المهند
19-10-2001, 12:44 PM
الكاتب .. باسم عبدو ...
-1-
تدفَّقتْ رؤاه ودموعه. أُصيب الرجل بالخوف. أحسَّ بقوة تدفعه للنهوض.. وقف أمام صورة ملوَّنة زاهية له، تتصدَّر الغرفة. رفع رأسه محاولاً تقبيلها.
أهي الذكريات تتلامح أمامه، يوم انفجرت العُبْوة الناسفة، وحمله جنديان إسرائيليان، ووضعاه في سيَّارة عسكرية، وإلى جانبه يديه تستلقيان وتتعفَّران بالدماء.. عندها ترحَّم على أيام المراهقة والمطاردة، ومشاعر الفرح فراشات تحوم وتحوم وتقطف نبضة ودمعة، وتطبع قبلة...
يفتح كفيّه للهواء، ويكتفي باحتضان عينيه ابتسامة منها، يجمعها في قبضته خوفاً عليها من الفرار، إلاّ أنّه سرعان ما يشعر بما يدفعه لإكمال رسالة كتب منها مقطعاً ولم يكملها، فدخلت أمُّه وقطعت سلسلة أفكاره. ابتسم لها وطلب كأساً من عصير البرتقال، وأن تثّبت له الورقة على سطح المرسم الملبَّد بأقلام الفحم والرصاص والألوان المائية والعلب الفارغة، وفضاء يزدحم بفوضى فنيّة عارمة.
مرتسم تزيّنه بقع ولطخات وخطوط وهندسة غريبة... رغم كلّ ما أصابه من ألم وذكريات من الصعب رصدها في جوٍّ مسحوق، تطحنه ذكريات زنزانة منعزلة.
ظلّت الأشياء تدور في رأسه وتدور، بينما كان يضع القلم في فمه ويضغط عليه بين أسنانه، ثم يرفع قدمه اليُمنى ويأخذ يقرّبها من وجهه شيئاً فشيئاً.
ضحك أحمد ضحكة طويلة، تبدأ عند ذيل غيمة رمادية مُهاجرة، تدرّجت ضحكته، ترافقت مع صوت خطوات مسرعة، تبيّن أنَّ أمَّه جاءت تستطلع ما جرى له.
أخذ الفرح يتسلَّق قامة أمّه الواقفة في باب المرسم، بينما كان يثبّت القلم بين أصابع قدمه، ويتابع كتابة رسالة إلى حبيبته التي تركت كومة من دموعها مُتجمّدة فوق وجنتيه، وهو ما يزال ينتظر همسة منها ولمسة من يدها إلى هذا اليوم!.
-2-
أنا أمّ أحمد الواقفة أمام النافذة أراقب ظلَّ الجدار، أفرح كلما تقدَّم الظلُّ سنتيمتراً واحداً، وأفرح أكثر حينما يلامس الحجر المُثبَّت في الأرض.
يتعرَّق جسمي عندما يتجاوز الظلُّ الحجر، وطيلة سنوات المدرسة، يتوافق مجيء أحمد ووصوله مع هذه العلامة البسيطة، رغم أنَّ الحجر أدمى قدميَّ مرّات ومرّات عندما كنت أتعثّر به ليلاً.
نهضتُ بعد الركعة الثانية من صلاة الظهيرة، كأنَّ قوافل من الأجراس تدقُّ في رأسي. حملتُ السُبحة، أصبح رنين خرزاتها ودقّات قلبي المتسارعة، يتلاطمان ويتدافعان بين جدارين مُتقابلين.
كررتُ عدَّ حبَّات السبحة تسع مرَّات على ما أذكر، وتسمَّرت الشمس فوق صحن الدار.. بقي ظلُّه يمتدُّ مع هواجسي.
أعرف ابني. يتوهجَّ كالجمر، وكلما حاولت إخماد ألسنة اللّهب المتطاولة، يربِّتُ على كتفي مطمئناً، بأن لا يتركني وحيدة في المنزل، ويقول: أحمد وحيُدك. لم يبقَ لي في هذه الدنيا سوى عينيك وعينيها، وبقايا أحلامٍ متورِّمة، وأفكار ربَّما تقودُني إلى السجن.
بينما أقواله تغوص في لحمي وتحفر في روحي وتمشي في ظلّ عروقي، سمعتُ ضربات قويّةً على باب الدار، فقفزتُ، وكان "زيدان" صديقه ومدير ثانوية "سلفيت" يلهثان. تبدو على وجهيهما تجاعيد زخرفها الحزن، وخلفهما مجموعة من الطلاب تتلامح على صفحات وجوههم بيانات وأخبار وبقايا دماء.
قال المدير: أحمد....!
لم أدرِ ماذا حلَّ بي بعد هذه اللحظة!
أفقتُ صباح اليوم التالي أقلِّب سرير أحمد. أشمُّ بقايا رائحته. ألمس فراشه، وأحتضن منامته المطويَّة بعناية.
دقَّاتٌ أكثر هدوءاً على باب الدار قُبيل الثامنة.. يظهر مدير الثانوية، يلتفتُ إليَّ بحيرة، لكنَّه أقلُّ ارتباكاً من مساء البارحة.
أيقنتُ الآن، وأنا بكامل قوايَ العقلية، أنَّ أحمد في أحد المشافي أو في أحد السجون، عرفتُ حقيقة ما حدث. رفعتُ رأسي ومسحتُ دموعي واستمعتُ إلى المدير وشفتاي ترتجفان: "انكشف أمره بعد انفجار عبوة كان يُحضِّرها لزرعها في مكان ما من الأرض المحتلة، وقد أدَّى الانفجار إلى بتر يديه وإصابة عينه بالعمى".
يتبع ..
-1-
تدفَّقتْ رؤاه ودموعه. أُصيب الرجل بالخوف. أحسَّ بقوة تدفعه للنهوض.. وقف أمام صورة ملوَّنة زاهية له، تتصدَّر الغرفة. رفع رأسه محاولاً تقبيلها.
أهي الذكريات تتلامح أمامه، يوم انفجرت العُبْوة الناسفة، وحمله جنديان إسرائيليان، ووضعاه في سيَّارة عسكرية، وإلى جانبه يديه تستلقيان وتتعفَّران بالدماء.. عندها ترحَّم على أيام المراهقة والمطاردة، ومشاعر الفرح فراشات تحوم وتحوم وتقطف نبضة ودمعة، وتطبع قبلة...
يفتح كفيّه للهواء، ويكتفي باحتضان عينيه ابتسامة منها، يجمعها في قبضته خوفاً عليها من الفرار، إلاّ أنّه سرعان ما يشعر بما يدفعه لإكمال رسالة كتب منها مقطعاً ولم يكملها، فدخلت أمُّه وقطعت سلسلة أفكاره. ابتسم لها وطلب كأساً من عصير البرتقال، وأن تثّبت له الورقة على سطح المرسم الملبَّد بأقلام الفحم والرصاص والألوان المائية والعلب الفارغة، وفضاء يزدحم بفوضى فنيّة عارمة.
مرتسم تزيّنه بقع ولطخات وخطوط وهندسة غريبة... رغم كلّ ما أصابه من ألم وذكريات من الصعب رصدها في جوٍّ مسحوق، تطحنه ذكريات زنزانة منعزلة.
ظلّت الأشياء تدور في رأسه وتدور، بينما كان يضع القلم في فمه ويضغط عليه بين أسنانه، ثم يرفع قدمه اليُمنى ويأخذ يقرّبها من وجهه شيئاً فشيئاً.
ضحك أحمد ضحكة طويلة، تبدأ عند ذيل غيمة رمادية مُهاجرة، تدرّجت ضحكته، ترافقت مع صوت خطوات مسرعة، تبيّن أنَّ أمَّه جاءت تستطلع ما جرى له.
أخذ الفرح يتسلَّق قامة أمّه الواقفة في باب المرسم، بينما كان يثبّت القلم بين أصابع قدمه، ويتابع كتابة رسالة إلى حبيبته التي تركت كومة من دموعها مُتجمّدة فوق وجنتيه، وهو ما يزال ينتظر همسة منها ولمسة من يدها إلى هذا اليوم!.
-2-
أنا أمّ أحمد الواقفة أمام النافذة أراقب ظلَّ الجدار، أفرح كلما تقدَّم الظلُّ سنتيمتراً واحداً، وأفرح أكثر حينما يلامس الحجر المُثبَّت في الأرض.
يتعرَّق جسمي عندما يتجاوز الظلُّ الحجر، وطيلة سنوات المدرسة، يتوافق مجيء أحمد ووصوله مع هذه العلامة البسيطة، رغم أنَّ الحجر أدمى قدميَّ مرّات ومرّات عندما كنت أتعثّر به ليلاً.
نهضتُ بعد الركعة الثانية من صلاة الظهيرة، كأنَّ قوافل من الأجراس تدقُّ في رأسي. حملتُ السُبحة، أصبح رنين خرزاتها ودقّات قلبي المتسارعة، يتلاطمان ويتدافعان بين جدارين مُتقابلين.
كررتُ عدَّ حبَّات السبحة تسع مرَّات على ما أذكر، وتسمَّرت الشمس فوق صحن الدار.. بقي ظلُّه يمتدُّ مع هواجسي.
أعرف ابني. يتوهجَّ كالجمر، وكلما حاولت إخماد ألسنة اللّهب المتطاولة، يربِّتُ على كتفي مطمئناً، بأن لا يتركني وحيدة في المنزل، ويقول: أحمد وحيُدك. لم يبقَ لي في هذه الدنيا سوى عينيك وعينيها، وبقايا أحلامٍ متورِّمة، وأفكار ربَّما تقودُني إلى السجن.
بينما أقواله تغوص في لحمي وتحفر في روحي وتمشي في ظلّ عروقي، سمعتُ ضربات قويّةً على باب الدار، فقفزتُ، وكان "زيدان" صديقه ومدير ثانوية "سلفيت" يلهثان. تبدو على وجهيهما تجاعيد زخرفها الحزن، وخلفهما مجموعة من الطلاب تتلامح على صفحات وجوههم بيانات وأخبار وبقايا دماء.
قال المدير: أحمد....!
لم أدرِ ماذا حلَّ بي بعد هذه اللحظة!
أفقتُ صباح اليوم التالي أقلِّب سرير أحمد. أشمُّ بقايا رائحته. ألمس فراشه، وأحتضن منامته المطويَّة بعناية.
دقَّاتٌ أكثر هدوءاً على باب الدار قُبيل الثامنة.. يظهر مدير الثانوية، يلتفتُ إليَّ بحيرة، لكنَّه أقلُّ ارتباكاً من مساء البارحة.
أيقنتُ الآن، وأنا بكامل قوايَ العقلية، أنَّ أحمد في أحد المشافي أو في أحد السجون، عرفتُ حقيقة ما حدث. رفعتُ رأسي ومسحتُ دموعي واستمعتُ إلى المدير وشفتاي ترتجفان: "انكشف أمره بعد انفجار عبوة كان يُحضِّرها لزرعها في مكان ما من الأرض المحتلة، وقد أدَّى الانفجار إلى بتر يديه وإصابة عينه بالعمى".
يتبع ..