ثقافة

«الذباب».. الإنسان أمام امتحان الحرية

علامات فارقة «الذباب».. الإنسان أمام امتحان الحرية تاريخ النشر: 11/08/2019 استمع '); } else { $('#detailedBody').after('' + $("#detailedAd").html() + ''); } } catch (e) { } } }); الشارقة: علاء الدين محمود

قدمت مسرحية «الذباب»، الكثير لمؤلفها الفيلسوف والمسرحي الفرنسي جان بول سارتر «1905 1980»، فقد منحته الشهرة التي لم يجدها في مؤلفاته الفكرية والفلسفية، كما أنها قدمت له قضية الالتزام في الفن، ومشاركة الكاتب وتفاعله في الأحداث الكبرى، ومقاومة الطغيان والجبروت، وفتحت في ذهنه قضية أن يكون للكاتب مسؤولية تجاه مجتمعه، وهو ما يندرج اليوم تحت تعريفات المثقف العصري، وقد جاءت المسرحية معبرة عن الواقع السياسي والاجتماعي في فرنسا التي كانت تعيش تحت وطأة الاحتلال الألماني النازي، بعد أن ألحقت ألمانيا هزيمة مذلة بالفرنسيين في الحرب العالمية الثانية.
يحاول سارتر في «الذباب» أن يقدم خلاصة تجاربه الفلسفية المستمدة من فكرة «الوجودية»، من خلال طرحه لقضية «الإرادة الحرة»؛ أي مسألة الحرية في سياق المسؤولية، فهو يرتكز على أطروحة أن على الإنسان تحمل مسؤولية التفكير في كل شيء، وما جميع ما يتعلق به من فلسفات وآراء؛ إذ إن المرء بحاجة للإجابات الحاسمة لقضايا المجتمع والوجود، وهذا يتطلب طرح مزيد من الأسئلة التي تشتبك في سياق العمل المسرحي على شاكلة: ما الفرق بين الحرية والإرادة؟.
اكتسبت الذباب شهرة كبيرة، بل مازالت تعرض حتى اليوم بمعالجات مختلفة، وذلك لآنيتها الملحة وتشابه أطروحاتها مع ما يجري في العالم اليوم، بل ويمكن أن نقول بلا مواربة إن المسرحية عابرة للأزمنة والأمكنة، فهي وإن تمثلت الأسئلة التي طرحتها الحرب العالمية وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فبرزت كأدب مقاوم متمرد؛ لكنها تجول في فضاءات عدة ومختلفة، فقد ذهب سارتر ليخدم فكرته للمسرحية إلى قلب العصور اليونانية القديمة، ليسقط ذلك التاريخ المؤسطر على واقع حديث، بالتالي؛ فإن المسرحية كانت ملهمة في بعدها المتمرد للكتاب والنقاد والجمهور، وفي عروضها وتناولها اللاحق لعصر سارتر، جاءت برؤى تستوعب ذلك البعد الرافض والملتزم والمقاوم في المسرحية لمواجهة عصر العولمة، ما يشير إلى خلود هذا العمل العظيم.
ولعل من النجاحات الكبيرة في هذا العمل أن سارتر أراد للجمهور أن يطلع على هذا العرض وسط أجواء تغمرها الحرية والهدوء دون صخب، بالتالي كان من أبرز التقنيات المسرحية التي استعان بها هي الحوار والأسئلة،بحيث تأتي بشكل موضوعي يشعر معها المتفرج بأهمية هذه الأسئلة وضرورة الإجابة عنها، وصولاً إلى فكرته المركزية المتمثلة في مفهوم «الإرادة الحرة»، وقضية الخيارات التي تطرح أمام الإنسان في حياته اليومية، وقد وجد العرض الأول لها نجاحاً كبيراً، رغم أن المسرحية قد عرضت أثناء الاحتلال النازي بكل ثقله الفكري والسياسي والعسكري في فرنسا، ورغم أن المسرحية ذاتها قد عبرت عن شكل من أشكال المقاومة لهذا الاحتلال.

حبكة

تدور أحداث مسرحية الذباب في اليونان القديمة، في مدينة «أرجوس»، وتستعرض قصة «أورست» وعودته إلى مسقط رأسه «أرجوس»، التي كان قد نفي منها وهو طفل بعد أن هرب بعد مقتل أبيه «أجا ممنون» عقب خيانة زوجته (كليمينسترا) له مع الملك «إيجست» واستيلائهما على مقاليد العرش واستحكام قبضتهما على شعب أرجوس، وتعيش تلك المدينة أجواء الندم التي فرضها الملك الجديد «إيجست»، لتسبح في أجواء من الطقوس حيث يتم تحضير واستدعاء أرواح الموتى، ليعترفوا علنا بجرائمهم، وهنا تبرز «اليكترا» شقيقة أورست وابنة «أجا ممنون»، لتنتقم لأبيها وتتمرد على طقوس الندم التي فرضها الملك الجديد على الشعب، وتسعى إلى تحقيق العدالة المفقودة، بمساعدة من شقيقها.
في تلك الأثناء تعبث في المدينة أسراب من الذباب تنقض على كل شخص يمر، ويدهش أوريست من كمية الذباب التي غذت المدينة في غيابه، لكن الإله اليوناني جوبيتر يوضح له أن لهذا الذباب قيمة رمزية عالية، فهو يشير إلى الندم الذي يأكل أهل أرجوس على مقتل ملكهم «أجا ممنون» الذي لم ينسوه أبداً، وها هم لا يزالون بعد كل تلك السنين يرتدون اللون الأسود حداداً عليه، ويلتقي أوريست الكترا دون أن تتعرف إليه لكنها تثق فيه، وتكشف له عن نيتها قتل الملك لأنه قاتل أبيها، وتلعب الفتاة دوراً مهماً في تأليب الشعب عبر خطبها القوية، وتدعوهم للثورة ليس فقط انتقاماً لمقتل أبيها، بل لأجل الحرية في المقام الأول، ما يؤدي إلى طردها من المدينة، لتلجأ إلى معبد كان أوريست مختبئاً فيه، وتعرف هناك شخصيته الحقيقية، فيتعانقان ويقرران قتل الملك وزوجته.

تكنيك

جعل سارتر من تلك المظاهر الاحتفالية البناء الذي ينهض عليه الفعل المسرحي بشكل أساسي، فهو يحتوي على كل التقاليد الأسطورية مثل تحضير أرواح الموتى، والبكاء ندماً وبحثاً عن الخلاص وسط طنين الذباب الذي يطغى على الأجواء، ليأتي الصوت الأبرز في العرض وهو خطبة الكترا للجموع، والتي يحولها سارتر إلى خطاب معاصر ينشد الحرية والخلاص من النازية، فقد عصرن تلك الخطبة اليونانية القديمة، وجعلها ملائمة لروح العصر والواقع عبر تضمينها رموز ودلالات سياسية وفكرية راهنة، وتلعب الحوارات والمونولوجات خاصة بين الكترا وشقيقها دوراً كبيراً في خدمة العرض المسرحي، كما أن للأجواء الأسطورية العامل المهم في نجاح عمل سيذكره التاريخ كثيراً.
قدم سارتر من خلال المسرحية غوصاً عميقاً داخل النفس البشرية، وكشف عن ذلك الصراع بين سعي الإنسان نحو التحرر، والعوائق التي تقف دون تقدمه وتكبح إرادته فتغدو مغلولة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق