مقالات

التطرف ملة واحدة من تونس إلى عمّان!

سليمان جودة

الأمر الراجح أمامنا، ومن خلال ما يجري حولنا في المنطقة، أن عقل جماعة «الإخوان» في حاجة إلى دراسة نفسية تستقصي تكويناته وخلاياه، قبل أن يكون في حاجة إلى دراسة سياسية، تتقصى خطواته وسلوكياته فوق الأرض على طول الطريق!
والطريق المقصود هنا هو المسافة الزمنية الممتدة من عام 1928، عندما نشأت الجماعة على يد مؤسسها حسن البنا في مدينة الإسماعيلية على قناة السويس، إلى أن جاءها القرن الحادي والعشرون فوصلت خلاله إلى الحكم في عواصم عربية، وكادت تصل إليه في عواصم أخرى!
ولم تكن القضية في أنها وصلت إلى الحكم أو كادت تصل، ولكن القضية كانت في أنها لم تصل إليه في كل مرة، أو حتى كانت على خطوات منه، إلا وكانت تغادره سريعاً. كان ذلك يحدث مرة بقوة القانون كما حصل في العاصمة الأردنية مؤخراً، ومرة بقوة الشارع كما حدث في القاهرة قبل سبع سنوات، وفي المرة الثالثة تكاد تغادر بقوة الغضب بين أعضاء البرلمان، على نحو ما يجري في تونس العاصمة هذه الأيام!
في الحالة المصرية جربها المصريون بعد عقود من المكر بينها وبين الحكومات المتعاقبة، ثم طردها المصريون أنفسهم بعد تجربة حمدوا الله تعالى على أنها لم تمتد لأكثر من عام!
وفي حالة كهذه، فإن الحزب الذي يغادر السلطة بالطريقة التي غادرتها بها الجماعة في مصر، يجلس مع نفسه ليراجع ما فعل، فيرجع عما ارتكبه من أخطاء ويعتذر للناس، مع وعد منه بألا يكرر ما ارتكب، وبأن يظل يحترم إرادة الناخب في كل الأوقات!
وإرادة الناخب ليس من الضروري أن تتجسد في صندوق الاقتراع، ولكنها يمكن جداً أن تتجلى في الشارع، عندما لا يجد الناخب مفراً من الخروج في الميادين، مُعبراً عن رفض السلوك السياسي الذي يراه أمامه، ومتمسكاً بنقض العقد الاجتماعي الذي ينعقد بالضرورة بين كل سلطة في كل بلد، وبين رعاياها الذين هُم الطرف الثاني والأقوى في العقد!
هذا هو المبدأ المستقر الذي يتوافق عليه علماء السياسة في مسألة العقد الاجتماعي، بين كل سلطة في كل أرض، وبين رعاياها الذين ارتضوا جلوسها على مقاعد الحكم، وأذنوا لها بأن تمارس مقتضيات الحكم نيابة عنهم، وبما يحقق صالح كل واحد فيهم!
لم تدرك الجماعة الأم في القاهرة هذا كله، ولا حتى شاءت أن تدرك بعضاً منه على الأقل، ولو كانت قد أدركت الكل أو البعض مما كان عليها أن تدركه، ما كان الحال قد انقلب معها من خصومة مع الحكومات المتتالية، التي كانت قائمة قبل الوصول إلى السلطة عام 2012، إلى خصومة من نوع آخر مع الناس أنفسهم، في مرحلة ما بعد الخروج من مقاعد الحكم!
هي لم تنتبه إلى أن هذا قد وضعها أمام كل مواطن أعطاها صوته الانتخابي، في صورة الجماعة التي تسعى إلى الكرسي باعتباره هدفاً في حد ذاته، وليس باعتباره وسيلة تستطيع بها تحقيق مصالح الناخبين، وتستطيع بها… وهذا هو الأهم… قياس مدى قدرتها على النهوض بأعباء الحكم ومسؤولياته!
وهذه صورة تظل كاشفة في عين كل ناخب، لأنه يتبين له على الفور، أن ظنه حين اختارها للحكم من دون غيرها لم يكن في محله، وأن ثقته التي منحها في الصناديق كانت ثقة في غير موضعها، وأن الجماعة التي وثق هو بها لم تبادله ثقة بثقة!
ولا تعرف وأنت تتابع هذا بعضه على بعض، كيف يفوت كله على جماعة طرحت نفسها في بورصة الحكم، وقالت يوم فعلت ذلك إنها قادرة وجاهزة، ثم تكشفت الأمور على الأرض من بعدها عن أنها جماعة لم تكن جاهزة، ولا هي كانت قادرة يوم تقدمت وزعمت قدرتها على قيادة الأمة!
وإذا كان هذا هو حال الأصل في قاهرة المعز، فحال الفرع في عمّان لن يكون أفضل، والعرب تقول في أمثالها التي تختزن حكمة السنين ما معناه إن الظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج!
والمعنى أن العود لو استقام في القاهرة، فإن الظل سوف يتبعه في الاستقامة على طول الخط وعرضه أيضاً في عاصمة الأردن، وفي كل عاصمة عربية أخرى يكون للأصل ظل فيها!
لم يحدث شيء من هذا، فنامت الجماعة في عمان مساء الأربعاء الموافق 15 يوليو (تموز)، وهي مطمئنة إلى أن الدنيا تسير كما تحب وترغب، ثم استيقظت في اليوم التالي فإذا محكمة التمييز في البلاد تقضي بأنها منحلّة قانوناً، وفاقدة لشرعيتها وشخصيتها الاعتبارية!
كان في إمكان جماعة الأردن ألا تنام مطمئنة وتقوم منحلة، وكان في مقدورها أن تحتفظ بشرعيتها وأن تستبقي شخصيتها الاعتبارية، وكان أمامها أن تبقى في الساحة وأن تستمر في داخل إطار المشهد، لو أنها وفّقت أوضاعها على حسب ما ينص قانون الجمعيات هناك ويقول، ولكنها أبت ألا تفعل، كأنها تكرر ما سبقتها إليه الجماعة الأم في طريق التحلل من الالتزام بالقانون، والتملص من التقيد بالدستور!
ولم تكن جماعة راشد الغنوشي في تونس، الشهيرة بحركة «النهضة الإسلامية»، بعيدة عن هذه الدائرة التي تضع الجماعة الأم مع جماعة الأردن في إطار واحد!
فلا شيء يشغل الغنوشي منذ فازت جماعته بالأكثرية في مقاعد البرلمان آخر السنة الماضية، سوى التصرف بسلوك صاحب الأغلبية مع باقي القوى السياسية التي تشاركه قاعة برلمان بلاده. وقد وصل الأمر في مواجهة الغطرسة السياسية التي ينتهجها الرجل، إلى حد أن حركة برلمانية نشطة قد راحت تتحرك بجدية في اتجاه سحب الثقة منه رئيساً للبرلمان!
وعندما يسعى الذين انتخبوه في مقعد الرئاسة إلى إزاحته من المقعد، فلا بد أن يراجع أداءه سريعاً، وأن يفهم أن خللاً كبيراً قد وقع، وأن الخلل ليس في الأحزاب التي تجمع توقيعات سحب الثقة، ولكنه في الحزب الذي استفزها ودفعها إلى هذه الخطوة الخطرة!
وبدلاً من مراجعة الأداء اتقاءً لبوادر عاصفة تتشكل في الأفق، فإن الغنوشي قد راح يطلب من الشرطة أن تتدخل لفض اعتصام في القاعة ضد سياساته، التي يراها المعتصمون خطراً على البلد، وعلى تماسكه، وعلى وحدته الوطنية!
وكانت المفارقة أن الشرطة لم تشأ أن تستجيب، ربما لأن تقديرها أن فض الاعتصام يتأتى بأن تعتدل حركة «النهضة» فيما تمارسه من سياسات مختلة، وليس بأن تقتحم الشرطة قاعة البرلمان فتقف في صف الحركة التي تمارس التطرف السياسي ضد أهل الاعتدال السياسي!
تطرف العقل الإخواني في ممارساته السياسية ملة واحدة، سواء كان الذي يمارس التطرف أصلاً في القاهرة، أو كان فرعاً في كل عاصمة عربية سواها!

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Live Covid-19
الولايات المتحدة 7٬244٬184
إجمالي الإصابات: 7٬244٬184
إجمالي الوفيات: 208٬440
حالات الشفاء: 4٬480٬719
حالات نشطة: 2٬555٬025
الهند 5٬903٬932
إجمالي الإصابات: 5٬903٬932
إجمالي الوفيات: 93٬410
حالات الشفاء: 4٬849٬584
حالات نشطة: 960٬938
البرازيل 4٬692٬579
إجمالي الإصابات: 4٬692٬579
إجمالي الوفيات: 140٬709
حالات الشفاء: 4٬040٬949
حالات نشطة: 510٬921
روسيا 1٬136٬048
إجمالي الإصابات: 1٬136٬048
إجمالي الوفيات: 20٬056
حالات الشفاء: 934٬146
حالات نشطة: 181٬846
كولومبيا 798٬317
إجمالي الإصابات: 798٬317
إجمالي الوفيات: 25٬103
حالات الشفاء: 687٬477
حالات نشطة: 85٬737
بيرو 794٬584
إجمالي الإصابات: 794٬584
إجمالي الوفيات: 32٬037
حالات الشفاء: 650٬948
حالات نشطة: 111٬599
إسبانيا 735٬198
إجمالي الإصابات: 735٬198
إجمالي الوفيات: 31٬232
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 703٬966
المكسيك 720٬858
إجمالي الإصابات: 720٬858
إجمالي الوفيات: 75٬844
حالات الشفاء: 518٬204
حالات نشطة: 126٬810
الأرجنتين 691٬235
إجمالي الإصابات: 691٬235
إجمالي الوفيات: 15٬208
حالات الشفاء: 546٬924
حالات نشطة: 129٬103
جنوب أفريقيا 668٬529
إجمالي الإصابات: 668٬529
إجمالي الوفيات: 16٬312
حالات الشفاء: 599٬149
حالات نشطة: 53٬068
فرنسا 513٬034
إجمالي الإصابات: 513٬034
إجمالي الوفيات: 31٬661
حالات الشفاء: 94٬891
حالات نشطة: 386٬482
تشيلي 453٬868
إجمالي الإصابات: 453٬868
إجمالي الوفيات: 12٬527
حالات الشفاء: 428٬580
حالات نشطة: 12٬761
إيران 439٬882
إجمالي الإصابات: 439٬882
إجمالي الوفيات: 25٬222
حالات الشفاء: 369٬842
حالات نشطة: 44٬818
المملكة المتحدة 423٬236
إجمالي الإصابات: 423٬236
إجمالي الوفيات: 41٬936
حالات الشفاء:
حالات نشطة: 381٬300
بنغلاديش 356٬767
إجمالي الإصابات: 356٬767
إجمالي الوفيات: 5٬093
حالات الشفاء: 267٬024
حالات نشطة: 84٬650
العراق 341٬699
إجمالي الإصابات: 341٬699
إجمالي الوفيات: 8٬867
حالات الشفاء: 273٬266
حالات نشطة: 59٬566
المملكة العربية السعودية 332٬329
إجمالي الإصابات: 332٬329
إجمالي الوفيات: 4٬625
حالات الشفاء: 315٬636
حالات نشطة: 12٬068
تركيا 311٬455
إجمالي الإصابات: 311٬455
إجمالي الوفيات: 7٬858
حالات الشفاء: 273٬282
حالات نشطة: 30٬315
باكستان 309٬581
إجمالي الإصابات: 309٬581
إجمالي الوفيات: 6٬451
حالات الشفاء: 295٬333
حالات نشطة: 7٬797
إيطاليا 306٬235
إجمالي الإصابات: 306٬235
إجمالي الوفيات: 35٬801
حالات الشفاء: 222٬716
حالات نشطة: 47٬718
الفلبين 299٬361
إجمالي الإصابات: 299٬361
إجمالي الوفيات: 5٬196
حالات الشفاء: 232٬399
حالات نشطة: 61٬766
ألمانيا 283٬706
إجمالي الإصابات: 283٬706
إجمالي الوفيات: 9٬530
حالات الشفاء: 249٬500
حالات نشطة: 24٬676
إندونيسيا 266٬845
إجمالي الإصابات: 266٬845
إجمالي الوفيات: 10٬218
حالات الشفاء: 196٬196
حالات نشطة: 60٬431
إسرائيل 217٬899
إجمالي الإصابات: 217٬899
إجمالي الوفيات: 1٬412
حالات الشفاء: 153٬574
حالات نشطة: 62٬913
أوكرانيا 195٬504
إجمالي الإصابات: 195٬504
إجمالي الوفيات: 3٬903
حالات الشفاء: 85٬133
حالات نشطة: 106٬468
كندا 150٬456
إجمالي الإصابات: 150٬456
إجمالي الوفيات: 9٬255
حالات الشفاء: 129٬573
حالات نشطة: 11٬628
بوليفيا 133٬222
إجمالي الإصابات: 133٬222
إجمالي الوفيات: 7٬800
حالات الشفاء: 92٬868
حالات نشطة: 32٬554
الإكوادور 132٬475
إجمالي الإصابات: 132٬475
إجمالي الوفيات: 11٬236
حالات الشفاء: 102٬852
حالات نشطة: 18٬387
قطر 124٬650
إجمالي الإصابات: 124٬650
إجمالي الوفيات: 212
حالات الشفاء: 121٬512
حالات نشطة: 2٬926
رومانيا 119٬683
إجمالي الإصابات: 119٬683
إجمالي الوفيات: 4٬633
حالات الشفاء: 96٬158
حالات نشطة: 18٬892