المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يتيم بين والديه !! للكاتبة : تهاني بنت عبدالكريم


نـــــوال
27-03-2004, 09:41 PM
يتيم بين والديه !!

** طفلة صغيرة هاجرت أزاهير البسمة من بقاع شفاهها الصغيرة !! تكسرت الملامح على أعتاب وجهها البريء .. !! اكتظ قلبها بهموم العالم أجمع !! واحترقت حتى النضج في تنور الحزن و التعاسة !! صادفتها في إحدى دهاليز الحياة .. وفي مكان ما !!
استنكرت الطفولة الحزينة لديها وبراءتها المكتئبة !! فبادرتها ..
ماذا بك يا صغيرتي ؟؟ هل أغضبك شيء ما ؟؟!! لم أجد منها تجاوباً .. كررت حديثي .. حاولت محاورتها .. ( أكره الحياة !! أكرهها .. ) هذا ما بادرتني به تلك الطفلة !! ذهلت من جملتها .. ويبدو لي أنها قرأت ملامح التعجب على ملامح وجهي المذهول .. فأخرجت آه عميقة ثم قالت لي .. لا تتعجبي فأنا فعلاً أكره الحياة .. فلا مكان لي به .. وخروجي لها كان خطأ !!


طلبت منها مرافقتي لركن هادئ بعيد عن ضوضاء ذاك المكان الصاخب .. رفضت !! أردت محاورتها ..
فحاولت أخرى .. وأخرى .. حتى وافقتني .. على مضض !! كان الحزن يحرق ملامحها ..
وتذوب في ألمه !!
جلست معها بعيداً عن تلك الملامح البشرية .. جلست أرقب ملامحها لأجدها تتنهد بعمق وتذهب بفكرها بعيداً ..
ثم تستدرك نفسها وتقول لي : ماذا تريدين مني ؟؟ هل تردين جمع رماد طفولة يتطاير مع رياح التعاسة !!
أم خارطة الفرح التي أضعتها وتهت بعدها في متاهات الحياة الصاخبة !! قلت لها : ما هذه الكلمات الكبيرة .. أتعلمين مدى عمقها .. !! قالت : وما أدراك ما الواقع !! قلت أعلميني هذا الواقع .. حتى أعي ما تحمله كلماتك و ما بينها من بوح !!
قالت : كنت أعيش على أرض الآمان وتحت سماء الطمأنينة حيث تمطر علي سحبها حباً وحناناً ..
كنت أستظل تحت أشجارها الشاسعة الضلال .. كنت الطفلة المدللة في المنزل .. !! بلغت سن الرابعة ,
وهنا كان التغيير .. أصبحت مع الخادمة دوماً .. لأن أمي كانت دائمة الخروج من المنزل , و أبي غارقاً في عمله التجاري .. لدرجة أنني أستيقظ صباحاً ويكون قد خرج .. أنام ليلاً ولم يعد بعد .. ونادراً ما كنت معه على الغداء !! بلغت سن الخامسة , ودخلت الروضة ومن هنا كان لي موعد مع التفوق والإبداع !! أصبحت دائماً من المتميزات ..
أصبحت أتهرب من الجلوس مع صديقاتي .. لأن أحاديثهن دائماً عن تلك الجنان التي يعيشون بها وما تقدمه لهم تلك الجنان !!
في زمن ما ..
ومن مكان مكتظ بالتعاسة .. كان لي موعد مع القمة حيث حصلت على المركز الأول على زميلاتي ..
كانت الفرحة بشفافيتها البلورية تكسو ملامحي .. لكن هذه الشفافية لم لم يكتب لها العمر طويلاً ..
عدت إلى المنزل .. وأخذت أركض في جنباته .. المكتبة , المطبخ , غرفة الجلوس .. وأنادي .. أمي ..
أمي ..
وجدتها .. في غرفتها أمام المرآة دخلت عليها وروحي كالفراشة في يوم ربيعي غائم .. !!
لكن قُتلت تلك الفراشة !! ورغم قتلها إلا أنها لا تزال تتشبث بالحياة !! قالت أمي : إلى متى أعلمك الأدب !! أطرقي الباب قبل الدخول .. لم أشعر بقسوة تبويخها .. قلت لها : أبنتك غدير .. الأولى على الجميع .. قالت : صحيح , مبروك حبيبتي , أذهبي الآن وأبدلي ملابسك وتناولي غداءك !!
قلت لها : أمي ألن تشاهدي التقرير !؟ قالت : ماذا قلت لك .. أذهبي ولا تعطليني !!
حملت بين يدي حطام فرحتي .. وقلبي الممزق الأشرعة !! ورحلت به إلى غرفتي !!
لكن تلك الفراشة بداخلي لا تزال تتشبث بالحياة على بقايا أمل متناثر هنا وهناك في بقعة ما .. !!
أعيد جمع حطام فرحتي .. لعلها تجد النور على بقعة أخرى !! ويحضر والدي ..
هرولت إليه قائلة: أهلا أبي .. لم يرد علي !! ظننت أنه لم يسمعني .. جلست بجواره .. وهو يقرأ الصحيفة
وقلت له : مساء الخير أبي .. فقال : أهلاً .. وأدار وجهه عني ليكمل قرأته للصحيفة .. وفي هذا الحين دخلت أمي ودار بينهما حوار ساخن .. فهمت منه أن أبي قد حصلت له مشكلة في العمل!! أردت أن أفرحه .. فقلت : أبي لقد حصلت على المركز الأول في المدرسة وعلى جميع زميلاتي ..
قال : ممتازة حبيبتي .. أذهبي إلى غرفتك الآن .. قلت له : أأحضر لك التقرير ؟؟ فقال لي : غدير.. لا تزعجيني !!
حينها .. واريت فراشتي المقتولة في غياهب الحياة !! ورحلت بها إلى بحار النسيان المريض !!
** هذه ورقة من أوراق العمر .. سقطت أمامك في هذه البقعة !! لتعلن لك في صمت أنني يتيمة لكن بين والدي .. مع الأسف محسوبان علي والدين !!
** ودقت الأجراس لتعزف لحن طفل باحث عن الآمان .. الحب ..
الحنان !! إذا لم يجده بين والديه فأين يجده !! فالطفل يبحث عن الآمان قبل كل شيء ..
فما العمل حين يفقد الطفل الآمان !؟


....
دمتم بسعاده ..