المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مريم تبوح باسرارها..بقلم فتحى العريبى


محمد الغزالى
20-08-2004, 10:23 PM
مريم تبوح بأسرارها

فتحي العريبي





الثقافة في بنغازي زمن الاحتلال الإيطالي



قالت مريم : صدر حديثاً عن مجلس تنمية الإبداع الثقافي بالجماهيرية العظمى كتاب موسوعي ضخم للأديب القدير الاستاذ الدكتور وهبي أحمد البوري بعنوان : بنغازي في فترة الاستعمار الايطالي , وسوف أحاول الاستعانة بصفحات من هذا الكتاب القيم تتناول وضع الثقافة الليبية في بنغازي زمن ذلك الاحتلال البغيض واستهل هذا البوح بالحديث عن مكتبة الكفرة وما تعرضت له من سلب ونهب وتدمير .

ففي يوم 31-7-1930 وتمهيداً لاحتلال واحة الكفرة قامت الطائرات الإيطالية بمهاجمة واحة تازربو وألقت عليها » 21« قنبلة معبأة بالغازات السامة زنة الواحدة منها »21« كيلو غراماً بالإضافة إلى »784« كيلوغراماً من المتفجرت الأخرى وأحدثت الغازات والقنابل خسائر في الأرواح وتشويها في الأجسام .

وفي الكفرة التي جرى احتلالها بصعوبة عبث الجنود الإيطاليون بمكتبتها التي كانت منارة علم ومعرفة في قلب الصحراء واستعملوا مخطوطاتها القيمة وقوداً لطهي طعامهم , وكانت هذه المكتبة العظيمة تضم عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب التي ألقوها على الأرض وداسوها بأقدامهم فيما نهب الجنود والضباط ما شاءوا منها وعادوا إلى بنغازي لعرضها للبيع وقد هب المقتدرون من الناس إلى شراء الكتب المعروضة لإنقاذها من أيدي الجنوب والاحتفاظ بها .

وتدخل بعض المقربين من الحكومة وطلبوا صون هذه الكتب القيمة فتحركت أخيراً الحكومة الإيطالية وأمرت بجمع ما تبقى منها في الكفرة وقدرت بخمسة آلاف مجلد أحضرت إلى بنغازي وأودعت في أحد المخازن وقد تقدم بعض الأعيان بطلب إعطاء هذه الكتب إلى إدارة الأوقاف لتعتني بها وتحفظها إلا أن الطلب قد رفض لأن الحكومة الإيطالية كانت عازمة على إرسالها إلى إيطاليا , غير أن نشوب الحرب الأوروبية الثانية قد حال دون ذلك فيما طالت نيران هذه الحرب مخازن الكتب وقضت عليها تماماً .

وعلى صعيد آخر لم تغير إيطاليا فترة استعمارها سياستها التعليمية أو عدتها إلى الأفضل فقد ظل التعليم الخاص بالعرب مقتصراً على المرحلة الإبتدائية وثلاث سنوات أخرى بمدرسة الصنائع ولم يكن سهلاً على الناس إلحاق أبنائهم بمدارس خارجية باستثناء قلة من المقتدرين ومع ذلك فإن ليبيا كجزء من العالم العربي لم تقطع صلتها بلغتها وتراثها رغم المتغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة عبر القرون .

وهنا سألتها : وماذا وجدت إيطاليا وقت احتلالها ليبيا , فقالت : وجدت مقاومة شديدة فقلت موضحاً : أعني كيف كان حال الثقافة الليبية في فترة الاستعمار الإيطالي الدموي لليبيا ؟ فهزت مريم رأسها الجميل وقالت : وجدت إيطاليا مدارس وصحف ومعاهد دينية , كما وجدت نخبة من العلماء والمثقفين حافظوا على التراث العربي رغم ما مرت به البلاد من أحداث ومتغيرات , وقلت لها مستفسراً : وماذا عن الجيل الذي ولد وترعرع زمن ذلك الاحتلال الايطالي الكريه ؟ فقالت في نغمة يشوبها الحزن العميق : تعرض ذلك الجيل لطغيان وهيمنة الثقافة الإيطالية التي استهوته في البداية غير أنه من جهة أخرى لم يتنازل عن هويته الوطنية والقومية وقالت مريم - قال الدكتور وهبي أحمد البوري : في اعتقادنا أن عدة عوامل قد ساهمت في بعث الثقافة الليبية والاهتمام بها بمدينة بنغازي في فترة الاستعمار الايطالي .

1

دور الصحف والمجلات المصرية التي كانت تصل بنغازي بصورة غير منتظمة والتي أقبلت عليها الطبقة المتعلمة وخاصة الشباب مثل مجلات » الرسالة -الهلال - أبوللو « التي كان يكتب بها عمالقة الأدب العربي وكانوا» أي الشباب الليبي « يناقشون مقالاتها في جلساتهم وسهراتهم وكان تأثيرهم عليهم عظيماً.

2

الرغبة في العودة إلى الأصل والتمسك بالتراث في وجه الغزو الثقافي الإيطالي وسياسة المتميز العنصري .

3

صدور مجلة » ليبيا المصورة« في أواخر عام 1935 التي أرادها المستعمر بوقا للدعاية لتحقيق أغراضه , فتحولت تدريجياً إلى مجلة عربية حافلة بالشعر والمقالات الأدبية والتاريخية والقصة الليبية , ووجد المثقفون فيها الوسيلة لنقل أشعارهم وأفكارهم إلى غيرهم من المواطنين , وساهم فيها الكثير من الكتّاب من طرابلس ودرنة وغيرهم من البلاد العربية .

4

وجود أحمد رفيق المهدوي في بنغازي الذي شكل قاعدة أساسية في بناء النهضة الثقافية الحديثة في ليبيا , وقد بدأ دوره في هذا المجال عندما كان لا يزال في مقتبل العمر , وكانت قهوة البحر » قهوة الشاطىء « الواقعة في آخر شارع عصمان ملتقى الشعراء الناشئين ومحبي الأدب وكانت المكان المفضل الذي يقضي فيه رفيق جلساته مع أصدقائه والذي شهد مولد الكثير من قصائده الشهيرة .

وقالت مريم : كانت الحركة الأدبية البنغازية تتحرك في مواجهة الغزو الثقافي الإيطالي الجارف وفي جو سياسي معادي للغة العربية وآدابها وفي غياب جميع الوسائل أو التنظيمات التي تشجع على نمو نهضة عربية تحافظ على اللغة والتراث العربي , وذلك في وقت كانت تتوفر فيه كافة الأسباب لنشر وتعميم الثقافة الإيطالية لمن أراد ذلك .

ولم تعرف بنغازي لا في العهد التركي المظلم أو في العهد الإيطالي الدموي أية مكتبة عامة يستطيع الباحثون والمثقفون الرجوع إليها عند الحاجة , في حين أنشأت الحكومة مكتبة إيطالية تضم عشرين ألف مجلد ومكتبة للآثار تضم أيضاً عشرين ألف مجلد بالإضافة إلى مكتبات البلدية والزراعة وغيرها , ولم يعملوا على تأسيس أية مكتبة عربية في بنغازي , غير أن بعض المثقفين ورجال العلم كانت لديهم مكتباتهم المنزلية الخاصة والتي تتفاوت في محتوياتها من مثقف لآخر إلا أنها كانت توفر للباحث القليل مما كان يتطلع إليه .

وكانت المكتبة الوحيدة في بنغازي لبيع الكتب والصحف هي مكتبة » محمد علي بوقعيقيص « الواقعة في ميدان الحدادة ما بين سوق الجريد وسوق الظلام وكانت تلك المكتبة التي عرفت فيما بعد باسم» المكتبة الوطنية « أشبه بمركز ثقافي يقصده المثقفون لشراء حاجتهم من الكتب والمجلات وللقاء زملائهم وأصدقائهم وكان السيد محمد علي بوقعقيص يبذل جهداً وتضحيات جليلة ليوفر للمدينة ما أمكنه من مطبوعات عربية .

وقالت مريم : لا يفوتني هنا ونحن بصدد الحديث عن الثقافة الليبية في بنغازي أن أذكر لك بكل فخر واعتزاز الآباء الأوائل من الأدباء الذين كونوا هذا الجيل فكريا وعلموه وزرعوا فيه روح التمسك بالغة والثقافة العربية وكان عطاؤهم لا حدود له وهم : الشيخ السنوسي المرتضي - الاستاذ مصطفى دريزة - باكير بادي - علي الشركسي - حسن أشرف - حسني فوزي الأمير - مصطفى الطياش - حسين فليلفه - محمد عباس ومن جيل الشباب وهبي أحمد عقيلة البوري - محمد مخلوف -حسن عبيدة - وغيرهم من الذين أسهموا في إثراء الثقافة الليبية في بنغازي زمن الاحتلال الإيطالي البغيض .