المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المهـــرّج .. ,


نـــــوال
12-06-2004, 10:37 PM
أطفأت الأنوار وساد الظلام .. وبدأت الطبول تقرع وتتعالى أصواتها .. وأحتبست تلك العيون الصغيرة المحدقة في الظلام متمنية أن يزول ليظهر من خلفه أو من خلاله ما ينتظرونه بلهفة.. ومع تعالي أصوات قرع الطبول سطع ضوء دائري .. مسلط على الباب القماشي أمامهم .. بدأ الباب يهتز .. وبحركة سريعة .. خرج إليهم ومع خروجه تفجرت الأضواء وتعالت أصوات بقية الموسيقى .. وصيحات الصغار وتصفيقهم ..

أطل عليهم بقامته القصيرة ووجهه الأبيض وعينيه الواسعتين وأنفه الأحمر .. وتلك الابتسامة التي تكاد تقضي على وجنتيه .. بربطة عنقه العريضه وملابسة ذات الألوان المتعددة ..
مع خروجه اخذ يجري حتى أصبح في منتصف الدائرة تلك التي كان يجلس من حولها الصغار .. وفجأة وقف وأخذ يحك رأسه دلالة على التفكير وفجأة خرجت من ملابسة مجموعة من القطط .. بدأت تجري وهو يلاحقها وتلاحقهم ضحكات الصغار ..



موسيقى وحركه وصياح وضحك .. عم أرجاء الخيمة الكبيرة ..
توالت الفقرات تتابعها وتراقبها تلك العيون الصغيرة المتعطشة للضحك ..
في نهاية فقراته أخذ يتدحرج حتى وصل إلى الباب .. عنده وقف وبدأ يلوح بإبتسامته الكبيرة مودعاً للعيون الصغيرة .. تعالى التصفيق وتعالت الموسيقى ومع تعاليهم إختفى خلف الباب ..

خلف الكواليس أدار ظهره إلى الباب وتوجه لغرفته في آخر الممر .. سار بقدميه المثقلتين .. وكأنه يعاني من الإبتعاد أو أنه قد ترك شيء خلفه لا يستطيع فراقه ..
وصل إلى باب الغرفة .. نظر لمقبض الباب مد يده إليه وفتحه دفعه بكتفه ودخل إليها .. إقترب من المرآة جلس عل الكرسي قبالتها وامامه علبة المساحيق الملونة .. وقطع الاسفنج المخصصة لإزالتها .
أمسك بها وبدأ يزيل تلك الأصباغ التي يختبئ خلفها ..
مسح عينيه الواسعتين لتظهر من خلفها عينين صغيرتين .. مسح اللون الأبيض لتبدو بشرته السمراء وتلك الإبتسامة ما ان قام بإزالتها حتى بانت شفتيه وما تحملاه من حزن كان مختبئ خلف تلك الألوان البراقة والإبتسامة الزائفة ..
وما أن ظهر ما كان يخفيه .. حتى نظر إلى يمينه على الطاولة .. كانت تقبع هناك صورة مد يده وحملها قربها إلى شفتيه وقبلها .. كانت لأحبابه .. زوجته وإبنته روان .. التين رحلتا رغماً عنه ولم يبقى له منهما سوى الذكرى وتلك الصورة ..
فيما مضى فكر كثيراً أن يعتزل الحياة فلم يعد فيها له شيئاً .. لكن حبه لروان ولما تحبه .. هو من أنقذه من الوحدة .. كانت تحب حضور فقرات المهرج وعندما يصحبها كان يراقب عينيها الصغيرتين كيف تتابعان بلهفة حركاته وعندما تضحك .. تضحك بلا حدود ..
حب إبنته .. وحبه لها .. أنقذاه مما كان ينتظره ..
عندها قرر أن يكون ما تحبه إبنته مهرج .. حين يدخل المسرح يرى عيني إبنته في كل مكان تراقبانه وعندما يتعالى الضحك يسمع ضحكاتها ..
في منتصف الدائرة خلف تلك الألوان وتلك الملابس يشعر بها معه يكاد يلمسها .. وفي نهاية الفقرات خلف الباب يشعر بأنه تركها هناك .. بين الحشود وحيدة .
يبتعد .. ويبتعد عن حبه .. وعن ما يحبه حبه ..



بقلم :محمد العنزي..,