مقالات

«الورقة البيضاء» والإصلاح الاقتصادي والمالي في العراق

د. ثامر محمود العاني

أطلقت الحكومة العراقية «الورقة البيضاء»؛ التقرير النهائي لخلية الطوارئ للإصلاح الاقتصادي – أكتوبر (تشرين الأول) 2020 – بهدف إدارة الوضع المالي في ضوء الأزمة المالية الراهنة، ووضع الحلول اللازمة لتحقيق الإصلاح المالي وتحسين أداء المؤسسات المالية ووضع برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نص عليه قانون الاقتراض المحلي والخارجي رقم «5» لسنة 2020، بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي لمواجهة التحديات المقبلة.
ومن وجهة نظري، أرى أنها جيدة – على أقل تقدير – من الناحية النظرية، فهناك تشخيص متوازن للمشكلة الاقتصادية والمالية لاقتصاد العراق.
يعاني العراق من ضغوطات عدة ناتجة عن الأزمات المالية والاقتصادية التي يواجهها جراء انخفاض أسعار النفط وما شهده العالم أيضاً من آثار مدمرة وانحسار اقتصادي حاد أثناء الإغلاق الكلي المفروض عالمياً جراء انتشار جائحة «كورونا» (كوفيد19).
لقد أصبح العراق اليوم؛ حسب تقارير المنظمات الدولية، يعدّ من الدول الأكثر فساداً في العالم استناداً إلى تقرير منظمة الشفافية الدولية، واحتل نهاية قائمة الدول من حيث نوعية مستوى الحياة والتعليم والصحة، بما في ذلك الدول الأقل نمواً، حيث سجل معدل البطالة مستوى عالياً بالمقارنة مع دول المنطقة، كما أن مساهمة القطاع النفطي هي الكبرى في توليد الناتج المحلي الإجمالي، وتصل إلى 78 في المائة، بينما بلغت مساهمته في الإيرادات نحو 95 في المائة.
إن عواقب اعتماد العراق على النفط أعلى بكثير من نظرائه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي نقاط ضعف شديدة أمام التحركات المعاكسة في أسعار النفط، كما يتضح من تأثير تغير دولار واحد في سعر النفط على الإيرادات كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي كما ورد في الورقة.
ومن أجل النهوض بواقع الاقتصاد العراقي وتنمية قدراته، تشكل تنمية القدرات الإنتاجية في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية وغيرها، العامل الأساسي لتحقيق النمو الاقتصادي، ويكون بمقدوره تعبئة الموارد المحلية من أجل تمويل النشاط الاقتصادي وعدم الاعتماد على المعونات أو المساعدات الخارجية، والعمل على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن تدعم عملية التنمية. ومن خلال تنمية القدرات الإنتاجية، سوف يكون بمقدور العراق أن ينافس في الأسواق الدولية للسلع والخدمات التي تتجاوز نطاق السلع الأولية والتي لا تعتمد على توفر أفضليات خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق.
إن الانتقال من المستوى الحالي المتدني الإنتاجية والمتدني الدخل، إلى مستوى إنتاجية ودخل عاليين، يتم عبر معالجة العوامل التي أدت إلى تدني إنتاجية العمل في العراق، والتي سجلت في عام 2018 أقل من نصف ما كانت عليه في سبعينات القرن الماضي بسبب هيمنة القطاع العام غير المنتج، إضافة إلى التراجع الحاصل في قطاع السلع القابلة للتداول، والآثار السلبية لسعر الصرف غير التنافسي للدينار العراقي – خصوصاً مقابل أسعار صرف عملات شركاء العراق التجاريين – على قطاعي الزراعة والصناعات الأساسية في العراق على مدى العقود الماضية؛ إذ تظهر بعض المقاييس، مثل مؤشر إنتاجية العمل لـ«كونفرنس بورد»، أنه في عام 2018 بلغت إنتاجية العامل العراقي 47 في المائة مما كانت عليه في عام 1970، في حين أن المؤشر الإجمالي بالقيمة الثابتة يظهر عام 2017 نسبة 36 في المائة مما كان عليه عام 1975، مما يظهر انخفاض الإنتاجية عما كانت عليه قبل عام 2003، كما ورد في الورقة البيضاء.
ولا بد لنا أن نؤكد هنا ما جاء في «الورقة البيضاء»، من أن هناك حاجة مماثلة للتركيز على طبيعة القطاع الخاص والمؤسسات التي يتم في إطارها تنظيم مشاريع القطاع الخاص. ومن هذا المنظور، فإن العراق يعاني من ضعف مؤسسي خطير واضح، فلدى النظم المالية المحلية احتياطات سائلة كبيرة، حيث يتوافر فائض مالي رصيداً نقدياً لاحتياط البنك المركزي العراقي، ولكن مستوى الائتمانات المقدمة إلى القطاع الخاص وإلى المشاريع ضعيف جداً وغير قادر على تعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصاد العراقي.
يذكر أن القطاع الخاص يمثل الركن الأساسي لبناء الاقتصاد العراقي بجانب القطاع الرئيسي؛ القطاع العام، إذ لا يمكن بناء اقتصاد من دون وجود قطاع خاص فاعل وديناميكي، ولا يمكن أن ينهض الاقتصاد العراقي من دونه، إذ أكدت الورقة التي أعدتها الحكومة العراقية هذا الجانب المهم، وعلى الدولة أن تدعمه وتبنيه في المراحل الأولى لنهضة القطاع الخاص.
وأخيراً وليس آخراً، على السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أن يوظف الزخم الشعبي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي والمالي والأخذ في الحسبان المقترحات المهمة المدرجة أدناه في ضوء «الورقة البيضاء»، ولا بأس أن تأتي تدريجياً من خلال:
– أولاً: من أجل تحقيق الإصلاح الاقتصادي والمالي في العراق، لا بد من العمل على تحسين مناخ الاستثمار، والذي يحتل فيه الجانبان الأمني والقضائي ركناً أساسياً ومهماً، على اعتبار أن إصلاح القضاء يمثل المرتكز الأساسي لإصلاح باقي مؤسسات الدولة، ودستور حديث ومتطور يواكب التطورات التي حصلت في العالم، وهذا يتطلب إزالة ورفع الاجتثاث والإقصاء والتهميش والطائفية من دستور العراق الذي أقر عام 2005، ومشاركة جميع العراقيين من دون استثناء أو إقصاء لأي جهة في بناء العراق، آخذين في الحسبان أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، وحرية الرأي، وحرية الفكر، وحرية الانتماء الحزبي، والأمن الإنساني، وأمن الفرد… هذه جميعاً تمثل مقدمات أساسية وضرورية لتحسين مناخ استثمار مناسب لتحقيق التنمية الاقتصادية وجلب الاستثمار الأجنبي المباشر. ولا بد من الإشارة إلى أنه ورد في الأهداف العامة لـ«الورقة البيضاء» أن تطبيق تلك الإصلاحات يتطلب اتخاذ تدابير قاسية، رغم مرارتها، لمعالجة الأزمة المالية، مما يتطلب شجاعة سياسية، وقبولاً من أبناء الشعب العراقي؛ وفي مقدمتهم النخب السياسية، ومشاركتهم في تنفيذ هذه الإجراءات الاقتصادية الصعبة التي لا يمكن الاستغناء عنها لتوفير الحيز المالي الذي يمكن من خلاله الشروع في برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي.
– ثانياً: قيام الحكومة بإجراءات صارمة لمكافحة الفساد والتهرب الضريبي من قبل الشرائح الاجتماعية القادرة على دفعها؛ إذ تشكل نسبة الإيرادات الضريبية إلى الإيرادات العامة في العراق عام 2019 نحو 10.8 في المائة، مقارنة مع المغرب (86.2 في المائة)، ومصر 74.3 في المائة، ولبنان 83.8 في المائة، والأردن 64.4 في المائة، والإمارات البلد النفطي 51.6 في المائة، وفقاً للتقرير الاقتصادي العربي الموحد 2020.
– ثالثاً: العمل في إطار برنامج زمني محدد على استغلال الإيرادات النفطية لأغراض الاستثمار في الأنشطة التي تساهم مباشرة في التنويع الاقتصادي وتطوير الصادرات غير النفطية، وانتهاج سياسة انتقائية في دعم أو تحفيز الأنشطة التنموية وتوجيه الدعم والحوافز للأنشطة التي تساهم مباشرة في تحقيق هدف التنويع الاقتصادي، وجعل رفع الإنتاجية على رأس الأولويات الوطنية، مع ضمان اتساق كل السياسات مع هذه الأولوية، وتوفير البيئة التي تخدم هذه التوجهات.
– رابعاً: في إطار الإصلاح النقدي، لا بد من تحديد سعر صرف الدينار العراقي من خلال السعي إلى تقريب سعر الصرف من واقع السوق (تخفيض مدروس Devaluation)، وعلى البنك المركزي العراقي ممارسة «إدارة فاعلة» في حال حصول تقلبات واسعة في سعر الصرف.
– خامساً: نؤكد على أهمية الاستمرار في العمل بالبطاقة التموينية (الدعم)، وتأجيل النظر في إلغائها حتى تتحسن ظروف العراق الاقتصادية والسياسية، حيث من الصعب الآن التمييز بشكل دقيق بين من يستحق البطاقة التموينية ومن لا يستحقها لتعويضه مالياً ودعم دخله، حيث إن الدخول في هذا الموضوع في الوقت الحاضر سوف يضيف مشكلة أخرى إلى مشكلات العراق الكثيرة.
– سادساً: ثمة مجال للأخذ بالأشكال الجديدة للسياسة الصناعية التي وضعت مؤخراً في الدول المتقدمة والدول النامية المتقدمة، والتي تستند إلى نموذج مختلط قائم على السوق، حيث تعمل المشاريع الخاصة والحكومة معاً على نحو وثيق من أجل خلق نوع من التكامل بين القطاعين العام والخاص؛ إذ تعمل الحكومة على مساعدة القطاع الخاص في استكشاف واستغلال الإمكانات الاقتصادية، ودعمه مالياً وفنياً عندما يحتاج إلى ذلك باعتبار أن الدولة هي الراعي والموجه.

* مدير إدارة العلاقات الاقتصادية – جامعة الدول العربية
* أستاذ الاقتصاد القياسي – جامعة بغداد سابقاً

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 12٬773٬601
إجمالي الإصابات: 12٬773٬601
إجمالي الوفيات: 263٬659
حالات الشفاء: 7٬543٬481
حالات نشطة: 4٬966٬461
الهند 9٬177٬722
إجمالي الإصابات: 9٬177٬722
إجمالي الوفيات: 134٬254
حالات الشفاء: 8٬603٬575
حالات نشطة: 439٬893
البرازيل 6٬088٬004
إجمالي الإصابات: 6٬088٬004
إجمالي الوفيات: 169٬541
حالات الشفاء: 5٬445٬095
حالات نشطة: 473٬368
فرنسا 2٬144٬660
إجمالي الإصابات: 2٬144٬660
إجمالي الوفيات: 49٬232
حالات الشفاء: 152٬592
حالات نشطة: 1٬942٬836
روسيا 2٬114٬502
إجمالي الإصابات: 2٬114٬502
إجمالي الوفيات: 36٬540
حالات الشفاء: 1٬611٬445
حالات نشطة: 466٬517
إسبانيا 1٬606٬905
إجمالي الإصابات: 1٬606٬905
إجمالي الوفيات: 43٬131
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬563٬774
المملكة المتحدة 1٬527٬495
إجمالي الإصابات: 1٬527٬495
إجمالي الوفيات: 55٬230
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 1٬472٬265
إيطاليا 1٬431٬795
إجمالي الإصابات: 1٬431٬795
إجمالي الوفيات: 50٬453
حالات الشفاء: 584٬493
حالات نشطة: 796٬849
الأرجنتين 1٬374٬631
إجمالي الإصابات: 1٬374٬631
إجمالي الوفيات: 37٬122
حالات الشفاء: 1٬203٬800
حالات نشطة: 133٬709
كولومبيا 1٬254٬979
إجمالي الإصابات: 1٬254٬979
إجمالي الوفيات: 35٬479
حالات الشفاء: 1٬158٬897
حالات نشطة: 60٬603
المكسيك 1٬041٬875
إجمالي الإصابات: 1٬041٬875
إجمالي الوفيات: 101٬676
حالات الشفاء: 779٬104
حالات نشطة: 161٬095
بيرو 950٬557
إجمالي الإصابات: 950٬557
إجمالي الوفيات: 35٬641
حالات الشفاء: 880٬645
حالات نشطة: 34٬271
ألمانيا 946٬648
إجمالي الإصابات: 946٬648
إجمالي الوفيات: 14٬583
حالات الشفاء: 618٬800
حالات نشطة: 313٬265
بولندا 876٬333
إجمالي الإصابات: 876٬333
إجمالي الوفيات: 13٬774
حالات الشفاء: 438٬868
حالات نشطة: 423٬691
إيران 866٬821
إجمالي الإصابات: 866٬821
إجمالي الوفيات: 45٬255
حالات الشفاء: 610٬406
حالات نشطة: 211٬160
جنوب أفريقيا 769٬759
إجمالي الإصابات: 769٬759
إجمالي الوفيات: 20٬968
حالات الشفاء: 711٬195
حالات نشطة: 37٬596
أوكرانيا 635٬689
إجمالي الإصابات: 635٬689
إجمالي الوفيات: 11٬075
حالات الشفاء: 291٬060
حالات نشطة: 333٬554
بلجيكا 558٬779
إجمالي الإصابات: 558٬779
إجمالي الوفيات: 15٬618
حالات الشفاء: 35٬949
حالات نشطة: 507٬212
تشيلي 542٬080
إجمالي الإصابات: 542٬080
إجمالي الوفيات: 15٬106
حالات الشفاء: 517٬524
حالات نشطة: 9٬450
العراق 537٬457
إجمالي الإصابات: 537٬457
إجمالي الوفيات: 11٬996
حالات الشفاء: 467٬654
حالات نشطة: 57٬807
إندونيسيا 502٬110
إجمالي الإصابات: 502٬110
إجمالي الوفيات: 16٬002
حالات الشفاء: 422٬386
حالات نشطة: 63٬722
التشيك 496٬638
إجمالي الإصابات: 496٬638
إجمالي الوفيات: 7٬360
حالات الشفاء: 405٬982
حالات نشطة: 83٬296
هولندا 489٬818
إجمالي الإصابات: 489٬818
إجمالي الوفيات: 8٬945
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 480٬873
تركيا 453٬535
إجمالي الإصابات: 453٬535
إجمالي الوفيات: 12٬511
حالات الشفاء: 377٬891
حالات نشطة: 63٬133
بنغلاديش 449٬760
إجمالي الإصابات: 449٬760
إجمالي الوفيات: 6٬416
حالات الشفاء: 364٬611
حالات نشطة: 78٬733
رومانيا 422٬852
إجمالي الإصابات: 422٬852
إجمالي الوفيات: 10٬177
حالات الشفاء: 296٬844
حالات نشطة: 115٬831
الفلبين 420٬614
إجمالي الإصابات: 420٬614
إجمالي الوفيات: 8٬173
حالات الشفاء: 386٬604
حالات نشطة: 25٬837
باكستان 376٬929
إجمالي الإصابات: 376٬929
إجمالي الوفيات: 7٬696
حالات الشفاء: 330٬885
حالات نشطة: 38٬348
المملكة العربية السعودية 355٬489
إجمالي الإصابات: 355٬489
إجمالي الوفيات: 5٬796
حالات الشفاء: 343٬816
حالات نشطة: 5٬877
كندا 337٬555
إجمالي الإصابات: 337٬555
إجمالي الوفيات: 11٬521
حالات الشفاء: 269٬199
حالات نشطة: 56٬835