المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحت الاحمر وفوق البنفسجي- تجربة روائية


خالد السروجي
29-12-2004, 12:02 AM
تحت الأحمر .. وفوق البنفسجي




نص سردي







خالد السروجي







































اهداء

الي الفتي الابيض ورفاقه

خالد







اهداء
الي الفتي الابيض ورفاقه.......
خالد




الثلاثاء 22\6\2004__الثامنة صباحا

في منزله الصيفي بالساحل الشمالي, شرع اللواء المتقاعد حفظي حسين في مطالعة الجرائد الصباحية الثلاث حسب عادته القديمة...في ذلك الوقت كان يجلس في بلكونته المطلة علي البحر . وقد استرعي انتباهه وهو يطالع جريدة الاخبار اعلان جوائز الدولة . وتوقف عند اسم الكاتب الفائز بجائزة الدولة في الادب, انه من نفس مدينته " الاسكندرية " , كما ان لقبه قد ذكره بشخص يعرفه ربما كان والد هذا الكاتب . ودعم ذلك في نظره ان الصورة المنشوره له تشير الي انه لم يتجاوز العقد الثالث من عمره.. ولما كان اللواء حفظي لايمانع في قراءة الادب , وقد اصبح في وقته متسعا لذلك بعد احالته للتقاعد . لذلك قرر ان يطلع علي كتب مواطنه السكندري من باب الفضول وربما الشعور بانتماء ما. كما قرر ايضا تحري مسالة كونه ابن الشخص الذي يعرفه من عدمه.
ولكنه نسي الامر عندما دخلت عليه زوجته الدكتورة هدي وخلفها الخادمة تحمل طعام الافطار. وسرعان ما انهمك بشهية في تناول افطاره.
فجأة توقفت الدكتورة هدي عن الاكل , ونظرت لحفظي وهي تقول بلهجة تحذيرية :
_ اتمني الا تنسي " عزومة " الخميس.. فقد نتاخر في الاعداد لها .
رفع بصره من علي الاطباق لتستقر علي وجهها:
_ اتذكر تماما .. سيكون كل شئ معد قبلها بايام كالعادة .
واصل اكمال افطاره وهو يفكر في ترتيبات " العزومة" ..منذ تقاعده العام الفائت , اعتادت زوجته اقامة عشاء في الخميس الاول من كل شهر . كان العدد لا يزيد في الاغلب عن ستة او سبعة اشخاص الا في حالات نادرة وجميعهم اصدقاء قدامي واقارب . يمتد بهم السهر حتي الساعات الاولي من الفجر , ويتبادلون احاديث ما بين الذكريات المشتركة والسياسة والفن واحيانا بعض النميمة..
قامت الدكتورة هدي كالملدوغة وهي تقول :
_ ساتاخر اليوم عن ميعاد المستشفي .
قال حفظي كمن تذكر فجأة :
_ هناك كاتب سكندري فاز بجائزة الدولة في الادب .
قالت بدون اكتراث :
_ شئ لطيف فعلا .
_ ربما اكون قد عرفت والده.
قالت وهي تتحرك استعدادا للنزول :
_ انت تعرف الكثير من الناس
وانطلقت مسرعة لتلحق بالمستشفي النفسي الذي تتولي ادارته , والذي تاخرت عن موعده. تابعها حفظي بنظره من خلال البلكونة , وهي تقود السيارة منطلقة بسرعة ..اشعل سيجارة , ثم عاد لمواصلة قراءة الجرائد .. بعد ان فرغ من القراءة وجد نفسه يتحمس فجاءة لاحضار مؤلفات هذا الكاتب السكندري ليطلع عليها ..حاول ان يتذكر اي من معارفه له علاقة باوساط الادباء ليحضر له هذه الكتب ,اذ لم يكن يعرف من اين يبتاعها .. وقرر في نوبة حماس ان يبدأ باجراء اتصالاته ....




الثلاثاء 22/6/2004__ التاسعة والربع صباحا

كما توقعت الدكتورة هدي , فقد وصلت متأخرة عن موعدها الذي اعتادت عليه . اثار ذلك حنقها وجعلها عصبية, اذ اعتادت ان تكون هي الساعة التي يضبط عليها الجميع ميعاد الحضور . توجهت الي مكتبها بسرعة . تذكرت فجأة حفظي واسعدها اهتمامه بامر هذا الكاتب , وعقدت نيتها علي ان توفر له كتبه ..كانت تقلقها حالته منذ التقاعد . فبمرور الوقت بدأت تظهر عليه علامات الاكتئاب . كانت تلاحظها بعين خبيرة وبقلق متزايد . ولولا انها كانت وراء فكرة تجمع الخميس الاول من كل شهر وحفاظها علي ذلك باصرار , لاصبح اسيرا للعزلة وفريسة لاكتئاب قاس ..كانت تدرك بحكم تخصصها ازمة التقاعد وخاصة عندما يتعلق الامر بشخص مارس بحكم عمله سلطة كبيرة , ثم وجد انه يفقدها فجأة ولم تعد له ذات الاهمبة والهيبة التي كانت ..وادركت ايضا الازمة المتمثلة في كونها لازالت تعمل بينما هو متقاعد . وحاولت بوسائل نفسية عديدة الحد من تعميق تلك الحساسية , حتي لا تسهم في الاسراع به نحو نوع شرس من الاكتئاب ..
عندما نبهته يوما الي بوادر الاكتئاب التي بدأت تظهر عليه ,بدت علي وجهه تعبيرات شرسة اعتادتها منه في لحظات الغضب ..
_ هل تريدي ان تقولي انني مجنون .. انا مجنون ؟!!!
_ لم اقل هذا .. الاكتئاب ليس جنونا .
قال وقد ازداد شراسة :
_ بل جنون..
ثم اردف :
_ انا اعقل من الجميع ..
صمتت ولم ترد . ولكنها يوما بعد يوم كنت تلاحظ ان العلامات تسير به نحو المرض ..ولم تجرؤ حتي علي محادثته في الذهاب لزيارة استاذها الدكتور غنيم , وهو شخص تعرف ان زوجها يكن له عميق الاحترام . ولكن بالنسبة لزوجها كان قبول ذلك يعني اعترافه بانه مجنون .. وبديلا عن ذلك حرصت ان يكون الدكتور غنيم احد الضيوف الدائمين في لقاء الخميس الاول, حتي يتسني له ملاحظة زوجها عن كثب ويشترك معها في تقييم حالته النفسية واقتراح ما يراه لوقف زحف الاكتئاب , في محاولة للعلاج النفسي عن بعد اذ ان العلاج المباشر سيكون مرفوضا من جانب حفظي بل ان مجرد اعترافه بوجودمشكلة نفسية هو امر مستحيل من جانبه ...
حاولت هدي ازاحة تلك الهموم جانبا . كان عليها ان تبدا في المرور علي المستشفي , وتفقد مرضاها .....

الاربعاء 23/6/2004 _ العاشرة صباحا .

استقر مظروف ابيض بين يدي اللواء حفظي . ارسله له احد معارفه ممن لهم علاقة باوساط الادباء..كان المظروف يحتوي علي ستة كتب من تاليف الكاتب..تصفحها حفظي علي مهل وهو يردد العناوين:

لاحظ انهم ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية ..قرر ان يبدأ بقراءة المجموعة الاخيرة الحاصلة علي الجائزة , بدا له العنوان جذابا ..حاول ان يتخيل كيف تكون ابتسامة هذا الوجه الشاحب , ولكنه تخلي عن المحاولة سريعا..

في مساء الامس تقوي عزمه علي بدء القراءة . بعد ان شاهد مصادفة برنامج علي القناة الفضائية المصرية , استضاف عددا من الحاصلين علي جوائز الدولة وكان من بينهم كاتبه الذي اثار العديد من المشاكل في البرنامج وبدا انه حانق علي اشياء كثيرة , رغم فوزه بالجائزة ....
علق لزوجته علي ذلك قائلا :
_ مشاغب وغير مريح .. ولكنني ساقرأ ما كتبه .

الاربعاء 23/6/2004 _ الحادية عشر صباحا

كان الكاتب يشعر بالارهاق بعد عودته من القاهرة..وكان يفكر في اشياء كثيرةمتعلقة بمستقبله ككاتب.
ولكن رنين التليفون قطع عليه تفكيره في هذا الامر..كان المتصل هو احد معارفه من الكتاب , هنئه علي الفوز بالجائزة , وتحدث معه في امور ثقافية , ولكنه اثناء المكالمة قال شيئا بدا غريبا للكاتب:
_ بالامس اتصل بي صديق يطلب كتبك ..قال ان هناك لواء شرطة سابق يريد قراءتها
فرد ضاحكا :
_ ومنذ متي يهتم الجنرالات بقراءة ما نكتبه!! ..
ولكنه شعر بعدم الارتياح تجاه ذلك . وحاول ان يعلل ذلك بان تسليط الاضواء علي الفائز بالجائزة ربما يخلق عند البعض رغبة في قراءته... ولكنه عاد ليتساءل بتوجس : لماذا انا تحديدا ؟؟ ولماذا لواء شرطة ؟؟..



الاربعاء 23/8/2004_ الثانية عشرة ظهرا

عندما بدا حفظي قراءة المجموعة القصصية الفائزة , شعر بعدم الارتياح تجاه بعض القصص..فعندما وصل الي قصة" الفتي الابيض" , بدأ يشعر بعدم ارتياح غامض واستفزاز تجاه الكاتب ..وبغريزة امنية راسخة استعمل قلمه ليضع خطوطا تحت بعض السطور ...
"...خرج لاول مرة في حياته في مظاهرة ليهتف ضد كل الاشياء السوداء ...."
" ...ولكن الجنود احاطوا بهم و اوسعوهم ضربا بلعصا المكهربة ..."
" ....قال لهم الضابط حانقا :
_ تهيجون الناس يا ابناء الزواني .....
_ ان لم يعجبك الكلام نستطيع ان نزني بامك امامك...."
" ...اشار الضابط لرجاله , فامسكوه وجعلوا راسه الي الارض , وضربوه بعصا رفيعة ملفوفة علي اقدامه المرفوعة لاعلي....."
"...اقتادهم الجنود الي غرفة باردة كئيبة , وتباروا في ايلامهم .."كانت الساعة تشير الي الثالثة..ظن ان بها عطب, ولكن عقرب الثواني كان يدور".".نظر بيأس الي ساعته كانت لاتزال تشير للثالثة رغم دوران عقرب الثواني..."
"... حاول ان يتذكر اشياءه البيضاء: البالطو. ووجه الحبيبه. وقطته السيامية . ولكن الذاكرة كانت عصية. لم يحك لاحد عن وجعه . كان يلتف بصمته ..ويتواري عن العيون حتي لا يلاحظ احد شروخ روحه التي بدات تتسع وتتشعب بلا نهاية ..."
القي حفظي بقلمه حانقا.
قال كانما يحدث نفسه :
_ ماذا يريد هذا السافل ان يقول .
ورغم استفزاز هذه القصة له , الا انه واصل قراءة المجموعة وقد عاود الامساك بقلمه ..وعندما وصل الي قصة " النجمة " بدأ قلمه مرة اخري يخط تحت السطورالتالية :
".....حاولت اللحاق بالصرصار قبل ان يفلت مني نهائيا ويختبئ تحت السيارة..."
" ...وبسرعة نزل رجلان من السيارة السوداء الفارهة , وامسكا بي .."
".. _ اريد هذا الصرصار.."
".._ كنت اريد ان اسحقه..."
".._ لماذا تمنعونني من سحقه؟!!.."
".._لاننا نحن حراسه.."
"...قال رجل الامن متهكما :
_ وهل النجمة هي التي جعلته صرصارا؟!!."
".._ لا تراوغ الافضل لك ان تعلن عن هويتك, فلنا وسائلنا الخاصة في معرفة الحقيقة ..":
".._ ستاتي معي الي هناك..ألم يقولوا لك شيئا عن هناك؟..حيث تدلون دائما باعترافاتكم التفصيلية عن المؤامرات.."
انقلبت سحنة حفظي . زفر بضيق .
القي الي الكتاب بنظرة اشمئزاز وهو يقول :
_ ولكن هذه النجوم فخر لنا ايها التافه .
ثم واصل مخاطبة نفسه بصوت مسموع :
_ اذا هو يعرض بالأمن ..جميل.. ولكن لم يقل لنا ابن ال...ماذا حدث للرجل في "هناك" ولكنني اعرف جيدا...

طوح الكتاب بيده ليقع علي طرف المائدة , وظل يتارجح علي الطرف مقاوما السقوط ومحاولا الاستقرار عليها .
اشعل سيجارة . تذكر عندما رأي الكاتب في التليفزيون , وانطباعه الاول بانه مشاغب وغير مريح ..
قال لنفسه حانقا:
_ كنت محقا.
دق جرس التليفون.. كانت هدي تساله ان كان ينقصه شيئا فتحضره له في طريق رجوعها, فقد اعتادت عمل ذلك بشكل يومي قبل ان تنصرف من العمل..لاحظت هدي ردوده العصبية.
سالته:
_ هل هناك شيئ؟
_ لاشئ . اقرأ هذه الكتب التي احضرتها
_ هل هي سيئة الي هذاالحد؟
اجاب بعصبية:
_ قصص سخيفة ومستفزة.
حاولت تحويل الامر الي المرح:
_ وهل تستطيع الحواديت ان تستفز رجل حديدي مثلك.
قال بعصبية:
_ مزاجي لايقبل المزاح الان ياهدي
ثم اردف:
_ لا اريد اي شئ ....شكرا. انا انتظرك
ووضع السماعة بقوة , وكانه يرميها.
ورغم حنقه قرر مواصلة القراءة بنفس الاسلوب . ولكنه فضل ان يضع تلخيصا لما ترمي اليه القصة في هامشها بدلا من وضع الخطوط تحت السطور التي يري انها تعرض بالامن او تحمل معان خطيرة..وفضل ان يكون الكتاب التالي هو " زهرة الدم " . ليس فقط لغرابة العنوان وانما لان كلمة الدم مثلت له جاذبية خاصة.
ولكنه بشكل مفاجئ قرر الاتصال باحد تلاميذه الذين لايزالون في الخدمة , ليسأل عن المعلومات التوفرةلديهم عن الكاتب ..سبق ان لاحظ ان الصفحة الاخيرة من احد الكتب تحتوي علي معلومات منها الاسم الرباعي للكاتب ومحل اقامته ومهنته ..
توجه مباشرة الي التليفون . امسك دفتر العناوين..اخرج رقم تليفون العقيد علاء.
_ اهلا ياعلاء ..معك اللواء حفظي حسين
_ اهلا ياباشا .. اوامرك.
_هناك شخص اريد معرفة معلوماتكم عنه .
_ ما المشكلة ياباشا .
_ لاشئ ..انه امر شخصي.
سادت فترة صمت قصيرة
_ انت تعرف ياباشا ان هذه معلومات سرية.. ولكن لاباس من اجل عيونك
_ شكرا..خذ هذه المعلومات عنه .
بعد ان اخذ العقيد علاء المعلومات عن الكاتب , قال يسرعة :
_ ساعة علي الاكثر وتكون المعلومات عندك ياباشا.
اغلق حفظي السماعة وهو يشعر بارتياح كبير..

الاربعاء 23/6/2004 _ الثالثة ظهرا

في طريق عودتها من المستشفي , كانت هدي تفكر في تلك الكتب التي اثارت استياء زوجها ..فكرت في التخلص منها ولكنها تراجعت طالما هو لم يقرر ذلك..ولكنها لاحظت بقلق شديد هذا التغير مزاجه بعد ان بدأ في مطالعتها . و شعرت بشئ من الغرابة في ان تؤدي قراءة القصص الي هذا المزاج العصبي المتوتر .
اتصلت بالدكتور غنيم قبل ان تغادر المستشفي لاستشارته في الامر:
_افكر في التخلص من هذه الكتب
_ خطأ ..ففي مثل حالته سيؤدي ذلك لمشكلة كبيرة.سيعتبر ذلك نوعا من فرض الوصاية عليه.
_ كيف اتصرف اذا...
_ حاولي اولا قراءة هذه القصص فربما تصلي لشئ.
_ سافعل ..شكرا يادكتور
_ بعد ذلك حدثيني عما بداخلها
واثناء تناول طعام الغذاء . القت هدي بنظره عبر الصالة الي الكتب المرصوصة علي منضدة البلكونة .وقالت وهي تومئ براسها اليها :
_ هل يمكنني قراءة هذه الكتب؟

اجاب باشمئزاز:
_ لن تعجبك..قصص تافهة
_ دعني اقرر ذلك بعد قراءتها
قال بعصبية:
_ قلت لك انها تافهة
ثم اكمل بسرعة:
_ علي اي حال ليس الان..بعد ان اكمل قراءتها يمكنك ذلك
امتنعت عن مجادلته..وواصلت الاكل في صمت .
الاربعاء 23/6/2004_ الخامسة ظهرا

تلقي حفظي اتصالا من العقيد علاء ..اصبحت في متناوله المعلومات الامنية عن كاتبه..في اثناء المكالمة كان يمسك بقلمه ليسجل ملخص لما يتلقاه من معلومات حتي لا ينسي اي منها..
*"محام يقترب من عامه الاربعين. نشأفي حي شعبي. غير مصنف , ولكنه اميل الي المعارضة المستقلة. بدأ العمل السياسي بالنشاط الطلابي بالجامعة, ولم تتوافق شخصيته مع الاتجاهات القائمة. ولكنه انضم الي حزب معارض زمنا قليلا ثم عاد الي موقفه الاستقلالي..بدأ بداية لامعة في مهنة المحاماة , ولكنه سرعان ما انشغل بالنشاط الادبي .. من اسرة وفدية , وكان جده نحاسيا متعصبا , وكان يكفي ان يذكر النحاس باشا بسوء حتي تثور ثائرته ويتحول الامر الي عراك. ولكن والده وعمه فقدا حماسهما للوفد بعد قيام الثورة , وانخرطا في تنظيماتها..وبعد وفاة جمال عبد الناصر انسحبا معا من التنظيمات الرسمية..""""

كان حفظي يستمع للعميد علاء في عدم ارتياح , كان يقاطعه بالسؤال بين اللحظة والاخري.
قال علاء:
_ طبعا انت تتذكر والده جيدا ياباشا..فقد عملت في موضوع انتخاباته الاخيرة..
رد بوجوم:
_ نعم اتذكر ذلك..
كان علاء يشعر طوال الحديث برنة الاستعلاء في حديث حفظي, نفس الاستعلاء الذي كان يعامله به منذ كان مرؤسا له برتبة نقيب , ولم يرد ان تمر هذه الفرصة..
سأله علاء:
_ هل رأيته ياباشا؟
_ نعم رايت صورته في الجريدة , وفي برنامج تليفزيوني.
قال علاء بتخابث:
_ الم تلفت ملامحه نظر سعادتك؟
اجاب بضيق:
_بها شئ مألوف لدي..
_ يقول اولاد البلد ان ""الولد لو صح يخول "" وهو شبيه بخاله الي درجة كبيرة.
ود حفظي ان لا يسترسل علاء في هذه النقطه بالتحديد.. وفكر في ان ينهي المكالمة عند هذا الحد.. ولكن علاء عاجله:
_ اليس يشبه المرحوم عبد الله تبارك؟
ابتلع حفظي ريقه بسرعة , ثم قال بصوت مبحوح:
_نعم نعم . شكرا يا علاء..

اغلق السماعة. هاجمته الذكريات :".. اذا هو كخاله عبد الله تبارك.لعنه الله عليهما..الصورة المنشورة توضح الشبه. كيف لم ينتبه؟ . نفس الابتسامة الصفراء الساخرة. الشفة المزومة , جانب الوجه الايمن. نظرة العين المتالقة..الهذا لم احبه؟. خاله اللعين هذا لم يترك لي فرصة لاحبه. كان دائما سببا للتنغيص علي حياتي..قدرته علي المناورات الخبيثة لا حدود لها, وجميعها كان تهدف للنيل مني منذ كنت ضابطا صغيرا..احدي مناوراته كادت ان تذهب بي الي الصعيد, عندما شدد علي في واقعة موت المغاوري في الحجز..واحلت انا باعجوبة الي وحدة تنفيذ الاحكام بذلا من المحاكمة. كان المغاوري عصبيا ومريضا بالقلب , فما هو ذنبي؟؟ . كان تبارك وراء اثارة الموضوع واشعاله, اتذكره ذلك المتعجرف عضو اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي.. للاسف عجزت عن امساك اي شئ علي ذلك اللعين. لا فيما يمس ذمته المالية ولا حتي استغلال السلطة..كنت واثقا انه سيقع في يدي , عندما اشتد الصراع داخل اللجنة المركزية , وكان ينتمي الي الجناح المهزوم من مراكز القوي.. وعندما امتدت يدي لامسك به كان المحافظ قد اصبح وزيرا للداخلية, وهو الذي سيطر علي تصرفات قيادات الاتحاد الاشتراكي في الاسكندرية, وخصوصا امين العمال الذي حمي رجاله وكان منهم اللعين عبد الله تبارك الذي ازداد قوة بعد ان اصبح عضوا بمجلس الشعب.. لم ينقذه مني سوي الموت. جنازته الكبيرة حضرها الالاف..كيف لم يكتشفوا حقيقته؟!!.المؤكد ان اغلبهم منافقين ارادوا ان يدخلوا الصورة دون ان يحبوا صاحب الجنازة, فلا يمكن لعاقل ان يحبه...""
حاول ان يتذكر وجه المغاوري, ولكن جهوده كانت عبثا..لم يستطع ان يتذكر سوي اسمه, وارتباط قصته بتبارك..لقد محت الايام صورته كما محت صور اخري كثيرة..

ولكنه بعد قليل شعر بشئ من الارتياح عندما تذكر انه صفي جزءا من حساب عبد الله تبارك في انتخابات والد الكاتب, الذي نزل مستقلا ضد المرشح الرسمي , وكيف احكم من وراء الستار قبضته علي حركته وحركة انصاره واعد لاسقاطه ببراعة كانت محل اعجاب قياداته. كان قد اعتبر انه عند هذا الحد قد صفي حسابه ولو بشكل جزئي مع تبارك, ولكن هاهو ابن اخته يعود ليلعب معه لعبة جديدة خبيثة..
حدث نفسه قائلا : " من المؤكد انه يعلم حكايتي مع والده وخاله.."
الخميس 24/6/2004 _الثامنة صباحا

كانت هدي قد غادرت المنزل لتلحق بموعد المستشفي. اكمل حفظي افطاره بتكاسل . عندما انتهي بدأ يحتسي قهوته مع سيجارة .. قرر ان يبدأ بقراءة مجموعة " زهرة الدم " . وعندما لاحظ غياب قلمه , ذهب الي غرفته لاحضاره..بدأ مباشرة بالقصة التي تحمل اسم المجموعة..علق علي هامشها :
".. ضد السلام مع اسرئيل..ضد اتجاه الدولة ..."
ولكن القصة التالية التي حملت عنوان " شطرنج "عاودت العزف علي وتر الاستفزاز .
علق بصوت مسموع :
_ها هو يعود..
كتب في هامش القصة :
_ " قصة مستفزةتوجه اتهامات للامن .."
ولكنه لم يمنع نفسه من وضع خطوط تحت السطور:
"..كان العسكري فظا قاسيا..اندفع الي حجرتنا كثور هائج وانتزع اخي ..مضت شهور ولم يعد اخي..سنعذبه حتي يعترف ..لم اصدق انه مات حتي بعدما احضروا لنا جثته ...."
القي بالكتاب حانقا..اشعل سيجارة ..كان يفكر منفعلا : " ..كيف يسمحون بهذا التهريج !! . حريه؟!! ..هراء..."

الخميس 24/6/2004- الثانية عشرة ظهرا

قام حفظي من امام جهاز التليفزيون وهو يشعر بالملل..دخل الي البلكونة ..نظر الي الكتاب الملقي علي الارض ..قاوم الرغبة في التقاطه . ولكنه في النهاية "قبض عليه " ووضعه علي المائدة ..ظل ينظر اليه مترددا ززبعد قليل عاود القراءة..
علق علي قصة " اغاني نور " في هامشها :
"..قصة اخري في نفس الاتجاه..يصور الامن وكانه عصابة تختطف الناس . "
ولم يمنع نفسه ايضا من وضع خطوط تحت بعض السطور :
"..كان يروي لنا حكايات غير التي نتعلمها في المدرسة ويعلمنا الاغاني التي لم نكن نفهم معانيها ...كنا نلحظ ان عيونا تراقبنا من اماكن شتي وعندما يهبط الظلام كانت العيون تلمع ببريق مخيف..اختفي نور فجأة ..بدأنا نفهم الكلمات التي لم نكن نفهمها ..عادت تلك العيون ذات البريق المخيف تطل علينا من جديد..."
وعلق علي هامش قصة "اغتيال":
"..اغتيال كلمة ترددت اكثر من مرة في قصصه..لديه ميل للعنف.."
وعندما وصل الي قصة "سؤال" علق في هامشها :
"..لسنا قساة الي هذا الحد ..هل نضرب شيخا عجوزا لمجرد انه دخل قسم الشرطة ليسأل عن ابنه التائه ؟!!..سفالة.."
استولت عليه فكرة ان يكتب تقريرا للجهات المعنية بما تحتويه هذه القصص من اساءات وافكار خطرة..
الخميس 24/6/2004 _ العاشرة مساء

قرر حفظي ان يعيد قراءة قصص محددة..علي سبيل الحصر هي "الفتي الابيض" ,"النجمة" ,"شطرنج" , "اغاني نور" , "سؤال" ..شئ ما كان يشده الي اعادة قراءة هذه القصص الخمس ..شئ استشعر انه شخصي جدا..
علي الفور بدأ اعادة القراءة ..قرأ القصص الخمس اربع مرات .. ورغم انه كان يقاوم شعوره بالاشمئزاز , الا انه كان مشدودا لاعادة القراءة..
قفزت في ذهنه فكرة غريبة..ان يراجع تواريخ كتابة القصص ..لاحظ سابقا ان الكاتب ارخ بعض القصص..قبض علي الكتب مرة اخري :
" ذيلت قصة " النجمة" بالتاريخ 1987..وكذلك حملت قصة "الفتي الابيض" نفس التاريخ..اما مجموعة زهرة الدم " فلم تؤرخ قصصها , ولكن تاريخ صدورها هو 1999 مما يعني انها كتبت قبل ذلك التاريخ..

باغته الخاطر بان هذه القصص كتبت في اثناء مدة خدمته . وتذكر اين كان موقعه بالذات في العام 1987...
تساءل بصوت ساخر : " وماذا يعني ذلك ؟
ولكن احساس كئيب استولي عليه.
ذهب الي فراشه وهو مهموم ..بدا له وهو يغمض عينيه في فراشه , وكأن صور تلك الشخصيات التي قرأها تترائي له....

الجمعة 25/6/2004 _ السابعة صباحا

لم ينم حفظي الليلة الفائتة.. هاجمته كوابيس واحلام متعلقة بتلك القصص ..راي " الفتي الابيض " وهو يعذب علي النحو الذي جاء بقصته , ولكن كانت هناك تفاصيل اخري زائدة..رأه فتي قصير نوعا ونحيل بوجه ابيض ذاهل يحمل اثار الالم..وراي ثلاث جنود بملابس مدنية يجردون زميلته التي يحبها من ملابسها امام عينيه.. وسمع صرخته الرهيبه :_ ااااااه....
وراي دموعا غزيرة في عينيه . كان يصرخ طوال الوقت ..وراي مشاهد اخري كثيرة تتعلق بتعذيبه واستجوابه ..وراي ايضا نور , والرجل العجوز النحيل صاحب عربة الكارو , ورجل النجمة صاحب الصرصار , في تفاصيل كثيرة مرعبه ..كانت كوابيس مزعجة تمتلئ بالصرخات..خيل اليه عندما صحا من النوم ان تلك الصرخات تسكن اذنه .. ولكن دافعا غامضا جعله يراجع القصص الخمس فور اسيقاظه..بدا بالفتي الابيض , فاكتشف ان الكثير من التفاصيل التي جاءته في النوم غير موجودة في القصة..لم يكن هناك ذكر لواقعة زميلته التي يجبها ..ولا حتي صرخاته المرعبة , فقد كان في القصة يقاوم الصراخ ويتحمل الالم..شعر بتوتر وخوف غامض ..اغلق الكتاب ولم يستطع اكمال مقارنة تفاصيل القصص مع تفاصيل احلامه..تناول فطوره وهو ذاهل .. نبهته هدي التي لم يكن يسمعها في شروده الي انها تحدثه..نبهته لذلك اكثر من مرة ..كانت تعاني من التوجس بالنسبة لحالته النفسية, ولكنها جاهدت لكي لا تشعره بشئ ..قررت ان تتصل بالدكتور غنيم لتشاوره في الامر .كان ذلك يتطلب مغافلة حفظي حتي لا يشعر بتلك المكالمة..ولكنها بفعل حركته العصبية المبالغ فيها في البيت لم تتمكن من فعل ذلك , فقررت ان يكون ذلك اول شئ تفعله عندما تذهب الي المستشفي في الغد ..
الجمعة 25/6/2004 –السابعة مساء

في ذلك الوقت كان الكاتب يشعر باحباط شديد.تذكر بمرارة انه لم يكتب حرفا واحدا منذ ثلاث سنوات , وان ماكان ينشر في الفترة السابقة هو انتاج سابق لم تتح له فرصة النشر . وان الجائزة انما جاءت لتذكره بهذه الحقيقة المرة , بل والقت عليه بعبء نفسي كبير ..فهاهي الاضواء تسلط عليه فجأة بينما هو متوقف عن الكتابة منذ فترة طويلة ,بل وليس لديه ما يمكن ان يكتبه . الكتابة مستعصيه عليه منذ فترة طالت ..
بدات تسيطر عليه فكرة انه نضب وانتهي ككاتب .وان تلك الجائزة انما هي النهاية بدلا من ان تكون بداية جديدة ..كان يشعر بالمرارة عندما يسئل عن عمله القادم , بينما ليس لديه مشروع لعمل قادم . كان يقول اي اجابة ليهرب من تلك الحقيقة , كأن يقول ان هناك جزء ثان من رواية ....
تذكر فجأة حديث زميله الذي بدا غريبا له .عن ذلك اللواء الذي يطلب كتبه ..امر فيه بعض الغرابة . تساءل في نفسه :" هل يصلح هذا الحدث كبداية لقصة ؟؟"
اخذ يتامل في هذا الخاطر. حاول ان يجعل من ذلك قصة :" ولكن كيف تكون "
بعد عدة محاولات شعر بالعجز التام في ان يكون قصة .
تساءل في نفسه ساخرا :
" وماذا في امر جنرال يطلب قراءة قصص كاتب !!!"..
السبت 26 /6 /2004 _العاشرة صباحا

لاحظت هدي بمزيد من التوتر قبل مغادرتها المنزل , حالة الذهول التي يعاني منها حفظي . كانت حالته استمرارا لحالة الامس .. يمارس فطوره بشكل آلي , وقد خلا وجهه الا من الملامح الذاهلة ..لم يتبادل معها اي كلمة اثناء الافطار .ولكنه قبل ان تغادر المنزل قال لها بعدم اكتراث ممزوج بالقرف :
_ تخلصي من هذه الكتب .
اسعدها ذلك . لملمت الكتب ووضعتها في مظروف كبير . اخذتها معها الي السيارة وهي تنوي قراءتها قبل ان تتخلص منها نهائيا..وتابعها حفظي وهي تركب السيارة حاملة المظروف الذي يحتوي علي الكتب ..ثم عاود شروده وهو ينظر الي البحر..
خيل اليه وهو يشد نظره من علي البحر انه يري الرجل العجوز الذي كان يبحث عن ابنه , وهو يدفع امامه عربته الكارو عي الاسفلت الذي يفصل الفيلا عن الشاطئ ..انتابته رعشة خفيفة , فاغمض عينيه..فتحهما ثانية وعاود النظر في ذات الاتجاه , فابصر الرجل العجوز وهولايزال يدفع بعربته علي الاسفلت.. خيل اليه انه يختلس النظر اليه ..
صرخ في حارس الفيلا :
_ احضر لي هذا الرجل حالا..
_ اي رجل يا باشا ؟؟
_ الرجل الذي يدفع بالعربة الكارو.
_ اين هو يا باشا !!
_ علي الاسفلت..علي بعد مائتي متر
خرج الحارس من باب الفيلا لينظر علي الاسفلت .
صاح بصوت عال ليسمعه الباشا :
_ لا يوجد احد يا باشا
صرخ فيه حفظي :
_ انا اراه يا اعمي .. اذهب واحضره
عاود الحارس النظر لعله لم ير بالفعل..ولكنه بعد ان دقق النظر لم ير شيئا. وجد نفسه مضطرا للسير في الاتجاه الذي حدده الباشا للبحث عن الرجل الذي لا يراه , اتقاء لغضب مخدومه ...سار حتي نهاية الطريق ثم عاد الي الفيلا .
قال بصوت مرتعش :
_ لم اجد احدا يا باشا.
_ يا اعمي لقد مررت به .
ثم اردف ساخطا :
_ اذهب في داهية
تمدد حفظي واضعا قدميه علي كرسي اخر . اغمض عينيه وهو يعاني من الاضطراب ..كان يحدث نفسه :" هل اتي للانتقام "" ولكنه رد علي نفسه " ولكن هذا غير معقول " ..ظل علي هذه الحالة بضع دقائق ..فتح عينيه ببطء.. ارتسمت علي وجهه دهشة مرعبة...اخذ يردد بصوت مسموع :- الفتي الابيض!!

السبت 26/6/2004 _العاشرة صباحا

واجهت الدكتورة هدي مشكلة غريبة . كانت الاولي من نوعها منذ عملت بتلك المستشفي .ففي العشرة تماما ابلغها موظف الاستقبال بوجود حالة لرجل عجوز لا يحمل بطاقة هوية احضره شخص يقول انه وجده يهذي في الشارع ..وبعدها بنصف ساعة ابلغت بوجود حالة اخري لشاب صغير وبلا بطاقة هوية ايضا , ثم رجل ثالث يهذي بكلام غير مفهوم .. وابلغها موظف الاستقبال بانه لا يمكن ادخال هذه الحالات لكونها لا تحمل اثباتات لشخصيتها ..ولكنها امرته بان يبقيهم مع من اتوا بهم حتي تنزل لتراهم بنفسها .
عندما ناظرتهم وجدت ان اولهم شاب في حوالي العشرين من عمره , وكل ما استطاعت ان تعرفه عنه انه كان طالبا بكلية الطب . وانه كان مصمما علي ان الساعة هي الثالثة وظهرا بالتحديد . وحتي عندما عرضت عليه اوضاعا اخري للساعة تشير فيها العقارب الي اوقات مختلفة ,كانت الاجابة هي ذاتها .. وكان الثاني رجل عجوز نحيل مصاب بذهول ولا يتحدث .. وكان الثالث رجل يهذي بحديث غير مفهوم عن ويكرر كلمة " النجمة " بكثرة , اما الاخير فهو صبي يهذي بحديث عن الشطرنج وعن شقيقه الميت ...وقدرت ان الامر يحتاج الي بعض الوقت للتشخيص الدقيق لحالاتهم .
سالت موظف الاستقبال :
_ هل من اتوا بهم لايزالوا موجودين؟
_ نعم.
_ سنقبل هذه الحالات.
_ ولكن يا دكتورة....
_ ليس هذا شانك ..ساتصل بوكالة الوزارة.
كانت المشكلة الاهم هي انهم جميعا بلا بطاقات هوية .. اما مسالة المصاريف فمن الممكن حلها بالحاقهم بالقسم المجاني بالمستشفي .. وعلي الفور بدأت الاتصال بوكالة الوزارة . لم يكن الامر سهلا , فقد احتاجت الي تدخل الدكتور غنيم بما له من احترام وتقدير في الوزارة..ولكن الامر انتهي الي الرفض . حتي مع عرضها لان تتعهد كتابيا بمسؤليتها القانونية الكاملة عما يحدث لهؤلاء او منهم او في حالة ظهور اي وقائع جنائية تتصل بهم . واخذ تعهدات وبيانات من احضروهم ..والمحت وكالة الوزارة للدكتورة بان هذا التفكير لا يتسم بالغقلانية التي تميز تصرفاتها علي الدوام . ولكنها لم تكن تنظر للامر علي هذا النحو . كانوا بالنسبة لها مرضي ويستحقون العلاج .
واخيرا اتصلت بالدكتور غنيم . قالت له راجية :
- هل يمكنك قبول هذه الحالات لديك يا دكتور.
- اجابها بود
- بكل سرور يا دكتورة ..
السبت 26/6/2004_الثانية عشرة ظهرا

شعرت الدكتورة هدي بالارتياح بعدما ارسل الدكتور غنيم سيارتين لاخذ المرضي والاشخاص الذين اتوا بهم ..واتصلت به لتشكره علي هذا الموقف النبيل ..ثم حانت منها نظرة الي المظروف الذي يحتوي علي الكتب ..مدت يدها اليه . فتحته وافرغت محتوياته . امسكت بالكتب تتصفحها . لاحظت وهي تقلب صفحات احد الكتب بخطوط تحت السطور . استرعي ذلك انتباهها .كانت بداية الصفحة معنونة ب " الفتي الابيض " ..شرعت في قراءتها بدافع الفضول .عندما انتهت منها كان قد اابها الذهول..بدات تفتش في جميع الكتب عن السطور , وتقرأ القصص . عندما انتهت لم تكن مذهولة فحسب ولكنها شعرت بانها علي حافة الجنون .. انها قصص هولاء المرضي الذين ارسلتهم توا الي الدكتور غنيم
امسكت علي الفور بسماعة التليفون :
_ دكتور غنبم ..هل لايزال المرضي الذين ارسلتهم اليك موجودين .
_ طبعا يا دكتورة.
_ومن جاءوا بهم ؟؟
_انصرفوا بعد ترك تعهداتهم وبياناتهم .
ثم اردف قائلا:
_ ماذا هناك يا دكتورة .. صوتك مضطرب
_الامر خطير يا دكتور ..ساكون عندك حالا .
_ في انتظارك
اغلقت سماعة التليفون ..لملمت الكتب مرة ثانية في المظروف .. وانطلقت مسرعة الي مستشفي الدكتور غنيم...............
السبت 26/6/2004 _ الواحدة ظهرا

وضعت هدي مظروف الكتب امام الدكتور غنيم وهي تقول :
_ مشكلة كبيرة يا دكتور
_هدئ من روعك يا هدي .ماالامر
_ هذا المظروف الذي امامك يحتوي علي قصص خطيرة.
ثم اردفت:
_ انها القصص التي قلبت حال حفظي والاكثر خطورة انها تتعلق بالمرضي الذين ارسلتهم اليك الان .
اتسعت عينا الدكتور غنيم . بدا علي وجهه الاندهاش وهو يحاول استيعاب ما قالته هدي..
_ دكتور . لكي تكون الامور واضحة فلابد ان تقرأ هذه القصص.
_ كل هذه القصص ؟
_ لا . بعض القصص فقط. حمس بالتحديد عليها علامات في الفهارس.
_ معقول
قالت كمن تذكر شيئا :
_ هل ناظرت هذه الحالات ؟
_ لم ابدأ بعد.
_ ولكن لديك المعلومات المبدئية.
_ نعم
_ هل تسمح لي بنقل بيانات الاشخاص اللذين احضروا الحالات.
_ بكل تاكيد.
طلب الدكتور غنيم ملفات المرضي . ناولها لهدي. سارعت بنقل الاسماء والعناوين .
_ سانصرف الان . وامر عليك صباح الغد.
_ الي اين؟
_ ساذهب الي هؤلاء الاشخاص.
رفع الدكتور غنيم حاجبيه . وقبل ان ينطق عاجلته :
_ ساذهب الان يادكتور.
وانصرفت مسرعة.
السبت 26/6/2004_ الواحدة والنصف ظهرا

بعد ان اعد الكاتب لنفسه جلسة مريحة, احاطها باجواء تستهدف استجلاب الكتابة, كان ذهنه فارغا تماما من اي افكار صالحة للكتابة . وحاول تجريب الكتابة في اي اتجاه لعله يعثر اثناء الكتابة العشوائية علي بداية لقصة جديدة . فعل ذلك وهو يدرك انه فشل دائما في الوصول الي شئ من خلال هذه الطريقة التي كان يلجأ اليها في الفترات العجاف بدافع وساوسه الابداعية . كان يكتب ثم يشطب ثم يكتب ثم يمزق, ويعاود الدوران في تكل الدائرة. اخرج قصصه القديمة التي لم ينشرها لعدم رضاؤه عنها , في محاولة لاعادة كتابتها . ولكنه شعر بان ذلك سخيفا وانه يتصرف تماما كالتاجر المفلس . شعر بشئ من الياس دفعه الي اعادة التفكير في في مسالة اللواء و الكتب . كان يشعر بشكل غامض ان تلك المفارقة يمكن ان تصنع شيئا. تتحول لقماشة تحاك منها قصة , ولكنه في نفس الوقت كان يشعر بانه يقف في شارع مسدود الاطراف . فكر في صنع رابطة بين جنرال الامن والكاتب الذي يقراه. قرر بان ذلك لايمكن ان يكون الا من خلال القصص نفسها . واخذت راسه تدور لتحديد نوعية الرباط. هل يكون هوالقراءة المباحثية للقصص. فيحاكم الكاتب علي افكار ونوايا مفترضة ويمثل امام محكمةجنائية او ذات تشكيل غامض . ولكنه شعر مرة اخري بالسخف , وان الفكرة ربما تكون مكرورة . تذكر لجنة صنع الله ابراهيم باجوائها الكافكاوية . بل ومحاكمة كافكا نفسها, ويبشكل مبهم شعر بانه ربما قرأ لاخرين اشياء شبيهة .. استبعد ذلك الخيط , وبدأ يفكر في رابط اخر , ولكن وجد ان ذهنه مشوش ..في النهاية قرر استبعاد التفكير في قصة الجنرال وكاتبه نهائيا .. في صمت لملم اوراقه . وتوجه الي مكتبته وخرج كتابا يقرؤه ...

السبت 26/6/2004 –الواحدة والنصف ظهرا

انطلقت هدي بسيارتهاقاصدة عنوان الشخص الذي احضر اولي الحالات الخمس , وعلي ان توالي المرور علي باقي من احضروا الحالات تباعا . كانت قد دونت بياناتهم الموجودة بملفات الحالات بمستشفي الدكتور غنيم. كانت قد استرجعت بيانات الشخص الذي تتوجه اليه قبل ركوبها السيارة . الاسم المدون ببطاقته هو محمد عبد الله كيلاني , وعنوانه الذي تتوجه اليه الان هو بالقباري , مساكن طابية صالح, بلوك2 مدخل1 شقة8 الدور الرابع امابقي البيانات ومنها رقم بطاقته فلم تثبت في ذاكرتها ولكنها دونتها في الورقة التي تحملها..

اتخذت طريق الكورنيش. لم تشعر بانتعاش للنسمات البحرية التي تقتحم سيارتها. كانت ماكينة راسها تدور بسرعةغير اعتيادية ..اسئلة واجوبة مفترضة ,تطرح اسئلة جديدة. احتمالات واحتمالات..وخوف غامض من اللقاء وما عسي ان يسفر عنه ..كانت تبحث في نفسها عن سبب لمخاوفها ..طرأ علي راسها خاطر ..حاولت طرده بلا جدوي..تطرده فيعودبالحاح اكبر..تساءلت في نفسها : هل انت خائفة من اكتشاف تورط حفظي في تعذيب هذه الحالات؟؟...انتبهت الي اقترابها من منطقة المنشية. سلكت االشارع المؤدي الي شارع فرنسا , ثم منه الي السكةالجديدة , واخيرا وجدت نفسها علي طريق القباري.

عندما وصلت الي مساكن طابية صالح الشعبية , بذلت مجهودا كبيرا للوصول الي المنزل المقصود . وشعرت بمشقة كبيرة في صعودها للطابق االرابع ..حاولت لملمت انفاسها وهي تدق علي جرس الباب..بعد ثوان ثقيلة فتحتالباب فتاة في بداية عقدها الثاني..
_ شقة الاستاذ محمد عبد الله كيلاني؟
_ نعم ..تفضلي.
قالت بعد ان تجاوزت الفتاة الي الداخل:
_ هل يمكنني مقابلته؟
صك اذنها صوت مندهش :
_ ولكن ابي مات منذ عشر سنوات.
شعرت هدي بالأرض تهتز من تحتها..شعرت بيد الفتاه تمسك بها:
_ اجلسي حضرتك هنا . ساحضر لك شئ تشربينه.
قالت بذهول:
_ لاداعي.
ولكن الفتاه اسرعت الي الداخل. حاولت هدي لملمت نفسها. كانت تشعر بالصدمة والتشويش..عادت البنت مع امها..
قالت المرأةبدهشة:
_ حضرتك تسألين عن المرحوم؟؟
فتحت هدي حقيبة يدها بمشقة لتخرج ورقةالبيانات . جاهدت وهي تحاول وقف تراقص الحروف . استعادت قراءة البيانات بمشقة.
خاطبت المرأة بصوت مرتعش :
- اليست هذه شقة الاستاذ محمد عبد الله كيلاني. والعنوان مساكن طابية صالح بلوك2 مدخل 1 شقة 8 ؟
- نعم
قالت منفعلة :
_ اذا كيف يكون قد مات منذ عشر سنوات ؟؟ هل تكذبون علي؟
ردت المراة بغضب:
_ الله يسامح خضرتك.هل اتيت لتشتمينا في بيتنا؟ لقد قلنا لك الحقيقة .صدقي او لا تصدقي فالامر يخصك.
قالت هدي التي لم يهدأ انفعالها:
_ كبف اصدق كلامك وقد كان عندي بنفسه اليوم في المستشفي.
تبادلت المراة والفتاة الاندهاش والارتياب..
قالت المراة بلهجة تحوي سخرية خفيفة:
_سلامة حضرتك. وهل يعود الميت؟؟
ساد صمت كئيب ,كانت النظرات المتبادلة تعبر عن التحفزوالتحدي ..انسحبت الفتاة الي الداخل وعادت بعد فترة وجيزة تحمل في يدها مظروف اصفر كبير , القته في يد هدي وهي تقول :
_ شهادة وفاته موجودة في هذا الظرف.
بيد مرتعشه فتحت هدي المظروف. اخرجت الاوراق . ميزت بسرعة شهادة الوفاة بلونها التقيدي الابيض في اصفر. فتحتها لتتاكد من تطابق البيانات . كان الاسم مطابقا . وتاريخ الوفاة 20/10/1994 .قلبت الاوراق بعصبية فعثرت علي البطاقة الشخصية. ذهلت لتطابق الارقام..شعرت بدوار عنيف . لاحظت المراةحالتها..
_ اشربي الحاجه الساقعة
لم ترد . اخرجت تليفونها المحمول . بحثت في ذاكرته عن رقم الدكتور غنيم . ضغطت باصابع مرتعشة للاتصال , وعندما سمعت صوته من الطرف الاخر خرج صوتها وكانه صرخة:
_ ادركني يادكتور.
ثم غابت عن الوعي....
السبت 26/6/2004 – الثالثة ظهرا


عندما يشعر عالم نفس في خبرةالدكتور غنيم بالصدمة , فان ذلك يعتبر امرا استثنائيا. كان قد تلقي مكالمة هدي الدرامية القصيرة , بارتباك وفزع, وحاول بعد ان انقطع صوتها ان يتسمع لما يدور, ومحاولة فهم شئ من الاصوات الضعيفة , الا انه لم يصل الي شئ سوي انها في مشكلة. ولكن صعب عليه تحديد ماهيتها .كما ايقن بصعوبة تحديد مكان تواجدها , رغم انه استنتج انها في واحد من خمس عناوين مدونة في ملفات المرضي. وقرر بانه اذا لم يتلقي منها مكالمة اخري في خلال الساعة, فانه سيبلغ الشرطة.

كان قد قرأ القصص الخمس , ودقق في الاسطر التي فوق الخطوط وهو يحاول استحضار الحاله النفسية التي يمكن ان يكون قد مر بها حفظي اثناء القراءة..وفهم ماتعنيه له هذه السطور..وعندما ناظرالحالات الخمس الموجودة بمستشباه تحول شعوره من الارتباك الي الصدمة..ورغم انه حاول تطبيق نظريات عديدة انتهت بالباراسيكولجي, الا انه اخفق في الوصول الي شئ. كانت امامه كل الاحتمالات مفتوحة , بداية من الا معقول وحتي النصب والابتزاز..لقد استطاع بمشقة الحصول علي معلومات عن تاريخ هذه الحالات وتطابقت مع ماهو مروي عنها في القصص . وبدا له وكأن ذاكرتهم جميعا قد خلت الا من تلك الوقائع المقصوصة, وكأن هناك تاريخا مبتورا كان قبل حوادثهم المقصوصة.. لم يستبعد مطلقا ان تكون اسرة حفظي تتعرض لنوع من الابتزاز الذكي, ولكن ذلك ايضا كان يعوزه الدليل ..فالامر كله ملئ بالثغرات , وكانها قصة غير محكمة التاليف.. الشئ الوحيد الذي كان متاكدا منه هو انه لاشئ مؤكد وان الامر غامض ومحير..
عندما سأل الفتي الابيض عن اسمه , شرد الفتي طويلا , ثم قال بلهجة لا تخلو من سخرية:
_سمني " مظلوما"
وعندما ناوله الكتاب الذي جاءت به قصته ,سأله:

_ هل يذكرك اسم الكاتب يشخص تعرفه؟
_ لا اعرف اي كاتب شخصيا.
_ ولكنه كتب قصتك!!
_ ولم لا تسأله هو؟
صمت غنيم قليلا , ثم سأله بهدؤ:
_هل تعرف شخص اسمه اللواء حفظي حسين؟
نظر اليه الفتي نظرة احتار في مغزاها:
- لا اعرفه شخصيا ولكن الضباط كانوا يرددون اسمه كثيرا..يبدو انه رئيسهم
سكت قليلا واكمل:
_ ولكن لدي احساس بانني ساعرفه اذا رايته.
نظر اليه الدكتور غنيم بدهشة :
_ وكيف ستعرفه؟؟
_ قلت لك انه مجرد احساس.

السبت 26/6/2004 –الرابعة ظهرا

عندما افاقت هدي وتمالكت نفسها, كان اول شئ فعلته الاتصال بالدكتور غنيم لتطمئنه علي نفسها مع وعد بزيارته في صباح الغد لشرح الامر. ثم اتصلت بحفظي معتذرة عن التاخير ,وانها في الطريق اليه..قررت عدم مواصلة البحث عن قائمة الاشخاص التي بيديها , وبدت لها مواصلة البحث محاولة مرعبة بعد تلك الصدمة..في الطريق الي المنزل كانت تحاول ترتيب الاحداث لفهم شئ , ولكن الامر بدا مستغلقا , بدا ككابوس له سيطرة القدر ويستحيل الهروب منه.

ارتفعت درجة توترها عندما دخلت المنزل , وشاهدت حفظي بوجهه الذاهل ,و وعليه قناعا شمعيا لم تشاهده يرتديه من قبل.وعلي مائدة الغذاء حاولت ان تحدثه , ولكن شيئا كان يمسك بلسانها.
علي حين غرة سمعت صوته يرتفع:
_ ماذا يريدون مني؟
كان وجهه الشمعي يحملق في اللا شئ. سالته:
_ من هم؟
اجاب وكانما اكتشف وجودهاالمفاجئ:
_ لاشئ.لاشئ.
قالت متوددة:
_ حفظي انا زوجتك..احك لي.
قال بانفعال:
_قلت لاشئ.
صمتت ولكنها فهمت..انها الهلاوس البصرية. اشياء تخص القصص المشئومة وشخصياتها. كادت ان تحدثه عن ذلك صراحة ولكنها تراجعتلخوفها من ان يحدث ذلك اثرا عكسيا , او انفعالات حادة خطرة.قررت الا تذهب في الغد للمستشفي , وان تمر علي الدكتور غنيم لمواجهة تلك الازمة.
_ يا اولاد الكلب..
صدمها صوته الغاضب , وشحنة الانفعال الذي يحمله. نظرت اليه ذاهلة..
قال منهارا:
_ انهم يطاردونني يا هدي..
قامت واحتضنته بحنو:
_ من هم؟ قل لي.
_ يدعون انني فعلت بهم اشياء. ويريدون معاقبتي.
_ لا احد يستطيع ان يهددك. انت تعرف ذلك.
_ ولكنهم يفعلون.
_ صدقني. لعلك متوتر فحسب. شئ عادي يمكن ان بحدث لاي شخص.
رفع اصبع يده محذرا:
_ لست مجنونا ياهدي. ما اقوله حقيقي. انها كلاب حقيقية تريد نهشي.
_ نطلب حراسة علي الفيلا. لا تزعج نفسك.
كانت علي يقين بانه يعاني من هلاوس بصرية , وانه لم ير اشخاص حقيقين. ولكن المربك انها تعلم بوجودهم الحقيقي , بل ومكان تواجدهم تحديدا.ولكن من المستحيل ان يكونوا قد جاءوا الي المنزل. تذكرت الكاتب, فقررت ان تستعين به في حل هذه المشكلة. انه سبب هذا البلاء وعليه حل المشكلة التي ترتبت علي قراءة زوجها لقصصه. تذكرت انها رات عنوان الكاتب ضمن بيانات اخري تخصه في نهاية احد كتبه..كانت تشعر باجهاد شديد..تمددت علي سريرها..ذهبت في نوم سريع ,ولكنه معذب وملئ بالاشباح والكوابيس....

الاحد 27/6/2004 –الثانية صباحا

كان حفظي يعاني من نوم متقطع , تتخلله الكوابيس ذاتها, والتي انضمت اليها مشاهد حقيقية من فترة انتخابات والد الكاتب التي لعب دورا رئيسيا في اسقاطه.ثم راي الكاتب بوجه مشوه مرعب , وهو يمسك بقلمه ويلوحه به في وجهه متوعدا . رأي بجانبه عبد الله تبارك ووالده يحرضونه..ولكنه استيقظ فزعا من كابوس راي فيه الرجل العجوز صاحب "الكارو" يمسك بسوط ويهوي به علي جسده..وعندما فتح عينيه, ارتجف مذعورا..كانوا جميعا يقفون قبالة السرير, والسوط ذاته في يد الرجل العجوز.كانت علي وجوههم تعبيرات شرسة, ويشيرون للعجوز ناحيته في تشجيع .
صرخ فيهم:
_ماذا تريدون يا اولاد الكلاب.
لوح الرجل له بالسوط, وهو يبتسم بسخرية.
قال قبل ان يمضي:
_ سنعود.
انصرفوا وهم يضحكون بشكل مستفز..صرخ باعلي صوته مناديا علي الحارس. استيقظت هدي علي صراخه.
_ ماذا حدث ؟
_ انهم اولاد الكلب.
الاحد 27/6/2004 –التاسعة صباحا

كان الكاتب مستلقيا علي سريره نصف مستيقظ, يتامل بشرود في سقف الحجرة..انتبه علي صوت زوجته:
_ الم تقم من سريرك بعد!!
_ ساقوم حالا.
_ اسرع فلديك ضيفة.
_ ضيفة في هذا الوقت!!
_ سيدة تقول انها الدكتورة هدي.
_ لا اعرفها.
_ ولكنها الان في الصالون.
قام بضيق الي الحمام .بعد ان غسل وجهه وشعره ارتدي ملابسه بسرعة, وهو يفكر ما عساها تكون هذه الدكتورة المجهولة..توجه الي الصالون ,واصطنع ابتسامة يقابلها بها.
_ اهلا.
_ اهلا بك. واعتذر عن تلك الزيارة المفاجئة وتوقيتها.
لاحظ الاضطراب في ملامح وجهها .
_ هل هناك خدمة استطيع ان اؤديها لك؟
قالت بلا تردد:
_ خدمة كبيرة.
لاحظ انها لاتزال واقفة:
_ تفضلي بالجلوس
سالها بعد ان جلست:
_ ما الامر يا دكتورة؟
_ انها في ورطة كبيرة لها علاقة بك.
نظر اليها باستغراب., وبدا عليه بعض الانزعاج:
_ اي مشكلة يا دكتورة؟
_ مشكلة تخص زوجي.
_ معذرة . ولكنني لم يسبق لي معرفتك, ولا اعرف من هو زوجك.
_ هذا صحيح. ولكن هناك قصة يجب ان تسمعها.
ثم اردفت بابتسامة مرة لم يسترح لها الكاتب:
_ الست تكتب القصص!!.
لم يرد. وانتظر ان تحكي ما لديها.
كان ماسمعه منها مذهلا. فكر في انها تريد ان تسخر منه,ولكن علامات الجدة والاضطراب جعلته يتحير. ورغم ذلك فقد قال لها :
_ معذرة يادكتورة. انا لا اصدق حرفا مما قلتيه.
نظرت اليه مستنكرة:
_ كيف؟ الست انت من كتب قصصهم!!
_ نعم . ولكنها خيال محض.
اندفعت بحدة:
_ سامحني. ولكنني انا التي لا اصدقك.
رد بغضب:
_ لا اسمح لك بهذه الاهانة. ولولا انك.......
قاطعته بلهجة اعتذار :
_ قدر موقفي.. انا احدثك كزوجة في ورطة.
صمتت قليلا ثم اكملت:
_ علي العموم هناك ما يحسم الخلاف بيننا.
_ وماهو؟
_ الحالات الخمس موجودة الان بمستشفي الدكتور غنيم.
قال بنبرة تحمل سخرية طفيفة:
_ اذا افترضنا جدلا صحة كلامك. فما الذي يمكنني عمله.
_ ستحاول اقناع زوجي بالحقيقة التي تعتقدها, وهي ان هذه القصص و الشخصيات خيال محض.
_ ولكن......
قاطعته بضراعة:
_ ارجوك. انها مشكلة تخص زوجي, ولديه مشاكل نفسية قد تؤدي به الي اكتئاب شديد او ماهو اسوأ.
قال دون ان يحاول اخفاء ضيقه :
_ وما هو المطلوب مني الان؟.
_ سنذهب اولا الي مستشفي الدكتور غنيم, وستري الحالات..وبعدها نتفق علي ما ينبغي عمله.

وجد نفسه – مدفوعا بالدهشة والاثارة-مضطرا للذهاب معها.. وعندما جلس بجانبها في السيارة, واستعاد كل ما روته , سيطر عليه احساس غريب: انه لاول مرة في حكاية لم يكتبها وانما يؤلفها غيره..........
الاحد 27/6/2004 –العاشرة صباحا

صمت ثقيل متوجس كان يسيطر علي غرفة الحالات الخمس. الرجل العجوز ساهم يفكر في ابنه الضائع, ومن وقت لآخر تتحرك يده لااراديا لتتحسس مواضع الصفعات , في معاناة التذكر لاحداث حكايته.ما كان يسيطر علي تفكيره هو ان الولد قد ضاع وان من كان يبحث عنه عنه قد ضاع ايضا . استعاد ارتعاشته في حجرة الضابط بارتعاشة خفيفة عمقتها ذكري البرودة الثلجية لتلك الغرفة , ثم جهامة الشاويش . كان يعذبه وهو يفكر في الاحداث انه لم يجد لنفسه ذنبا يبرر معاملته بهذه القسوة..من وقت لآخر كان ينظر لصبي الشطرنج بحنو.. واحيانا كان يري فيه وجه ابنه الضائع, وللحظات كان يراه هوذاته..الصبي ايضا كان يلاحظ نظرات العجوز , وقد بدأ يشعر بنوع من الحب تجاه هذا العجوز الصامت التائه..كان يستشعر تلك النظرات حتي وهو يولي العجوز ظهره, فتخرجه من اجترار الذكريات وسيل المشاهد المتواليةمنذ دخول العسكري الي بيتهم, وحتي الصبارة التي زرعها علي قبر شقيقه والتي كان يتخيلها دائما تكبر حتي استقر في ذهنه الان انها اصبحت شجرة كبيرة..

الفتي الابيض كان مستلق علي فراشه, ناظرا الي السقف ومحاولا تذكر تلك الاشياء البيضاء التي اشتاق اليها: الحبيبة..القطه..البالطوالابيض الذي كان قد اشتراه..ولكنه التفت فجاة الي رجل النجمة:
_ هل سألك الدكتور عن كاتب؟
_ قلت له انني لا اعرفه
_ وحدثك عن اللواء حفظي؟
_نعم..لقد قلت له انني سمعت اسمه يتردد "هناك" .
سادت فترة من الصمت قطعها رجل النجمة:
_ لدي احساس بان هناك رقابة علينا
قال نور باهتمام:
_ هل لاحظت شيئا.
_لا. مجرد احساس. ربما وضعوا مسجلا او جهاز تصنت.
قال الفتي الابيض ساخرا:
_ هل اصبحنا بهذه الاهمية!! .اذن فدعهم يسمعون, فبعد ما عانيناه لم يعد هناك ما يخيف.
واكد نور:
_لن يضير الشاة سلخها بعد ذبحها.
العجوز كان يتابع الحديث دون ان يحاول الاشتراك فيه, بينما يتبادل مع الصبي نظرات تدل علي الموافقة او الاعتراض متجنبا اصدار اي صوت .
قال رجل النجمة بأسي:
_ هل تعرفوا ماذا فعلوا بي "هناك" ؟
بادر نور:
_مثلما فعلوا معي بالطبع. فقد كنت" هناك" انا ايضا. اساليبهم لاتتغير.
وغرق في ذكريات ,نضح المها علي قسمات وجهه المتشنجة.
قال باسي:
_ كان كل ذنبي انني اعلم الاولاد اشياء غير التي ارادوا ا يعلموها لهم.
الكلام عن الاولاد , شجع الفتي الابيض علي سؤالهم:
_ هل يتذكر احدكم شيئا عن طفولته؟.
نظروا اليه صامتين.فاكمل:
_ان ذلك يعذبني كلما حاولته. لا استطيع ان اتذكر سوي تلك الاحداث اللعينة.
قال رجل النجمة:
_ انا مثلك. احاول بلا طائل.
ابتسم "نور" ابتسامة مريرة اغنت عن الحديث. بينما العجوز وصبي الشطرنج يتبادلان النظرات او ينقلونها بين المتحدثين مكتفين بهذا القدر من المشاركة.
قال الفتي الابيض لرجل النجمة ساخرا:
_ الازلت تعتقد انهم يتصنتون علينا.
اومأ النجمي براسه ,فواصل الابيض:
_اذا دعهم بسمعون. ولنقل مانريد.

الاحد 27/6/2004 –الحادية عشر صباحا

استمع الكاتب الي شرح الحالات الخمس من الدكتور غنيم, والذي اطلعه ايضا علي الخطوط التي وضعها حفظي تحت بعض السطور. وكان يستمع الي الدكتور وهو في حالة من الدهشة, وشرد رغما عنه في بعض اللحظات. بينما كانت هدي تنتقل ببصرها بين الاثنينفي تبادل سريع.
علق الكاتب:
_ ما زلت اؤكد ان هذه القصص خيال محض , وانني لم اعرف وجوداحقيقيا لهولاء.
ردت هدي:
_ اليس ممكنا ان يصادف خيالك وجود هذا الواقع.
_ لا استطيع ان استبعد هذا. انا اتحدث في حدود معرفتي.
ثم استطرد:
_ ولم لا نكون امام لعبة سخيفة قام بها شخص قرأ هذه القصص واستخدم هؤلاء الاشخاص .
_ ولكن لا يوجد ما يحسم هذا.. فالملابسات غريبة والمصادفات غير معقولة.
تدخل الدكتور غنيم في الحديث:
_ ولكن الاحتمال الذي ذكرته ربما يجعلك احد المتهمين, حتي من باب الحصول علي الشهرة.فلا يوجد دليل واحد علي سبق وجودهم الا في قصصك.
رد بغضب:
_ انتبه لكلامك يا دكتور, والا فساضطر لترك هذا المكان.
تدخلت هدي:
_ لاتغضب الدكتور لا يقصد اساءة.. نحن نناقش الاحتمالات فحسب.
واكد غنيم:
_ اعتذاري لك..هدفنا الوصول للحقيقة فحسب.
ثم استطرد:
_ هناك حالة في علم " الباراسيكولوجي" تسمي ظاهرة التخاطر, وهي عبارة عن رسالة علي شكل موجات تخرج من عقل احد الاشخاص لتوجه الي عقل شخص اخر..هذه ظاهرة تاكد وجودها الا ان تفسيرها لازال غامضا.
_ هل تريد ان تقول انهم استكتبوني بالتخاطر, وانهم بشكل ما اوصلو لي قصصهم.
صمت قليلا ثم قال :
_ يصعب علي قبول هذا الكلام.
قال غنيم:
_ انه مجرد احتمال .
قال الكاتب بتحد :
_ اذا كان الامر كما تقول ,فلماذا لايتذكر هؤلاء اي ماض لهم يتجاوز وقائع القصص؟
_ هذا امر محير فعلا . ولكن احد الاحتمالات ان يكون قد حدث لهم فقدان جزئي للذاكرة وتثبيت نفسي عند تلك اللحظات..كل ذلك داخل دائرة الاحتمالات , فلا شئ مؤكد.
_ هل يمكنني رؤية هذه الحالات؟
_ بالطبع. كنت ساطلب ذلك منك علي اي حال.
شعر الكاتب بالندم لهذا الطلب. فقد كان يفكر في الخروج من تلك القصة السخيفة التي ادخله مؤلفها فيها رغما عنه. خطر بباله ان هذا المؤلف يسخر منه عجزه عن كتابة قصة الجنرال والكاتب. وهاهو يكتبها ببراعة عجزعنها, لذلك كان يريد ان يهرب من هذه القصة وان ينساها تماما.
قال وقد تسمر علي باب الغرفة:
_ لا اريد الاستمرار في هذه المهزلة.. انا منسحب.
قالت هدي :
- هذا غير مقبول . نحن لانمزح. امامنا ست حالات مريضة , والامر له ارتباط بك.
تساءل بغضب:
_ اذا فانا مجبر علي الاستمرار؟!!
حاولت هدي تخفيف حدة الحوار:
_ لست مجبرا..ولكنها مسالة انسانية, ولا اعتقد انك ستتخلي عن هؤلاء المرضي.
نظر اليها صامتا, فاكملت بضراعة:
_ اعتبره رجاء من سيدة.
عندما دخل الكاتب الي الغرفة , تطلع بفضول في وجوه الحالات الخمس. وتطلعوا هم بدورهم في الوجه الجديدبذات الفضول.
خاطبهم الدكتور غنيم :
_ الاستاذ جاء لزيارتكم. هل تعرفونه؟؟
_ لا.
اجاب الفتي الابيض وايده الجميع.
واصل الدكتور:
_ انه المؤلف الذي كتب قصصكم.
تفرسوا فيه بدهشة.
قال الفتي الابيض:
_ انا لم التق بك , ولم احك لك شيئا, فكيف كتبت حكايتي؟؟
رد الكاتب بلهجة استفزازية:
_لم التق بكم فعلا . فانتم خيال محض.
انطلق الفتي الابيض في ضحك هستيري, استفز بدوره الكاتب, الذي رد عليه بنظرة نارية جعلته يتوقف عن الضحك ليقول له :
_ اذن نحن خيال..ولكن خيال من ؟ . خيالك انت ؟؟ ..ولكننا امامك وتستطيع ان تتحسس اجسادنا لتعرف ان كنا خيالا ام حقيقة.
تجاهل الكاتب كلام الفتي المبطن بالسخرية, وخاطبهم بهدوء:
_ الافضل لكم ان تكونوا خيالا , والا ستقعون تحت طائلة القانون بتهمة ترويع الناس وربما الابتزازباستخدام قصص كتبتها من خيالي, وربما ايضا استطاعت الشرطةحل لغزكم .
ارتعد الرجل العجوز , وصبي الشطرنج, بينما واجهته نظرات تحدي من نور,و الفتي الابيض ورجل النجمة, الذي قال له :
_ لم نعد نخاف من الشرطة, فلن يحدث لنا اكثر مما حدث.
قال الكاتب بنفاد صبر :
_ اذن ماذا تريدون؟
رد عليه الفتي الابيض بخشونة :
_ قل لنا ماذا تريدون انتم ؟
سادت فترة صمت قطعها الدكتور غنيم بقوله:
_ نريد ان نعالجكم , ونحل مشكلة حدثت لاحد الاشخاص بظهوركم.
قال رجل النجمة:
_ تقصد اللواء حفظي الذي أمر بتعذيبنا.
صرخت فيه هدي :
_ حفظي لم يأمر بتعذيب احد.
فرد:
_ وهل كنت " هناك" لتتأكدي من ذلك؟!!
اوقف الدكتور غنيم الحديث بقوله:
_ سنذهب ونترككم ترتاحون.
وفي مكتب الدكتور غنيم , قالت هدي للكاتب بعد ان استردت بعض هدؤها:
_ لي رجاء اخيرمنك.
_ ماهو؟
_ان تذهب الي حفظي لتقنعه ان هذه الشخصيات خيالية ولا علاقة لا بالواقع.
لم يرد عليها.
_ ارجوك انها مسالة انسانية.
اخرجت من حقيبة يدها كارتها الشخصي , تناوله منها في صمت , ثم وجد ان عليه ان يفعل مثلها..بينما هو شارد يفكر في اسم اللواء حفظي الذي خيل اليه انه سمعه يتردد من قبل عدة مرات...

الاحد 27/6/2004 –الثانية عشر ظهرا.

بعد ان انصرف الوفد, واخره الدكتور غنيم الذي اغلق الباب وراءه. تبادلوا النظرات. كانت نظرات غاضبة من "نور" والفتي الابيض ورجل النجمة,وبلهاء عند العجوز ,بينما هي مندهشة عند صبي الشطرنج.
قال نور غاضبا:
_اذن فنحن عصابةتريد الترويع والابتزاز في رايهم.
رد الفتي الابيض:
_ هذا رأي الكاتب المغرور بخياله.
_ لم يعارض رأيه احد . فهم يوافقونه.
_ والبديل ان نوافق علي ماقاله باننا خيال محض.
قال نور:
_ ولكننا لسنا خيال. نستطيع ان نصفع ونضرب وحتي ان نقتل.
ارتسم الذعر علي وجه العجوز. لاحظ نور ذلك ,فاثار حنقه. صرخ فيه:
_ مم انت خائف؟!!ضاع ابنك وعمرك فعلي اي شئ تخشي!!
لم ينطق العجوز , وانما نظر الي الصبي وكانه يستنجد به.
قال له نور مهتاجا:
__ انطق. قل شيئا. اريد ان اسمع صوتك.
خرج صوت الجوز ضعيفا مترددا:
_انا..معكم..كلامك..صحيح..
قال الصبي يؤيده:
_نعم..جميعهم ظالمون..لن انسي ما حدث لاخي.
قام العجوز واحتضنه, فابتسموا جميعا لاول مرة.
قال نور جادا:
_هل بقي لدي اي منكم شيئا يخاف ان يفقده.؟
قال رجل النجمة بأسي:
_لا
وتتابعت تعليقاتهم:
_فقدت كل اشيائي البيضاء, ولا امل في استعادتها.
_مات اخي ولن يعود
_وضاع ابني.
تساءل الفتي الابيض:
_هل تعتقدون حقا انهم يريدون علاجنا من آثار الظلم؟
رد نور بسرعة:
_بل يريدون حماية رجلهم منا.
سأله النجمي:
_وماذا سنفعل؟
رد نور:
_ليكن رجلهم هذا لعبتنا

الاحد27/6/2004 –الثامنة مساء

اتصل الكاتب بوالده تليفونيا. وكان اسم حفظي لايزال يتردد في راسه. وقرر ان يسال والده عما اذا كان يعرفه.
_ هل تعرف لواء يدعي حفظي حسين؟
بعد صمت قصير اجابه:
_ كانت له حكاية مع خالك المرحوم تبارك.
_ علاقة من اي نوع؟
_ علاقة اقرب للعداء. كانا يكرهان بعضهما.
_ لم اسمع عن ذلك من قبل.
_ كنت صغيرا . ولم تات مناسبة لاروي لك تفاصيلها.
_ هل يمكن ان ترويها لي.
_ لاتشغل نفسك بهذا الامر. هذا ماض قد انتهي.
ثم استدرك:
_ لماذا تسأل عنه؟؟
_ هذا امر يطول شرحه.
قال والده محذرا:
_ لاتورط نفسك في امر معه. انه رجل خطير
_ كيف؟
_ لا جدوي من الحكايات الان. ابعد عنه فحسب فانا اعرف ما يكفي عن شره.
_ ولكنني اريد ان اعرف.
_ اكتفي بتحذيري وابتعد.. ارجوك يابني.
الاحد 27/6/2004 – الثامنة والنصف مساء

ابتسم "نور" للفتي الابيض , وهو يسأله
_ الازالت مسالة طفولتك وماضيك تؤرقك؟
_ نعم.
تدخل رجل النجمة في الحديث:
_ لدي فكرة.
نظروا اليه باهتمام , فواصل:
_ ليصنع كل منا لنفسه ماضيا من خياله , يعوض به ذلك الماضي المفقود.
قال "نور" بلهجة جادة:
_بل الاجدي ان نصنع مستقبلا.
تطلع في وجوههم ثم اكمل:
_ ملايين البشر يملكون ماضيا, ولكنهم لا يملكون اي مستقبل....

1. الاحد27/6/2004 –العاشرة مساء

كانت هدي قد تركت حفظي متمددا علي سريره , بعد ان فشلت في استدراجه للجلوس معها امام شاشة التليفزيون.
قال لها بلهجة آمرة:

- افضل الانفراد بنفسي
انصرفت مغلوبة علي امرها . جلست امام التليفزيون . كانت الصور تتتالي امامها بلا رابط ولا معني . عقلها كان في غرفة النوم حيث زوجها . نصف ساعة كانت قد مرت , عندما سمعت انينه يصعوبة..هرعت الي غرفة النوم لتجده ملقي علي الارض , مجردا من ملابسه , وعلي ظهره آثار لجروح وسحجات وكدمات..كاد هذا المشهد ان يفقدها صوابها , تمالكت نفسها لتجري له عملية الافاقة والاسعافات الاولية..كانت عاجزة عن استيعاب ما رأته..كان واضحا انه لاتوجد شيهة سرقة.فالاشياء مرتبة وفي اماكنها.كما ان اللصوص لا يقومون بهذا التعذيب البشع, انهم يقتلون فحسب اذا ما اعترض طريقهم في السرقة.
اكدت لها معلوماتها في الطب الشرعي ان الخدوش والكدمات من عمل احتكاك الاظافر والضرب بقبضة اليد . اما السحجات الطويلة فهي اما من الضرب بحزام جلدي او سوط. اما الجروح السطحية فهي من عمل آلة ذات شفرة. ولاحظت ان الجروح السطحية مهندسة علي شكل نجمة. دارت في راسها كل الاحتمالات..استطاعت بمشقة الباسه ملابس النوم , ثم استدعت الحارس لبساعدها في حمله الي السرير, مؤجلة حسابها العسير معه الي ما بعد الاطمئنان علي زوجها...
الاحد 27/6/2004 –منتصف الليل.

عندما افاق حفظي , كان علي وجهه مزيج من الرعب والالم. رفض كل محاولات زوجته لحمله علي الكلام . كان في شروده معتصما بالصمت.بدا وكانه غائب عن الوجود.نظراته زائغه , وبدا وكانه عاجز عن ان يقرها علي مكان محدد.
بعد فترة مرت علي هدي وكانها اطول من كل عمرها السابق , نطق حفظي يصوت واهن مرتعب:
_ انهم ينتقمون مني.
الاثنين 28/6/2004 –التاسعة صباحا.

اتصلت هدي بالدكتور غنيم . قالت له مباشرة :
_ اريد ان استعلم عن الحالات التي لديك..
_ الحالات اختفت يا دكتورة...
صرخت هدي:
_ كيف ؟
_ هذا ما حدث ..هناك تحقيق داخلي يجري الان في المستشفي لتحديد المسئول عن ذلك.
_ اذن فقد هربوا.
_ هذا ما يحيرني..فنوافذ الغرف المغطاه بالسلك سليمة.
_ لعلهم خرجوا من باب المستشفي
_ هذا ايضا ليس سهلا يا دكتورة. فهناك اطباء وممرضات وامن داخل المستشفي وعلي البوابة, وخروج هذه الحالات دون ملاحظتها امر صعب للغاية.
-اذن كيف هربوا؟
_انا في انتظار نتيجة التحقيق.
صمتت هدي قليلا ثم قالت:
_ هناك احداث خطيرة جرت لدينا ..ارجوك احضر الينا الان فحفظي في حالة سيئة جدا.
_ ساكون عندك خلال ساعة.

.../..../...._ ....
حيث تقابلوا لاول مرة اجتمعوا.. لم يعد المكان رغم غرابته غريبا عليهم. الارض البيضاء الناصعة كالثلج,المترامية بلا نهاية,الصافية كمرآه. والسماء الفلورسينتية المضيئة بغير نجوم او كواكب..ولا شئ اخر..كانوا يضحكون وعلي وجوههم لذة الانتصار.واحساس غامر بالقوة..

الاثنين 28/6/2004 _ التاسعة والنصف صباحا.

اتصلت هدي بالكاتب لتخبره باختفاء الحالات الخمس . والحت عليه ان يقوم بزيارتهم في المنزل حالا.
قالت:
_ حفظي في حالة سيئة للغاية. واذا لم نفعل شيئا سريعا فسافقده تماما.
وجد نفسه مضطرا لان يقول لها:
_ ساحضر حالا يادكتورة.
_ الدكتور غنيم علي وشك الوصول.
_ اطمئني. لن اتاخر.
كان الكاتب رغم كل شئ , قد بدأ يشعر بتعاطف تجاه تلك الزوجة المأزومة...
الاثنين 28/6/2004 –العاشرة والنصف صباحا.

في ذهوله , كان حفظي غائبا تماما عمن حوله..بدا وكانه في عالم اخر..وبدا ايضا للجميع انه لا يسمع كلام الكاتب الذي ظل يؤكد له ان هذه الشخصيات خيالية ولا وجود لها في الواقع..ولم يبد انه يستمع الي اسئلة الدكتور غنيم ولا حتي انه يعرفه.
قال الدكتور بلهجة حاسمة:
_ لابد من نقله الي المستشفي حالا.
ردت هدي مستسلمة:
_ لا مفر من ذلك
كان حفظي يهذي من وقت لاخر بكلام عن الذين يريدون الانتقام منه, ويوجه اليهم شتائم قبيحة وهو يلوح بيده في الهواء, بينما كانت هدي تحاول السيطرة علي دموعها الراغبة في الانطلاق.
الاثنين 28/6/2004 –الثانية عشرة ظهرا

قال الدكتور غنيم للضابط:
_ حالته لاتسمح باي اسئلة.
_ اتفهم الوضع يا دكتور
ثم توجه بحديثه لهدي: _ هل هناك اي شهود للواقعة.
_لم يكن هناك سواي. ويمكن سؤال الحارس ايضا.
قال العقيد علاء الذي كان قد حضر لتوه, موجها حديثه للكاتب الذي تعرف عليه فورا:
_الست عضوا في حزب......
_لم اعد عضوا في اي حزب.
_ الم يخض والدك......
قاطعه الكاتب مرة اخري بضيق:
_ لا دخل لوالدي في هذا الامر.
_ولكن لك انت دخل به.
_ لا علاقة لي بهذه الحادثة.
قال العقيد علاء بلهجة ذات مغزي.
:_ قالت لي الدكتورة انك كتبت قصص عن الجناة
_ انها قصص من خيالي وليس الامر كما تظن.
_ وهل هناك اي اثبات لكون هذه الشخصيات خيالية.؟
_وهل لديك انت مايثبت انها حقيقية؟
_لا ترد علي سؤالي بسؤال.
تدخلت هدي لتوقف هذا:
_ ارجوكم. الوضع لا يسمح.
قال لها الضابط وهو يستاذن:
_ ساستدعي الحارس لاخذ اقواله. وتكرمي بالاتصال بي عندما تسمح الظروف باخذ شهادتك.
...../...../.....-.....

الطمأنينة وانعكاس الضوء من الارض البيضاء علي وجوههم اكسبهم جلالا. حتي الصبي الصغير ايضا. وبدت الامور وكانها قد افرزت ل "نور" زعامة طبيعية للمجموعة، لاقسر فيها ولا اكراه.
كان " نور" يجلس شاردا في لانهائية الابيض, وبدا وكانه غائب عن الوجود.
اقترب منه الفتي الابيض.وجلس بجانبه.
قال له بود :
_في اي شئ تفكر؟
فنظر اليه "نور" مبتسما..وبعد صمت لم يطل كثيرا,قال بهدوء:
_ جاء الاوان ليتزلزل عالمهم القائم علي الظلم والقهر......
الاثنين 28/6/2004 –الثالثة ظهرا

بدات الساعات الموجودة في المدينة تتوقف عند هذا الوقت. وكان الكاتب اول من انتبه لهذه الظاهرة, واستولي عليه شعور هو خليط من الخوف والاحساس بالأهانة..و شمل التوقف كل انواع الساعات بداية بساعات اليد وانتهاء بساعات الحائط..وتناقل الناس التعبير عن الدهشة واحيانا الفزع من هذه الظاهرة..كانت العقارب متشبسة بمواقعها ترفض اي تحرك, واذا استطاع احد تحريكها ,فانها تعود ثانية لتشير الي الثالثة..وانتشرت شائعة بان ذلك يعني اقتراب موعد القيامة, واعتصم بشر كثير في المساجد لتوقي اهوال القيامة..ولم يصدر اي تصريح رسمي حول الامر ,رغم ان الساعات الحكومية قد اصابها نفس الشئ ايضا...وفي المساء بات الناس وهم يتوجسون شرا...
 الاثنين 28/6/2004 – الثامنة مساء

علمت هدي من الدكتور غنيم ان التحقيق الاداري حول اختفاء الحالات الخمس لم يسفر عن اي شئ يمكن ان يفيد.

 الاثنين 28/6/2004 –التاسعة مساء

قال الضابط لهدي:
_ الحارس يصر علي انه لم ير احدا يدخل الفيلا.او يخرج منها.
_اذن فكيف دخلوا؟
_ يدعي الحارس ان الباشا كان يتوهم رؤية اشخاص...
انفعلت هدي:
_اتريد ان تفهمني ان خياله احدث به تلك الاصابات؟
قال معتذرا:
_لا اقصد ذلك بالقطع..اردت فقط ان اطلعك علي اقوال الحارس. نحن بالفعل امام واقعة جنائية.
_ اذن فكيف ستسير الامور؟
_لقد قمت بحجز الحارس وسيعرض في الغد علي النيابة العامة..ولكن اصارحك انه من الصعب الوصول للجناة دون سماع اقوال الباشا.
تمتمت هدي وكانها تحث نفسها:
_ ربما يطول ذلك
..../..../.... -....
علي الارض البيضاءجلسوا, يتاملون لانهائية امتداد البياض. وكان الصبي والعجوز يتطلعان الي السماء الفلوريسنتية, بينما تحيط يد العجوز بالصبي في حنو ابوي..كان "نور" مثبتا نظره علي عدة نقط سوداء بدت في الافق..النقط السوداء كانت تكبر باستمرار..عندما اقتربت جدا , تنبهوا جميعا...نظروا الي بعضهم في تساؤل صامت..
قال نور:
_ اصدقاء جدد..ساعرفكم عليهم.
سأله الفتي الابيض:
_هل انت من دعوتهم؟
_ نعم..هم اصدقاء.. حكاياتهم تشبه حكاياتنا.
اقترب الغرباء..سلموا علي الخمسة.
قال نور وهو يشير الي الغرباء واحدا تلو الواحد:
_سعيد مهران
_ سنتياجو نصار
_ دكتور زيفاجو
_ علي الحوات
تبادلوا قص الحكايات.
قال سعيد مهران:
_كنت اجلد في السجن. وظللت احلم بالجلد حتي بعد خروجي..وعندما ذهبت لاطالب خائني بابنتي, اسرع المخبر ليحميه ويبعدني.
وقال سنتياجو نصار:
_ كانت السلطات تعلم بانني ساقتل ولكنهم اغمضوا اعينهم..لقد تآمر الجميع علي...

شرح لهم "نور" اقتراحه. وافقه الجميع.
قال "نور" :
_ سننتظر بقية الاصدقاء, ثم نبدأ..
قال الصبي:
_ الن يمسكوا بنا ..او يقتلونا..
ضحك نور قائلا:
_ لن يستطيعوا..الم تدرك ذلك بعد ياصغيري..انهم اضعف من ذلك..

.........../...../........../- .......
بدا عددهم كبيرا عندما اكتملوا..تبادلوا الحكايات والتفاصيل المرعبة...
كانوا جميعا يرتعدون من الغضب..
وكانت الارض البيضاء تحتهم تهتز...
الاثنين 28/6/2004 –العاشرة مساء
سجلت اجهزة قياس الزلازل في اماكن متفرقة من العالم, وفي ذات التوقيت هزات ارضية بمقياس ثابت مقداره 4,5بمقياس ريختار...ولم يستطع العلماء تحديد مراكز هذه الهزات التي شملت مناطق تقع داخل احزمة الزلازل ومناطق خارجها.. واعلن احد علماء الولايات المتحدة انهم بصدددراسة هذه الظاهرة الغريبة, وانه لايوجدحتي تلك اللحظة تفسير كاف لها ......
الاثنين 28/6/2004 –منتصف الليل.

بدأت تنتشر في المدينة حوادث غامضة, تم التكتم عليها نظرا لحساسية مواقع المجني عليهم ولعدم معرفة الفاعل. رجحت جهة التحقيق ان هناك تشكيل عصابي واحد ينفذ هذه العمليات. اسلوب التنفيذ يكاد يتطابق في كل الحوادث..فخلال ساعة واحدة فقط , تم تسجيل عشرة بلاغات من هذا النوع.
الثلاثاالعاشرة صباحاء 29/6/2004 –
بدأت ظاهرة الاختفاء , بالحوادث التي تم تسجيلها حتي منتصف الليل الفائت..ولاحظ الكاتب قبل اختفائه مباشرة_وفي صدفة فريدة_ تلاشي القصص الخمس من كتبه. وكان آخر من شاهده زوجته التي تركته في البلكونة يشرب قهوة الصباح ,وقد اثار اسغرابها وضعه الكتب التي الفها امامه وقد بدأ يتصفحها وكانه يعيد قراءتها ..وبالنسبة لها كان ذلك غريبا, فلم يكن يحب اعادة قراءة ما نشره. وعندما عادت الي البلكونة مرة اخري كانت الكتب موجودة علي المنضدة ولكنه لم يكن موجودا..ثم اختفي حفظي..وتوالت حوادث الاختفاء ,وانتشرت شائعات تؤكد انتشار الظاهرة وتخطيها لحدود المدينة الساحلية...ووصل الحد الي زعم البعض ممن يملكون يملكون اطباق التليفزيون الهوائية, ان المحطات الفضائية ذكرت رصد هذه الظاهرة في عدة دول .........ز

...../....../....-.....كانوا هناك...
جميعا.

اغسطس/سبتمبر 2004

خالد السروجي - مصر

نضال قحطان
31-12-2004, 01:16 PM
خالد ..
جهد كبير تستحق كل التقدير .. دمت مبدعاً

خالد السروجي
31-12-2004, 08:22 PM
الصديق المبدع نضال قحطان
انت من يستحق التقدير لما تبذله من جهد لكي تنشر اعمالنا بصورة لائقة
اشكرك علي صبرك علي قراءة العمل
اخوك
خالد السروجي

عشتار
02-01-2005, 08:06 AM
لغة سهلة .. سلاسة وانسيابة في السرد .. خيال خصب
عناصر جذب احتوتها القصة
وعندما يتحقق الإندماج بأحداثها والشعور بتفاصيل أشيائها
وعلى وشك الروتينية الحياتية .. يبدأ عنصر التشويق
ليمتنع القاريء من التوقف حتى يأتي على آخر سطر منها

ملاحظة لم تتمنع عن الإبداء
نثار من لغة (....) .. أفقدها شيئاً من رونقها

خالد السروجي
إن كانت هذه تجربة .. فمرحى بالقادم

شكراً
وّد
و ورد

خالد السروجي
02-01-2005, 08:48 PM
الصديق المبدع / عشتار
شكرا لصبرك علي القراءة ...ولرأيك في النص
اتمني ان اكون في المستقبل عند حسن ظن الجميع
خالد السروجي