المهند
19-10-2001, 12:35 PM
الكاتب .. علي زعـــلة ..
لم تكن رغبتي في النوم كبيرة ، لكنني كنت مرهقاً حدَّ الفناء بعد يوم مشحون بالعمل من بزوغ الشمس وحتى انكفائها إلى حضنها الأزرق العميق .. أحسّ بخمول عظيم يتمطّى في مفاصلي ، وتوتر يزمجر في أعصابي ..
حين دخلت المنـزل ما كنت ألوي على شيء سوى الفراش .. أدفن فيه ذلك الإرهاق المتعاظم في كل ذرة من جسدي المهترئ ، حتى أمي التي فارقتها باكرا لم أستطع إلقاء تحية المساء عليها أو حتى تقبيل يدها وجبينها المتغضّن كما هي عادتي كل مساء ، فضلا عن محادثتها وإيناسها بتناول فنجان من ( المردوم) الجنوبي الأصيل ..
دلفتُ مباشرةً إلى غرفتي ، أدرتُ المفتاح في ثقب الباب فأنا لا أتركها مفتوحة أبدا .. حتى أثناء وجود أمي في البيت .. أزعم أن فيها أشياء من تفاصيل حياتي المهمة !! دخلت غرفتي المبعثرة تماماً كأشلاء روحي ، لم أقلقْ شبح الظلام الجاثم في أرجائها ، استلقيت بعشوائية .. تذكرت أن حذائي القذر بكل ما يحتضنه من بقايا الشارع لم يزل ملتصقا بقدمي .. لا بأس .. لست أريد النوم ، بل سأسترخي قليلا ثم أنهض لأبدل ملابسي وأستحم وأجلس إلى أمي ..و.. أخذتني سنة لذيذة كنت فيها أشبه بمخمور بلغ ذروة النشوة .. دقّ جرس التاسعة ، اللّعنة على هذه الساعة .. بل اللعنة على الغرب الذين صنعوها !! أشعر حينما يدقُّ جرسها أن مطارق الحديد ترجف في كبدي ، إنها تنغّـص عليّ دائما لحظاتي الجميلة التي لا ألتقيها غالبا إلا في المنام ! عندما أنهض سأنقل هذه اللعينة إلى الصالة .. هكذا أنوي منذ اشتريتها قبل سنتين !!
وبينا أنا أجدد العزم على الفتك بالساعة الآثمة عاودتني إغفاءة أعمق من سابقتها .. ولكنّ شبحاً غريبا مرق بجواري وغمز حذائي باتجاه باب الغرفة ، وهنـاك توقف .. إنني أعرف ذلك الشبح تماما ؛ ليست المرة الأولى التي أشاهده فيها .. إنه يحمل وجهي ، ولكن جسده لا يشبه جسدي فهو متورم قليلا .. والعجيب أنني رأيته يحمل على شفا جيبه حفنةً من الأشخاص !! مَن أولاءِ المتعلّقون ؟! ذاكرتي لا تنكرهم ، ولكنني أجد صعوبة بالغة في التعرف على أسمائهم أو أماكن لقائي بهم .. أو أي شيء عنهم .. بالتأكيد أعرفهم .. آه لقد تذكرت ، إنهم أولئك النفر الذين يعملون في القسم الذي أديره بالمؤسسة ، لقد عرفتهم برائحة العفن التي تفوح من وجوههم وعيونهم .!! كانوا يتعلقون بجيبه يحاولون أن يرتقوا إليه بأي سبيل ، حين دقّقت النظر أكثر تبينت أن ثـمة مجموعة منهم وبرغم تعلقهم إلا أنهم لم يكونوا يحاولون الصعود .. كانت أيديهم تلمع بياضاً ! أشار الرجل بأطراف أصابعه كأنما هو يزيل قذاة علقت بثوبه .. فأسقط أولئك البيض ، انكبّوا على الأرض بعنف ..
وأما البقية فما زالوا يقاتلون من أجل ولوج ذلك الجيب ، وفجأة قذف أحدهم قطعة مستديرة برّاقة ثم أتبعها بأخرى إلى داخل جيبي .. أعني جيب ذلك الرجل الذي يعتمرُ وجهي !! عندها وبعد أن اطمأنّ إلى استقرار القطعتين في غيابة جيبه سارع ذلك الصفيق إلى حمل صاحبهما ثم واراه داخل جيبه .. والباقون بين ساقطٍ متهالك وآخر يحاول التعلّق أو ..الحصول على قطعة ما ..
كان ذلك هو المشهد الأخير الذي قام به الرجل قبل أن يتوارى من فضاء الغرفة .. أين ذهب ؟ وكيف اختفى بكل هذه السرعة ؟! إنني أبحث عنه في كل الزوايا المنفرجة التي تكتنف غرفتي السوداء ، أتقرّاه في طِلاء الغرفة الممتقع وألتمسه بين أغلفة الروايات الممزقة .. رغم ذلك الغطيط الذي ينبعث واهناً من صدري إلا أنني لست نائما ! بل أشعر أني لم أكن بمثل هذا الصفاء الذهنيّ من قبل .
وبعد لحظات من البحث العائم .. إنه هو لقد وجدته هاهو يتربع على سطح مكتبي الذي ليس له من اسمه إلا قوائمه الأربع ، عندما حدّقت في الرجل أدهشني نحوله الشديد ، لقد عاد ضئيلا لا يملأ الكفّ ولكنه ما زال يحمل وجهي وقد أبـهـجنـي ذلك الرواء والصفاء الطافح من جبيني المعلّق على ظهره هذه المرة !! وعندما هـممت بندائه استقبلني بصدره الذي يحمل وجهي أيضا لكن صفرة عجيبة كانت تحتويه وتشي بعاهة ما .. إنه بوجهين إذن .. لم أعد متأكدا من يقظتي الآن !!
حاولت أن أسأله : من أنت يا هذا ؟
وكيف دخلت غرفتي ؟
والسؤال الملحّ : لماذا تحمل وجهين كوجهي ؟! ما علاقتك بي ؟ وما ..؟؟! عصفت كل تلك التساؤلات وأكثر منها في فكري المكدود .. أغاظني بوداعته وصمته .. وبتلك النظرة المريبة التي تسمّرت باتجاهي ، استجمعت قواي وهـممت بطرح أسئلتي عليه .. لم أتـمكن من ذلك .. لقد عادت الساعة اللعينة لتعلن العاشرة ..
تحياتي
المهنـــد
لم تكن رغبتي في النوم كبيرة ، لكنني كنت مرهقاً حدَّ الفناء بعد يوم مشحون بالعمل من بزوغ الشمس وحتى انكفائها إلى حضنها الأزرق العميق .. أحسّ بخمول عظيم يتمطّى في مفاصلي ، وتوتر يزمجر في أعصابي ..
حين دخلت المنـزل ما كنت ألوي على شيء سوى الفراش .. أدفن فيه ذلك الإرهاق المتعاظم في كل ذرة من جسدي المهترئ ، حتى أمي التي فارقتها باكرا لم أستطع إلقاء تحية المساء عليها أو حتى تقبيل يدها وجبينها المتغضّن كما هي عادتي كل مساء ، فضلا عن محادثتها وإيناسها بتناول فنجان من ( المردوم) الجنوبي الأصيل ..
دلفتُ مباشرةً إلى غرفتي ، أدرتُ المفتاح في ثقب الباب فأنا لا أتركها مفتوحة أبدا .. حتى أثناء وجود أمي في البيت .. أزعم أن فيها أشياء من تفاصيل حياتي المهمة !! دخلت غرفتي المبعثرة تماماً كأشلاء روحي ، لم أقلقْ شبح الظلام الجاثم في أرجائها ، استلقيت بعشوائية .. تذكرت أن حذائي القذر بكل ما يحتضنه من بقايا الشارع لم يزل ملتصقا بقدمي .. لا بأس .. لست أريد النوم ، بل سأسترخي قليلا ثم أنهض لأبدل ملابسي وأستحم وأجلس إلى أمي ..و.. أخذتني سنة لذيذة كنت فيها أشبه بمخمور بلغ ذروة النشوة .. دقّ جرس التاسعة ، اللّعنة على هذه الساعة .. بل اللعنة على الغرب الذين صنعوها !! أشعر حينما يدقُّ جرسها أن مطارق الحديد ترجف في كبدي ، إنها تنغّـص عليّ دائما لحظاتي الجميلة التي لا ألتقيها غالبا إلا في المنام ! عندما أنهض سأنقل هذه اللعينة إلى الصالة .. هكذا أنوي منذ اشتريتها قبل سنتين !!
وبينا أنا أجدد العزم على الفتك بالساعة الآثمة عاودتني إغفاءة أعمق من سابقتها .. ولكنّ شبحاً غريبا مرق بجواري وغمز حذائي باتجاه باب الغرفة ، وهنـاك توقف .. إنني أعرف ذلك الشبح تماما ؛ ليست المرة الأولى التي أشاهده فيها .. إنه يحمل وجهي ، ولكن جسده لا يشبه جسدي فهو متورم قليلا .. والعجيب أنني رأيته يحمل على شفا جيبه حفنةً من الأشخاص !! مَن أولاءِ المتعلّقون ؟! ذاكرتي لا تنكرهم ، ولكنني أجد صعوبة بالغة في التعرف على أسمائهم أو أماكن لقائي بهم .. أو أي شيء عنهم .. بالتأكيد أعرفهم .. آه لقد تذكرت ، إنهم أولئك النفر الذين يعملون في القسم الذي أديره بالمؤسسة ، لقد عرفتهم برائحة العفن التي تفوح من وجوههم وعيونهم .!! كانوا يتعلقون بجيبه يحاولون أن يرتقوا إليه بأي سبيل ، حين دقّقت النظر أكثر تبينت أن ثـمة مجموعة منهم وبرغم تعلقهم إلا أنهم لم يكونوا يحاولون الصعود .. كانت أيديهم تلمع بياضاً ! أشار الرجل بأطراف أصابعه كأنما هو يزيل قذاة علقت بثوبه .. فأسقط أولئك البيض ، انكبّوا على الأرض بعنف ..
وأما البقية فما زالوا يقاتلون من أجل ولوج ذلك الجيب ، وفجأة قذف أحدهم قطعة مستديرة برّاقة ثم أتبعها بأخرى إلى داخل جيبي .. أعني جيب ذلك الرجل الذي يعتمرُ وجهي !! عندها وبعد أن اطمأنّ إلى استقرار القطعتين في غيابة جيبه سارع ذلك الصفيق إلى حمل صاحبهما ثم واراه داخل جيبه .. والباقون بين ساقطٍ متهالك وآخر يحاول التعلّق أو ..الحصول على قطعة ما ..
كان ذلك هو المشهد الأخير الذي قام به الرجل قبل أن يتوارى من فضاء الغرفة .. أين ذهب ؟ وكيف اختفى بكل هذه السرعة ؟! إنني أبحث عنه في كل الزوايا المنفرجة التي تكتنف غرفتي السوداء ، أتقرّاه في طِلاء الغرفة الممتقع وألتمسه بين أغلفة الروايات الممزقة .. رغم ذلك الغطيط الذي ينبعث واهناً من صدري إلا أنني لست نائما ! بل أشعر أني لم أكن بمثل هذا الصفاء الذهنيّ من قبل .
وبعد لحظات من البحث العائم .. إنه هو لقد وجدته هاهو يتربع على سطح مكتبي الذي ليس له من اسمه إلا قوائمه الأربع ، عندما حدّقت في الرجل أدهشني نحوله الشديد ، لقد عاد ضئيلا لا يملأ الكفّ ولكنه ما زال يحمل وجهي وقد أبـهـجنـي ذلك الرواء والصفاء الطافح من جبيني المعلّق على ظهره هذه المرة !! وعندما هـممت بندائه استقبلني بصدره الذي يحمل وجهي أيضا لكن صفرة عجيبة كانت تحتويه وتشي بعاهة ما .. إنه بوجهين إذن .. لم أعد متأكدا من يقظتي الآن !!
حاولت أن أسأله : من أنت يا هذا ؟
وكيف دخلت غرفتي ؟
والسؤال الملحّ : لماذا تحمل وجهين كوجهي ؟! ما علاقتك بي ؟ وما ..؟؟! عصفت كل تلك التساؤلات وأكثر منها في فكري المكدود .. أغاظني بوداعته وصمته .. وبتلك النظرة المريبة التي تسمّرت باتجاهي ، استجمعت قواي وهـممت بطرح أسئلتي عليه .. لم أتـمكن من ذلك .. لقد عادت الساعة اللعينة لتعلن العاشرة ..
تحياتي
المهنـــد