نـــــوال
23-04-2004, 08:53 PM
بقلم : مصلح جميل
بعيداً عن مدينتك وعن الروتين المميت، تهرب إلى هناك، حاملاً حقيبتك الصغيرة وتتجول في المدينة الواسعة التي وصلت إليها قبل ساعات، تلتقط عدسة آلة التصوير التي معك كل ما يجذبك وما يدهشك من ( نوافير مياه، تماثيل عارية، مبان شاهقة، طبيعة خلابة ..) وتمضي مستمتعا بكل شيء حولك، تشعر بأن الجميع لا يهتمون بك، تعودوا على كل السياح، لا يبالون بما تفعل ولا يكترثون بأسئلتك !
لا ترغب في استئجار سيارة أجرة، فقد تعودت على المشي في المدن التي تسافر إليها ( التجول مشيا على الأقدام هو متعة السياحة ) تردد هذه الجملة في كل رحلاتك إلى ما وراء الحدود، وتمضي من ميدان إلى أخر وتقطع شارعاً باتجاه أخر، ملابسك جعلتك لا تبدو غريبا بين آلاف البشر هنا، قطعتان من القماش تستران جسدك ونظارة سوداء وحذاء رياضي جعلت الجميع متشابهين. تبتسم للبشر بكل حب، تريد أن تسأل كل شخص وترغب بالتحدث مع كل المحيطين بك، السفر يجعلك سعيداً دائما، وهذا يومك الأول هنا، وقد وعدت نفسك بان تحاول قتل مشكلة اللغة بأن تحمل معك كتيّباً صغيراً ( اللغة الإنجليزية للمسافرين ) تبحث عن معاني الكلمات ثم تنطقها بشكل مضحك ولكنها تفي بالغرض، وتمضي لاكتشاف كل الأشياء .
وفي ساحة واسعة أمام متحف عتيق وجدت الكثير من كبار السن يجلسون تحت أشجار طويلة شاهقة، استطعت أن تفهم منهم بمساعدة كتابك أن لهم ذكريات أليمة مع الحروب، وجلوسهم أمام المتحف يذكرهم بأمجاد الاستقلال والانتصارات، لكنك لا تفهم لماذا يبدون مشردين، جياع، يجتمع كل أربعة أشخاص حول طاولة شطرنج غير مكترثين بما حولهم، هنا كتابك يقف عاجزا عن شرح المعاناة الحقيقية المعقدة، تسألهم عن ساعات عمل المتحف وتبدي لهم رغبة في التعرف اكثر عليهم وعلى تاريخهم، يفرحون بذلك، تشعر بأنك سائحٌ راق ومتحضر، يخبرونك بأن اليوم هو بداية عطلة الأسبوع والمتحف لا يفتح في أيام العُطل، تكتشف بأنك ما تزال تحتفظ بتقويمك المحلي، يُـبدون لك رغبتهم في أن تشاركهم صباحهم، ويعرضون عليك أن تلعب معهم مبارة شطرنج، وأنت (بحميميتك) تريد أن تبهجهم، تريد أن تشاركهم ساعاتهم بحب ينطلق من إنسانيتك، وتسعد كثيرا لأنك لن تحتاج إلى كتابك أثناء اللعبة، فقوانينها دولية متعارف عليها، ويحاول أحدهم أن يشرح لك شيئا قبل بدء اللعبة، ولكنك تهز رأسك وتبدي لهم معرفتك بكل شيء، فيتضاحكون ويجتمعون حولك، ويقوم أحدهم بتجميع عدة الحرب من خيول وقلاع ووزراء وجنود، ويتقدم أكبرهم سناً لمنازلتك، ولا يزالون يحاولون أن يشرحوا لك شيئا ما، تشعر بأنه خارج نطاق اللعبة، ولا تجده في كتابك الذي وضعته جانبا قبل بداية المعركة فيخرج أحدهم مبلغا من المال ويهزه أمامك، لا تدري ماذا يقصد ولكنك لا تهتم، فيبتسمون وينظرون إلى ساعتك اليدوية الثمينة، ويُـكتبْ على الطاولة رقمٌ طويل.
بدأت المعركة وأنت غير ذي خبرة في الحروب، فتحاول المقاومة وتبدو متقهقرا وملكُكَ يصبح محاطاً بجنود وقلاع العدو بعد أن سقط وزيرُك تحت أقدام الفيَـلَة، الضحك والصراخ يزيدان مع كل نقلةٍ لك، والتصفيقُ يكادُ ينتشلُـكَ من مكانك، ترى في وجوه المتفرجين سعادة غريبة، تشعركَ بأن ما يحدث اكبر من مبارة للتسلية، وكأنهم سينتصرون على عدو لدود هذا الصباح وتنقلُ ملككَ إلى خانةٍ قاتلة، ويسقطْ وينهض كبار السن ضاحكين مصفقين، لقد غـُلبتْ! تهمُ بالنهوض لترحل، فيمسك أحدهم يدك بعنف! تنقطع الأصوات، تبدي لهم استغرابك مما يحدث! فتجده يشير إلى ذلك الرقم الذي كُـتب بجانب ساحة المعركة، تشعر بأن اللعبة لم تنتهِ بعد ! يريدون شيئا ما ؟ تفتح كتابك بحثاً عن كلمة ما تنقذك مما أنت فيه! ولا تجد، فيحاولون تفسير ما حدث، تدرك بأنك لم تكن تلعب للتسلية، المغلوب هنا يدفع وأنت بالتأكيد ترفض هذا المبدأ، ولكن لا خيار لك، فتخرجُ مبلغاً من المال مساوياً للرقم الذي كتب على الطاولة، وتبحثُ في كتابكِ عن كلمة اعتذار لأنك لم تكن تعرف أصول اللعبة هنا في هذه الساحة وتبتسم لأنك دفعت قيمة إفطار العشرات هذا الصباح ..
-----
دمتم بسعاده ..
نـــوال ..
بعيداً عن مدينتك وعن الروتين المميت، تهرب إلى هناك، حاملاً حقيبتك الصغيرة وتتجول في المدينة الواسعة التي وصلت إليها قبل ساعات، تلتقط عدسة آلة التصوير التي معك كل ما يجذبك وما يدهشك من ( نوافير مياه، تماثيل عارية، مبان شاهقة، طبيعة خلابة ..) وتمضي مستمتعا بكل شيء حولك، تشعر بأن الجميع لا يهتمون بك، تعودوا على كل السياح، لا يبالون بما تفعل ولا يكترثون بأسئلتك !
لا ترغب في استئجار سيارة أجرة، فقد تعودت على المشي في المدن التي تسافر إليها ( التجول مشيا على الأقدام هو متعة السياحة ) تردد هذه الجملة في كل رحلاتك إلى ما وراء الحدود، وتمضي من ميدان إلى أخر وتقطع شارعاً باتجاه أخر، ملابسك جعلتك لا تبدو غريبا بين آلاف البشر هنا، قطعتان من القماش تستران جسدك ونظارة سوداء وحذاء رياضي جعلت الجميع متشابهين. تبتسم للبشر بكل حب، تريد أن تسأل كل شخص وترغب بالتحدث مع كل المحيطين بك، السفر يجعلك سعيداً دائما، وهذا يومك الأول هنا، وقد وعدت نفسك بان تحاول قتل مشكلة اللغة بأن تحمل معك كتيّباً صغيراً ( اللغة الإنجليزية للمسافرين ) تبحث عن معاني الكلمات ثم تنطقها بشكل مضحك ولكنها تفي بالغرض، وتمضي لاكتشاف كل الأشياء .
وفي ساحة واسعة أمام متحف عتيق وجدت الكثير من كبار السن يجلسون تحت أشجار طويلة شاهقة، استطعت أن تفهم منهم بمساعدة كتابك أن لهم ذكريات أليمة مع الحروب، وجلوسهم أمام المتحف يذكرهم بأمجاد الاستقلال والانتصارات، لكنك لا تفهم لماذا يبدون مشردين، جياع، يجتمع كل أربعة أشخاص حول طاولة شطرنج غير مكترثين بما حولهم، هنا كتابك يقف عاجزا عن شرح المعاناة الحقيقية المعقدة، تسألهم عن ساعات عمل المتحف وتبدي لهم رغبة في التعرف اكثر عليهم وعلى تاريخهم، يفرحون بذلك، تشعر بأنك سائحٌ راق ومتحضر، يخبرونك بأن اليوم هو بداية عطلة الأسبوع والمتحف لا يفتح في أيام العُطل، تكتشف بأنك ما تزال تحتفظ بتقويمك المحلي، يُـبدون لك رغبتهم في أن تشاركهم صباحهم، ويعرضون عليك أن تلعب معهم مبارة شطرنج، وأنت (بحميميتك) تريد أن تبهجهم، تريد أن تشاركهم ساعاتهم بحب ينطلق من إنسانيتك، وتسعد كثيرا لأنك لن تحتاج إلى كتابك أثناء اللعبة، فقوانينها دولية متعارف عليها، ويحاول أحدهم أن يشرح لك شيئا قبل بدء اللعبة، ولكنك تهز رأسك وتبدي لهم معرفتك بكل شيء، فيتضاحكون ويجتمعون حولك، ويقوم أحدهم بتجميع عدة الحرب من خيول وقلاع ووزراء وجنود، ويتقدم أكبرهم سناً لمنازلتك، ولا يزالون يحاولون أن يشرحوا لك شيئا ما، تشعر بأنه خارج نطاق اللعبة، ولا تجده في كتابك الذي وضعته جانبا قبل بداية المعركة فيخرج أحدهم مبلغا من المال ويهزه أمامك، لا تدري ماذا يقصد ولكنك لا تهتم، فيبتسمون وينظرون إلى ساعتك اليدوية الثمينة، ويُـكتبْ على الطاولة رقمٌ طويل.
بدأت المعركة وأنت غير ذي خبرة في الحروب، فتحاول المقاومة وتبدو متقهقرا وملكُكَ يصبح محاطاً بجنود وقلاع العدو بعد أن سقط وزيرُك تحت أقدام الفيَـلَة، الضحك والصراخ يزيدان مع كل نقلةٍ لك، والتصفيقُ يكادُ ينتشلُـكَ من مكانك، ترى في وجوه المتفرجين سعادة غريبة، تشعركَ بأن ما يحدث اكبر من مبارة للتسلية، وكأنهم سينتصرون على عدو لدود هذا الصباح وتنقلُ ملككَ إلى خانةٍ قاتلة، ويسقطْ وينهض كبار السن ضاحكين مصفقين، لقد غـُلبتْ! تهمُ بالنهوض لترحل، فيمسك أحدهم يدك بعنف! تنقطع الأصوات، تبدي لهم استغرابك مما يحدث! فتجده يشير إلى ذلك الرقم الذي كُـتب بجانب ساحة المعركة، تشعر بأن اللعبة لم تنتهِ بعد ! يريدون شيئا ما ؟ تفتح كتابك بحثاً عن كلمة ما تنقذك مما أنت فيه! ولا تجد، فيحاولون تفسير ما حدث، تدرك بأنك لم تكن تلعب للتسلية، المغلوب هنا يدفع وأنت بالتأكيد ترفض هذا المبدأ، ولكن لا خيار لك، فتخرجُ مبلغاً من المال مساوياً للرقم الذي كتب على الطاولة، وتبحثُ في كتابكِ عن كلمة اعتذار لأنك لم تكن تعرف أصول اللعبة هنا في هذه الساحة وتبتسم لأنك دفعت قيمة إفطار العشرات هذا الصباح ..
-----
دمتم بسعاده ..
نـــوال ..