المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاولة للخروج !!


المهند
20-12-2004, 02:06 AM
للقاصة السعودية .. مليحة شهاب

دخلت مسرعة ،ووجهها قبل لسانها يتقاطر بالخبر المحمول ..قالت واللهاث يتصيد كلماتها :

_ لماذا أنت جالسة..؟ّ..ألم تسمعي الخبر ..؟

أجبتها بسؤال يحمل ملامح الدهشة ، ورغبة المعرفة ..

_ وأي خبر ..؟!

_ الشيخ النحاسي سيلقي خطبة في الجامع الكبير ..

اتسعت حدقتيّ دهشة وفرحة .. وأعربت عن ذلك بقولي ..

_ حقاً ..؟!

_ نعم.. وهل أمزح معك في مثل هذا الأمر ..!

وقفت قبل أن تكمل جـملتها..وما كدت أن أخـطـو خطـواتي نحو غرفتي .. و إذا بصوتـها يـقرع أذني بقـوة كـمن ضاق ذرعاً بتصرفي ..

_ إلى أين أنت ذاهبة..؟

_ سأحضر حجابي لأرتديه..حتى نذهب إلى الجامع..

_ أوه..أين أنت من العالم ،ومن التطورات التي تحدث فيه..

وتحولت نبرة صوتها إلى الشفقة حينما قالت :

_ ولكن من أيـن لك أن تعـلـمي وأنت سجـيـنـة هذا البيـت الكئيب بالرغم من مظـاهر الرفاهـية التي تحيـط بك..لقد تـمّ إنشاء ممرات و طرق معـلقـة تـفضي إلى الجـامع الكبير مباشرة ،لا يمر بها إلا النساء..فلا داع أو ضرورة للــحجاب..هيا أسرعي ليس هناك وقت للكلام.. يجب أن نسرع بالذهاب لنجد مكاناً مناسباً ومريحاً ..

فجأة وقبل أن أستوعـب أو أفـهم كل ما سردتـه من كلام ومعلومات..وجدت نفسي في هذه الدهاليز أو الممرات المظلمة .. ولقد كانت مزدحمة بالنساء بشكل لا يطاق ،وبطريـقة فوضويـة وهمجية مما يـبعث على المـلل والضيق .. ولكن الذي أثار ذهولي وغضبـي إن بـعض النساء كنّ يحملن مشارط صغيرة يستعملـنها لجرح الأخريات اللاتي يــبدأن بالصراخ من شدة الألم .. ولكن الغريب أن الدماء لم تكن تتدفق من الجرح..!.. الجرح مفتوح يصحبه ألم شديد ولكن لا دماء!..والغريب أن هؤلاء النسوة يتفنن في أداء هذا العمل وكأنه هواية ممتعة، وإن لم يقمن بالجرح فأنهن على أقل تقدير يعمدن إلى الوخز..والصراخ يتعالى من هنا وهناك إما بسبب المشارط أو بسبب التدافع والضيق والاختناق ...

وفي وسط ذهولي ، واشمئزازي ، وغضبي..صرخت بأختي غاضبة :

_ ألم يكن من الأجدى والأفضل البقاء في البيت ومشاهدة الخطبة في التلفزيون على الهواء مباشرة بالصوت والصورة .. وحيث الراحة والهدوء وبالتالي ستكون الفائدة أكبر.. بدلاً من هذه الزحمة والضوضاء ، وهذا الاختناق والضيق ، وهذه المشاهد المنفرة التي لا تليق بأي مكان فكيف بهذا المكان ..

ردّت عليّ وهي تقاوم الزحام ، وتجاهد للوصول إلى الجامع ..قائلة :

_ صحيح أن الفائدة هنا أقل بكثير ولكن هنا البركة أعظم ..لذا يتدافع الناس للقدوم هنا ..

- ماذا تجدي لهن هذه البركة وهنّ يفعلن ما يفعلن ..!!

وكنا قد وصلنا إلى الجامع والزحام لا يخـف بل يزداد..وبـتـر حديثنا الـمتقـطـع مرأى امرأة أعرفها.. تحمل بــيدها سكيـناً كبـيرة ، وممسكة بـيدها الأخرى فتاة جميلـة تحاول أن تـذبحها ولا أحـد من النـسوة تحاول تخليصها ، ولا يستجبن لاستنجادها و كأن ما يحدث أمامهن هو من خلال شاشة تلفزيون..سرت في جسدي قشعريـرة من هول ما رأيت..وانتفض جسمي مهرولاً نحوهما ..الــمدهش مع شـدة الزحام وصلـت بسرعة وسهـولة..أمسكت بالفتاة ونـزعتها من قبضـة المرأة التي دخلـت معها في شجار عنيف ، ومشادة كادت أن تكون دموية انتهت بتمكني من تخلـيص الفتاة من حدّ سكينها الماضية .. وبينما كنت أسدي لها النصح بأن عليها أن تحترم قدسية هذا المكان ، وتطلب من الله الرحمة بدل من أن تجاهر بالمعصية.. وإذا بي أنتبه أني أقف على باب غرفة فسيحة فيها القليل من النساء المتشحات بالسواد ، وسيماهن تنضح بالتقوى وعمق الأيمان ... فالتفت صوب أختي أريد أن اخبرها وأفرحها بأمر هذه الحجرة الفرج الهدف لـندخل فيها ونحتل لنا مـكاناً مريحاً قبل أن تمتلئ بالنساء..ولكن المفـاجأة المرة أنـي لم أجد أختي.. أخذت في النداء.. ثم الصراخ .. ولكن الصوت يضيع في خضم صراخ آخر أقوى وأشد .. قررت البحث عنها، ولكن الرجوع إلى الوراء أمر من المستـحيل تحقيقه .. فالنساء يتدافعن كالأمواج الهائـجة إلى الأمام .. وبـدأت أجول بــبصري أبحث عن مخرج وإذا بعيني تلمح في زاوية الغرفة المقابلة لـلـباب فتحة أخرى .. اتجهت نحوها وإذا بي أمام ممرّ ضيق فاندفعت فيه بقـوة رهيــبة دون تفكير .. وهرولت مسرعة في داخلـه.. وإذا بهذا الممر الضيق يـؤدي إلى ممرات متشعبة .. دخـلـت إحداها فأفـضى بي إلى دهليز عريض.. ماذا أفعل الآن..؟..هل أعود أدراجي ، أم أتقدم إلى الدهليز ..؟..

دخلـت الدهليز فأوصلني إلى ساحة كبـيرة محاطة بـغرف كثيرة..توسطت الساحة..المكان نظيف و موحش .. وقـفت حائرة..وفي وسط لهيب حـيرتي إذا بي أفاجئ بـعدة رجال يــبـزغـون من هذه الغرف... تـقدم أحـدهم نــحوي ، وتساءل بغـضـب واضح ممزوج بـنشـوة فرح وكأنه أمسك بصيد ثمين ..

_ ماذا تفعلين هنا..؟

الغريب أن غضبه لم يهز شعرة الخوف في داخلي..أجبته بثقة وطمأنينة :

_ أتيت لأستمع لمحاضرة الشيخ..

زج بطرف سبابته في أذنه وهرشها ، وحدق فـيّ باستهزاء..ثم قال والخبث يسيل من بين كلماته :

_ هذا المكان لا يسمع فيه صوت الشيخ..؟

_ نعم..لقد ضاعت أختي وأنا أبحث عنها..

_ تبحثين عنها هنا..!؟!!..

_ هكذا أوصلتني الدهاليز ..

هزّ رأسه ، وابتسامة خبيثة تفترش شفتيه..

_ لا..أنت أتيت لأمر آخر..

رددت عليه بدهشة واستنكار ..

_ أمر آخر!..وأي أمر..؟!

غرس نظراته التي تقدح شراسة في عينيّ..وقال :

_ هذا ما ستقولينه لنا..

أحسست بالخطر يحدق بي..نظراته تزداد شراسة..بدأت أشعر بالخوف..قلت بكثير من الأمل في أن يصدق قولي :

_ أنا أبحث عن أختي..

تمطى قبل أن يقول :

_ أنت أتيت هنا لــــــ

وأخرج ولاعة من جيبه..وقدحها لتخرج منها نار..وحدق فـيّ..نظرت إليه ذاهلة متسائلة .. وأردف قائلاً :

_ لتقومي بتفجير المكان ..

أجفلت من كلمته..ارتدت بي إلى الوراء..لا سند لي في هذا المتسع من الخطر.. أحسست بأبعاد الموقف القاتل.. ولدت في داخلي رغبة البكاء ولكن عيني لم تـسعـفـني بـه ..وبذهول مر يفوح منه سؤال الاستغراب تمتمت قائلة :

_ أنا أريد تفجير المكان!!..ولماذا..؟!!

_ هذا ما ستخبريــنا به..

_ ليس لدي ما أخبركم به..أنا كنت أبحث عن أختي..

أمسك شعري بـعـنـف ، وكشر عن أنـيـابه الصفراء، رجفة تقصف ركبتي ،زمجر قائلا :

_ من الأفضل لك أن تتكلمي..أن تخبرينا بالتفاصيل..أدق التفاصيل..

تكسر صمودي..خوفي استحال إلى رعب..قدماي لا تحملاني ؛ تصطكان من شدة الـذعر.. تفجرت رغبة البكاء، تزاحم الدمع في مقلتي‏... وبصوت قطعة الخوف ..أقسمت :

_ والله ما عندي شيءٌ..لماذا لا تصدقني ؟!..

وعاد يغرس نظراته المستأسدة في وجهي..خارت قواي ..أحسست بأن حلقي بدأ يجف وأنفاسي تتلاشى .. وهو يقول مهدداً :

_ لن تتكلمي..؟

يحتد في أعماقي إحساس بالضياع .. بعينين ينضح منهما الرجاء ، وبصوت لونه التوسل، ولطخه الدمع الحار .. قلت :

_ ليس لدي ما أقوله..والله..أرجوك..

_ اعترفي..قولي أنك أتيت لتفجري المكان..

استشعرت عطشا شديدا يتمدد في صدري ..

_ أنا أفجر المكان!..لا..أنا لا أفجر..أنا أكره تعذيب الآخريـن..أنا أكره النار..أنا أحب السلام..أحب الحب..أحب الوئـام..أتـيت هنا لأستـمع إلى محاضرة الشيخ..ثم أضعت أختي في الزحام..وبدأت أبحث عنها ، وأوصلـتـني الدهاليز إلى هنا..

_ أنت تكذبين ..

امتلأ قلبي مرارة ...

_ أنا لا أكذب .. أنا لا أكذب .. والله لا أكذب .. لا أكذب ..



أحسست بأن كلماتي تـتبعثر في الهواء..إنه لا يريـد أن يسمعها..أو إنه لا يسمعها كأن في أذنيه وقر ، وبـيني وبـينه ألف حجاب..أخذ في الابتعاد عني..التـفـت نحو رجاله..شعرت بـأن الفرج قد اقـترب..وقبل أن أفـق من دهشتي ، وألمي ، وأملي الوليد..إذا بصوته يأتيهم ويصلني آمراً إياهم بأخذي إلى غرفة التعذيب.. وبسرعة البرق تـناوشتني أيديهم القوية..وأنا أصرخ رافضة ، عاجزة ، خائفة..وهناك طرحوني أرضاً ، الأرض تعبق بالدم .. بدؤوا يضـعـون أسياخ النار على جسدي فـتحرقه .. أشتم رائحته..جسدي الجميل يحترق .. بشرتي الناعمة تتشوه .. أخذت في الصراخ ذاهلة .. أصرخ متألمة ، وتصاعد صراخي متوجعة.. أصرخ بقوة ، بعنـف ..لعل أحدا هناك يسمعني .. يأتي لإنقاذي .. لإنقاذ أنوثتي الجميلة من التشويه .. ولكني كـنت أحس بأني أجدف في بحر من ضياع .. من فراغ .. وهم يضربون ، يعذبون ولا يرحمون ..

تقدم رئيسهم نحوي .. طريحة الأرض العفنة ، ممزقة الثياب ، شاحبة الوجه ، محترقة الجلد .. وحيدة .. وحيدة .. وهجم عليّ كالإعصار يضربني بسياط من مارج من نـار .. يضرب .. ويضرب.. ويضرب ..تـورم الألم في رئـتي .. أحسست بصعوبة شديدة في التنفس ..أغمضت عيني واستـنـجدت بقوة الصراخ محاولة للـخـلاص .. و أصرخ .. و يشتـد صراخي .. ويشد .. ويتصاعد .. ويشتد .. وفي وسط الزعيق والصراخ ، ومعمعة الألم والوجع ،والإحساس بالضياع والقهر والعجز..إذا بصوت نـدي يصل أذني..صوت رحيم أعرفه ، أحـبه .. هو صوت أمي..يقول :

_ اسم الله عليك..اسم الله عليك..ماذا بك..!!

ما الذي جاء بها إلى هنا .. وكيف ..؟!!!

بصعوبة فتحت جفوني.. وأنفاسي متقطعة.. والظمأ يحصد كياني .. ونظرت إلى ما حولي.. إنني في غرفتي .. وتمتمت أقول فرحة :

_ الحمد لله..الحمد لله أنه حلم.. حلم وليس حقيقة .

مـــــــــلاك
20-12-2004, 08:03 AM
الاخ القدير / المهند ..
الحمد لله .. الحمد لله ..
أن منتدى السرديات والقصه أصبح حقيقه لا حلم هنا في العربي الموحد , ويرجع ذالك بفضل جهودكم الحثيثه والتطلع دائماً لم هو أفضل على هذه الشبكه العنكبوتيه , وان شاء الله الى مزيد من التفوق والنجاح ...

بالنسبه للقصه ..
اعتبرها رائعه لتوفر عده شروط من شروط كتابه القصه .
حيث أنهاتوفر بها عنصري التسلسل والاطّراد , بحيث يشعر القاريء أنه مسوق دائماً إلى غاية, فهو في ترقبٍ وانتظارٍ شائقٍ,وكُل قسم يُعِدُّ لما يتلوه ,حتى تتوالى الحوادث والمناظر..

كما أنه يكفينا فخرً أن الكاتبه سعوديه فقد حضرت لها امسيه لقصه بعنوان ((وجع المواسم)) وكانت رائعه، مليحة تمتلك موهبة واضحة يمكن لها مع الخبرة ان تقدم الكثير خاصة اذا اعتمدت التكثيف وتوظيف اللغة التوظيف الجيد.

تحياااتي
وبحفظ الله دائماً,,