في طريقه إلى بيته. عقب سنوات مديدة على تلك المرحلة، وترك الرجل لعمله في تهريب الممنوعات، التقاه، صدفة، ذات يوم في مدينة بنغازي، واحد من رجال الجمارك الذين كانوا يعملون في نقطة الحدود، وتعرف عليه. وبعد السلامات أبلغه أنه كان مع زملائه، يعرفون أنه يقوم بالتهريب، لكنهم لم يكونوا على علم بالسلعة التي كان يقوم بتهريبها. وطلب منه معرفة نوع السلعة التي كان يهربها. فردّ الرجل بابتسامة أنه كان يهرّب دراجات.
واكتشفت، مؤخراً، أن هذه الحكاية، رغم تقادم العهد، واختلاف التجربة، ربما تكون ذات صلة ما، بما يحدث في المنظمات الدولية من نقاشات واختلافات تتعلق بالموقف من منع تصدير الأسلحة إلى ليبيا، وفقاً لما صدر من قرارات دولية؛ ذلك أن الحروب التي لم تهدأ نيرانها في البلاد منذ عام 2014، جعلت الأطراف المتحاربة حريصة على استمرار خطوط تزويدها بشحنات السلاح مفتوحة، خاصة عن طريق البحر. وفي فترة ما، حرص الاتحاد الأوروبي على قطع تلك الخطوط، عبر فرض رقابة بحرية. إلا أن العملية سرعان ما أصابها الفشل بسبب الاختلافات بين الدول المشاركة فيها حول الموقف من قوارب الهجرة غير الشرعية وحمولاتها من المهاجرين.
ما يثير الاهتمام، أن الحرص على منع تدفق الأسلحة، لم ينبثق عنه حرص مماثل فيما يخص تجنيد المرتزقة من عدة بلدان وإحضارهم إلى ليبيا. الإحصائيات المتوفرة إعلامياً تشير إلى وجود آلاف المقاتلين من سوريا وتشاد وروسيا وغيرها يحاربون مع الطرفين لقاء أجور شهرية تدفع لهم بالعملات الصعبة، الأمر الذي، أعتقد شخصياً، أنه، آخذين الفارق في الاعتبار، ربما يقربنا كثيراً من إشكالية أكياس الرمل والدراجات، والموقف بين ممثلي القانون ومنفذيه متجسدين في رجال الجمارك ومراقبة الحدود، ومنتهكيه ممثلين بالمهرب.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 12٬589٬088
إجمالي الإصابات: 12٬589٬088
إجمالي الوفيات: 262٬701
حالات الشفاء: 7٬452٬616
حالات نشطة: 4٬873٬771
الهند 9٬140٬312
إجمالي الإصابات: 9٬140٬312
إجمالي الوفيات: 133٬773
حالات الشفاء: 8٬562٬641
حالات نشطة: 443٬898
البرازيل 6٬071٬401
إجمالي الإصابات: 6٬071٬401
إجمالي الوفيات: 169٬197
حالات الشفاء: 5٬432٬505
حالات نشطة: 469٬699
فرنسا 2٬140٬208
إجمالي الإصابات: 2٬140٬208
إجمالي الوفيات: 48٬732
حالات الشفاء: 149٬521
حالات نشطة: 1٬941٬955
روسيا 2٬089٬329
إجمالي الإصابات: 2٬089٬329
إجمالي الوفيات: 36٬179
حالات الشفاء: 1٬595٬443
حالات نشطة: 457٬707
إسبانيا 1٬589٬219
إجمالي الإصابات: 1٬589٬219
إجمالي الوفيات: 42٬619
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬546٬600
المملكة المتحدة 1٬512٬045
إجمالي الإصابات: 1٬512٬045
إجمالي الوفيات: 55٬024
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬457٬021
إيطاليا 1٬408٬868
إجمالي الإصابات: 1٬408٬868
إجمالي الوفيات: 49٬823
حالات الشفاء: 553٬098
حالات نشطة: 805٬947
الأرجنتين 1٬370٬366
إجمالي الإصابات: 1٬370٬366
إجمالي الوفيات: 37٬002
حالات الشفاء: 1٬195٬492
حالات نشطة: 137٬872
كولومبيا 1٬248٬417
إجمالي الإصابات: 1٬248٬417
إجمالي الوفيات: 35٬287
حالات الشفاء: 1٬150٬932
حالات نشطة: 62٬198
المكسيك 1٬041٬875
إجمالي الإصابات: 1٬041٬875
إجمالي الوفيات: 101٬676
حالات الشفاء: 779٬104
حالات نشطة: 161٬095
بيرو 949٬670
إجمالي الإصابات: 949٬670
إجمالي الوفيات: 35٬595
حالات الشفاء: 879٬439
حالات نشطة: 34٬636
ألمانيا 932٬111
إجمالي الإصابات: 932٬111
إجمالي الوفيات: 14٬343
حالات الشفاء: 603٬800
حالات نشطة: 313٬968
بولندا 861٬331
إجمالي الإصابات: 861٬331
إجمالي الوفيات: 13٬618
حالات الشفاء: 423٬971
حالات نشطة: 423٬742
إيران 854٬361
إجمالي الإصابات: 854٬361
إجمالي الوفيات: 44٬802
حالات الشفاء: 603٬445
حالات نشطة: 206٬114
جنوب أفريقيا 767٬679
إجمالي الإصابات: 767٬679
إجمالي الوفيات: 20٬903
حالات الشفاء: 710٬099
حالات نشطة: 36٬677
أوكرانيا 635٬689
إجمالي الإصابات: 635٬689
إجمالي الوفيات: 11٬075
حالات الشفاء: 291٬060
حالات نشطة: 333٬554
بلجيكا 558٬779
إجمالي الإصابات: 558٬779
إجمالي الوفيات: 15٬618
حالات الشفاء: 35٬949
حالات نشطة: 507٬212
تشيلي 540٬640
إجمالي الإصابات: 540٬640
إجمالي الوفيات: 15٬069
حالات الشفاء: 516٬121
حالات نشطة: 9٬450
العراق 535٬321
إجمالي الإصابات: 535٬321
إجمالي الوفيات: 11٬958
حالات الشفاء: 465٬452
حالات نشطة: 57٬911
إندونيسيا 497٬668
إجمالي الإصابات: 497٬668
إجمالي الوفيات: 15٬884
حالات الشفاء: 418٬188
حالات نشطة: 63٬596
التشيك 492٬263
إجمالي الإصابات: 492٬263
إجمالي الوفيات: 7٬196
حالات الشفاء: 398٬101
حالات نشطة: 86٬966
هولندا 484٬648
إجمالي الإصابات: 484٬648
إجمالي الوفيات: 8٬891
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 475٬757
بنغلاديش 447٬341
إجمالي الإصابات: 447٬341
إجمالي الوفيات: 6٬388
حالات الشفاء: 362٬428
حالات نشطة: 78٬525
تركيا 446٬822
إجمالي الإصابات: 446٬822
إجمالي الوفيات: 12٬358
حالات الشفاء: 374٬637
حالات نشطة: 59٬827
الفلبين 418٬818
إجمالي الإصابات: 418٬818
إجمالي الوفيات: 8٬123
حالات الشفاء: 386٬486
حالات نشطة: 24٬209
رومانيا 418٬645
إجمالي الإصابات: 418٬645
إجمالي الوفيات: 10٬047
حالات الشفاء: 295٬148
حالات نشطة: 113٬450
باكستان 376٬929
إجمالي الإصابات: 376٬929
إجمالي الوفيات: 7٬696
حالات الشفاء: 330٬885
حالات نشطة: 38٬348
المملكة العربية السعودية 355٬258
إجمالي الإصابات: 355٬258
إجمالي الوفيات: 5٬780
حالات الشفاء: 343٬371
حالات نشطة: 6٬107
كندا 330٬503
إجمالي الإصابات: 330٬503
إجمالي الوفيات: 11٬455
حالات الشفاء: 264٬049
حالات نشطة: 54٬999