عاصفة الوجد
04-01-2005, 05:50 PM
هذه القصة الأولى التي سأتناولها من كتاب الرجل الحائط للكاتبة السعودية قماشه العليان روائية جريئة حازت على جائزة المبدعات العربيات بالشارقة تثبت بما لايدع مجال للشك مقدار ماوصلت إليه المرأة السعودية من طموح مشروع يؤهلها عن جدارة إلى احتلال الصفوف المتقدمة في الأدب القصصي العربي .
أحببت أن تتذوقون معي ما قرأته لها وتشاركوني بمتعتي.
في السابعة عشرة من عمري كنت:حينما تصدع العالم من حولي انهارت الجدران التي تحوطني وتمزقت الأقنعه عن وجوه من حولي لتبرز لي الأنياب والمخالب..والأرض الخربة المتهاوية والأشجار العارية والأيدي الخاوية والأنفس الممتلئة بالصديد..
في بداية تفتحي للحياة كنت, أخطو خطواتي الأولى في عالم الأنوثة الصاخبة بالجاذبية والغموض كما يتراءى لي..
بيد أن سرمدية الواقع اغتلت الحقيقة الجاثمة أمام عيني كواقع مرعب ..ماتت أمي..نعم ماتت من تمثل لي نبع
الحنان وروضة الجنان وشاطئ الأمان..
انتزعها مني القدر في يوم ممطر كئيب ..في ذلك اليوم البعيد كنت أقف في ردهة المستشفى تتقاذفني أمواج الأمل والألم. تحلق بي الأحلام وتصفعني الأوهام..فالعملية ليست سهلة ..انسداد في أحد شرايين القلب,وأمي بقلبها الضعيف لن تتحمل العملية ..هكذا أوحى لي حدسي..لترد عليه عاطفتي اللطمة بان أمي كانت ولازال تتحمل كل شيء ولن يضرها أية عملية تجرى في جسدها..
لاح لي وجهها المنهك قبل العملية بلحظات..أمسكت بيدي في قوة عجيبة ..امتلأت عيناي بالدموع..ابتسمت بوداعة وهي تهمس:
_لم أعهدك هكذا يا نجلاء .. أنت قوية وستبقين قوية دائماً سواء بوجودي أو بعدمه ..هطلت دموعي بغزارة وأنا اهتف:
لا يا أمي ..لن أفقدك ..ستخرجين سالمة بإذن الله وسنعيش بسعادة كما كنا دائماً..سرت البرودة من جسدها إلى جسدي عبر أناملها النحيلة المعروقة ..تنهدت وهي تقول:
_الأمل بالله كبير ..ولكن لا تبكي يا نجلاء يا حبيبتي ..عدني الاّ تبكي لا أحب أن أرى دموعك.. أريد أن أرى ابتسامتك كأخر شيء تقع عليه عيناي قبل الدخول إلى حجرت العملية..هيا ابتسمي يا حبيبتي..اغتصبت ابتسامة شقت طريقها وسط الدموع..ألفيت نفسي لا أزال أبتسم رغم مرور وقت طويل على دخول أمي حجرة العمليات..
عادت الشكوك تتناهبني حينما قال لي أخي الاكبر:
_نجلاء.. ألن تجلسي؟
أشحت ببصري عنه غير قادرة حتى على ترف الرد على سؤاله ..
أقبل الطبيب متثاقلاً ..نبض قلبي بسرعة جنونية..قال بصوت معدني بارد وعيناه الزائغتان تنتقلان بيننا:
_البقيه في حياتكم ..الوالدة في رحاب الله !!
لم يستجب قلبها الضعيف للتنبيه المتواصل و.و.ولم أعي وجودي ..صحوت على واقع بشع منفر يخلو من وجه أمي الحبيب..لم أصدق أنها غادرتنا إلى غير رجعة ..حتى عندما أعاد المستشفى حاجياتها البسيطة..عباءة سوداء,سواريين ذهبيين وخاتم ذا فص أزرق أهديته لها عندما استلمت أول مكافآتي من الجامعة وحذاء اسود بسيط كانت قد استعارته مني ..لا.. لا اصدق ولن أصدق تحجرت عيناي بغير دموع ..وانساب نزيف الداخل بغير حساب ..رفضت الأكل والشراب والنوم ..بقيت كتمثال بارد في حجرت أمي العتيقة أحتضن كل شيء بعيني يغمرني شعور جارف بأنني لن أراها مرة أخرى .
وحدث ما كنت أخشاه, انتزعني أخي من بين أشيائي المحببة ووضعني في حجرة بمنزله بعد أن دفن ذكرياتي وأمي بإعلان بيع منزلنا..
لم يكن لي حق الاعتراض بعد أن تعرضت على يد زوجته إلى شتى أصناف ألاهانه والاذلال.. وبعد أيام_ لاأدري كم عددها_ أقتحم أخي حجرتي كعاصفة هوجاء..قالها بلا مقدمات:_ستتزوجين الأسبوع القادم.. بقلة حيلة تساءلت:
_والجامعة !؟.
أجاب بخشونة تعمدها:
ليست ضرورية ...الزواج أهم..
ولم أسأل من هو..وماذا يعمل ..ولاكيف تبدو هيئته ..إستسلمت تماماً لأخي وجبروته وطغيانه ..ليس خوفاً منه بل طمعاً في الهروب , الهروب من قبضته إلى أي مكان ,وأي ارض,وتحت أي سماء..
ولم يكن زوجي المقبل بأفضل من أخي..فقد عاملني منذ البداية على أنني سلعة..سلعة اشتراها ليكمل به ديكور منزله تماماً كقطعة سجاد أو أنية فخار أو لوحة تاريخية ..
حاولت التقرب منه بشت الطرق,ولكنه كان في واد وأنا في واد أخر ..حاولت اجتياز المسافات التي وضعها باختياره ,ولكن محاولاتي كلها ذهبت ادراج الرياح ..واكتشفت متأخرة أسباب صدوده عني..عرفت سبب تجافيه لي وكأنني لم أكن..
هناك حب قديم في حياته.. أحب ابنة عمه بعمق,ولكنها رفضته وتزوجت بآخر وبقى يحبها ويعلق جراحه باستمرار..لم أواجهه بما عرفته,واكتفيت بمراقبته في صمت وكأنني أراقب شخص مريض..لم يفرح حينما علم بأمر حملي ولم يساوره أدنى شعور بأية سعادة ..
فقط قال لي بفتور:
_أتمنى أن يكون القادم ولد يحمل أسمي..
نكست رأسي بيأس وأنا أمضغ تعبي وقلقي وإحباطي ..حتى أذن الله لي بالولادة,فأنجبت طفلة جميلة ,ما أن علم بأمر ولادتها حتى قاطعني ولم يزرني بالمستشفى ولا حتى تلقيت منه مكالمة هاتفية..
شقيقي الاكبر كان أشد ظلمناً وجوراً,فقد رفضت زوجته رعايتي بعد الولادة ..فأخرجني من المستشفى إلى بيت زوجي الذي لايريد أن يراني ..فأي اهانة وإذلال أكثر من هذا ؟..
انزويت في ركن من أركان بيتي أنا وابنتي ابتلع دموعي في صمت تتراءى لي صورة والدتي بحنانها وحبها ورقتها
لماذا ترحل وأنا في قمت احتياجي لها ؟..وتضيع تساؤلاتي وسط دوامة الحياة ليفاجئني زوجي بالطلاق ..فوجئت في البداية وتلاشت دهشتي لتلوح لي تباشير الحقيقة المؤلمة ..فزوجي لم يحبني منذ البداية وإنما تزوجني لمجرد أنه يريد أن يتزوج .
وهكذا عدت لبيت أخي مطلقة,ولم تمضي سنة على زواجي وبين ذراعي طفلة لاذنب لها في شي على الإطلاق..لم يشعر أخي بأي تأنيب ضمير وهو يرى دموعي تنساب على خدي بحرارة ..اكتفى بنظرة زاجرة وزوجته تقول بشماتة:
إنها لا تصلح ولن تصلح لأن تكون زوجه ناجحة..لقد أفسدتها أمك بتدليلها ..ولاأجرؤ على النطق حتى وهي تأتي بسيرة أمي _رحمها الله دون لفظ رحمة ..أبتلع غيظي واصمت..
ولم يطل انتظاري كثيراً ..فقد جاءني أخي والتردد يسبق خطواته ..نبض قلبي بجنون ..وقد استشعرت مقدما الخطر الآتي :
قال لي بحماس
_ستتزوجين بعد شهر من رجل ناضج يقدرك حق قدرك همست وكياني كله يرتجف:
_وابنتي؟
وضاعت صرخاتي وسط إصرار أخي وزوجته على تحطيمي ألقى أخي بكل أسلحته أمام رنين النقود والثروة المرتقبة من الرجل العجوز الذي سيبيعني له ..رجوته أن يبقي معي أبنتي خاصة أن والدها رفض الصرف عليها ..تردد هددته بأنني لن أتزوج إلا ومعي أبنتي ..
وأنا الآن زوجه لرجل تخطى ألكهوله بسنوات في بيت مترامي الأطراف , بارد كالصقيع الذي يسكنني ..لاحب..لاموده ولا رحمة تربطني بزوجي ..كل الذي بيننا هي ابنتي ..فهو لسوء حظه وحسن حظي عاش طوال عمره يعاني العقم ,فكانت ابنتي وكأنها هدية من السماء بالنسبة له..
وأنا أعيش وارى ..وأنام وأخي ؟؟
ســــــــــــــــــــامح الله أخي....
((تمت))
أحببت أن تتذوقون معي ما قرأته لها وتشاركوني بمتعتي.
في السابعة عشرة من عمري كنت:حينما تصدع العالم من حولي انهارت الجدران التي تحوطني وتمزقت الأقنعه عن وجوه من حولي لتبرز لي الأنياب والمخالب..والأرض الخربة المتهاوية والأشجار العارية والأيدي الخاوية والأنفس الممتلئة بالصديد..
في بداية تفتحي للحياة كنت, أخطو خطواتي الأولى في عالم الأنوثة الصاخبة بالجاذبية والغموض كما يتراءى لي..
بيد أن سرمدية الواقع اغتلت الحقيقة الجاثمة أمام عيني كواقع مرعب ..ماتت أمي..نعم ماتت من تمثل لي نبع
الحنان وروضة الجنان وشاطئ الأمان..
انتزعها مني القدر في يوم ممطر كئيب ..في ذلك اليوم البعيد كنت أقف في ردهة المستشفى تتقاذفني أمواج الأمل والألم. تحلق بي الأحلام وتصفعني الأوهام..فالعملية ليست سهلة ..انسداد في أحد شرايين القلب,وأمي بقلبها الضعيف لن تتحمل العملية ..هكذا أوحى لي حدسي..لترد عليه عاطفتي اللطمة بان أمي كانت ولازال تتحمل كل شيء ولن يضرها أية عملية تجرى في جسدها..
لاح لي وجهها المنهك قبل العملية بلحظات..أمسكت بيدي في قوة عجيبة ..امتلأت عيناي بالدموع..ابتسمت بوداعة وهي تهمس:
_لم أعهدك هكذا يا نجلاء .. أنت قوية وستبقين قوية دائماً سواء بوجودي أو بعدمه ..هطلت دموعي بغزارة وأنا اهتف:
لا يا أمي ..لن أفقدك ..ستخرجين سالمة بإذن الله وسنعيش بسعادة كما كنا دائماً..سرت البرودة من جسدها إلى جسدي عبر أناملها النحيلة المعروقة ..تنهدت وهي تقول:
_الأمل بالله كبير ..ولكن لا تبكي يا نجلاء يا حبيبتي ..عدني الاّ تبكي لا أحب أن أرى دموعك.. أريد أن أرى ابتسامتك كأخر شيء تقع عليه عيناي قبل الدخول إلى حجرت العملية..هيا ابتسمي يا حبيبتي..اغتصبت ابتسامة شقت طريقها وسط الدموع..ألفيت نفسي لا أزال أبتسم رغم مرور وقت طويل على دخول أمي حجرة العمليات..
عادت الشكوك تتناهبني حينما قال لي أخي الاكبر:
_نجلاء.. ألن تجلسي؟
أشحت ببصري عنه غير قادرة حتى على ترف الرد على سؤاله ..
أقبل الطبيب متثاقلاً ..نبض قلبي بسرعة جنونية..قال بصوت معدني بارد وعيناه الزائغتان تنتقلان بيننا:
_البقيه في حياتكم ..الوالدة في رحاب الله !!
لم يستجب قلبها الضعيف للتنبيه المتواصل و.و.ولم أعي وجودي ..صحوت على واقع بشع منفر يخلو من وجه أمي الحبيب..لم أصدق أنها غادرتنا إلى غير رجعة ..حتى عندما أعاد المستشفى حاجياتها البسيطة..عباءة سوداء,سواريين ذهبيين وخاتم ذا فص أزرق أهديته لها عندما استلمت أول مكافآتي من الجامعة وحذاء اسود بسيط كانت قد استعارته مني ..لا.. لا اصدق ولن أصدق تحجرت عيناي بغير دموع ..وانساب نزيف الداخل بغير حساب ..رفضت الأكل والشراب والنوم ..بقيت كتمثال بارد في حجرت أمي العتيقة أحتضن كل شيء بعيني يغمرني شعور جارف بأنني لن أراها مرة أخرى .
وحدث ما كنت أخشاه, انتزعني أخي من بين أشيائي المحببة ووضعني في حجرة بمنزله بعد أن دفن ذكرياتي وأمي بإعلان بيع منزلنا..
لم يكن لي حق الاعتراض بعد أن تعرضت على يد زوجته إلى شتى أصناف ألاهانه والاذلال.. وبعد أيام_ لاأدري كم عددها_ أقتحم أخي حجرتي كعاصفة هوجاء..قالها بلا مقدمات:_ستتزوجين الأسبوع القادم.. بقلة حيلة تساءلت:
_والجامعة !؟.
أجاب بخشونة تعمدها:
ليست ضرورية ...الزواج أهم..
ولم أسأل من هو..وماذا يعمل ..ولاكيف تبدو هيئته ..إستسلمت تماماً لأخي وجبروته وطغيانه ..ليس خوفاً منه بل طمعاً في الهروب , الهروب من قبضته إلى أي مكان ,وأي ارض,وتحت أي سماء..
ولم يكن زوجي المقبل بأفضل من أخي..فقد عاملني منذ البداية على أنني سلعة..سلعة اشتراها ليكمل به ديكور منزله تماماً كقطعة سجاد أو أنية فخار أو لوحة تاريخية ..
حاولت التقرب منه بشت الطرق,ولكنه كان في واد وأنا في واد أخر ..حاولت اجتياز المسافات التي وضعها باختياره ,ولكن محاولاتي كلها ذهبت ادراج الرياح ..واكتشفت متأخرة أسباب صدوده عني..عرفت سبب تجافيه لي وكأنني لم أكن..
هناك حب قديم في حياته.. أحب ابنة عمه بعمق,ولكنها رفضته وتزوجت بآخر وبقى يحبها ويعلق جراحه باستمرار..لم أواجهه بما عرفته,واكتفيت بمراقبته في صمت وكأنني أراقب شخص مريض..لم يفرح حينما علم بأمر حملي ولم يساوره أدنى شعور بأية سعادة ..
فقط قال لي بفتور:
_أتمنى أن يكون القادم ولد يحمل أسمي..
نكست رأسي بيأس وأنا أمضغ تعبي وقلقي وإحباطي ..حتى أذن الله لي بالولادة,فأنجبت طفلة جميلة ,ما أن علم بأمر ولادتها حتى قاطعني ولم يزرني بالمستشفى ولا حتى تلقيت منه مكالمة هاتفية..
شقيقي الاكبر كان أشد ظلمناً وجوراً,فقد رفضت زوجته رعايتي بعد الولادة ..فأخرجني من المستشفى إلى بيت زوجي الذي لايريد أن يراني ..فأي اهانة وإذلال أكثر من هذا ؟..
انزويت في ركن من أركان بيتي أنا وابنتي ابتلع دموعي في صمت تتراءى لي صورة والدتي بحنانها وحبها ورقتها
لماذا ترحل وأنا في قمت احتياجي لها ؟..وتضيع تساؤلاتي وسط دوامة الحياة ليفاجئني زوجي بالطلاق ..فوجئت في البداية وتلاشت دهشتي لتلوح لي تباشير الحقيقة المؤلمة ..فزوجي لم يحبني منذ البداية وإنما تزوجني لمجرد أنه يريد أن يتزوج .
وهكذا عدت لبيت أخي مطلقة,ولم تمضي سنة على زواجي وبين ذراعي طفلة لاذنب لها في شي على الإطلاق..لم يشعر أخي بأي تأنيب ضمير وهو يرى دموعي تنساب على خدي بحرارة ..اكتفى بنظرة زاجرة وزوجته تقول بشماتة:
إنها لا تصلح ولن تصلح لأن تكون زوجه ناجحة..لقد أفسدتها أمك بتدليلها ..ولاأجرؤ على النطق حتى وهي تأتي بسيرة أمي _رحمها الله دون لفظ رحمة ..أبتلع غيظي واصمت..
ولم يطل انتظاري كثيراً ..فقد جاءني أخي والتردد يسبق خطواته ..نبض قلبي بجنون ..وقد استشعرت مقدما الخطر الآتي :
قال لي بحماس
_ستتزوجين بعد شهر من رجل ناضج يقدرك حق قدرك همست وكياني كله يرتجف:
_وابنتي؟
وضاعت صرخاتي وسط إصرار أخي وزوجته على تحطيمي ألقى أخي بكل أسلحته أمام رنين النقود والثروة المرتقبة من الرجل العجوز الذي سيبيعني له ..رجوته أن يبقي معي أبنتي خاصة أن والدها رفض الصرف عليها ..تردد هددته بأنني لن أتزوج إلا ومعي أبنتي ..
وأنا الآن زوجه لرجل تخطى ألكهوله بسنوات في بيت مترامي الأطراف , بارد كالصقيع الذي يسكنني ..لاحب..لاموده ولا رحمة تربطني بزوجي ..كل الذي بيننا هي ابنتي ..فهو لسوء حظه وحسن حظي عاش طوال عمره يعاني العقم ,فكانت ابنتي وكأنها هدية من السماء بالنسبة له..
وأنا أعيش وارى ..وأنام وأخي ؟؟
ســــــــــــــــــــامح الله أخي....
((تمت))