نايف الشنوان
17-09-2004, 06:24 PM
* رؤية ومدخل ....
للجسد ..لغة
.. (وهي لغة تستخدم بشكل لا شعوري وتعبر عن الجوانب الأكثر حقيقية من ذواتنا، من مشاعرنا وانفعالاتنا وحاجاتنا واتجاهاتنا.. وهذه اللغة هي الأكثر صعوبة في كتابتها لكنها ربما كانت هي الأكثر أهمية في العلاقات الشخصية المتبادلة فيما بيننا).. "جلين ويلسون"..... سيكولوجية فنون الأداء.
فالجسد ..
و باعتبار الحيّز الذي يشغله سكوناً أو حركة، وهذا الحيز القابل للتمدد أو الانكماش، يستدعي من الجسد حركات أو ايماءات تكشف عن انفعاله في تلك اللحظة الساكنة أو المتحركة. وهذا الانفعال أو الافتعال لا يتم إلا داخل محيط اجتماعي معين، يتم من خلاله اصدار تلك اللغة، ويتم التلقي من طرف آخر مهتم باستقبالها وفك رموزها.. وكلما كانت حركة الجسم ودودة كلما كان المتلقي مرحباً بها، وكلما كانت تلك الحركة عدائية كان المتلقي لها، نافراً وحذراً، فهي قد تعبر عن مشاعر من السخرية والاحتقار والنبذ للآخر.. ويمكن تلمس ما يعبر عنه الجسد من مشاعر سلبية من خلال ايماءات معينة (كأن يحول المرء راسه أو جسمه بعيداً عن الآخرين أو أن يكشر في وجوههم أو يضع الحواجز بينه وبينهم.. وعلى سبيل المثال يمكن أن يمسك المرء بسيجارة مشتعلة بطريقة علنية أو صريحة، وبشكل يبدو كأنه يحافظ على المسافة الاجتماعية بينه وبينهم... ومن بين الايماءات الأخرى التي تكشف عن الاختلاف أو الرفض أو عدم الاستحسان نجد الايماءة الخاصة بالابتعاد عن الآخرين أو إدارة الظهر لهم، كما لو كانوا يتحدثون بصوت مرتفع مزعج، أو كانت هناك روائح كريهة تنبعث من أجسادهم.. وهناك أيضا حركة تمرير الاصبع عبر الأنف، وأيضا اغماض العين نصف اغماضة وكذلك التقاط خيط متخيل من ملابس أحد الأشخاص ..
..
العنف المعنوي
.. تمحور
.. العنف الرمزي حول الاعتداءات الكلامية، والإبعاد الخبيث للآخر، والنفي الماكر والمهذب له، والتهديد والتشهير .. وهذه الأمور تكون مؤلمة أكثر من أقسى الضربات الجسدية سواءاً كان ذلك في العمل أو العائلة، في المدرسة أو الحياة الزوجية ويمكن تعريف..العنف الرمزي بانه..(عنف خفي مضمر، ومستبطن ومغلقٍ، ويسعه بالتالي أن يقيم في السلوكيات والعلاقات الاجتماعية الأكثر سيولة واتصافاً بالعادية) .. على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو ..
أو هو أنواع من التصرفات والاقوال والافعال والحركات والكتابات التي من شأنها أن تلحق الأذى بالاتزان النفسي أو الجسدي لشخص ما، وان تعرّض عمله للخطر، أو أن تتسبب بتعكير وتسميم مناخ العمل أو هو العنف الخفي، لكن المتكرر المزمن، وأحياناً اليومي، الذي يصيب نفسية الإنسان لا جسده بالارهاق الشديد والألم الذي يعاني منه غالباً بصمت، ويحاول مداواته بالأدوية المهدئة أو المضادة للاكتئاب .. وتوجد حالات العنف المعنوي في كل موقع يخضع لشروط التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية سواءاً في العمل أو المنزل أو أي ملتقى عام..
أمام هذه السلسلة اليومية والمستمرة من الضغوط، يكون الإرهاق والأمراض الجسدية - النفسانية هي مدار الاضطرابات الأكثر شيوعاً ومعها جملة العوارض المرضية: اضطرابات النوم - التعب - تسارع نبض القلب - الاضطرابات الهضمية.. وعندما تتلاشى القدرة على مواجهة هذه العوارض يأتي الانتقال إلى المستشفى مصحوباً بالانهيار العصبي، أو بارتكاب أفعال عنيفة في بعض الأحيان من ذلك حالة أحد الموظفين التجاريين، الذي ظلت كفاءته ونتائج عمله الجيدة عرضة للازدراء والسخرية، الأمر الذي دفعه إلى الانتحار تاركاً عبارة أخيرة يقول فيها (لم أفعل سوى القيام بعملي كما ينبغي) .. وليس غريباً ما أدى إليه هذا العنف المعنوي تجاه هذا الموظف.. فقد لا يتحمل المرء تلك الضغوط وذاك الإبعاد ويموت فجأة بسبب صدمة نفسية لا يقوى على احتمالها .. وقد تعرف العلماء على مثل هذه الظاهرة التي سميت (بوفيات الفودو) نسبة لاحدى القبائل الافريقية.. فعندما تريد قبيلة ما التخلص من أحد افرادها غير المرغوب فيهم، فان القانون القبلي لا يعمد إلى قتل ذلك الفرد بشكل مباشر وانما يعمد إلى طريقة غريبة وهي: مقاطعة الشخص وحجب العون عنه ومبادلته السب والشتم وتطرده من مجتمعها وتشعره بأنه ميت.. ويلاحظ أن ذلك الفرد فارق الحياة بعد يوم أو يومين من طرده من مجتمع تلك القبيلة
العنف المعنوي في اللغة والشعر مسميات وشرح وأغراض
يمكن توصيف اللغة بأنها كالكائن الحي، أو هي إن شئت، كائن حي يستطيع أن يمشي وأن يقف، أن يطير وان يقع، أن يبكي وان يضحك..
واللغة، بكلماتها والفاظها، تستطيع أن تشكل مخلوقات عديدة تسعى بيننا، بمجرد أن تذكر كلمة أو لفظاً، فيتبادر إلى السامع شكله وهيأته، جماله وقبحه، فرحه وحزنه.. وليس أدل على ذلك مما رسمه لنا فنانو الريشة والاصباغ لبعض من شخصيات الغابرين اعتماداً على توصيفات اللغة لهم.. هذا الكائن المفرح أحياناً والمحبط أحياناً أخرى، الدافئ والحنون والمحب، أو البارد والنفور والكاره، هو جملة ألفاظنا وكلماتنا التي تتسرب من بين شفاهنا وايدينا، وتوحي للسامع والقارئ بما توحيه أي مفردة منها.. و خذ مثلاً كلمة الحب، ترى السامع أو القارئ يتخيلها انساناً يفتح ذراعيه لاحتضان الآخر والتربيت على كتفيه، وخذ كلمة الكره، تراه يتخيل انساناً يشدّ قبضتيه متحفزاً ويقطب جبينه غضباً..
في الكلمة الأولى، حين تغدو آسرة نشاهد جذباً، وفي الثانية حين تغدو كالحة نشاهد دفعاً.. كلتا الصورتين نجدهما في جميع المجتمعات الانسانية، لأنها جميعها لديها لغات تتألف من جملة كلمات والفاظ، وفي قاموس تلك اللغات، تجد ذاك الإنسان الفاتح ذراعيه للاحتضان أو الآخر الشادّ قبضتيه والمتحفز للهجوم.. وخذ أي كلمة أخرى من قاموس اللغة، سترى ما توحيه إليك من معان ومشاعر وأحاسيس، تأخذ اشكالاً متخيلة عديدة..
بهذا التوصيف .. تغدو اللغة بكلماتها والفاظها، نابضة بكل انفعالاتنا وناقلة لأحاسيسنا ومشاعرنا بين تضاريس روحها الحافلة بالتحريض والوقاحة احياناً، وبالدفء والحب والتهذيب أحياناً أخرى..
فاللغة، بهذا المعنى، ليست كما يعتقد البعض هامشية لنا نحن بني الانسان، بل هي في الصلب من تكويننا، انطلاقاً من أن الإنسان هو صانع الكلمات، وهو المنتهك بواسطتها حرمات نفسه وحرمات الآخرين..
هذا عن اللغة..
فماذا عن الجسد الانساني؟الجسد أيضا باعتباره يشغل حيزاً مكانياً على رقعة معينة من الأرض، متحركاً أو واقفاً، راقداً أو ناهضاً، مسرعاً أو مبطئاً..
هذا الجسد بحركاته داخل هذا الحيز، وبايماءات أطرافه التي يستقبلها الآخرون، يشكل أيضا هتكاً لستر المحرمات التي تعجز عنها اللغة، بصورة لا تحتمل التأويل..هذا البحث يطمح أن يكون إضاءة لدور اللغة بكلماتها وألفاظها، ودور الجسد بحركاته وايماءاته، في استمرار دوامة العنف من خلال مفردات السب والشتم والسخرية والتحقير، قولاً وإشارة، والتي يوقعها الإنسان على إنسان آخر، من واقع علاقة السيطرة والخضوع، أو يتبادلها معه من واقع الفعل ورد الفعل..
كم واحد منا يا - ترى - خالياً من العيوب؟
لا أحد اطلاقاً..
إذاً فما هذا الهمز واللمز، وكشف عيوب الناس وإبانة مواضع النقص منهم؟
وهل أنت خال من العيب حتى تكشف عن عيوب الناس؟.. أو هل تراك تظهر عيوب الناس، ثم يسكت عن عيوبك الناس؟
لا ذا.. ولا ذاك..
وإنما من أظهر للناس عيباً أظهروا له ألف عيب .. فمن الخير لنفسك، أن تسكت عن العيوب اطلاقاً..
وكل همز ولمز، وجدناه عند المشرع الوضعي، الطعن بطريق العيب وهو (مساس بذات المجني عليه، سواء بالتصريح أو التلميح، ويتحقق ذلك بأي وسيلة من وسائل العلانية كالقول أو الفعل أو الكتابة أو الإشارة أو الرسم) .
بما أن القرآن المنزل على خاتم الأنبياء (عليه أفضل الصلواة وأزكى التسليم ) ليكون الدليل والمنهاج لمجتمع بشري خلاق، خال من العيوب والامراض والنواقص، وبما أنه يحمل في طياته نصوصاً عديدة فيها طابع السخرية والتعنيف تجاه المشركين والكافرين والمنافقين، فلا يمكننا والحالة هذه، تصنيف تلك الآيات في خانة العنف الرمزي المتعارف عليه بين بني البشر..فالخطاب الالهي، يريد التعليم والتحذير، وأن يذكر الحالة وعلاجها، وان يدلنا على الطريق السوي، وهو خطاب يمتاز بأنه موجّه لكل البشر وعلى اختلاف مستوياتهم المادية والمعنوية ، ولأنه من الله فهو الأعرف بما يصلح لنا، ولا يمكن لأي واحد من البشر أن يتخذ مكان الله ويمارس نفس الدرجة من الخطاب نحو الآخرين.. هذا من جانب، ومن جانب آخر، حفل تراثنا الأدبي بالكثير من الشواهد والدلالات على العنف المعنوي ..
سباً
وشتماً
وسخرية
وهجاءاً ..
للانتقاص من الآخرين والنيل منهم ؟ لاسباب عديدة.
قلّب ما شئت من صفحات قواميس اللغة ومعاجمها، باللسان العربي أو بغيره، ستجد عدداً وافراً من مفردات السب والشتيمة والتحقير والسخرية والانتقاص، سواء ما اندثر استعماله، أو ما هو باق إلى حيث لا يعلم إلا الله... وتلك الألفاظ بتنوعها، وتعدد دلالاتها في الاستعمال، كأنها تريد أن تخبرنا بأن الإنسان يضم في جوانحه هذه الرغبة الكامنة في ايذاء الآخر واسكاته واسقاطه وربما تدميره من خلال ما يتلفظ به في وجهه، ويصك به سمعه، أو كأنها نوع من لعبة الانتقام المتبادل والمشروع - إن جاز هذا الانتقام... من تلك الألفاظ، ولا يمكننا بحال أن نوردها كلها، سب، لمز، همز، هجا (ولا تكون إلا في الشعر)، شتم، قذف، سخر، حقر، عيب، تعاير، إلى آخر تلك المفردات في القاموس..
.
.
للجسد ..لغة
.. (وهي لغة تستخدم بشكل لا شعوري وتعبر عن الجوانب الأكثر حقيقية من ذواتنا، من مشاعرنا وانفعالاتنا وحاجاتنا واتجاهاتنا.. وهذه اللغة هي الأكثر صعوبة في كتابتها لكنها ربما كانت هي الأكثر أهمية في العلاقات الشخصية المتبادلة فيما بيننا).. "جلين ويلسون"..... سيكولوجية فنون الأداء.
فالجسد ..
و باعتبار الحيّز الذي يشغله سكوناً أو حركة، وهذا الحيز القابل للتمدد أو الانكماش، يستدعي من الجسد حركات أو ايماءات تكشف عن انفعاله في تلك اللحظة الساكنة أو المتحركة. وهذا الانفعال أو الافتعال لا يتم إلا داخل محيط اجتماعي معين، يتم من خلاله اصدار تلك اللغة، ويتم التلقي من طرف آخر مهتم باستقبالها وفك رموزها.. وكلما كانت حركة الجسم ودودة كلما كان المتلقي مرحباً بها، وكلما كانت تلك الحركة عدائية كان المتلقي لها، نافراً وحذراً، فهي قد تعبر عن مشاعر من السخرية والاحتقار والنبذ للآخر.. ويمكن تلمس ما يعبر عنه الجسد من مشاعر سلبية من خلال ايماءات معينة (كأن يحول المرء راسه أو جسمه بعيداً عن الآخرين أو أن يكشر في وجوههم أو يضع الحواجز بينه وبينهم.. وعلى سبيل المثال يمكن أن يمسك المرء بسيجارة مشتعلة بطريقة علنية أو صريحة، وبشكل يبدو كأنه يحافظ على المسافة الاجتماعية بينه وبينهم... ومن بين الايماءات الأخرى التي تكشف عن الاختلاف أو الرفض أو عدم الاستحسان نجد الايماءة الخاصة بالابتعاد عن الآخرين أو إدارة الظهر لهم، كما لو كانوا يتحدثون بصوت مرتفع مزعج، أو كانت هناك روائح كريهة تنبعث من أجسادهم.. وهناك أيضا حركة تمرير الاصبع عبر الأنف، وأيضا اغماض العين نصف اغماضة وكذلك التقاط خيط متخيل من ملابس أحد الأشخاص ..
..
العنف المعنوي
.. تمحور
.. العنف الرمزي حول الاعتداءات الكلامية، والإبعاد الخبيث للآخر، والنفي الماكر والمهذب له، والتهديد والتشهير .. وهذه الأمور تكون مؤلمة أكثر من أقسى الضربات الجسدية سواءاً كان ذلك في العمل أو العائلة، في المدرسة أو الحياة الزوجية ويمكن تعريف..العنف الرمزي بانه..(عنف خفي مضمر، ومستبطن ومغلقٍ، ويسعه بالتالي أن يقيم في السلوكيات والعلاقات الاجتماعية الأكثر سيولة واتصافاً بالعادية) .. على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو ..
أو هو أنواع من التصرفات والاقوال والافعال والحركات والكتابات التي من شأنها أن تلحق الأذى بالاتزان النفسي أو الجسدي لشخص ما، وان تعرّض عمله للخطر، أو أن تتسبب بتعكير وتسميم مناخ العمل أو هو العنف الخفي، لكن المتكرر المزمن، وأحياناً اليومي، الذي يصيب نفسية الإنسان لا جسده بالارهاق الشديد والألم الذي يعاني منه غالباً بصمت، ويحاول مداواته بالأدوية المهدئة أو المضادة للاكتئاب .. وتوجد حالات العنف المعنوي في كل موقع يخضع لشروط التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية سواءاً في العمل أو المنزل أو أي ملتقى عام..
أمام هذه السلسلة اليومية والمستمرة من الضغوط، يكون الإرهاق والأمراض الجسدية - النفسانية هي مدار الاضطرابات الأكثر شيوعاً ومعها جملة العوارض المرضية: اضطرابات النوم - التعب - تسارع نبض القلب - الاضطرابات الهضمية.. وعندما تتلاشى القدرة على مواجهة هذه العوارض يأتي الانتقال إلى المستشفى مصحوباً بالانهيار العصبي، أو بارتكاب أفعال عنيفة في بعض الأحيان من ذلك حالة أحد الموظفين التجاريين، الذي ظلت كفاءته ونتائج عمله الجيدة عرضة للازدراء والسخرية، الأمر الذي دفعه إلى الانتحار تاركاً عبارة أخيرة يقول فيها (لم أفعل سوى القيام بعملي كما ينبغي) .. وليس غريباً ما أدى إليه هذا العنف المعنوي تجاه هذا الموظف.. فقد لا يتحمل المرء تلك الضغوط وذاك الإبعاد ويموت فجأة بسبب صدمة نفسية لا يقوى على احتمالها .. وقد تعرف العلماء على مثل هذه الظاهرة التي سميت (بوفيات الفودو) نسبة لاحدى القبائل الافريقية.. فعندما تريد قبيلة ما التخلص من أحد افرادها غير المرغوب فيهم، فان القانون القبلي لا يعمد إلى قتل ذلك الفرد بشكل مباشر وانما يعمد إلى طريقة غريبة وهي: مقاطعة الشخص وحجب العون عنه ومبادلته السب والشتم وتطرده من مجتمعها وتشعره بأنه ميت.. ويلاحظ أن ذلك الفرد فارق الحياة بعد يوم أو يومين من طرده من مجتمع تلك القبيلة
العنف المعنوي في اللغة والشعر مسميات وشرح وأغراض
يمكن توصيف اللغة بأنها كالكائن الحي، أو هي إن شئت، كائن حي يستطيع أن يمشي وأن يقف، أن يطير وان يقع، أن يبكي وان يضحك..
واللغة، بكلماتها والفاظها، تستطيع أن تشكل مخلوقات عديدة تسعى بيننا، بمجرد أن تذكر كلمة أو لفظاً، فيتبادر إلى السامع شكله وهيأته، جماله وقبحه، فرحه وحزنه.. وليس أدل على ذلك مما رسمه لنا فنانو الريشة والاصباغ لبعض من شخصيات الغابرين اعتماداً على توصيفات اللغة لهم.. هذا الكائن المفرح أحياناً والمحبط أحياناً أخرى، الدافئ والحنون والمحب، أو البارد والنفور والكاره، هو جملة ألفاظنا وكلماتنا التي تتسرب من بين شفاهنا وايدينا، وتوحي للسامع والقارئ بما توحيه أي مفردة منها.. و خذ مثلاً كلمة الحب، ترى السامع أو القارئ يتخيلها انساناً يفتح ذراعيه لاحتضان الآخر والتربيت على كتفيه، وخذ كلمة الكره، تراه يتخيل انساناً يشدّ قبضتيه متحفزاً ويقطب جبينه غضباً..
في الكلمة الأولى، حين تغدو آسرة نشاهد جذباً، وفي الثانية حين تغدو كالحة نشاهد دفعاً.. كلتا الصورتين نجدهما في جميع المجتمعات الانسانية، لأنها جميعها لديها لغات تتألف من جملة كلمات والفاظ، وفي قاموس تلك اللغات، تجد ذاك الإنسان الفاتح ذراعيه للاحتضان أو الآخر الشادّ قبضتيه والمتحفز للهجوم.. وخذ أي كلمة أخرى من قاموس اللغة، سترى ما توحيه إليك من معان ومشاعر وأحاسيس، تأخذ اشكالاً متخيلة عديدة..
بهذا التوصيف .. تغدو اللغة بكلماتها والفاظها، نابضة بكل انفعالاتنا وناقلة لأحاسيسنا ومشاعرنا بين تضاريس روحها الحافلة بالتحريض والوقاحة احياناً، وبالدفء والحب والتهذيب أحياناً أخرى..
فاللغة، بهذا المعنى، ليست كما يعتقد البعض هامشية لنا نحن بني الانسان، بل هي في الصلب من تكويننا، انطلاقاً من أن الإنسان هو صانع الكلمات، وهو المنتهك بواسطتها حرمات نفسه وحرمات الآخرين..
هذا عن اللغة..
فماذا عن الجسد الانساني؟الجسد أيضا باعتباره يشغل حيزاً مكانياً على رقعة معينة من الأرض، متحركاً أو واقفاً، راقداً أو ناهضاً، مسرعاً أو مبطئاً..
هذا الجسد بحركاته داخل هذا الحيز، وبايماءات أطرافه التي يستقبلها الآخرون، يشكل أيضا هتكاً لستر المحرمات التي تعجز عنها اللغة، بصورة لا تحتمل التأويل..هذا البحث يطمح أن يكون إضاءة لدور اللغة بكلماتها وألفاظها، ودور الجسد بحركاته وايماءاته، في استمرار دوامة العنف من خلال مفردات السب والشتم والسخرية والتحقير، قولاً وإشارة، والتي يوقعها الإنسان على إنسان آخر، من واقع علاقة السيطرة والخضوع، أو يتبادلها معه من واقع الفعل ورد الفعل..
كم واحد منا يا - ترى - خالياً من العيوب؟
لا أحد اطلاقاً..
إذاً فما هذا الهمز واللمز، وكشف عيوب الناس وإبانة مواضع النقص منهم؟
وهل أنت خال من العيب حتى تكشف عن عيوب الناس؟.. أو هل تراك تظهر عيوب الناس، ثم يسكت عن عيوبك الناس؟
لا ذا.. ولا ذاك..
وإنما من أظهر للناس عيباً أظهروا له ألف عيب .. فمن الخير لنفسك، أن تسكت عن العيوب اطلاقاً..
وكل همز ولمز، وجدناه عند المشرع الوضعي، الطعن بطريق العيب وهو (مساس بذات المجني عليه، سواء بالتصريح أو التلميح، ويتحقق ذلك بأي وسيلة من وسائل العلانية كالقول أو الفعل أو الكتابة أو الإشارة أو الرسم) .
بما أن القرآن المنزل على خاتم الأنبياء (عليه أفضل الصلواة وأزكى التسليم ) ليكون الدليل والمنهاج لمجتمع بشري خلاق، خال من العيوب والامراض والنواقص، وبما أنه يحمل في طياته نصوصاً عديدة فيها طابع السخرية والتعنيف تجاه المشركين والكافرين والمنافقين، فلا يمكننا والحالة هذه، تصنيف تلك الآيات في خانة العنف الرمزي المتعارف عليه بين بني البشر..فالخطاب الالهي، يريد التعليم والتحذير، وأن يذكر الحالة وعلاجها، وان يدلنا على الطريق السوي، وهو خطاب يمتاز بأنه موجّه لكل البشر وعلى اختلاف مستوياتهم المادية والمعنوية ، ولأنه من الله فهو الأعرف بما يصلح لنا، ولا يمكن لأي واحد من البشر أن يتخذ مكان الله ويمارس نفس الدرجة من الخطاب نحو الآخرين.. هذا من جانب، ومن جانب آخر، حفل تراثنا الأدبي بالكثير من الشواهد والدلالات على العنف المعنوي ..
سباً
وشتماً
وسخرية
وهجاءاً ..
للانتقاص من الآخرين والنيل منهم ؟ لاسباب عديدة.
قلّب ما شئت من صفحات قواميس اللغة ومعاجمها، باللسان العربي أو بغيره، ستجد عدداً وافراً من مفردات السب والشتيمة والتحقير والسخرية والانتقاص، سواء ما اندثر استعماله، أو ما هو باق إلى حيث لا يعلم إلا الله... وتلك الألفاظ بتنوعها، وتعدد دلالاتها في الاستعمال، كأنها تريد أن تخبرنا بأن الإنسان يضم في جوانحه هذه الرغبة الكامنة في ايذاء الآخر واسكاته واسقاطه وربما تدميره من خلال ما يتلفظ به في وجهه، ويصك به سمعه، أو كأنها نوع من لعبة الانتقام المتبادل والمشروع - إن جاز هذا الانتقام... من تلك الألفاظ، ولا يمكننا بحال أن نوردها كلها، سب، لمز، همز، هجا (ولا تكون إلا في الشعر)، شتم، قذف، سخر، حقر، عيب، تعاير، إلى آخر تلك المفردات في القاموس..
.
.