المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اخترتُ صادقاً من ألف كاذب.. <<اهداء خاص>>


عادل السويدي
31-08-2004, 12:23 PM
فيروز.. فيروز.. فيروز
لطالما ظُلم اسمها في غرف المستثقفين لا المثقفين.. كلٌ ينتهك هذا الاسم في زمن الاستخفاف واللارادع طمعاً بلقب ذهبي يُسمى "مثقف" يضعه هو قبل غيره أمام اسمه.. واحترنا فعلاً معهم إن كانت الثقافة تقتصر على أن يدّعي المرء الاستماع لها.. دون أن نلمس حرفاً واحداً منهم يمثّل انعكاساً لما يدّعون استماعه..

وفي الحين الذي يُمكن للمرء تلمّس الصدق في الآخرين.. واكتشاف السخاء من التساخي في السلوكيات.. اخترتُ هذا المقال لصادقٍ من بين ألف كاذب كتبوا عن فيروز.. هو الدكتور الجميل وصاحب كتاب (الأنثى مصباح الكون) محيي الدين اللاذقاني:

http://www.6rb.com/images/fayrooz.gif
ذات فيروز، وبينما هي في ملكوتها تشدو (من زمان.. من أنا وزغيرة) تلفت القلب ليسأل: وهل كبرت..؟ يا أسطورة يشيخ الزمان ولا تشيخ...،
أول مرة سمعت فيها فيروز في حفل حي كنتُ طالباً في الثانوية العامة صارعت لأحصل على مقعد في آخر صف لحفلتها في معرض دمشق الدولي.. وآخر مرة منذ أيام حيث وجدت الفرصة لاتأملها عن قرب من الصفوف الأولى في دبي ومن الخلف إلى أمام غاب نهار آخر وعمر آخر..
وفيروز كما هي تطل بالطرحة.. وتخطو بين يديها وعول الكبرياء.. ولكثرة ما تجيد ذلك الدور يزداد حبها في نفوس الناس الذين يرون في غضبها وكبريائها وعنفوانها ورومانسيتها رمزاً وعنواناً يمثّلهم في كل زمان.. ويحكي عنهم وعن قهرهم وهمومهم الكبيرة والصغيرة في كل مكان..

ولأنها تعرف نبض جمهورها.. وتدرك حجم المدى الذي ينقلهم إليه صوتها.. ( رشّتهم) أولاً في حفلتها الدبوية بـ (زهرة المدائن) وقبل أن يعبروا معها جسر العودة.. كانت تنعطف بهم إنعطافة ً كبرى وخطيرة إلى قديمها الذي يفوق في حداثته كل حديث:
يا جسراً خشبياً يسبح فوق النهر.. ضحك الفجر وحيا وصحت قمم الزهر..
ومع رومانسية تعجن الطبيعة بالانسان والفضاء وتدور حول الحرب والحب كعصفورة حذرة تعرف حيل المحبين والصيادين.. كانت فيروز تنتقل وتنقل ناسها معها من مناخ إلى آخر دون أن تضيعهم أو تضيع.. فجزء من العبقرية الفيروزية أن يظل الخيط بيدها.. ومن ذا الذي يُعارض حين يكون في حضرة قدسية حنجرتها إذ يُسلّمها كل الخيوط والأوتار..؟

والمحيّر في فيروز أنها تذكّرك بأنها رسولة الكبرياء حتى حين تصمت.. فطريقة انحنائها برشاقة الفراشات ومغادرتها المسرح.. بعد نصف استدارة وهزة بطيئة من رأس شامخ تصنع جميعاً حالة يختلط فيها الوله بالثقة بالحنان..
أما أكثر ما يهزّ ناسها بعد صوتها.. فتلك الوقفة الراسخة التي لا تُحرك خلالها أبداً يُمناها.. تاركة ً لأنامل اليسرى أن تعجن توترها.. وتحيله إلى إكسير محبةٍ ترُشّها على المشاهدين.. ثم ترفع المستمعين وتخفضهم وتطير بهم على أي لحن ٍ كان..
أما اختيارها للشعر الأحمر.. فلعلها تريد أن تظل قريبة ً من (يارا) التي تتمرجح على جدائلها أعمار وأوتار وشجون..

وحين تأتي سيرة الألحان يهرع الناس دوماً إلى القديم.. وهي وفيروز المتجلية تعرف ذلك.. فتزيدهم ثم تتركهم معلّقين بين الظمأ والينبوع والوعد الذي لا تخلفه أبداً.. فقد استعادها الجمهور في دبي وهو يصفق واقفاً لأكثر من عشر دقائق عدة مرات.. لتعود وتنشد وتغني ما تقول لحبيبها ولهم ولزمن من طبيعته.. أن يجمع ويفرّق ويوزّع الأحلام والوعود:
إذا الارض مدوّرة راح نفضل نتلاقى..
وكانت فيروز تغني في دبي في حفلة رُصد ريعها لمرضى التوحد.. وهؤلاء بسبب صمتهم وعزلتهم ويأس ذويهم من إصلاح أحوالهم.. نادراً ما يتذكرهم أحد.. لكن فيروز لا تنسى.. فتفرش لهم صوتها وحبها وحنينها.. فهي على الدوام صاحبة القضايا الكبرى والصغرى والبلسم الذي يمتد لكل جرح، فيشفى.. ولكل عود يابس يسمعها، فتخضر في عروقه الأماني والآمال..

وغير أعمال الخير - وما أكثر ما قامت به فيروز على ذلك الدرب - كانت سيدة الحزن والكبرياء.. تناجي بين كل أغنيتين أهل الأرض المحتلة.. المنزرعين بمنازلهم في وجه الدمار والاعصار.. فبهم بدأت.. ولهم كان مسك الختام.. فالمستقبل لهم في القدس وساحات فلسطين..

إذا غنّت فيروز، فصدقوها.. فقد ظلّت تغني لـ لبنان حتى عاد سالماً من فم التنين.. ولأمر ٍ يعرفه جيداً الفيروزيون العتاق.. الذين يعيشون مع صوتها أكثر مما يعيشون مع أنفسهم.. كانت فيروز تدوزن اختياراتها كما يدوزن العازف عوده.. وتنتقل من نوع ٍ إلى آخر.. بسلاسة شاعر يتجلى ويتقن فن حُسن التخلص في القصيدة..

ومن شهدها منذ بزوغ نجمها في بيروت ودمشق.. لم يقلق عليها بسبب تعقيدات المرحلة.. فهي تعرف ما تفعل بعد نصف قرن من العطاء الذي لا يُضاهى.. لكنها حين صدحت بـ (حبيتك تنسيت النوم).. وندهت لـ (شادي ومفلح).. تنبه القوم إلى أنها تغني في غياب (عاصي) كما لو كان حاضراً وأن (فيلمون وهبي) و (نصري شمس الدين) غائبان.. لكن الصوت لم يتغير.. فقد غابت فرق وأصوات وعازفون.. وفيروز لم تغيّر عاداتها.. فما تزال منذ نصف قرن تهزّ عنقها الشامخ بكبرياء على الخشبة.. فيما صوتها يحلّق ليمشط أبعد النجوم..

ولأنها تُدرك أنها الرمز الوحيد الباقي.. تتصرّف فيروز دائماً كما يليق بالرموز وقضاياهم.. فتأخذ بيد الكنائس.. وتمسح الحزن عن المساجد.. وتغني لمدن وبلاد وأقوام.. وتظل قضيتها الكبرى فرح الإنسان..

فيروز أُمّنا.. وأختنا.. وحبيبتنا.. وبوصلتنا التي تشير دوماً إلى فنانةٍ يُحبّها الحب.. ويتطلع إليها عشّاقها في المسرّات والمضرّات.. وفي أزمنة القلق العظيم.. الذي يُشعل أسمى تجليات الروح..
لقد غنّت فيروز بالأسود والأبيض في دبي.. فزرعت مليون قوس قزح.. وجدّدت الحلم والأمل والإرادة.. وأنعشت البحر.. والبر.. والفضاء.. وزرعت بصوتٍ لم تثلمه السنون الفتنة المقطرة.. ليس في النفوس فحسب.. بل في الرمل.. والغيم.. والحجر.. وجذوع النخيل..


http://song4.6rb.com/Leb/fairouz/fairouz-saba7_wemasa.ram

سلم مقالك دكتور http://www.4uarab.com/vb/images/icons/wavey.gif