المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماهو الشعر .. ؟


المهند
25-04-2002, 02:52 PM
الشِّـعـْـرُ فنُّ العربية الأول، وأكثر فنون القول هيمنة على التاريخ الأدبي عند العرب، خصوصًا في عصورها الأولى؛ لسهولة حفظه وتداوله. وقد شاركته في الأهمية بعض الفنون الأدبية الأخرى كالخطابة. وبعد تطور الكتابة وانتشارها واتصال العرب بغيرهم، دخلت بقية الفنون الأدبية الأخرى، المتمثلة في النثر بأشكاله المختلفة لتساهم جنبا إلى جنب، مع الشعر في تكوين تراث الأدب العربي.
ويُعدُّ الشعر وثيقة يمكن الاعتماد عليها في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم، ويلخص ذلك قولهم: الشعر ديوان العرب.
حاول النقاد العرب تقديم تصوُّر عن الشعر ومفهومه ولغته وأدائه. وقد ظهرت تلك المحاولة في تمييزه عن غيره من أجناس القول، فبرز الوزن والقافية بوصفهما مميزين أساسيين للشعر عن غيره من فنون القول، لذلك ترى أكثر تعريفاتهم أن الشعر كلام موزون مُقَفَّى. وأهم مايميّز الشعر القديم حرصه على الوزن والقافية وعلى مجيء البيت من صدر وعجز. لكن الناظر في كتبهم يلاحظ أن مفهومهم للشعر يتجاوز الوزن والقافية إلى جوانب أخرى، وذلك من خلال تعرفهم على الشعر في مقابلة الفنون الأخرى، فيصبح مثلها؛ مهمته إيجاد الأشكال الجميلة وإن اختلف عنها في الأداة.
ومن ثم ظهر الاهتمام بقضايا الشعر ولغته، فظهرت الكتب في ضبط أوزانه وقوافيه، كما ظهرت دراسات عن الأشكال البلاغية التي يعتمدها الشعراء في إبداع نصوصهم، مثل: الاستعارة والتشبيه والكناية وصنوف البديع.
وكما ظهرت كتب تقدم وصايا للشعراء تعينهم على إنتاج نصوصهم، وتُبَصِّرُهم بأدوات الشعر وطرق الإحسان فيه، ظهرت كتب أخرى في نقد الشعر وتمييز جيده من رديئه. كما اهتمت كتب أخرى بجمعه وتدوينه وتصنيفه في مجموعات حسب أغراضه وموضوعاته. وقد جعلوا الشعر حافلاً بوظيفتي الإمتاع والنفع، فهو يطرب ويشجي من جهة، ويربي ويهذب ويثبت القيم ويدعو إلى الأخلاق الكريمة وينفر من أضدادها من جهة أخرى ...
... كما يعد المفضل بن محمد الضبي من أبرز رواة الكوفة، وكان عالماً بأشعار الجاهلية، وأخبارها وأيامها، وأنساب العرب، وأصولها. وقد اختار مجموعة من أشعار العرب عُرفت بالمفضليات. وهي مطبوعة ومتداولة. انظر: الجزء الخاص بالمفضليات في هذه المقالة. ومن الرواة الكوفيين أيضًا أبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وابن السكّيت، وثعلب، وغيرهم. ولكل راوية من هؤلاء الرواة ترجمة في هذه الموسوعة.
مجموعات الشعر
الشعر ديوان العرب. وكان اهتمامهم بالشّاعر، قديمًا، أكثر من اهتمامهم بالكاتب، لحاجتهم إلى الشاعر. وقد عبّروا عن هذا الحرص على الشعر والاهتمام بالشاعر في عنايتهم بما اصطلح على تسميته بمجموعات الشعر.
وهذه المجموعات أقرب إلى ديوان الشعر بما تحويه من أشعار لعدد من الشعراء. وترتبط نشأتها بحركة رواية الشعر في عصر التدوين، في القرن الهجري الأوّل. ثم أخذ الرواة، بعد ذلك، يتناقلون هذا التراث جيلاً بعد جيل.
ومن أشهر هؤلاء الرواة أبو عمرو بن العلاء والأصمعي والمفضّل الضبي وخلف الأحمر وحماد الراوية وأبو زيد الأنصاري وابن سلاّم الجمحي وأبو عمرو الشيباني وغيرهم. انظر: الجزء الخاص برواية الشعر ورواته في هذه المقالة.
فكرة المجموعات. تختلف هذه المجموعات تبعًا لفكرة كل مجموعة منها، فبعضها يرمي إلى إثبات عدد من القصائد المطولة المشهورة وهي المعلقات. وبعضها قد يكتفي بالأبيات الجيدة المشهورة يختارها من جملة القصيدة وهي المختارات، ومنها ماوقف عمله على الشعر الجاهلي لا يتعداه، على حين زاوج بعضها بين الجيّد من شعر الجاهلية والإسلام.
وتقدم المجموعات فائدة أكبر من فائدة الدواوين؛ لأن الأخيرة أضيق مجالاً لوقوفها عند شاعر بعينه لاتتجاوزه، في حين نجد المجموعة أوسع مجالاً لتنوع الموضوعات وتعدّد الشعراء. فهي أقدر على تصوير ذوق العصر بإعطائها خلفية أوسع عن الحياة الاجتماعية، وإن كان ذوق مصنّفها لا يغيب عنها في كل الأحوال.
وأشهر هذه المجموعات:
المعلقات. مصطلح أدبي يطلق على مجموعة من القصائد المختارة لأشهر شعراء الجاهلية، تمتاز بطول نفَسها الشعري وجزالة ألفاظها وثراء معانيها وتنوع فنونها وشخصية ناظميها.
قام باختيارها وجمعها راوية الكوفة المشهور حماد الراوية (ت نحو 156هـ، 772م).
واسم المعلقات أكثر أسمائها دلالة عليها. وهناك أسماء أخرى أطلقها الرواة والباحثون على هذه المجموعة من قصائد الشعر الجاهلي، إلا أنها أقل ذيوعًا وجريانًا على الألسنة من لفظ المعلقات، ومن هذه التسميات:
السبع الطوال. وهي وصف لتلك القصائد بأظهر صفاتها وهو الطول.
السُّموط. تشبيهًا لها بالقلائد والعقود التي تعلقها المرأة على جيدها للزينة.
المذَهَّبات. لكتابتها بالذهب أو بمائه.
القصائد السبع المشهورات. علَّل النحاس أحمد بن محمد (ت 338هـ،950م) هذه التسمية بقوله: لما رأى حماد الراوية زهد الناس في حفظ الشعر، جمع هذه السبع وحضهم عليها، وقال لهم: هذه المشهورات، فسُميت القصائد السبع المشهورات لهذا.
السبع الطوال الجاهليات. أطلق ابن الأنباري محمد بن القاسم (ت 328هـ ، 939م) هذا الاسم على شرحه لهذه القصائد.
القصائد السبع أو القصائد العشر. الاسم الأوّل هو عنوان شرح الزوزني الحسين بن أحمد (ت 486هـ، 1093م)، أما التبريزي يحيى بن علي (ت 502هـ، 1109م)، فقد عنْون شرحه لهذه القصائد بـ شرح القصائد العشر....
موسيقى الشعر
تعني موسيقى الشعر مراعاة التَّناسب في أبيات القصيدة بين الإيقاع والوزن، بحيث تتساوى الأبيات في عدد المتحركات والسواكن المتوالية، مساواة تحقق في القصيدة ما عرف بوحدة النغم. وهذه الموسيقى اتخذت معايير متعدّدة. منها مايتَّصل بعروض الشعر وميزانه، ومنها مايتصل بقافيته ورويّه، وهذا يحقّق إيقاع الشعر وموسيقاه.
العَرُوض. أما العروض فهو ميزان الشّعر الذي به يُعرف صحيحه من مكسوره. وهي مؤنثة. وأصل العَروض لغةً: الناحية، من ذلك قولهم: أنت معي في عروض، أي: ناحية.
وهو علم من علوم الشعر. ويحتمل أن يكون قد سُمّي عَروضًا لأن الشعر يُعرض عليه، فما وافقه كان صحيحًا وماخالفه كان فاسدًا. وقد اختلفت الآراء في سبب تسمية هذا العلم: العَروض. فمنهم من قال: إنه سُمِّي باسم المكان الذي وضع فيه، لأن مؤلفه، الخليل بن أحمد الفراهيدي، فتح عليه بهذا العلم في العروض أي في مكة. وهناك من قال: إنه سمي باسم الجمل الذي يصعب ترويضه، وهو العَروض، فسمي من باب التشبيه. وقد اقتبست أكثر مصطلحاته من أجزاء الخيمة ومستلزماتها نحو: الوتد والسبب والضرب والرّكن والمصراع، والخبن والطي وهما لقماش الخيمة. وكذلك أثر سير الجمل بأنواعه المختلفة وحركاته المتنوعة في موسيقى الشعر، إذ رُوي أن بعض أوزان الشعر العربي نشأت تقليدًا لحركة الجمل. فبحر الرّجز وبحر مجزوء الكامل هما أقرب الأوزان محاكاة لسير الجمل.
ويقسَّم بيت الشعر إلى صدر وعجز. ويقوم البيت على تفعيلات، حيث تسمى آخر تفعيلة في صدر البيت بالعروض وهي تفعيلة ذات أهمية في البيت كله؛ لأن بناء القصيدة كله يقوم عليها. وتُعرف التفعيلة الأخيرة من عجز البيت بالضَّرْب، وهي تلي تفعيلة العروض في الأهمية، حيث تحدد مايجب أو يجوز أن تكون عليه صدور الأبيات.
ويتألف البيت من تفعيلات مختلفة الأحرف، منها ماهو خماسي أيّ من خمسة أحرف وهما: فعولن وفاعلن، ومنها ما هو من سبعة أحرف وهي: مفاعيلن ومُفَاعَلَتنْ، ومستفعلن، وفاعلاتُن ومُتفاعلن، ومستفع لن، ومفعولات، وفاع لاتن. وهي في جملتها عشر تفعيلات. ومنها تكون جميع أوزان البحور السّتة عشر.
ولمعرفة هذه التفعيلات، يُكتب بيت الشعر كتابة عَروضية، لها قاعدتها التي تُجمل في أن يُكتب التنوين نونًا ساكنة مثل: بيتٌ بيتُنْ. والشدّة تكتب حرفين: الأول ساكن والثاني متحرك بحركته التي على الشّدة مثل: السَّماء = ءسْسَمَاء. ومثل الحرّية = الحُرْرِية. وألف المدِّ يُكتب ألفين: الأول متحرك بالفتحة والثاني ساكن مثل آخر= أَأْخر. والألف والواو والياء تكون ساكنة إلا أنْ يجيء مايحركها في الإعراب أو في البناء، مثل دعَاْ ويدنوْ ويجريْ. وأل الشمسيّة تُكتب همزةً ويكون ما بعدها مشددًا، نحو: الشمس = أشْشَمس. وأل القمرية تُكتب لامًا ساكنًا، نحو: طلع القمر = طلعَلْقمرُ.
وفي بعض الأوزان، تُشْبَع الحركات في أواخر الكلمات في الأبيات لتتولد الألف من الفتحة والواو من الضمة والياء من الكسرة. نحو: قرأ الكتابا: عصر حانَ مشيبُبْو. تُلمُّ بغائبِيْ.
وهكذا، يكتب بيت الشعر كتابةً عروضية تُطبق فيها قواعد الكتابة العروضية المعتمدة على الصوت لا على الإملاء، وتوضع الحركات على كل حروف كلمات البيت، ثم تنقل الحركاتُ تحت أحرف الكلمات: كُلّ حركة تقابل حرفها تمامًا، حيث اتُّفق أن يُوضع للحركة خطّ صغير، وللسُّكون دائرة صغيرة مثل كتابٌ. تُكتب: كِتَاْبُنْ. وتكون الحركات تحتها كما يلي:
//ه/ه.
فإذا أردنا أن نطبق هذه القاعدة مثلاً على بيت عمرو بن كلثوم:
وأنَّا المطْعمــون إذا قَدَرْناوأنَّا المهْلكون إذا ابتُلينا
تكون كتابته العروضية هكذا:
وأننلمط عمون إذا قدرناوأننلمه لكون إذب تُلينا
ويقابَل هذا البيت بالرموز: الشَّرْطة للحرف المتحرك، والدائرة الصغيرة للحرف الساكن هكذا:
//ه/ه/ه //ه///ه //ه/ه //ه/ه/ه //ه///ه //ه/ه
ثم ينظر في هذه الحركات والسواكن ماذا تقابل من أوزان البحور، وعليها نُحدد بحر البيت، حيث كان في هذا البيت بحر الوافر وخرج وزنه:
مفاعلْتن - مفاعلَتن - فَعُولن - مفاعلْتن - مفاعلتن - فعولن
والتّفيعلات التي هي أساسُ أوزان البحور، يقابلها من الحركات والسواكن مايأتي:
التفعيلتان الخماسيّتان فعُولنْ-وفاعِلن يقابلهما:
//ه/ه /ه//ه
والتفعيلات السباعية كمايلي:
مََفَاْعيلن مُفاعَلتُن مُستفعلُن فاعِلاتُن
ـ ـ ه ـ ه ـ ه ـ ـ ه ـ ـ ـ ه ـ ه ـ ه ـ ـ ه ـ ه ـ ـ ه ـ ه
مُتَفَاعِلُنْ مُستفِعلن مَفْعُولات فاعِ لاتُنْ
ـ ـ ـ ه ـ ـ ه ـ ه ـ ه ـ ـ ه ـ ه ـ ه ـ ه ـ ـ ه ـ ـ ه ـ ه
وهكذا يسير التقطيع في كل بيت شعر يُرَاد الوصول إلى وزنه.
وقد تعتري التفعيلات زِحافات وعلل فَيَحْدُثُ فيها تغييرٌ بنقص أو زيادة.
فالزحاف منه الفردي ومنه المزدوج.
والعلة منها التي للزّيادة ومنها التي للنقص والفرق بينهما أن الزحاف يحدث في العَروض والضَّرب وبقية أجزاء البيت. والعلة لاتقع أصالة إلا في العَروض والضّرب فقط، وهي تُلزم، لكنَّ الزّحاف لايُلزمُ.
وتُقسم التفعيلات إلى مقاطع تُعرف بالأسباب والأوتاد والفواصل.
فالأسباب سببان: سبب خفيف يتألف من حرف متحرك وآخر ساكن مثل لـَنْ (ـ ه)، وسبب ثقيل يتألف من حرفين متحركين مثل: لـَكَ (ـ ـ).
والوتد المجموع هو الذي يتألف من ثلاثة أحرف اجتمع فيها متحركان والثالث ساكن، نحو: صـَبـَاْ (ـ ـ ه)
والوتد المفروق هو الذي اجتمع فيه ثلاثة أحرف الأول والثالث متحركان بينهما ساكن نحو لـَيْسَ (ـ ه ـ)
والفاصلتان صغرى وكُبرى:
الفاصلة الصغرى هي التي فيها أربعة أحرف الثلاثة الأولى متحركة والرابع ساكن نحو فـَرِحَتْ (ـ ـ ـ ه).
والفاصلة الكبرى هي التي فيها خمسة أحرف الأربعة الأولى متحركة والخامـس ساكـن نحــو: بـَرَكَـةٌ (----ه)...
مدارس الشعر العربي الحديث
بدأت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي بشائر نهضة فنية في الشعر العربي الحديث، وبدأت أول أمرها خافتة ضئيلة، ثم أخذ عودها يقوى ويشتد حتى اكتملت خلال القرن العشرين متبلورة في اتجاهات شعرية حددت مذاهب الشعر العربي الحديث، ورصدت اتجاهاته. وكان لما أطلق عليه النقاد مدارس الشعر أثر كبير في بلورة تلك الاتجاهات التي أسهمت في بعث الشعر العربي من وهدته كما عملت على رفده بدماء جديدة، مستفيدة من التراث العالمي آخذةً ما يوافق القيم والتقاليد. وتعد مدرسة الإحياء والديوان وأبولو والمهجر والرابطة القلمية والعصبة الأندلسية وجماعة مجلة الشعر أشهر هذه المدارس، إذ إنها قدمت الجانب النظري وأتبعته بالجانب العملي التطبيقي؛ فكان نقادها يُنَظِّرُون وشعراؤها يكتبون محتذين تلك الرؤى النقدية. وسنورد هنا كلمة موجزة عن كل مدرسة من هذه المدارس.
مدرسة الإحياء. يمثِّل هذه المدرسة من جيل الرواد محمود سامي البارودي، ثم أحمد شوقي، ومن عاصره أو تلاه مثل: حافظ إبراهيم وأحمد محرم وعزيز أباظة ومحمود غنيم وعلي الجندي وغيرهم.
وهذه المدرسة يتمثّل تجديدها للشعر العربي في أنها احتذت الشِّعر العباسي، إذ تسري في قصائد شعرائه أصداء أبي تمام والبحتري والمتنبي والشريف الرضيّ. فتجديدها إذن نابع من محاكاة أرفع نماذج الشعر وأرقى رموزه في عصور الازدهار الفني، وبخاصة العصر العباسي.
لا ينبغي تجاهل عنصر الطاقة الذاتية الفذّة التي كانت لدى كل من رائدي هذه المدرسة خاصة، وهما: البارودي وشوقي. لقد قرآ التراث الشعري قراءة تمثل، وتذوقا هذا التراث، وأعانتهما الموهبة الفذّة على إنتاج شعر جديد لم يكن لقارىء الشعر الحديث عهد به من قبل، إذ قبيل اشتهار البارودي عرف الوسط الأدبي شعراء أمثال: علي الليثي، وصفوت الساعاتي، وعبد الله فكري، غلبت على أشعارهم الصنعة اللفظية، واجترار النماذج الفنية في عصور الضعف، والاقتصار على المناسبات الخاصة مثل تهنئة بمولود، أو مداعبة لصديق، هذا إلى مدائح هؤلاء الشعراء للخديوي وغيره، مع افتقار إبداعاتهم الشعرية للتجربة والصدق الفني. لقد ابتعد الشعر العربي إذن، قبل البارودي، عن النماذج الأصيلة في عصور الازدهار، كما افتقد الموهبة الفنية.وبشكل عام، فإن فن الشعر قبل البارودي قد أصيب بالكساد والعقم.
ولقد برزت عوامل شتى أعادت للشعر العربي، على يد البارودي وشوقي، قوته وازدهاره، فإلى جانب عامل الموهبة، فإن مدرسة البعث والإحياء كانت وليدة حركة بعث شامل في الأدب والدين والفكر؛ إذ أخرجت المطابع أمهات كتب الأدب ـ خاصة ـ مثل: الأغاني، ونهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، كما أخرجت دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وكان الشيخ محمد عبده قد حقق هذه الكتب وسواها، وجلس لتدريسها لطلاب الأزهر ودار العلوم، فضلاً عن الصحوة الشاملة في شتَّى مرافق الحياة، والاتصال بالثقافة الحديثة وصدور الصحف والمجلات، وانتشار التعليم.
ولقد عبر البارودي عن مأساة نفيه، في أشعاره، بأصدق تجربة وأروع لغة، وترك ديوانًا عده الدارسون بكل المقاييس، البداية الحقيقية لنهضة الشعر، والصورة الجلية لرائد مدرسة الإحياء والبعث....

من الموسوعة العربية العالمية ..

تحياتي
المهنــد

سعد ناصر الدين
30-05-2002, 10:06 PM
بارك الله فيك أيها المهند، فاختيارك لموضوع كهذا ، إنما لا يخطر إلا ببال المتفقه بأمور العربية من جهة ومن يستحق أن يكون في المقدمة ...
إن الشعر تعبير فني، وله خصوصيته التي تميزه عن بقية الأنواع الأدبية. والسلف يصنفون الشعر في الآداب فحسب، ويشعرون في لفتاتهم النقدية بأنه فن جميل، ويتسع مدى معرفتهم بعلاقته بأحد فروع الفنون الجميلة، وهو فرع الموسيقى .
وتطور العلم البشري، واكتسب التصنيف العلمي دقة وتمحيصاً، فأدخلت الأنواع الأدبية - بما فيها الشعر- في الفنون الجميلة.
قال أبو عبدالرحمن : وإذن نبدأ بتحليل الشعر في تصنيفه العلمي من الأعم إلى الأخص، فنرى أولاً أنه فن جميل
وفي نفس الوقت نرى أن الشعر في ذاته نص فني، أو نموذج جمالي.. وهذا يقتضي أن يكون له علم خاص به كأي حقل معرفي .
وعلم الشعر نقده، ونظريته، وتاريخه، وظواهره الأصولية .. إنه متن لعلم .
وبما أن الجمال هو أعم ما يُصنف فيه الشعر: فإن علم الجمال ونظرياته هو أساس قيم الشعر النقدية .
ومن أهم هذه العلاقات ما لم تتم هوية الشعر إلا به، وذلك هو المدد الموسيقي للشعر.
ومنها ما لا تكمل جماليته بدون واحد منها كالتصوير .
إذن يضاف ثانية إلى الشعر (النقد، والنظرية) عناصر نقدية من خصوصيات الفنون الجميلة كالموسيقى والتصوير.. وكل ذلك أخص من علم الجمال المتعلق بفلسفة الإحساس بالجمال، وسيكولوجيته، ورسم خصائصه في الذات والموضوع.
ثم ننظر إلى الشعر ثالثة فنراه جمالاً تعبيرياً كلامياً، فنسبر من نماذجه ونماذج الفنون التعبيرية الكلامية الجميلة الأخرى ما يشارك فيه غيره من خصائص جمالية لنحقق الجمال الشعري الأخص.
وحينئذ نسترفد اللغة في متونها وعلومها، ونسترفد البلاغة في علومها ونماذجها لبناء نظرية الشعر - بخاصيته - ونقده .
إذن الغرض من استرفاد متون وعلوم التعبير الكلامي أن نستخلص علم ما هو جميل من الكلام، لنميز خاصية الجمال الكلامي عن بقية الفنون الجميلة، لأننا نسبر فناً من الفنون الجميلة .
والذي يحكم لنا بجمال ما نستخلصه من متون التعبير الكلامي وعلومه هو ما لدينا من نظريات وأصول علم الجمال، وعلوم الفنون الجميلة .
قال أبو عبدالرحمن : وتبقى أمور مقحمة في نظرية الشعر ونقده وعلومة ليست من خاصية الشعر وتصنيفه، فمن ذلك المضمون كأن يكون جميلاً خلقياً أو قبيحاً، وكأن يكون جميلاً منطقياً أو قبيحاً (والمعادل لكل ذلك أن يكون خيراً)، أو شراً، أو حقاً، أو باطلاً) .. فهذه أمور تتعلق بسلوك الفكر، وسلوك الجوارح .. وهذان السلوكان هما مضمون الشعر، وليسا شرط وجوده .
وبيان ذلك بالإلماح إلى ظاهرتين :
أولاهما : أن للغة العربية حقيقة، وهي أن تكون محفوظة عن العرب وقت السليقة، وأن ترتبط بمعناها المأثور، وتسميها حينئذ لغة عربية .
ثم تسمع كلمة أخرى مرتبطة بمعناها، ولكنها ليست محفوظة عن العرب، وهي مما حدث بعد السليقة، وليست جارية على أصول الفصحى، فتحكم بأنها غير عربية، وبأنها عامية أو أعجمية.
ثم تركب الكلمات العربية المأثورة معبراً وداعياً إلى قبح من شر أو باطل، فتظل المفردة عربية، ويظل التركيب عربياً، لأن المضمون الجميل أو القبيح ليس شرط التمييز بالعربية، وتحقيق ماهية اللغة العربية .
وهكذا الشعر ومضمونة .. يظل فسق أبي نواس في فنه الشعري شعراً، لأنه حقق مدلولاً ما هو جميل في التعبير الكلامي وفق أصول مأخوذة من علم الجمال بعامة، ثم من علوم الفنون الجميلة، ثم من خاصية الجمال في التعبير الكلامي .
قال أبو عبدالرحمن : ومعاذ الله أن أكون داعية للباطل والشر والقبح، وإنما أقول : قبح السلوك الفكري والعملي من قيم أخرى خارج دائرة التخصص الشعري يقوم بها المربون والمصلحون، ونبراسهم الدين والأخلاق وعزائم الفكر.. وبغير فن التخصيص الشعري يقولون : أيها الشعراء المدهشون الذين تملكون إبداع النص وظفوا شعركم - باسم المنطق والأخلاق لا باسم التخصيص الشعري - لرسالتكم الحقيقية في الحياة .
وهذا النداء متوجه للغة الشعر الخصوصية، وللغة العلم العادية التقريرية المباشرة، وللغة الخطابة التي هي تعبير بين وبين .
وأخراهما : أن الشعر ومضمونة غيران، وليسا شيئاً واحداً .
وهذه حقيقة تُحرِج من درَّبه بعض معلميه التراثيين مدى عمره الأدبي بأن الشكل والمضمون لا ينفصلان .
قال أبو عبدالرحمن : الانفصال متحقق في وجهتين :
أولاهما : أن تأخذ مضمون النص الشعرى وتعبر عنه بكلام عادي مباشر لا مسحة فيه من الجمال، فتقول : هذا مضمون واحد عَّبر عنه الشاعر فكان شعراً، وعبرتُ عنه فكان نظماً، فالشكلان مختلفان .
وأخراهما : إبقاء المضمون على تعبير الشاعر - وذلك هو الشكل - والتفريق بينهما بالحكم، فتقول : بيت أبي نواس في الخمرة شعر جميل، لأنه عبر عنه بشعر!.
وذلك المضمون قبيح، ولكن بغير ملكة الجمال التي تعطي شكل الشعر خاصيته، وإنما ذلك بحكم الدين والأخلاق اللذين يستقبحان هذا السلوك، فهو جمال فكري معنوي، وليس جمالاً تعبيراً .
وتوظيف الشعر، وشرف مضمونه رسالة لا تعطيك إياها نظرية الشعر التي من الدين والمنطق خارج دائرة النظرية الشعرية التي يتخصص بها ما هو شعر دون ما هو خلق ودين وحقيقة .. أو عصيان وفجور وإباحية .
ولو جاء مدح العفة في نظم عادي لا مسحة فيهمن مسحات الجمال الشعري لكان المضمون جميلاً في الدين والأخلاق، ولكان النص قبيحاً أو بارداً بمفهوم الشعر، أو لكان بارداً لا يثير جمالأ ولا قبيحاً .
إذن حقيقة الجمال الشعري مثول القدرة على التعبير الجميل عن أي مضمون جميل أو قبيح.
قال أبو عبدالرحمن : والذي أحرج القوم في غياب التصور للفصل بين الشكل والمضمون أنهم يطالبون بتحقيق وجودين منفصلين لنص شعري، فتقول : قال أبو نواس شكلاً منفصلاً عن المضمون !! .
وهذا محال بلا ريب، لأن الشاعر حقق مراده بحيله الفني، ولا ينفصل مضمونه عن وسيله أدائه، إلا أن هذه الوحدة غير مؤثرة في محل النزاع .
وإنما محل النزاع القدرة على التعبير الجميل عن مضمون جميل أو قبيح، وهذا متحقق بالجهتين اللتين ذكرتهما آنفاً.
فالشعر قدرة على الأداء الجميل لأي مضمون .
والمضمون إرادة سلوكية فحسب تكون بالشعر وبالكلام العادي .
والتفريق بين المضمون والشكل تفريق لغوي، وتفريق تجربة بشرية .. إنه تفريق مثلاً بين أساليب طه حسين والزيات وسيد قطب ودريني خشبة وأساليب الهمذاني والحريري وكتاب عصور البديع المتكلف لو تناولوا كلهم مضموناً واحداً.. إذن المضمون الواحد قابل التعبير به أكثر من شكل .
أما أنهما لا ينفصلان إذا اجتمعا فتلك قضية أخرى لا تمنع من قدرة الأديب في البداية -قبل الجمع بينهما- من اختيار الأسلوب الذي يريده للمضمون الذي أراده.
ألا ترى أن زيداً من الناس لا ينفصل لحظة من الزمن منذ وجد من كونه حياً أو ميتاً بالتعبير الحقيقي لا المجازي .. فهل كون زيد حياً حتماً أو ميتاً حتماً .. لا ينفصل عن الحياة أو الموت .. هل كونه حتماً كذلك يمنع من كون زيد والحياة غيرين، وكون زيد والموت غيرين ؟!.
قال أبو عبدالرحمن : ومن الأمور الفضولية المقحمة في علم الشعر ونقده ونظريته وتاريخه ما يتعلق بصحة البناء لغة من جهة المفردة والرابطة والصيغة وصحة التركيب نحواً. فهذا شرط عربية اللغة، أو فارسية اللغة، أو إنجليزية اللغة .. إلخ.
والشعر إنما تصطفي نظريتهُ الظاهرةَ الجمالية في التعبير، لا مقومات الصحة لغوياً .
وإذا أراد الشاعر أن يعبر بلغة عربية، فمن شرط إرادته أن يحقق الصفة لشعره بأن يكون عربياً .
وإذا كان حقُّ على عربي أن لا يقول غير الشعر عربي فصيح فليس ذلك من مقتضيات خاصية الشعر، وإنما يطلب لذلك مسوغ من غير نظرية الشعر.
ومسائل البلاغة عناصر جمالية، وهي تراعي قدرة الشاعر على تحقيق مراده، فإذا كانت إرادته أن يقول شعراً فصيحاً فحينئذ يكون عجزه قبحاً بمقتضى النظرية الشعرية .
ومن الأمور الفضولية المقحمة إدخال دلالة الشعر اللغوية والتاريخية والأخلاقية والجغرافية في علم الشعر.
فهذا يسرد نصوص الشعر في وصف الطبيعة بالأندلس، وآخر يسرد النصوص ويبوِّبها على أغراض الشعر من مدح وهجاء وغزل.. إلخ، وثالث يستظهر من نماذج الشعر أسماء الأعلام البلدانية أو الأحداث التاريخية، ثم يسمون ذلك نقداً أدبياً، أو دراسات أدبية .
وإنما كل ذلك تاريخ، وجغرافيا، وترجمة للشاعر.. وعلاقة الشعر بكل ذلك أن الشعر رافد ومصدر.
ولا يدخل في علم الشعر إلا ما رصد ظاهرة جمالية فقننها، أو أرخ لها، أو فلسفها سيكلوجياً رابطاً لها بملكة الإبداع، أو سبرها في المسار الأدبي التاريخي، وذلك هو الأدب المقارن .
قال أبو عبيد عبدالرحمن : وحينما أربط الشعر بشرطه الجمالي : فليس معنى ذلك أن فلسفتي الجمالية جزئية، ولا أنها دونية تقنع بمجانية الجمال للتسلية فحسب!.
بل الجمال في تجربتي العلمية عطاء علمي وفكري، والحس الجمالي ذو مستويات علواً ودنواً تُرصد في الموضوع بناء على مستويات ذاتية علواً ودنواً أيضاً في التربية والفكر والعلم .
وتضمحل مجانية الجمال في الإحساس بمقدار ما يتربى الحس علمياً وفكرياً .
ومن أهم عناصر الجمال الدهشة، والإثارة، والقدرة على التغيير باستقطاب الجمهور المتلقي، والجبروت الفكري، والجدة والابتكار، والإيحاء ، والعظمة.
إنني لا أدعو إلى الجمالية بتعبير شعبي رخيص، وإنما أعبر عن علم ضخم قائم بذاته هو المعيار الثالث من معايير الوجود التي لا معيار آخر إلا وهو مشتق منها.
وكل ذي تجربة علمية عريضة في فن الشعر متناً وعلماً، وكل ذي تطلع إلى مزيد من الكشف والإضافة يؤذيه غاية الإيذاء موقفان غير حميدين :
أولهما: موقف من نظر إلى الشعر (نظرة تاريخية محدودة الزمان والمكان محصورة التجربة العلمية) على أنه فن مستقل غاية الاستقلال عن روافد أخرى، وعن فنون شقيقة يرضع معها من لبان واحد .
فهو مثلا ينظر إلى موسيقية الشعر وفق النموذج المأثور منذ عهد امرئ القيس إلى عهود الموشحات، ولا ينظر إلى المسار التاريخي للجمال في الفنون الجميلة الأخرى (وهو يحفل بمعطيات جمالية يتجدد بها شباب الشعر، ومتعته فلا يبدو مملاً) .
وثانيهما : موقف من تحمس للتجديد بدون تأصيل واحترام لخصوصيات العلوم والفنون التي تميزها .
فعلى سبيل المثال : الموسيقية جزء من ماهية الشعر، وليس من الضروري أن تكون تلك الموسيقية هي معهودنا التراثي التاريخي .
فسلب الشعر موسيقيته تغيير لهوية الشعر، والخلط بين المتغايرات ليس من لغة العلم، ولا من سلوك عصر يحترم التخصص!.
والجمود على المعهود الموسيقي تعطيل للملكة، وانصراف عن مسار جمالي يكتسب منه الشعر وجودة المعتبر.
إذن لابد من الانطلاق بالشعر إلى مجاله الجمالي الأرحب المتدفق، لتكون عناصر التجديد للموسيقى في ذاتها عناصر تجديد في الشعر .
كان البيت في تراثنا ذا لحن واحد، وكانت القصيدة كلها تكراراً للحن البيت ،لأن الموسيقى كانت كذلك .
وصارت الموسيقى هذا اليوم ذات ألحان (كوبليهات)، زكان الموسيقار يتلطف في الانتقال من كوبليه بأنغام تدريجية حتى لا يصدم مشاعر الأذن، فاقتضى الأمر أن تلبي القصيدة هذا المطلب.
وقل (1) مثل ذلك عن بقية الفنون الجميلة ذات العلاقة الوشيجة بالشعر.
سعد ناصرالدين

Abe
01-06-2002, 02:09 AM
المهند وسعد والشعر العربي ؟؟؟؟؟؟؟؟ يعني قوة مضاعفة فتاكة :p :D ..........
اولا : ماشاء الله لاقوة الا بالله عليكم وعيني عليكم باردة ان شاء الله :cool: :o :p

ثانيا : الف مليون شكرا قد لاتستطيع ايفائكم حقكم من الشكر والتقدير على ماقدمتموه ولذلك اقول لكم ......... جزاكم الله خيرا .

ثالثا :المعلومات التي اوردتموها عن الشعر العربي بحق تستحق كل الاشادة لانها معلومات وافية وشافية وشاملة لكل مايمكن ان يتسائل عنه السائل عن الشعر العربي ممن يريد التعرف على هذا الفن ........ فشكرا .

تحياتي للجميع ........... آبي

سعد ناصر الدين
06-08-2004, 02:35 AM
إخواني
ارتأيت تثبيت هذا الموضوع، ليتمكن من الاطلاع عليه من فاته قراءته، لما فيه من معلومات حول الشعر والتعريف به

نايف الشنوان
08-09-2004, 02:58 AM
الموضوع جدا رائع وليس لنا عن مثله غنى
وقد أتيت واستقيت أسجل تقديري لكما "هنا"


ماننحرم

صخر فلسطين
09-09-2004, 11:22 PM
سيدي الفاضل المهند
سلام الله عليك ورحمته وبركاته
كلنا يعرف من انت
ونعرف قدر حسن أدارتك ومتابعتك لمنتدانا وحرصك ومن معك من خيرة المشرفين والمراقلبن
ولكن ان يكون لديك الوقت انت والاستاذ سعد لان تتحفونا بهكذا مواضيع شافيه وكافيه
فهي اثبات منكم انكم وأن كان التعب يساوركم حينا ساعه بخلجات الم وأخرى ببسمات سعاده
الا ان المنتدى ومن يتواجد به من اعظاء وضيوف هم شاغلكم الوحيد
وأن كنا كأعظاء نستحق منكم كل هذا الكرم
فللشهاده اقولها باسمي وبأسم كل المتواجدين في هذا الصرح الذي صنعته جهودكم الجباره
انكم تستحقون منا كل الشكر والتقدير والعرفان
والشكر موصول لكل المشرفين والمراقبين
دمتم لنا يا سيدي
وكفانا فخرا اننا مجرد ايادي خاويه
لا يزينها الا رفع المهند
اخوك
زياد

الخير
06-02-2005, 10:04 PM
يرفع ..

وحوش السامبا
01-06-2005, 04:02 PM
مشكور للفائده