Arabforever
24-03-2004, 11:05 PM
بقلم: نزار الزين
طلقها.. طلقها.. طلقها.. لقد أعطاك الشرع هذا الحق فاستثمره.
- طلقها .. لكم أكره هذه الكلمة، لكم أمقتها وأنفر من ذكرها، لكم حطمت بشرا وشتت أسرا.
أذكر جيدا يا أبي أنك اخترتها لي وأنك آثرتها من بين كثيرات بل وقد انتزعتها لي بمؤامرة من أحد خطابها، فكيف تدعوني الى طلاقها يا أبي؟
أطلق من ملأت حياتي بهجة؟ بأي ذنب؟ بأي منطق؟ وما شأني ببقاء السلالة طالما أنا سعيد ببقائي؟!
"على أي حال له قضيته، لعله يراها عادلة فيتشبث برأيه ويلح بطلبها ويلحف بالرجاء ليحققها، عدالته هي عدالة المصلحة العليا، مصلحة السلالة - مع أني لا أظنها سلالة فريدة من نوعها- هي لا شك غريزة عمياء يسمونها غريزة بقاء النوع ؛ أما عدالتي وللغرابة هو غارسها ؛ فهي مقابلة الود بالود، والاحسان بالاحسان، والوداعة بالرقة، والاخلاص بالرعاية، والعطاء بالسخاء."
طلقها، يكررها كلما طلب الخلوة بي وما أكثر ما يطلب الخلوة بي ليقول لي طلقها!
- طلقها.. طلقها.. طلقها.. لقد أعطاك الشرع هذا الحق فاستثمره.
فطوم ابنة خالك تبين أنها مصابة بالعجز الكلوي، أفتى شيخ لزوجها بالطلاق فطلقها وهي لا زالت عروسا؛ سليمة حفيدة ابن عمي سليمان، أصيبت بحالة اكتئاب إثر حمل لم يستقر، فأفتى شيخ بجواز طلاقها فطلقها،
كل الناس يطلقون الا أنت؟!
- " أهي سلعة، يمكن إعادتها لبائعها أنى نشاء؟ يا أبي؟! "
- طلقها.. طلقها.. طلقها..
ضجيج هذه الكلمة الكريهة يصم أذنيّ.
زوجة أبي مستعدة للبحث عن غيرها في الحال!
"حذاء يمكن استبداله أنّى نشاء؟!." هكذا همست في أذني ذات يوم.
ولكنك لم تنجبي بدورك يا زوجة أبي، لم لم يطلقك أبي يا زوجة أبي؟
عمتي تقترح أن أتزوج من أخرى على أن أبقيها بذمتي فلا أكون ظلمتها!
ولكنك اكتويت بمرارة الضرّ يا عمتي...
أعمامي لاذوا بالصمت، لقد أنجبوا بناتا فلا يحق لهم والحال كذلك الحديث عن بقاء السلالة!
***
مضت عشر سنوات أو تزيد، مائة وعشرون شهرا أو تزيد، أربعة آلاف يوم بلياليها ولم أفرحك بطفل يا زهير
اني أشعر بمعاناتك يا زهير
أشعر بقلبك الرقيق يكتوي بمرارة الصراع
أشعر بضرباته القوية في مجابهة الضغوط
أشعر بحبك الكبير لأبيك وببرك بأبيك ورغبتك الصادقة بطاعة أبيك
وكذا أشعر بحزنك لانتقاصك من برّه وطاعته من أجلي.
كم بودي دعوتك اليها تلكم الكلمة البغيضة فأعفيك من ألم النفس وعذاب الضمير، وأريح والدك وكل أؤلئك الذين التفوا من حوله يتحسرون على سلالة أصبحت وشيكة الانقراض.
كم بودي دعوتك اليها ولكن الموت أهون علي منها يا زهير
فأنا لا أشعر بالحياة الا بين ذراعيك ولا بالطمأنينة الا في محيط أنفاسك ولا أستطيب الحركة الا اذا كانت من أجل خدمتك.. أنا.. أنا لا أفهم العالم الا من خلال عينيك.
فلنحاول ثانية وثالثة، فلنحاول للمرة الألف بل للمرة المليون... قدرتي على الاحتمال لا حدود لها..
لقد اعتدت أسّرة المشافي وألفت طعوم الأدواء وروائح العقاقير
لم تضجرني أحاجي الأطباء السمر منهم أو الشقر
و لم ولن أسأم قط إذ حولوني الى فأر تجارب..
ولم و لن أتذمر أبدا من أنابيب تغرس في عروقي وحقن تمتص دمائي وشعاعات تنقب في أحشائي وعّينات تنتزع من نسجي
المهم أن أقدمه لك ذات يوم
له نفس عينيك الحانيتين
له نفس قلبك الكبير ونفس صبرك الجميل
حاملا نفس نبلك..نفس أخلاقك
لأجل عينيك يا زهير أحتمل كل الشقاء وكل الألم
وليس من أجل سلالتك المجيدة
***
- زهير
لقد احتضنتك أبا وأما حين فقدت الأم، ورعيتك منذ الثالثة من عمرك ثانية بعد ثانية وتابعت نموك رقما بعد رقم وأنشأتك فكرة إثر فكرة ودفعتك في درب الحياة خطوة بعد خطوة، حتى جعلتك طبيبا ينحني له الأطباء، ومع ذلك ترى في حلقي غصة فلا تحاول خلاصي منها.
أنا أطلب منك حفيدا وحسب يا زهير، هل كثير عليّ أن يكون لي حفيد يا بني؟
طلقها أو تزوج من أخرى فالشرع أحل لك أربعا يا زهير!
- أبتي
العلم يتقدم والطب كذلك يتقدم
كل يوم كشف جديد
كل يوم فتح جديد
كل يوم أمل جديد
أطفال الأنابيب هل سمعت بهم؟
الأرحام المستعارة هل قرأت عنها؟
و مع ذلك أنا لا أفكر باستعارة رحم أو استخدام أنبوب ,
زوجتي ليست عاقرا يا أبي الا أنها كثيرة الاجهاض.
زوجتي التعيسة يا أبي تعاني من عدو كامن في أحشائها مرصود لاجهاض فرحتها...
زوجتي ضحية الآلية الحمقاء وشذوذ الطبيعة ,...
هل سمعت بمقاومة الجسم الذاتية للمواد الغريبة حتى لو كانت لمنفعته؟
هل سمعت بموت من زرعت لهم قلوب أو رئات أو كلى؟
جهاز زوجتي المقاوم يخال أجنتها أجساما عدوّة فيفرز حولها سمومه ليقضي عليها قبل اكتمالها ؛ تلك هي المعضلة ؛ فما ذنب زوجتي يا أبي؟
اني طوع بنانك في كل أمر يا أبي الا في هذا الأمر فاعذرني أرجوك.
***
بقايا (أمل) على سرير أبيض التصق ظهرها به منذ شهور سبعة...
شاحبة الوجه، ذابلة العينين؛ غرسوا في رقبتها أنبوبا وصل بين وريد رقبتها الأيسر وجهاز تنقية الدماء، وهي على هذا الحال منذ شهور سبعة...
(زهير) الى جانبها جامد التعبير، عودته الشهور السبعة على كآبة المنظر.
يدخل كبير الأطباء وثلة ضمت أطباء وممرضات؛ يفحصها بدقة، يبتسم، يخاطبهما بثقة: " لقد أكمل شهره السابع وهو بصحة جيدة، قلبه ينبض بقوة، وضعه في الرحم سليم، حركته تشير الى نشاط وحيوية ؛ لقد زالت معظم الأخطار. " ثم أكمل موضحا: " الخطر الوحيد المتبقي هو أن يلتهب هذا المكان - وأشار الى نقطة التقاء الانبوب بالرقبة – عندها سنضطر الى سحبه قبل موعده ؛ الا أنه خطر بعيد الاحتمال. " وأضاف وقد ملأت ثغره ابتسامة عريضة: " اني أقول هذا لأؤكد لك بأنك ستصبحين أما وسوف تنعمين بنعمة الأمومة يا سيدة أمل "
لم تستطع ( أمل ) ضبط نفسها فأجهشت بالبكاء.. بكاء الفرح.. بكاء الفرج.. بكاء الأمل الضاحك...
أما ( زهير ) فقد تهاوى على الأرض فسجد سجدة طويلة، واذ احس بابتعاد ملائكة الرحمة زحف نحو السرير فألقى برأسه على صدر زوجته ثم راحا معا في نشيج متناغم.
كان زهير يسر الى ذاته:- " ستحصدين قمح الصبر يا (أمل).... وتذوقين ثمار النصر.. وتنسين ليالي القهر. "
و كانت (أمل) تسر الى ذاتها: " ستحصد قمح الصبر.يا زهير. وتذوق ثمار النصر.. وتنسى ليالي القهر "
واستمرت تهمس الى ذاتها: " اليوم عادت الي آدميتي.. أنت أعدت الي آدميتي يا زهير.. أنت وكل هؤلاء الأطباء والعلماء والباحثون.. تضافرتم جميعا لتعيدوا الي إنسانيتي بعد أن كدت أفقدها.. وسأظل مدينة لكم جميعا الى الأبد."
و فجأة رفعت رأسها، مسحت دموعها، وبصوت نابض بالحرارة قالت: " زهير قم حالا واهتف لأبيك وبشّره بالخبر السعيد."
بقلم: نزار الزين
تحياتي
المهنــد
طلقها.. طلقها.. طلقها.. لقد أعطاك الشرع هذا الحق فاستثمره.
- طلقها .. لكم أكره هذه الكلمة، لكم أمقتها وأنفر من ذكرها، لكم حطمت بشرا وشتت أسرا.
أذكر جيدا يا أبي أنك اخترتها لي وأنك آثرتها من بين كثيرات بل وقد انتزعتها لي بمؤامرة من أحد خطابها، فكيف تدعوني الى طلاقها يا أبي؟
أطلق من ملأت حياتي بهجة؟ بأي ذنب؟ بأي منطق؟ وما شأني ببقاء السلالة طالما أنا سعيد ببقائي؟!
"على أي حال له قضيته، لعله يراها عادلة فيتشبث برأيه ويلح بطلبها ويلحف بالرجاء ليحققها، عدالته هي عدالة المصلحة العليا، مصلحة السلالة - مع أني لا أظنها سلالة فريدة من نوعها- هي لا شك غريزة عمياء يسمونها غريزة بقاء النوع ؛ أما عدالتي وللغرابة هو غارسها ؛ فهي مقابلة الود بالود، والاحسان بالاحسان، والوداعة بالرقة، والاخلاص بالرعاية، والعطاء بالسخاء."
طلقها، يكررها كلما طلب الخلوة بي وما أكثر ما يطلب الخلوة بي ليقول لي طلقها!
- طلقها.. طلقها.. طلقها.. لقد أعطاك الشرع هذا الحق فاستثمره.
فطوم ابنة خالك تبين أنها مصابة بالعجز الكلوي، أفتى شيخ لزوجها بالطلاق فطلقها وهي لا زالت عروسا؛ سليمة حفيدة ابن عمي سليمان، أصيبت بحالة اكتئاب إثر حمل لم يستقر، فأفتى شيخ بجواز طلاقها فطلقها،
كل الناس يطلقون الا أنت؟!
- " أهي سلعة، يمكن إعادتها لبائعها أنى نشاء؟ يا أبي؟! "
- طلقها.. طلقها.. طلقها..
ضجيج هذه الكلمة الكريهة يصم أذنيّ.
زوجة أبي مستعدة للبحث عن غيرها في الحال!
"حذاء يمكن استبداله أنّى نشاء؟!." هكذا همست في أذني ذات يوم.
ولكنك لم تنجبي بدورك يا زوجة أبي، لم لم يطلقك أبي يا زوجة أبي؟
عمتي تقترح أن أتزوج من أخرى على أن أبقيها بذمتي فلا أكون ظلمتها!
ولكنك اكتويت بمرارة الضرّ يا عمتي...
أعمامي لاذوا بالصمت، لقد أنجبوا بناتا فلا يحق لهم والحال كذلك الحديث عن بقاء السلالة!
***
مضت عشر سنوات أو تزيد، مائة وعشرون شهرا أو تزيد، أربعة آلاف يوم بلياليها ولم أفرحك بطفل يا زهير
اني أشعر بمعاناتك يا زهير
أشعر بقلبك الرقيق يكتوي بمرارة الصراع
أشعر بضرباته القوية في مجابهة الضغوط
أشعر بحبك الكبير لأبيك وببرك بأبيك ورغبتك الصادقة بطاعة أبيك
وكذا أشعر بحزنك لانتقاصك من برّه وطاعته من أجلي.
كم بودي دعوتك اليها تلكم الكلمة البغيضة فأعفيك من ألم النفس وعذاب الضمير، وأريح والدك وكل أؤلئك الذين التفوا من حوله يتحسرون على سلالة أصبحت وشيكة الانقراض.
كم بودي دعوتك اليها ولكن الموت أهون علي منها يا زهير
فأنا لا أشعر بالحياة الا بين ذراعيك ولا بالطمأنينة الا في محيط أنفاسك ولا أستطيب الحركة الا اذا كانت من أجل خدمتك.. أنا.. أنا لا أفهم العالم الا من خلال عينيك.
فلنحاول ثانية وثالثة، فلنحاول للمرة الألف بل للمرة المليون... قدرتي على الاحتمال لا حدود لها..
لقد اعتدت أسّرة المشافي وألفت طعوم الأدواء وروائح العقاقير
لم تضجرني أحاجي الأطباء السمر منهم أو الشقر
و لم ولن أسأم قط إذ حولوني الى فأر تجارب..
ولم و لن أتذمر أبدا من أنابيب تغرس في عروقي وحقن تمتص دمائي وشعاعات تنقب في أحشائي وعّينات تنتزع من نسجي
المهم أن أقدمه لك ذات يوم
له نفس عينيك الحانيتين
له نفس قلبك الكبير ونفس صبرك الجميل
حاملا نفس نبلك..نفس أخلاقك
لأجل عينيك يا زهير أحتمل كل الشقاء وكل الألم
وليس من أجل سلالتك المجيدة
***
- زهير
لقد احتضنتك أبا وأما حين فقدت الأم، ورعيتك منذ الثالثة من عمرك ثانية بعد ثانية وتابعت نموك رقما بعد رقم وأنشأتك فكرة إثر فكرة ودفعتك في درب الحياة خطوة بعد خطوة، حتى جعلتك طبيبا ينحني له الأطباء، ومع ذلك ترى في حلقي غصة فلا تحاول خلاصي منها.
أنا أطلب منك حفيدا وحسب يا زهير، هل كثير عليّ أن يكون لي حفيد يا بني؟
طلقها أو تزوج من أخرى فالشرع أحل لك أربعا يا زهير!
- أبتي
العلم يتقدم والطب كذلك يتقدم
كل يوم كشف جديد
كل يوم فتح جديد
كل يوم أمل جديد
أطفال الأنابيب هل سمعت بهم؟
الأرحام المستعارة هل قرأت عنها؟
و مع ذلك أنا لا أفكر باستعارة رحم أو استخدام أنبوب ,
زوجتي ليست عاقرا يا أبي الا أنها كثيرة الاجهاض.
زوجتي التعيسة يا أبي تعاني من عدو كامن في أحشائها مرصود لاجهاض فرحتها...
زوجتي ضحية الآلية الحمقاء وشذوذ الطبيعة ,...
هل سمعت بمقاومة الجسم الذاتية للمواد الغريبة حتى لو كانت لمنفعته؟
هل سمعت بموت من زرعت لهم قلوب أو رئات أو كلى؟
جهاز زوجتي المقاوم يخال أجنتها أجساما عدوّة فيفرز حولها سمومه ليقضي عليها قبل اكتمالها ؛ تلك هي المعضلة ؛ فما ذنب زوجتي يا أبي؟
اني طوع بنانك في كل أمر يا أبي الا في هذا الأمر فاعذرني أرجوك.
***
بقايا (أمل) على سرير أبيض التصق ظهرها به منذ شهور سبعة...
شاحبة الوجه، ذابلة العينين؛ غرسوا في رقبتها أنبوبا وصل بين وريد رقبتها الأيسر وجهاز تنقية الدماء، وهي على هذا الحال منذ شهور سبعة...
(زهير) الى جانبها جامد التعبير، عودته الشهور السبعة على كآبة المنظر.
يدخل كبير الأطباء وثلة ضمت أطباء وممرضات؛ يفحصها بدقة، يبتسم، يخاطبهما بثقة: " لقد أكمل شهره السابع وهو بصحة جيدة، قلبه ينبض بقوة، وضعه في الرحم سليم، حركته تشير الى نشاط وحيوية ؛ لقد زالت معظم الأخطار. " ثم أكمل موضحا: " الخطر الوحيد المتبقي هو أن يلتهب هذا المكان - وأشار الى نقطة التقاء الانبوب بالرقبة – عندها سنضطر الى سحبه قبل موعده ؛ الا أنه خطر بعيد الاحتمال. " وأضاف وقد ملأت ثغره ابتسامة عريضة: " اني أقول هذا لأؤكد لك بأنك ستصبحين أما وسوف تنعمين بنعمة الأمومة يا سيدة أمل "
لم تستطع ( أمل ) ضبط نفسها فأجهشت بالبكاء.. بكاء الفرح.. بكاء الفرج.. بكاء الأمل الضاحك...
أما ( زهير ) فقد تهاوى على الأرض فسجد سجدة طويلة، واذ احس بابتعاد ملائكة الرحمة زحف نحو السرير فألقى برأسه على صدر زوجته ثم راحا معا في نشيج متناغم.
كان زهير يسر الى ذاته:- " ستحصدين قمح الصبر يا (أمل).... وتذوقين ثمار النصر.. وتنسين ليالي القهر. "
و كانت (أمل) تسر الى ذاتها: " ستحصد قمح الصبر.يا زهير. وتذوق ثمار النصر.. وتنسى ليالي القهر "
واستمرت تهمس الى ذاتها: " اليوم عادت الي آدميتي.. أنت أعدت الي آدميتي يا زهير.. أنت وكل هؤلاء الأطباء والعلماء والباحثون.. تضافرتم جميعا لتعيدوا الي إنسانيتي بعد أن كدت أفقدها.. وسأظل مدينة لكم جميعا الى الأبد."
و فجأة رفعت رأسها، مسحت دموعها، وبصوت نابض بالحرارة قالت: " زهير قم حالا واهتف لأبيك وبشّره بالخبر السعيد."
بقلم: نزار الزين
تحياتي
المهنــد