نـــــوال
05-08-2004, 01:18 PM
..
" تك تك تك تك "
يضرب رأسي صوت الساعة الجدارية في الممر الطويل الذي أقطعه ذهابـًا وإيابـًا في ثوان قليلة ، أشبك أصابع كفى ، أشكل قبضة كبيرة أطبق بها على شفتيَّ ، أنفخ بقلق ، أقترب من الباب وقد سُدَّ بلافتة سوداء ، مكتوب عليها بخط أبيض لا يتماسك أمامي كلما نظرت إليه ، وأحس به يسيل فوق شعري " ممنوع الدخول " .
أغلق عينيَّ ، أريحهما من الإرهاق ، أستند إلي الحائط . تنفتح من حولي بوابات القلق وتنسج خلفها المتاريس الوهمية بعرض الحوائط .
- " تن تن تن " ..
تتداخل عقارب الساعة تنتشلني من زنزانة الوهم ، تحملني خارج القلق للحظات ، أنظر إليها .. الثانية ظهراً ..
- يااااه .
مرت ساعة بالتمام ، ما زال الباب موصداً ، لا يدخل أو يخرج أحد ، إلا أنا أخرج وأعود إلي قلقي ، أمسك مقبض الباب ، أقرب وجهي منه ، أجمع بصري في نقطة واحدة ، أتلصص من الثقب ، يلتقي الهواء في دوائر رمادية تلتف حول بصري ، تشد عينيَّ فتضيقهما ببطء حتى تتضح الرؤية قليلاً .
- إنه بالداخل .
فارداً جسده على الطاولة ، رأسه مرفوع لأعلى قليلاً ، يمسك جريدة ، وشئ ما يتحرك هنا وهناك يشتت بصري ، أحاول أن أتبينه ، أجدهم حوله بملابسهم البيضاء ، دون كمامات ، يثرثرون ، يضحكون معه ، اندهشت ، عدت إلي الوراء ، فركت عيني اليمنى براحة يدي ، شعرت بوخز إبر يتصلب داخل مقلتي ، أخذت أفكر فيما رأيت ، تملؤني أسئلة ، وإجابات أختلقها بنفسي لأمرر بها الوقت ، أُطير خفافيش الخوف الطائرة في هواجسي ، أقطع خطوط الوهم المنسوجة حولي ، أدخل إلي نفسي .
- ما الذي يحدث بالداخل طول هذه المدة ؟!
- هل أخذ الأطباء فترة راحة أثناء إجراء العملية ؟!
-ربما !!
-هل أشركوه معهم خاصة وأنه كان تحت بنج موضعي فقط ؟!
خرجت على صوت أبى وعمى عبد اللطيف ، ارتميت على أبى ، أخذت أبكى بشدة ، احتواني ، مسح على شعري ، رفع وجهي ، قبلني بين عينيَّ ، جفف دموعي بأصابعه ، تأبطني وسرنا لنجلس على الكراسي المتراصة في الممر أمام الغرفة ، تسرب القلق منى ، تماسكت بينهما ، بادرني عمى قائلاً :
- لقد تحدثت مع إسماعيل بالتليفون قبل دخوله غرفة العمليات وكانت معنوياته مرتفعة .
أردف قائلاً :
- معظم الأطباء يؤكدون أن الحالة النفسية للمريض تساعد كثيراً في نجاح العمليات .
كان يخفى وراء حديثه إحساسـًا شديداً بالمرارة ، استطعت أن أقرأه من بين تجاعيد وجهه القليلة . فأنا أدرك مدى ارتباطه بإسماعيل – ابنه الوحيد – ، وأشعر بمدى ألمه ، لكنه كعادته يحاول أن يبدو جسوراً ، لا يعطى فرصة لضعفه الإنساني أن يظهر حتى في المواقف الشديدة .
تنبهت لانشغالي عنه وهو بالداخل ، لا أعرف ما يجرى له ، أسناني تقرض بنان توتري ، ضربت بقبضتي اليسرى باطن اليمنى مؤنبة نفسي ، وقفت في الممر ، عيناي ترصدان مقبض الباب ، تحركت إليه .
أَجفلَ جلدي حين سرحت بالمشرط بين أصابع الطبيب ، دار المقبض فأسرعت إليه ، خرجت إحدى الممرضات ، تقافزتُ لأعلى محاولة أن أراه من تلك الفتحة التي انفتحت وراء خروجها ، لكنها سحبت الباب خلفها مسرعة وأغلقته . قائلة :
- بخير .
- بخير .
تكومت على أحداث الأمس ، ونحن نلهو ، نقضى ساعات من الحب فرحين بشقتنا الجديدة ذات المستويين ، مجرد ارتفاع درجتين داخل الشقة تفصلها إلي نصفين ، جرى ابننا عمر في النصف الأعلى للشقة ، دخلت المطبخ ، خاف عليه من أن يسقط من فوق الدرجتين ، جرى خلفه ، حاول إمساكه حتى لا يسقط غير مبال بالارتفاع . فجأة سقط إسماعيل كالثور الهائج وصوته خرج عاليـًا ، تخيلت الولد وقد سقط من البلكونة وأبيه خلفه لشدة الصوت ، ملأني الذعر وسال من ملابسي ، طفقت يداي ، سبح رأسي في الهواء اللزج الذي حبسني ، قدرتي تقلصت ، لم أستطع الحركة ، فقد تجمدت قدمي والتصقت بالأرض .. أخرجني من صدمتي حركة الجيران بجانبي ، انتزعوني من تحجري .
.. لمجرد درجتين ارتفاع حدث كل هذا !
.. وصل إلي غرفة العمليات من يصدق !.
رجعت الممرضة بسرعة ، لم أتبين ما تحمله بين يديها ، دخلت ، قذفت الباب في وجوهنا ، أدرت ظهري للباب ، أسندت انتظاري على الحائط .
رأيته ما زال ممدداً ، تتحرك رأسه يمينـًا ويساراً ، يفاجئه كابوس فيحاول أن يتخلص منه ، يتحرر بجسده الثقيل ، كعصفور يحلق في الفضاء الواسع دون تعب ، وهم ما زالوا حوله منهمكين في العمل ، والممرضة التي دخلت تواً تجفف عرق الطبيب ، وبصره مركز في نقطة واحدة أمامه ، يكاد لا يتنفس من شدة إحكام الكمامة .
فزعت لمنظر الآخرين وهم عائدون للخلف بعيداً عنه ، كأنهم أنهوا عملهم ، تشبعت باحتمالات الخوف وعدم معرفة ما أصابه بالضبط ، ومدى خطورة العملية لحساسية جسمه ، لم يبق جانبه إلا ممرضة واحدة ، ربما لم تكن ثمة خطورة ، وهذا ما أخبرتني به فيما بعد .
- آه يا ربى ما أقسى هذا الجو الخانق !
نادى علىَّ أبى ، أتى نحو ضعفى ، شدني إليه ، تحركت معه إلي الكرسي ، تلاقت نظراتنا ، تركته مسرعة وعدت .
كان الطبيب يملس قدم إسماعيل في الجبس ويلف الشاش ، كررها مرات كثيرة حتى تضخمت القدم ، خارت قدماي ، سقطتُ على الأرض ، حملني أبى وعمى ، أجلساني بينهما .
انفتح الباب ، وقفنا متأهبين ، خرج الطبيبان ، قال أحدهما :
- الحمد لله .
..سوف يحتاج وقتـًا حتى تتكلس الشريحة وتصبح جزءاً من النسيج الداخلي للقدم .
قال الآخر :
- ليس أقل من شهرين ونفك الجبس تمهيداً لعملية أخرى ، وباقي الرضوض لا خوف منها .
خرج المساعدون يسحبون الطاولة بينهم ، وإسماعيل ممدد .
لم يكن غائبـًا عن الوعي ، كان ينظر إلينا مبتسمـًا ، اقتربت منه بحذر ، قبلته ، سقطت دموعي ساخنة على وجهه ففرشتها بيدي ، غسلت بها وجهه وذقنه التي نبتت قليلاً ،
سألني بهدوء قبل أن ندخل غرفته :
- أمل ، أين عمر ؟!
طمأنته عليه ، دخلنا جميعـًا ، أنزلناه إلي السرير ، بقيت جانبه إلي أن ذهب في نوم عميق .
في الليل أتت أمي ومعها عمر ، جلسنا حوله ، بتبادله بنظراتنا ، نمسح عنه إنهاكه الشديد ، تذكرت قريبـًا لنا وضع مثل هذه الشريحة ، لكنها باتت تظهر في حركته ، طردت الهاجس بعيداً ، وعيني عليه أنتظره أن يفيق .
..
كبتها : محمد العشرى
" تك تك تك تك "
يضرب رأسي صوت الساعة الجدارية في الممر الطويل الذي أقطعه ذهابـًا وإيابـًا في ثوان قليلة ، أشبك أصابع كفى ، أشكل قبضة كبيرة أطبق بها على شفتيَّ ، أنفخ بقلق ، أقترب من الباب وقد سُدَّ بلافتة سوداء ، مكتوب عليها بخط أبيض لا يتماسك أمامي كلما نظرت إليه ، وأحس به يسيل فوق شعري " ممنوع الدخول " .
أغلق عينيَّ ، أريحهما من الإرهاق ، أستند إلي الحائط . تنفتح من حولي بوابات القلق وتنسج خلفها المتاريس الوهمية بعرض الحوائط .
- " تن تن تن " ..
تتداخل عقارب الساعة تنتشلني من زنزانة الوهم ، تحملني خارج القلق للحظات ، أنظر إليها .. الثانية ظهراً ..
- يااااه .
مرت ساعة بالتمام ، ما زال الباب موصداً ، لا يدخل أو يخرج أحد ، إلا أنا أخرج وأعود إلي قلقي ، أمسك مقبض الباب ، أقرب وجهي منه ، أجمع بصري في نقطة واحدة ، أتلصص من الثقب ، يلتقي الهواء في دوائر رمادية تلتف حول بصري ، تشد عينيَّ فتضيقهما ببطء حتى تتضح الرؤية قليلاً .
- إنه بالداخل .
فارداً جسده على الطاولة ، رأسه مرفوع لأعلى قليلاً ، يمسك جريدة ، وشئ ما يتحرك هنا وهناك يشتت بصري ، أحاول أن أتبينه ، أجدهم حوله بملابسهم البيضاء ، دون كمامات ، يثرثرون ، يضحكون معه ، اندهشت ، عدت إلي الوراء ، فركت عيني اليمنى براحة يدي ، شعرت بوخز إبر يتصلب داخل مقلتي ، أخذت أفكر فيما رأيت ، تملؤني أسئلة ، وإجابات أختلقها بنفسي لأمرر بها الوقت ، أُطير خفافيش الخوف الطائرة في هواجسي ، أقطع خطوط الوهم المنسوجة حولي ، أدخل إلي نفسي .
- ما الذي يحدث بالداخل طول هذه المدة ؟!
- هل أخذ الأطباء فترة راحة أثناء إجراء العملية ؟!
-ربما !!
-هل أشركوه معهم خاصة وأنه كان تحت بنج موضعي فقط ؟!
خرجت على صوت أبى وعمى عبد اللطيف ، ارتميت على أبى ، أخذت أبكى بشدة ، احتواني ، مسح على شعري ، رفع وجهي ، قبلني بين عينيَّ ، جفف دموعي بأصابعه ، تأبطني وسرنا لنجلس على الكراسي المتراصة في الممر أمام الغرفة ، تسرب القلق منى ، تماسكت بينهما ، بادرني عمى قائلاً :
- لقد تحدثت مع إسماعيل بالتليفون قبل دخوله غرفة العمليات وكانت معنوياته مرتفعة .
أردف قائلاً :
- معظم الأطباء يؤكدون أن الحالة النفسية للمريض تساعد كثيراً في نجاح العمليات .
كان يخفى وراء حديثه إحساسـًا شديداً بالمرارة ، استطعت أن أقرأه من بين تجاعيد وجهه القليلة . فأنا أدرك مدى ارتباطه بإسماعيل – ابنه الوحيد – ، وأشعر بمدى ألمه ، لكنه كعادته يحاول أن يبدو جسوراً ، لا يعطى فرصة لضعفه الإنساني أن يظهر حتى في المواقف الشديدة .
تنبهت لانشغالي عنه وهو بالداخل ، لا أعرف ما يجرى له ، أسناني تقرض بنان توتري ، ضربت بقبضتي اليسرى باطن اليمنى مؤنبة نفسي ، وقفت في الممر ، عيناي ترصدان مقبض الباب ، تحركت إليه .
أَجفلَ جلدي حين سرحت بالمشرط بين أصابع الطبيب ، دار المقبض فأسرعت إليه ، خرجت إحدى الممرضات ، تقافزتُ لأعلى محاولة أن أراه من تلك الفتحة التي انفتحت وراء خروجها ، لكنها سحبت الباب خلفها مسرعة وأغلقته . قائلة :
- بخير .
- بخير .
تكومت على أحداث الأمس ، ونحن نلهو ، نقضى ساعات من الحب فرحين بشقتنا الجديدة ذات المستويين ، مجرد ارتفاع درجتين داخل الشقة تفصلها إلي نصفين ، جرى ابننا عمر في النصف الأعلى للشقة ، دخلت المطبخ ، خاف عليه من أن يسقط من فوق الدرجتين ، جرى خلفه ، حاول إمساكه حتى لا يسقط غير مبال بالارتفاع . فجأة سقط إسماعيل كالثور الهائج وصوته خرج عاليـًا ، تخيلت الولد وقد سقط من البلكونة وأبيه خلفه لشدة الصوت ، ملأني الذعر وسال من ملابسي ، طفقت يداي ، سبح رأسي في الهواء اللزج الذي حبسني ، قدرتي تقلصت ، لم أستطع الحركة ، فقد تجمدت قدمي والتصقت بالأرض .. أخرجني من صدمتي حركة الجيران بجانبي ، انتزعوني من تحجري .
.. لمجرد درجتين ارتفاع حدث كل هذا !
.. وصل إلي غرفة العمليات من يصدق !.
رجعت الممرضة بسرعة ، لم أتبين ما تحمله بين يديها ، دخلت ، قذفت الباب في وجوهنا ، أدرت ظهري للباب ، أسندت انتظاري على الحائط .
رأيته ما زال ممدداً ، تتحرك رأسه يمينـًا ويساراً ، يفاجئه كابوس فيحاول أن يتخلص منه ، يتحرر بجسده الثقيل ، كعصفور يحلق في الفضاء الواسع دون تعب ، وهم ما زالوا حوله منهمكين في العمل ، والممرضة التي دخلت تواً تجفف عرق الطبيب ، وبصره مركز في نقطة واحدة أمامه ، يكاد لا يتنفس من شدة إحكام الكمامة .
فزعت لمنظر الآخرين وهم عائدون للخلف بعيداً عنه ، كأنهم أنهوا عملهم ، تشبعت باحتمالات الخوف وعدم معرفة ما أصابه بالضبط ، ومدى خطورة العملية لحساسية جسمه ، لم يبق جانبه إلا ممرضة واحدة ، ربما لم تكن ثمة خطورة ، وهذا ما أخبرتني به فيما بعد .
- آه يا ربى ما أقسى هذا الجو الخانق !
نادى علىَّ أبى ، أتى نحو ضعفى ، شدني إليه ، تحركت معه إلي الكرسي ، تلاقت نظراتنا ، تركته مسرعة وعدت .
كان الطبيب يملس قدم إسماعيل في الجبس ويلف الشاش ، كررها مرات كثيرة حتى تضخمت القدم ، خارت قدماي ، سقطتُ على الأرض ، حملني أبى وعمى ، أجلساني بينهما .
انفتح الباب ، وقفنا متأهبين ، خرج الطبيبان ، قال أحدهما :
- الحمد لله .
..سوف يحتاج وقتـًا حتى تتكلس الشريحة وتصبح جزءاً من النسيج الداخلي للقدم .
قال الآخر :
- ليس أقل من شهرين ونفك الجبس تمهيداً لعملية أخرى ، وباقي الرضوض لا خوف منها .
خرج المساعدون يسحبون الطاولة بينهم ، وإسماعيل ممدد .
لم يكن غائبـًا عن الوعي ، كان ينظر إلينا مبتسمـًا ، اقتربت منه بحذر ، قبلته ، سقطت دموعي ساخنة على وجهه ففرشتها بيدي ، غسلت بها وجهه وذقنه التي نبتت قليلاً ،
سألني بهدوء قبل أن ندخل غرفته :
- أمل ، أين عمر ؟!
طمأنته عليه ، دخلنا جميعـًا ، أنزلناه إلي السرير ، بقيت جانبه إلي أن ذهب في نوم عميق .
في الليل أتت أمي ومعها عمر ، جلسنا حوله ، بتبادله بنظراتنا ، نمسح عنه إنهاكه الشديد ، تذكرت قريبـًا لنا وضع مثل هذه الشريحة ، لكنها باتت تظهر في حركته ، طردت الهاجس بعيداً ، وعيني عليه أنتظره أن يفيق .
..
كبتها : محمد العشرى