lama
08-08-2002, 10:56 PM
إخوتي وأخواتي في منتدانا المميز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعلم وتعلمون أن .......لكل حاسة من الحواس الخمس آلة عضوية خاصة تردّ بها على التنبيهات الخارجية بإحساس معين... فالأذن هي آلة حاسة السمع، والعين هي آلة حاسة البصر. وهكذا...
ولكن السؤال الذي يدور في ذهني هو : ...
ما هي الآلة التي تحس بالشعور في حالاته أو انفعالاته، عندما تتدفق معها المعاني والصور في تيار نفسي؟ ؟؟؟؟
بتعبير أبسط.... أية حاسة أو ملكة تستطيع أن تجعلني أعي حالاتي الشعورية التي تعتمل في داخلي؟؟؟؟؟؟
لا شيء يجعلني قادرة على إدراك حالاتي الشعورية ووعيها إلا شعوري ذاته، وذلك بانعكاسه على نفسه.
بل إن أحداً لن يستطيع أن يستدل على أي من الحالات الشعورية التي يحياها الآخرون إذا لم يكن قد سبق له أن عاناها هو بالذات.
فمن لم يعش مشاعر القهر والحرمان والغربة مثلاً، لا يمكن أن يشعر بحقيقة هذه الحالات لدى الآخرين إطلاقاً،
وقد قال الشاعر: (لا يدرك الحب إلاّ من يكابده).
لذلك .. هل نعتبر الشعور حاسة ... ؟؟ أم أنه يتعذر ذلك لوجود شروط لابد من توفرها فيه ؟؟
قد لايمكننا اعتبار الشعور حاسة من الحواس لوجود بعض الوجوه من الاختلاف الجوهري بين الحواس الخمس والشعور و تنبع من تدرج الحواس الخمس على سلم من الكثافة المادية، ومن تجرد الشعور المطلق عن المادة .
1-في الفارق العضوي:
إن أول اختلاف بين الحواس الخمس والشعور يتجلى في أن للحواس الخمس أعضاء حاسة تستجيب بها لمختلف التنبيهات الحسية، وفي أنه ليس للشعور عضو خاص يدرك به حالاته إلا ذاته، فهو آلة وعي ذاته.
2-في ظاهرة التنبيه:
لا بد للحواس الخمس من منبه حسي ما يؤثر في العضو الحاس.. إما مباشرة كما في اللمس والذوق والشم، وإما بصورة غير مباشرة، كما في المرئيات والسمعيات.
أما الشعور فلا يمكن أن ينبهه إلا معنى ما. فإذا كانت المنبهات الحسية تستطيع أن تثير في النفس شتى الانفعالات فإن هذه الانفعالات لا يمكن أن تتحول إلى حالات شعورية إلا من خلال معانيها.
فأثر الصفعة على الخد مثلاً، يرتبط بمعنى الموقف. فإذا كان الأمر مزاح صديق أو دعابة حبيب، ظل محدوداً في نطاق الألم الموضعي، هذا إن شعر مثل هذا الإنسان بألم ما. أما إذا كان الأمر جداً أو من عدو، فإن أثر الصفعة يتعدى الجسد إلى مشاعر الكرامة، فيطغى ألم النفس بذلك على ألم الجسد، مهما تكن الصفعة قوية.
بل إن الكلمة النابية التي لا تؤذي الجسد أصلاً، قد تكون أحز في المشاعر وأقطع في النفس من طعن الجسد بسكين. ومنه قول الشاعر: جِراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
3-في عتبة الإحساس:
كيما تتنبه حاسة اللمس في أطراف الأصابع بالضغط مثلاً، لا بد لها من ثقل يزن ثلاثة غرامات على السنتمتر المربع. وكيما تتنبه حاستا الذوق والشم بطعم ما أو رائحة، لا بد من مزج كميات محدودة منهما في مقادير معينة من السوائل المائية أو الهوائية. وكيما تتنبه حاسة البصر بضوء ما، لا بد أن يقع طول موجة شعاعه بين 390-670 ميلليمكرون. وكيما تتنبه حاسة السمع بصوت ما، لا بد أن تقع ذبذبات موجاته بين (20.2)ألف في الثانية.
أما مسألة تنبيه الشعور لإثارة بعض الحالات فإنها لا تخضع إطلاقاً إلى أي شرط كمي محدد. فقد تجرح كرامة أحدهم نبرة صوت، أو تقطيبة جبين، أو ليّة عنق. وقد لا يشعر آخر بأي مهانة في أن يركع مطأطئ الرأس لقضاء حاجة عابرة. في الحواس (كم)، وفي الشعور (كيف). هناك أرقام ومقادير، وهنا (في الشعور ) تربية وثقافة.
4-في عتبة الفارق الحسي:
تتكيف الحواس مع أحاسيسها المعتدلة بسرعة، فلا تدرك الزيادة أو النقصان فيها إلا إذا زادت شدة المنبه أو نقصت بنسب معينة.
ففي الإحساس بالضغط مثلاً، يجب أن تبلغ الزيادة أو النقصان 1/20 من وزن الثقل كيما يحس الإنسان بالفارق بين الضغطين. أما مقدار هذه النسبة لبقية الحواس فهي 1/100 للإحساس البصري، 1/5 للإحـســاس بالحرارة 1/3 للإحساس الشمي والذوقي، وهذه النسب تعرف بكمية (فيبير).
ولما كانت الحواس تتكيف بسرعة مع أحاسيسها المعتدلة، فهذا يعني أن الإنسان لا يحس إلا بالفارق الحسي الذي يسميه علم النفس عتبة الفارق. (مبادئ علم النفس للدكتور يوسف مراد ص65-66).
ولما كان الشعور لا يخضع أصلاً لشروط عتبة الإحساس، فمن البداهة أن لا يخضع لشروط عتبة الفارق الحسي.
أما عتبة فارق الحس الشعوري (إن صح التعبير) للإنسان الواعي الشديد التهذيب عند تعرضه لعبث طفل، أو حماقة جاهل، إنما هي أكثر بكثير منها لدى الشخص العادي.
فالقضية بالنسبة للأول ليست مجرد ضبط نفس وحسب، وإنما هي فوق ذلك انعدام الشعور بالمهانة. فالفارق الثقافي والتربوي بين المستويين هو الذي يجعل فارق الحس الشعوري بينهما كبيراً جداً، وإن تعرضا لذات الإثارة.
بينما عتبة فارق الحس الشعوري للإنسان العاشق الرقيق العاطفة الغارق لأذنيه هياما بالحبيب مثلاً، إنما هي أرهف بما لا يقاس مما هي مع الآخرين، فقد يجمد الدم في العروق لنظرة باردة، وقد تهتز المشاعر حتى الأعماق لبسمة حانية.
5-في انتقال الأحاسيس:
إن تنبيه الحواس الخمس لا يمكن أن يتعدى جسد صاحبها إلى أجساد الآخرين، فمن يتذوق طعماً طيباً لا ينتقل بالعدوى إلى غيره، وليس من يُقرع بالعصي كمن يعدُّها، كما يقول المثل.
ولكننا نستطيع أن نحسّ بمشاعر الآخرين عن طريق المشاركة الوجدانية من خلال مواقفهم عندما نعيها. فصرخة (وامعتصماه) التي أطلقتها امرأة عربية في أسر الروم، قد أثارت مشاعر الكرامة والعزة والنخوة في نفس المعتصم، فتحرك إلى قتالهم لإنقاذها.
وبالمقابل ....
هناك أيضا وجوه من التوافقات الجديرة بأن تؤخذ في الإعتبار بين خصائص الشعور والحواس الخمس :
إن وجوه التوافق بينهما تعود أصلاً إلى قيامهما على التوازي بوظيفتي الإحساس والإدراك، ومن هذه المتوافقات:
أ- ظاهرة الإحساس:
- عندما تتلقّى إحدى حواسنا تنبيهاً ما، فإن عصباً حسياً معيناً هو الذي ينقل هذا الإحساس إلى المركز الحسي المختص في اللحاء (القشرة الدماغية) ولو نبه هذا العصب المورد بطريقة صنعية (تيار كهربائي، ضغط، مواد كيماوية)، لحصل الإحساس نفسه في اللحاء أيضاً.
ولذلك إذا نبه العصب الذي كان يربط أصابع اليد قبل قطعها، فإن صاحب اليد المقطوعة يحس بشيء من التنميل في أطراف أصابعه وكأنها لا تزال موجودة، وهذا ما يسمى بخداع المبتور .
وذلك يشابه تماما ما يحدث في مجال الشعور..
فقد تثار مشاعرنا لحالات سبق لنا أن عانيناها في مواقفنا الخاصة، بمجرد ما نقرأ عنها في قصيدة أو قصة، أو نسمع عنها في حكاية أو نشاهدها في مسرح أو على شاشة...( وهذا ما يتيح للثقافة والفنون أن تؤديا أدوارهما في تهذيب مشاعرنا وتنميتها، وذلك بما تتيحه لنا من الفرص لاستعادة حالاتنا الشعورية السابقة (المبتورة) ونحن أهدأ نفسا وأكثر موضوعية وأغنى تجربة ).
ب - المنّبه الخارجي لا يولّد الإحساس، وإنما يحوّل الإحساس الكامن في اللحاء إلى إحساس فعلي واضح.
وإن المنبه الحسي هو مجرد منشط للطاقة الداخلية وللإحساس الكامن. فوظيفة الجهاز العصبي الذي ينقل هذه التنبيهات إلى اللحاء الدماغي، هي توجيه آثار هذا التنشيط وتركيزه وتحديده في المناطق الخاصة به من البدن، وإن كانت هذه المناطق مبتورة كما في المثال السابق.
أما إذا كان المركز الحسي في اللحاء قد أصابه التلف، فلا جدوى من تنبيه العصب الحسي المورد الخاص به وإن بقي العضو دون بتر.
ولذلك فنحن عندما نحس بالأشياء والمنبهات، فإننا نحس أنفسنا بأنفسنا بفعل تأثير المنبهات الخارجية في حواسنا
وهكذا الأمر مع مشاعرنا. فنحن عندما نعي حالة شعورية نعانيها، إنما نعي شعورنا بشعورنا، كما نحس أنفسنا بأنفسنا، ليتحول الشعور بذلك إلى (لحائنا) الشعوري كمستودع للقيم.،إذا صح التعبير.
فعندما يعترضنا حادث ما يتطلب اتخاذ موقف معين (كمنبه شعوري). فإننا نعي هذا الموقف، ونتخذ القرار بصدده سلباً أو إيجاباً من خلال ما في (لحاء نفوسنا) من معاني القيم والمفاهيم والمبثق عنها عدد من الإعتقادات ..
(كما سبق ودرسنا في البرمجة العصبية .. مستوى الممارس الأول. ) .
فذو النخوة مثلاً، قد يضحي بمصلحته، وقد يخاطر بحياته نجدة لإنسان في مأزق، أما معدوم النخوة فلا يبالي.
ذلك أن هذا المأزق قد أثار في نفس الأول من القيم الإنسانية ما حفزه إلى نجدة المحتاج، أما الثاني فلم يجد المأزق لديه أي قيمة إنسانية يثيرها في (لحائه الشعوري) فكان هذا المأزق بلا معنى، وظل معدوم النخوة ساكناً بلا حراك (وذلك على مثال من أصاب التلف مركزه الحسي أي (لحاءه الدماغي كما لحظنا آنفاً).
ج - الإحساس والإدراك:
كلما ازداد التباين بين الإحساس وما يحيط به من أطر وملابسات، يزداد الإحساس وضوحاً .. فوقع الصوت في السكون، هو أقوى منه في الضوضاء. واللون الأبيض على سطح أسود، هو أبرز من اللون الأحمر على الأسود .
والمشاعر تخضع لهذا القانون... فالضحك في مأتم هو أدعى لإثارة مشاعر الاستهجان أو الغضب وما إليها، كما العويل في عرس. أما الضحك في عرس، أو العويل في مأتم، كمن يكتب بالأبيض على الأبيض أو بالأسود على الأسود، ليس ثمة ما يدعو لإثارة أي مشاعر إنسانية أخرى.
والآن...... هل يجوز لنا ( بعد التمعن في الإختلافات والتفهم للمتوافقات ) ... أن نعتبر الشعور حاسة أيضاً
.................................................. .................................. ولو من نوع خاص؟؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعلم وتعلمون أن .......لكل حاسة من الحواس الخمس آلة عضوية خاصة تردّ بها على التنبيهات الخارجية بإحساس معين... فالأذن هي آلة حاسة السمع، والعين هي آلة حاسة البصر. وهكذا...
ولكن السؤال الذي يدور في ذهني هو : ...
ما هي الآلة التي تحس بالشعور في حالاته أو انفعالاته، عندما تتدفق معها المعاني والصور في تيار نفسي؟ ؟؟؟؟
بتعبير أبسط.... أية حاسة أو ملكة تستطيع أن تجعلني أعي حالاتي الشعورية التي تعتمل في داخلي؟؟؟؟؟؟
لا شيء يجعلني قادرة على إدراك حالاتي الشعورية ووعيها إلا شعوري ذاته، وذلك بانعكاسه على نفسه.
بل إن أحداً لن يستطيع أن يستدل على أي من الحالات الشعورية التي يحياها الآخرون إذا لم يكن قد سبق له أن عاناها هو بالذات.
فمن لم يعش مشاعر القهر والحرمان والغربة مثلاً، لا يمكن أن يشعر بحقيقة هذه الحالات لدى الآخرين إطلاقاً،
وقد قال الشاعر: (لا يدرك الحب إلاّ من يكابده).
لذلك .. هل نعتبر الشعور حاسة ... ؟؟ أم أنه يتعذر ذلك لوجود شروط لابد من توفرها فيه ؟؟
قد لايمكننا اعتبار الشعور حاسة من الحواس لوجود بعض الوجوه من الاختلاف الجوهري بين الحواس الخمس والشعور و تنبع من تدرج الحواس الخمس على سلم من الكثافة المادية، ومن تجرد الشعور المطلق عن المادة .
1-في الفارق العضوي:
إن أول اختلاف بين الحواس الخمس والشعور يتجلى في أن للحواس الخمس أعضاء حاسة تستجيب بها لمختلف التنبيهات الحسية، وفي أنه ليس للشعور عضو خاص يدرك به حالاته إلا ذاته، فهو آلة وعي ذاته.
2-في ظاهرة التنبيه:
لا بد للحواس الخمس من منبه حسي ما يؤثر في العضو الحاس.. إما مباشرة كما في اللمس والذوق والشم، وإما بصورة غير مباشرة، كما في المرئيات والسمعيات.
أما الشعور فلا يمكن أن ينبهه إلا معنى ما. فإذا كانت المنبهات الحسية تستطيع أن تثير في النفس شتى الانفعالات فإن هذه الانفعالات لا يمكن أن تتحول إلى حالات شعورية إلا من خلال معانيها.
فأثر الصفعة على الخد مثلاً، يرتبط بمعنى الموقف. فإذا كان الأمر مزاح صديق أو دعابة حبيب، ظل محدوداً في نطاق الألم الموضعي، هذا إن شعر مثل هذا الإنسان بألم ما. أما إذا كان الأمر جداً أو من عدو، فإن أثر الصفعة يتعدى الجسد إلى مشاعر الكرامة، فيطغى ألم النفس بذلك على ألم الجسد، مهما تكن الصفعة قوية.
بل إن الكلمة النابية التي لا تؤذي الجسد أصلاً، قد تكون أحز في المشاعر وأقطع في النفس من طعن الجسد بسكين. ومنه قول الشاعر: جِراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
3-في عتبة الإحساس:
كيما تتنبه حاسة اللمس في أطراف الأصابع بالضغط مثلاً، لا بد لها من ثقل يزن ثلاثة غرامات على السنتمتر المربع. وكيما تتنبه حاستا الذوق والشم بطعم ما أو رائحة، لا بد من مزج كميات محدودة منهما في مقادير معينة من السوائل المائية أو الهوائية. وكيما تتنبه حاسة البصر بضوء ما، لا بد أن يقع طول موجة شعاعه بين 390-670 ميلليمكرون. وكيما تتنبه حاسة السمع بصوت ما، لا بد أن تقع ذبذبات موجاته بين (20.2)ألف في الثانية.
أما مسألة تنبيه الشعور لإثارة بعض الحالات فإنها لا تخضع إطلاقاً إلى أي شرط كمي محدد. فقد تجرح كرامة أحدهم نبرة صوت، أو تقطيبة جبين، أو ليّة عنق. وقد لا يشعر آخر بأي مهانة في أن يركع مطأطئ الرأس لقضاء حاجة عابرة. في الحواس (كم)، وفي الشعور (كيف). هناك أرقام ومقادير، وهنا (في الشعور ) تربية وثقافة.
4-في عتبة الفارق الحسي:
تتكيف الحواس مع أحاسيسها المعتدلة بسرعة، فلا تدرك الزيادة أو النقصان فيها إلا إذا زادت شدة المنبه أو نقصت بنسب معينة.
ففي الإحساس بالضغط مثلاً، يجب أن تبلغ الزيادة أو النقصان 1/20 من وزن الثقل كيما يحس الإنسان بالفارق بين الضغطين. أما مقدار هذه النسبة لبقية الحواس فهي 1/100 للإحساس البصري، 1/5 للإحـســاس بالحرارة 1/3 للإحساس الشمي والذوقي، وهذه النسب تعرف بكمية (فيبير).
ولما كانت الحواس تتكيف بسرعة مع أحاسيسها المعتدلة، فهذا يعني أن الإنسان لا يحس إلا بالفارق الحسي الذي يسميه علم النفس عتبة الفارق. (مبادئ علم النفس للدكتور يوسف مراد ص65-66).
ولما كان الشعور لا يخضع أصلاً لشروط عتبة الإحساس، فمن البداهة أن لا يخضع لشروط عتبة الفارق الحسي.
أما عتبة فارق الحس الشعوري (إن صح التعبير) للإنسان الواعي الشديد التهذيب عند تعرضه لعبث طفل، أو حماقة جاهل، إنما هي أكثر بكثير منها لدى الشخص العادي.
فالقضية بالنسبة للأول ليست مجرد ضبط نفس وحسب، وإنما هي فوق ذلك انعدام الشعور بالمهانة. فالفارق الثقافي والتربوي بين المستويين هو الذي يجعل فارق الحس الشعوري بينهما كبيراً جداً، وإن تعرضا لذات الإثارة.
بينما عتبة فارق الحس الشعوري للإنسان العاشق الرقيق العاطفة الغارق لأذنيه هياما بالحبيب مثلاً، إنما هي أرهف بما لا يقاس مما هي مع الآخرين، فقد يجمد الدم في العروق لنظرة باردة، وقد تهتز المشاعر حتى الأعماق لبسمة حانية.
5-في انتقال الأحاسيس:
إن تنبيه الحواس الخمس لا يمكن أن يتعدى جسد صاحبها إلى أجساد الآخرين، فمن يتذوق طعماً طيباً لا ينتقل بالعدوى إلى غيره، وليس من يُقرع بالعصي كمن يعدُّها، كما يقول المثل.
ولكننا نستطيع أن نحسّ بمشاعر الآخرين عن طريق المشاركة الوجدانية من خلال مواقفهم عندما نعيها. فصرخة (وامعتصماه) التي أطلقتها امرأة عربية في أسر الروم، قد أثارت مشاعر الكرامة والعزة والنخوة في نفس المعتصم، فتحرك إلى قتالهم لإنقاذها.
وبالمقابل ....
هناك أيضا وجوه من التوافقات الجديرة بأن تؤخذ في الإعتبار بين خصائص الشعور والحواس الخمس :
إن وجوه التوافق بينهما تعود أصلاً إلى قيامهما على التوازي بوظيفتي الإحساس والإدراك، ومن هذه المتوافقات:
أ- ظاهرة الإحساس:
- عندما تتلقّى إحدى حواسنا تنبيهاً ما، فإن عصباً حسياً معيناً هو الذي ينقل هذا الإحساس إلى المركز الحسي المختص في اللحاء (القشرة الدماغية) ولو نبه هذا العصب المورد بطريقة صنعية (تيار كهربائي، ضغط، مواد كيماوية)، لحصل الإحساس نفسه في اللحاء أيضاً.
ولذلك إذا نبه العصب الذي كان يربط أصابع اليد قبل قطعها، فإن صاحب اليد المقطوعة يحس بشيء من التنميل في أطراف أصابعه وكأنها لا تزال موجودة، وهذا ما يسمى بخداع المبتور .
وذلك يشابه تماما ما يحدث في مجال الشعور..
فقد تثار مشاعرنا لحالات سبق لنا أن عانيناها في مواقفنا الخاصة، بمجرد ما نقرأ عنها في قصيدة أو قصة، أو نسمع عنها في حكاية أو نشاهدها في مسرح أو على شاشة...( وهذا ما يتيح للثقافة والفنون أن تؤديا أدوارهما في تهذيب مشاعرنا وتنميتها، وذلك بما تتيحه لنا من الفرص لاستعادة حالاتنا الشعورية السابقة (المبتورة) ونحن أهدأ نفسا وأكثر موضوعية وأغنى تجربة ).
ب - المنّبه الخارجي لا يولّد الإحساس، وإنما يحوّل الإحساس الكامن في اللحاء إلى إحساس فعلي واضح.
وإن المنبه الحسي هو مجرد منشط للطاقة الداخلية وللإحساس الكامن. فوظيفة الجهاز العصبي الذي ينقل هذه التنبيهات إلى اللحاء الدماغي، هي توجيه آثار هذا التنشيط وتركيزه وتحديده في المناطق الخاصة به من البدن، وإن كانت هذه المناطق مبتورة كما في المثال السابق.
أما إذا كان المركز الحسي في اللحاء قد أصابه التلف، فلا جدوى من تنبيه العصب الحسي المورد الخاص به وإن بقي العضو دون بتر.
ولذلك فنحن عندما نحس بالأشياء والمنبهات، فإننا نحس أنفسنا بأنفسنا بفعل تأثير المنبهات الخارجية في حواسنا
وهكذا الأمر مع مشاعرنا. فنحن عندما نعي حالة شعورية نعانيها، إنما نعي شعورنا بشعورنا، كما نحس أنفسنا بأنفسنا، ليتحول الشعور بذلك إلى (لحائنا) الشعوري كمستودع للقيم.،إذا صح التعبير.
فعندما يعترضنا حادث ما يتطلب اتخاذ موقف معين (كمنبه شعوري). فإننا نعي هذا الموقف، ونتخذ القرار بصدده سلباً أو إيجاباً من خلال ما في (لحاء نفوسنا) من معاني القيم والمفاهيم والمبثق عنها عدد من الإعتقادات ..
(كما سبق ودرسنا في البرمجة العصبية .. مستوى الممارس الأول. ) .
فذو النخوة مثلاً، قد يضحي بمصلحته، وقد يخاطر بحياته نجدة لإنسان في مأزق، أما معدوم النخوة فلا يبالي.
ذلك أن هذا المأزق قد أثار في نفس الأول من القيم الإنسانية ما حفزه إلى نجدة المحتاج، أما الثاني فلم يجد المأزق لديه أي قيمة إنسانية يثيرها في (لحائه الشعوري) فكان هذا المأزق بلا معنى، وظل معدوم النخوة ساكناً بلا حراك (وذلك على مثال من أصاب التلف مركزه الحسي أي (لحاءه الدماغي كما لحظنا آنفاً).
ج - الإحساس والإدراك:
كلما ازداد التباين بين الإحساس وما يحيط به من أطر وملابسات، يزداد الإحساس وضوحاً .. فوقع الصوت في السكون، هو أقوى منه في الضوضاء. واللون الأبيض على سطح أسود، هو أبرز من اللون الأحمر على الأسود .
والمشاعر تخضع لهذا القانون... فالضحك في مأتم هو أدعى لإثارة مشاعر الاستهجان أو الغضب وما إليها، كما العويل في عرس. أما الضحك في عرس، أو العويل في مأتم، كمن يكتب بالأبيض على الأبيض أو بالأسود على الأسود، ليس ثمة ما يدعو لإثارة أي مشاعر إنسانية أخرى.
والآن...... هل يجوز لنا ( بعد التمعن في الإختلافات والتفهم للمتوافقات ) ... أن نعتبر الشعور حاسة أيضاً
.................................................. .................................. ولو من نوع خاص؟؟