المهند
25-04-2002, 03:43 PM
بقلم .. عبدالله ابراهيم
(حكي أنّ الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبييان يتمايلون، وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم وقال لهم من أنتم حتى خالفتم الأمير، فقال الأول :-
أنا إبن من دانت الرقــــاب له ... ما بين مخزومهــا وهاشمهـــا
فيأخذ من مالهــــا ومن دمها ... تأتيــــه بالرغم وهي صاغرة
فأمسك عن قتله وقال : لعله من أقارب أمير المؤمنين. وقال الثاني :-
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قـدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعـــود
ركاباه لا تنفك رجـــلاه منهما ... اذا الخــيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال : لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف حالهم. فإذا الأول إبن حجام والثاني إبن فوال والثالث إبن حائك. فتعجب من فصاحتهم،وقال لجلسائه علّموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتُهم لضربت أعناقَهم ثم أطلقهم وأنشد:
كن إبن من شئت وإكتسب أدبـــا ... يغنيك محموده عن النســـــــب
إن الفتى من يقـــول هــــــا أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبــــي
تكشف هذه الحكاية سلسلة من الإنتهاكات المتواصلة، في المرة الأولى ينتهك الصبيان الثلاثة ثلاث سلطات: قرار الأمير بالخروج ليلا، وتعاطي الخمر، والأخبار الكاذبة عن أصولهم، فثمة إنتهاك لسلطات واضحة: سياسية ودينية وأخلاقية، ولكن ما يمكن أن يندرج تحت ( السلطة الأخلاقية ) لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتباره إنتهاكا من وجهة نظرهم، وفيما يُخدع الحارس بهذا الكذب، يكون الصبيان قد مارسوا (صدقا بلاغيا) كما سنرى. لكن الحارس لم يستطع أن يفكّ شفرة الصدق، الوحيد الذي نجح في ذلك. هو الحجاج. أما الانتهاك الثاني فيمارسه الحارس، فهو بخلاف قرار الحجاج الذي ينص على ضرب عنق كل من خرج بعد العشاء يقوم بسلسلة متعاقبة منه الإنتهاكات، تتصل جميعها بالشكوك والظنون التي تنشأ لديه وهو يستجوب الصبيان. والواقع فإن الحارس يقع ضحية الاحتمالات التي تثيرها في نفسه تلك الشكوك وهو أمر يفضح الخروق الظاهرة بالنسبة له في سلطة الأمير الذي يعتبر هو آلتها التنفيذية، فسلطة الأمير يمكن استخدامها واعادة استخدامها مرة أخرى حسب الموضوع المتصل بها، فثمة هامش سري يجري التواطؤ عليه بين الحاكم وآلة الحكم بحيث أنه في هذا الهامش الذي يتسع أحيانا ليكون متنا قائما بذاته، يجري انحراف وتزييف لمضمون السلطة المعلنة للجميع. هنالك تفاهم عرفي بين الحجاج وحارسه الممثلين لكل حاكم وآلة حكمه وهو الاّ تمتد السلطة الى المناطق الخطرة، الى تلك الهوامش المؤثرة التي تقع خارج سلطة الأمير نفسه.
إن هرم السلطة يتركب من مستويات متدرجة ولا يمكن للحجاج أن يتربع علىقمته، إنه في حقيقة الأمر يحتل موقعا في أجزائه السفلى ومن هذا الموقع سيبني هرم سلطته الخاص. يقع خارج سلطة الأمير إذن من هم من أقارب (أمير المؤمنين) ومن هم (من أشراف العرب) ومن هم (شبان العرب) وهي فئات تبدو سلطتها أوسع مما لدى الأمير نفسه الى درجة يبدو أن الأمير هنا قد تحول الى وسيلة تنفيذية أمام هذه الفئات، شأنه في ذلك شأن صاحب حراسته. الصبيان الثلاثة وهم يرسلون إشارات مزدوجة الدلالة للحارس حول أصوله، يستطيعون أن يكشفوا ذلك التواطؤ، والحقيقة فتنكرهم المزدوج يفضح الحارس والأمير وليس من حل إلا يمضي الحجاج في الخضوع لسلطتهم هم وذلك بابتكار نوع خاص من التواطؤ معهم.
التواطؤ الذي يقترحه الحجاج هو بذاته نوع من الانتهاك، انه ينتهك قراره بأن يضرب عنق كل من يخرج ليلا، وذلك حينما يسرح الصبيان الثلاثة، ولكن الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة هو أن الحجاج لا يسرحهم بناء على ما صرح به فقط ( تعجب من فصاحتهم) ثم قال لجلسائه (علموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ) وكما أن الصبيان أعلنوا شيئا وأخفوا آخر في حوارهم الشعري مع الحارس، فإن الحجاج مستعينا بالاسلوب ذاته يعلن أمام المجلس شيئا لكنه يخفي آخر. وفي نهاية الحكاية ينظم الحجاج الى الصبيان في أنهم يرسلون الى الآخرين (الحارس + المجلس) رسائل إحتمالية، هم يريدون منها قصدا معينا، لكن أولئك يستخلصون مقاصد مختلفة، يعق الحارس ضحية الخداع البلاغي الذي يمارسه الصبيان الثلاثة، ويقع المجلس والحارس ضحية خداع الحجاج البلاغي. وفي كل الأحوال يجري انتهاك متواصل لكل السلطات لكن (البلاغة) تمنع انفجار المواقف، وتوقف العقاب. فيطلق صراح الصبيان على الرغم من أنهم انتهكوا ثلاث سلطات متداخلة: سياسية، دينية وأخلاقية، ولا ترد اشارة الى أن الحجاج عاقب حارسه بأنه انتهك قراره. لأن هنالك عرفيا بينهما لحدود سلطة الأمير. تضع لنا الحكاية الصبيان والحجاج في مستوى واحد وأخيرا يبدو أن الحجاج قد وجد ضالته في أبناء الحجّام والفوّال والحائك، ومن الواضح أنه هذه الفئة الجديدة من المرسلين ( الصبيان + الحجاج) كانت تمارس انتهاكا أكبر بكثير مما تقدمه الحكاية مباشرة. إنه الاحتجاج ضد ثقافة البعد الدلالي الواحد للقول الأدبي. يظهر تنازع ضمني لكنه فاعل في البنية الثقافية، فالصبيان الذين يتنكرون في غلالة اللغة وايحاءاتها، ينتهكون قصدا ضربا من الفهم للادب، فهم يريدون للأدب ان يقول قولا واحدا، قولا لا يحتمل التعدد والاختلاف. يمثل هذا الفهم الحارس، لكن الحجاج سيطور هذه الوسيلة، فهو الذي ينتمي الى النسيج الثقافي والشعوري ذاته الذي ينتمي إليه الصبيان، يتلاعب- مهتديا بالصبيان هذه المرة-بجلسائه، إنه يرسل رسالة ضمنية تكشف عن أصوله وإنتماءاته كل فع لاصبيان، لكن قصور جلسائه يحول دون أن يفهموا مؤدّى رسالته، يتشارك هنا الحجاج وحارسه في أنهم لا يستطيعون إلا الوقوف على ظاهر النص. ليس لهم القدرة على إنتهاك يماثل إنتهاك الصبيان والحجاج لكل مستويات السلطة والأدب، إنهم غير قادرين على تمزيق الغشاء الرقيق الذي يحجب المركز الدلالي للنص.
يعتمد الصبيان إستثمار الإمكانات البلاغية للغة الخاصة، قصدت الشعر الذي هو في الثقافة العربية ألصق بالسلطة من النثر المتخيل الذي أقصى باعتباره وسيلة العامة للتعبير عن هواجسها، فأعتبر مكروها لمن فعله ولمن أستمع إليه ووجه ذلك إن بواطن العامة مشحونة بحك الهوى كما يقول إبن الجوزي ولهذا فإن قلوبهم إلى الخرافات أميل كما يقرر البيروني.
ونواجه بأول مفارقة يمثلها الحوار بين الحاكم والمحكوم. المحكوم يستعين بالشعر الذي ينطوي على أكثر من مقصد، أما الحاكم فيستعين بالنثر. ومع أن الحارس لا يتلفظ عنا إلا بجملة واحدة (من أنتم حتى خالفتم الأمير؟)، فإنه يخاطب نفسه سرا كاشفا عن مخاوف وتوجسات كثيرة. وفي كل مرة يستمع فيها إلى أحد الصبيان، يرجّح فهما معينا لكنه لا يعلنه، إنه يراكم خطابه الداخلي مع نفسه، لأنه يضيع وسط شبكة الإحتمالات، وفي النهاية يقرر أن يحضرهم إلى الأمير. وفيما تُفرغ الشحنة النفسية عند الحارس، فإنها تتشكل عند الحجاج الذي يستطيع أن يفهم مقاصد الصبيان. إن الحكاية تؤشر أن الحجاج (تعجب من فصاحتهم) هذا يعني أنه استمع إليهم جيدا، و (كشف حالهم). لقد تمكن بوسائل أدبية من ذلك حيث عجز الحارس. وهنا ينبغي علينا أن نعرف أن الصبيان أنشدوا أبياتهم الرمزية مرة أخرى في مجلس الحجاج. ولا يتردد هو الآخر في أن يماثلهم في إرسال نص رمزي يسيء فهمه المجلس، ويخدع بمظهره. كان الحجاج يوجه خطابه إلى الصبيان الذين يتشارك وإياهم في وضاعة النسب والإنتماء، فكما نجحوا هم في إنتهاك سلطات تمارس إكراها، تمكن هو من إنتهاك السلطة بمعناها المباشر، أخترق هرمها ووجد لنفسه، عبر أفعال عنيفة وأقوال مُرمّزة، موقعا معروفا في سفحها.
يظهر الازدواج أيضا في الموقف الساخر عند الصبيان بازاء الموقف المأساوي عند الحارس. يغطى الصبيان انتهاكهم باقوال تبعث الظنون، وبهذا فهم كائنات تعلن ازدواجها دون أن تعيشه، أما الحارس فيدمره الازدواج، لقد عبثت به الأبيات الشعرية لأنه أدرجها في سياق فهم مباشر ذي مستوى واحد، ولم ينجح ابداً- كما نجح الحجاج فيما بعد- في أن يفك رموزها. لمّا قال له الصبي الاول إنه "ابن منْ دانت الرقاب له ما بين مخزومها وهاشمها" وإن تلك الرقاب تأتيه صاغرة، فيأخذ من مالها ودمها "، رجّح فوراً أنه من أقارب الخليفة، فليس لأحد أن يكون كذلك إلا من يتصل ب "أمير المؤمنين". لقد خُدع بالسياق الظاهر للنص، ونسي تماماً سياق حال الصبيان السُكارى في الليل. لقد غلبّ ظنه بقرينة لها مرجعية تتصل بموقعه هو بوصفه آلة السلطة. فامسك عن قتل الصبي، الذي كان يقصد شيئا مغايرا في الحقيقة، -كان يقر ولكنه يوارب- إنه ابن حجّام، أليس الحجّام هو الوحيد الذي تدين له الرقاب مهما كانت؟ أليس الحجّام هو وحده الذي يأخذ الأموال والدم بحجامته؟ وهكذا فإن الصبي يرسل على وفق سياق، في حين أن الحارس يفك الرمز طبقا لسياق آخر. وما أن يقع الحارس في خطأ التفسير، الاّ ويمضي فيه الى النهاية، سيدرج اشارات الصبي الثاني في سياق يرجّح أنه من "أشراف العرب"، ويقصي إمكانية أن تكون قرائن دالة على أنه ابن فوّال، وأخيرا لا يستطيع ايضا فك إشارة الصبي الثالث الذي ينهمك ابوه في حياكته مستعينا برجليه. وفي الحالات الثلاث يقوم الحارس بإحالة المقصد ضمن سياقات دلالية معينة على معان لم يقصدها الصبيان، ولكنهم طلبا للنجاة الذي لم يخل من رغبة في انتهاك السلطات التي أشرنا اليها كانوا يحرصون على وضعها امام الحارس. وفي مجلس الحجاج يتكرر المشهد، الحجاج وحده يفهم مقاصدهم جيدا، أطلقهم لفصاحتهم، بالمعنى البلاغي للفصاحة، أي القدرة على تضليل الحاكم بممارسة لعبة أشد ذكاء من لعبته، أقر الحجاج بذلك، واعترف به وطابق بين نفسه وبين الصبيان حينما قال رسالته التي تعبر عن انتمائه، انه هو الآخر يتلاعب ويضلل ويخدع.
في نهاية المشهد الثاني يظهر الحجاج بوصفه الفاعل المؤثر في ترتيب الاحداث كلها، وتُسهم وضعيته الخاصة، بوصفه حاكما وبليغا وذا خلفيات إجتماعية معينة في هضم الإنتهاك الظاهري لسلطته، بعبارة اخرى يتقبل الحجاج إنتهاك الصبيان لأن فعلهم في حقيقته مماثلا لفعله، وبلاغة العنف التي مارسها، هي التي جعلته يندرج في هرم السلطة، انها تماثل بلاغة الصبيان الذين دفعتهم أسباب كثيرة للإنتهاك، وكما رغبوا في ممارسة لعبة البلاغة، كان هو سيد هذه الممارسة ايضا. تكشف ابياته الاخيرة انها موجهة الى الصبيان اكثر مما هي موجهة الى المجلس، و "الفتى" الذي يرد في سياق البيتين اللذين استشهد بهما، انما هو الحجاج نفسه. كان رجلا مغمورا يعلّم بالطائف، ومن الواضح انه سعى لتجاوز وضعيته هذه التي يورد الجاحظ ان العرب يرون الحمق في من يحوك ويعلّم ويغزل(13)، ولم يستطع الحجاج طمس هذه الوضعية التي كانت تبعث في كلّ كان يزداد فيها عنفه، وربما كان استغراقه في الانتهاك هو في جانب منه وهروب من تلك الوضعية، شأنه شان الصبيان. وعلى لسان مالك بن الريب، الشاعر الذي هلك في فتوح المشرق، تروى الأبيات الآتية التي تهدف الى إعادة وصل الحجاج بوضعيته القديمة، كونه معلم صبيان ودباغاً.
زمــان هو العبد المقر بذلّه ... يراوح غلـمان القرى ويغادي
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد أيــاد
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... اذا نحن جاوزنا حفير زيــاد
طوّر الحجاج عناصر ذاتية لتجاوز ذلك الانتماء، كان اتصاله بعمل يرى الآخرون انه يورث الحمق أمراً مزعجاً بالنسبة اليه. كان مهموما بالصورة التي ركّبت له بوصفه ينتسب شاء ام ابى الى الحمقى. وعثر على وسيلتين توفران له امكانية التخلصمن كل ذلك، العنف والبلاغة، وقد مارسهما معا منتهكا باستمرار كل شيء، بما فيه احياناً قراراته الخاصة. الى درجة دمج بينهما الى ما يمكن الاصطلاح عليه ب " العنف البليغ". وكان مالك بن دينار يكرر دائما أن من يستمع الى خطب الحجاج، يقع في نفسه أنه مظلوم وهو ظالم لبيانه وحسن تخلصه بالحجج .
يندرج موقف الحجاج من الصبيان في سلسلة مواقف كثيرة تجاه من ينتهك سلطته. لم يكن الصبيان آخر من كشف الحجاج عن مقاصدهم، وسحر ببلاغتهم، والتواطؤ معهم. كان يوقّر خصومه الفصحاء، ويتردد في معاقبتهم مثل الجارود بن أبي سبرة، أو يعفو عنهم مثل العديل بن الفرخ العجلي الذي امتنع عن قتله في اللحظة الأخيرة قائلا "كان بيني وبين قتلك أقصر من ابهام الحباّري" ومرة قدّام امامه رجل لتضرب عنقه، فقل للحجاج " والله ل، كنّا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العفو". تمهل الحجاج، وتذكر للحظة انه بالغ فيما هو فيه، كان يريد سببا داخليا يمنعه من ذلك وأيقظته بلاغة الرجل، فقال : "أفّ لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام ! وأمسك عن القتل".
يستأثر الصبيان والحجاج باهمية بالغة في سياق النص، انهما الفاعلان الاساسيان فيه، ويعاد توزيع الادوار. ففي البدء يكون الحارس والحجاج والمجلس ضمن فئة تمثل السلطة والنظام، والصبيان الثلاثة في فئة معارضة لنسق القيم بكل وجوهها التي تتصل بالفئة الاولى، وتنتهي الحكاية، وقد أعيد توزيع الوظائف والادوار الفاعلة، يلتحق الحجاج بالصبيان، ويسعى ضمنا للتماهي في موقفهم، فيما يبتلع الحارس والمجلس الخدعة دون أن يفهموا التواطؤ السري الذي جرى بين الحجاج والصبيان. يمثل الحارس السلطة بوجهها المباشر المعتم، ويمثل المجلس ثقافة النخبة. واذا كان الحجاج قد اخترق السلطة والثقافة كونه والياً وبليغاً، فانه يكظم سخرية من هذا الانتماء المصطنع، موقفه من الصبيان يفضح ازدواجه، انه مازال يحن الى الاندماج غير المعلن بأولئك الذين ينتهكون منظومة القيم الخداعة، حتى تلك التي يظهر هو على انه مسؤول عنها.
ان التراسل الشفاف بين الصبيان والحجاج فريد من نوعه، وبوصفهما فاعلين رمزيين في الحكاية، فانهما ينطويان على تهكم لاذع وبليغ تجاه وضعيتهما الشخصية من جهة، والوضعية العامة من جهة أخرى، يبدو ازدواجهما مسوغاً، فالمواربة البلاغية في ظل التوتر العام، واحتكار الحقيقة، هي وسيلة المحكوم والحاكم.
تحياتي
المهنـــد
(حكي أنّ الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبييان يتمايلون، وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم وقال لهم من أنتم حتى خالفتم الأمير، فقال الأول :-
أنا إبن من دانت الرقــــاب له ... ما بين مخزومهــا وهاشمهـــا
فيأخذ من مالهــــا ومن دمها ... تأتيــــه بالرغم وهي صاغرة
فأمسك عن قتله وقال : لعله من أقارب أمير المؤمنين. وقال الثاني :-
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قـدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعـــود
ركاباه لا تنفك رجـــلاه منهما ... اذا الخــيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال : لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف حالهم. فإذا الأول إبن حجام والثاني إبن فوال والثالث إبن حائك. فتعجب من فصاحتهم،وقال لجلسائه علّموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتُهم لضربت أعناقَهم ثم أطلقهم وأنشد:
كن إبن من شئت وإكتسب أدبـــا ... يغنيك محموده عن النســـــــب
إن الفتى من يقـــول هــــــا أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبــــي
تكشف هذه الحكاية سلسلة من الإنتهاكات المتواصلة، في المرة الأولى ينتهك الصبيان الثلاثة ثلاث سلطات: قرار الأمير بالخروج ليلا، وتعاطي الخمر، والأخبار الكاذبة عن أصولهم، فثمة إنتهاك لسلطات واضحة: سياسية ودينية وأخلاقية، ولكن ما يمكن أن يندرج تحت ( السلطة الأخلاقية ) لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتباره إنتهاكا من وجهة نظرهم، وفيما يُخدع الحارس بهذا الكذب، يكون الصبيان قد مارسوا (صدقا بلاغيا) كما سنرى. لكن الحارس لم يستطع أن يفكّ شفرة الصدق، الوحيد الذي نجح في ذلك. هو الحجاج. أما الانتهاك الثاني فيمارسه الحارس، فهو بخلاف قرار الحجاج الذي ينص على ضرب عنق كل من خرج بعد العشاء يقوم بسلسلة متعاقبة منه الإنتهاكات، تتصل جميعها بالشكوك والظنون التي تنشأ لديه وهو يستجوب الصبيان. والواقع فإن الحارس يقع ضحية الاحتمالات التي تثيرها في نفسه تلك الشكوك وهو أمر يفضح الخروق الظاهرة بالنسبة له في سلطة الأمير الذي يعتبر هو آلتها التنفيذية، فسلطة الأمير يمكن استخدامها واعادة استخدامها مرة أخرى حسب الموضوع المتصل بها، فثمة هامش سري يجري التواطؤ عليه بين الحاكم وآلة الحكم بحيث أنه في هذا الهامش الذي يتسع أحيانا ليكون متنا قائما بذاته، يجري انحراف وتزييف لمضمون السلطة المعلنة للجميع. هنالك تفاهم عرفي بين الحجاج وحارسه الممثلين لكل حاكم وآلة حكمه وهو الاّ تمتد السلطة الى المناطق الخطرة، الى تلك الهوامش المؤثرة التي تقع خارج سلطة الأمير نفسه.
إن هرم السلطة يتركب من مستويات متدرجة ولا يمكن للحجاج أن يتربع علىقمته، إنه في حقيقة الأمر يحتل موقعا في أجزائه السفلى ومن هذا الموقع سيبني هرم سلطته الخاص. يقع خارج سلطة الأمير إذن من هم من أقارب (أمير المؤمنين) ومن هم (من أشراف العرب) ومن هم (شبان العرب) وهي فئات تبدو سلطتها أوسع مما لدى الأمير نفسه الى درجة يبدو أن الأمير هنا قد تحول الى وسيلة تنفيذية أمام هذه الفئات، شأنه في ذلك شأن صاحب حراسته. الصبيان الثلاثة وهم يرسلون إشارات مزدوجة الدلالة للحارس حول أصوله، يستطيعون أن يكشفوا ذلك التواطؤ، والحقيقة فتنكرهم المزدوج يفضح الحارس والأمير وليس من حل إلا يمضي الحجاج في الخضوع لسلطتهم هم وذلك بابتكار نوع خاص من التواطؤ معهم.
التواطؤ الذي يقترحه الحجاج هو بذاته نوع من الانتهاك، انه ينتهك قراره بأن يضرب عنق كل من يخرج ليلا، وذلك حينما يسرح الصبيان الثلاثة، ولكن الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة هو أن الحجاج لا يسرحهم بناء على ما صرح به فقط ( تعجب من فصاحتهم) ثم قال لجلسائه (علموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ) وكما أن الصبيان أعلنوا شيئا وأخفوا آخر في حوارهم الشعري مع الحارس، فإن الحجاج مستعينا بالاسلوب ذاته يعلن أمام المجلس شيئا لكنه يخفي آخر. وفي نهاية الحكاية ينظم الحجاج الى الصبيان في أنهم يرسلون الى الآخرين (الحارس + المجلس) رسائل إحتمالية، هم يريدون منها قصدا معينا، لكن أولئك يستخلصون مقاصد مختلفة، يعق الحارس ضحية الخداع البلاغي الذي يمارسه الصبيان الثلاثة، ويقع المجلس والحارس ضحية خداع الحجاج البلاغي. وفي كل الأحوال يجري انتهاك متواصل لكل السلطات لكن (البلاغة) تمنع انفجار المواقف، وتوقف العقاب. فيطلق صراح الصبيان على الرغم من أنهم انتهكوا ثلاث سلطات متداخلة: سياسية، دينية وأخلاقية، ولا ترد اشارة الى أن الحجاج عاقب حارسه بأنه انتهك قراره. لأن هنالك عرفيا بينهما لحدود سلطة الأمير. تضع لنا الحكاية الصبيان والحجاج في مستوى واحد وأخيرا يبدو أن الحجاج قد وجد ضالته في أبناء الحجّام والفوّال والحائك، ومن الواضح أنه هذه الفئة الجديدة من المرسلين ( الصبيان + الحجاج) كانت تمارس انتهاكا أكبر بكثير مما تقدمه الحكاية مباشرة. إنه الاحتجاج ضد ثقافة البعد الدلالي الواحد للقول الأدبي. يظهر تنازع ضمني لكنه فاعل في البنية الثقافية، فالصبيان الذين يتنكرون في غلالة اللغة وايحاءاتها، ينتهكون قصدا ضربا من الفهم للادب، فهم يريدون للأدب ان يقول قولا واحدا، قولا لا يحتمل التعدد والاختلاف. يمثل هذا الفهم الحارس، لكن الحجاج سيطور هذه الوسيلة، فهو الذي ينتمي الى النسيج الثقافي والشعوري ذاته الذي ينتمي إليه الصبيان، يتلاعب- مهتديا بالصبيان هذه المرة-بجلسائه، إنه يرسل رسالة ضمنية تكشف عن أصوله وإنتماءاته كل فع لاصبيان، لكن قصور جلسائه يحول دون أن يفهموا مؤدّى رسالته، يتشارك هنا الحجاج وحارسه في أنهم لا يستطيعون إلا الوقوف على ظاهر النص. ليس لهم القدرة على إنتهاك يماثل إنتهاك الصبيان والحجاج لكل مستويات السلطة والأدب، إنهم غير قادرين على تمزيق الغشاء الرقيق الذي يحجب المركز الدلالي للنص.
يعتمد الصبيان إستثمار الإمكانات البلاغية للغة الخاصة، قصدت الشعر الذي هو في الثقافة العربية ألصق بالسلطة من النثر المتخيل الذي أقصى باعتباره وسيلة العامة للتعبير عن هواجسها، فأعتبر مكروها لمن فعله ولمن أستمع إليه ووجه ذلك إن بواطن العامة مشحونة بحك الهوى كما يقول إبن الجوزي ولهذا فإن قلوبهم إلى الخرافات أميل كما يقرر البيروني.
ونواجه بأول مفارقة يمثلها الحوار بين الحاكم والمحكوم. المحكوم يستعين بالشعر الذي ينطوي على أكثر من مقصد، أما الحاكم فيستعين بالنثر. ومع أن الحارس لا يتلفظ عنا إلا بجملة واحدة (من أنتم حتى خالفتم الأمير؟)، فإنه يخاطب نفسه سرا كاشفا عن مخاوف وتوجسات كثيرة. وفي كل مرة يستمع فيها إلى أحد الصبيان، يرجّح فهما معينا لكنه لا يعلنه، إنه يراكم خطابه الداخلي مع نفسه، لأنه يضيع وسط شبكة الإحتمالات، وفي النهاية يقرر أن يحضرهم إلى الأمير. وفيما تُفرغ الشحنة النفسية عند الحارس، فإنها تتشكل عند الحجاج الذي يستطيع أن يفهم مقاصد الصبيان. إن الحكاية تؤشر أن الحجاج (تعجب من فصاحتهم) هذا يعني أنه استمع إليهم جيدا، و (كشف حالهم). لقد تمكن بوسائل أدبية من ذلك حيث عجز الحارس. وهنا ينبغي علينا أن نعرف أن الصبيان أنشدوا أبياتهم الرمزية مرة أخرى في مجلس الحجاج. ولا يتردد هو الآخر في أن يماثلهم في إرسال نص رمزي يسيء فهمه المجلس، ويخدع بمظهره. كان الحجاج يوجه خطابه إلى الصبيان الذين يتشارك وإياهم في وضاعة النسب والإنتماء، فكما نجحوا هم في إنتهاك سلطات تمارس إكراها، تمكن هو من إنتهاك السلطة بمعناها المباشر، أخترق هرمها ووجد لنفسه، عبر أفعال عنيفة وأقوال مُرمّزة، موقعا معروفا في سفحها.
يظهر الازدواج أيضا في الموقف الساخر عند الصبيان بازاء الموقف المأساوي عند الحارس. يغطى الصبيان انتهاكهم باقوال تبعث الظنون، وبهذا فهم كائنات تعلن ازدواجها دون أن تعيشه، أما الحارس فيدمره الازدواج، لقد عبثت به الأبيات الشعرية لأنه أدرجها في سياق فهم مباشر ذي مستوى واحد، ولم ينجح ابداً- كما نجح الحجاج فيما بعد- في أن يفك رموزها. لمّا قال له الصبي الاول إنه "ابن منْ دانت الرقاب له ما بين مخزومها وهاشمها" وإن تلك الرقاب تأتيه صاغرة، فيأخذ من مالها ودمها "، رجّح فوراً أنه من أقارب الخليفة، فليس لأحد أن يكون كذلك إلا من يتصل ب "أمير المؤمنين". لقد خُدع بالسياق الظاهر للنص، ونسي تماماً سياق حال الصبيان السُكارى في الليل. لقد غلبّ ظنه بقرينة لها مرجعية تتصل بموقعه هو بوصفه آلة السلطة. فامسك عن قتل الصبي، الذي كان يقصد شيئا مغايرا في الحقيقة، -كان يقر ولكنه يوارب- إنه ابن حجّام، أليس الحجّام هو الوحيد الذي تدين له الرقاب مهما كانت؟ أليس الحجّام هو وحده الذي يأخذ الأموال والدم بحجامته؟ وهكذا فإن الصبي يرسل على وفق سياق، في حين أن الحارس يفك الرمز طبقا لسياق آخر. وما أن يقع الحارس في خطأ التفسير، الاّ ويمضي فيه الى النهاية، سيدرج اشارات الصبي الثاني في سياق يرجّح أنه من "أشراف العرب"، ويقصي إمكانية أن تكون قرائن دالة على أنه ابن فوّال، وأخيرا لا يستطيع ايضا فك إشارة الصبي الثالث الذي ينهمك ابوه في حياكته مستعينا برجليه. وفي الحالات الثلاث يقوم الحارس بإحالة المقصد ضمن سياقات دلالية معينة على معان لم يقصدها الصبيان، ولكنهم طلبا للنجاة الذي لم يخل من رغبة في انتهاك السلطات التي أشرنا اليها كانوا يحرصون على وضعها امام الحارس. وفي مجلس الحجاج يتكرر المشهد، الحجاج وحده يفهم مقاصدهم جيدا، أطلقهم لفصاحتهم، بالمعنى البلاغي للفصاحة، أي القدرة على تضليل الحاكم بممارسة لعبة أشد ذكاء من لعبته، أقر الحجاج بذلك، واعترف به وطابق بين نفسه وبين الصبيان حينما قال رسالته التي تعبر عن انتمائه، انه هو الآخر يتلاعب ويضلل ويخدع.
في نهاية المشهد الثاني يظهر الحجاج بوصفه الفاعل المؤثر في ترتيب الاحداث كلها، وتُسهم وضعيته الخاصة، بوصفه حاكما وبليغا وذا خلفيات إجتماعية معينة في هضم الإنتهاك الظاهري لسلطته، بعبارة اخرى يتقبل الحجاج إنتهاك الصبيان لأن فعلهم في حقيقته مماثلا لفعله، وبلاغة العنف التي مارسها، هي التي جعلته يندرج في هرم السلطة، انها تماثل بلاغة الصبيان الذين دفعتهم أسباب كثيرة للإنتهاك، وكما رغبوا في ممارسة لعبة البلاغة، كان هو سيد هذه الممارسة ايضا. تكشف ابياته الاخيرة انها موجهة الى الصبيان اكثر مما هي موجهة الى المجلس، و "الفتى" الذي يرد في سياق البيتين اللذين استشهد بهما، انما هو الحجاج نفسه. كان رجلا مغمورا يعلّم بالطائف، ومن الواضح انه سعى لتجاوز وضعيته هذه التي يورد الجاحظ ان العرب يرون الحمق في من يحوك ويعلّم ويغزل(13)، ولم يستطع الحجاج طمس هذه الوضعية التي كانت تبعث في كلّ كان يزداد فيها عنفه، وربما كان استغراقه في الانتهاك هو في جانب منه وهروب من تلك الوضعية، شأنه شان الصبيان. وعلى لسان مالك بن الريب، الشاعر الذي هلك في فتوح المشرق، تروى الأبيات الآتية التي تهدف الى إعادة وصل الحجاج بوضعيته القديمة، كونه معلم صبيان ودباغاً.
زمــان هو العبد المقر بذلّه ... يراوح غلـمان القرى ويغادي
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبداً من عبيد أيــاد
فماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... اذا نحن جاوزنا حفير زيــاد
طوّر الحجاج عناصر ذاتية لتجاوز ذلك الانتماء، كان اتصاله بعمل يرى الآخرون انه يورث الحمق أمراً مزعجاً بالنسبة اليه. كان مهموما بالصورة التي ركّبت له بوصفه ينتسب شاء ام ابى الى الحمقى. وعثر على وسيلتين توفران له امكانية التخلصمن كل ذلك، العنف والبلاغة، وقد مارسهما معا منتهكا باستمرار كل شيء، بما فيه احياناً قراراته الخاصة. الى درجة دمج بينهما الى ما يمكن الاصطلاح عليه ب " العنف البليغ". وكان مالك بن دينار يكرر دائما أن من يستمع الى خطب الحجاج، يقع في نفسه أنه مظلوم وهو ظالم لبيانه وحسن تخلصه بالحجج .
يندرج موقف الحجاج من الصبيان في سلسلة مواقف كثيرة تجاه من ينتهك سلطته. لم يكن الصبيان آخر من كشف الحجاج عن مقاصدهم، وسحر ببلاغتهم، والتواطؤ معهم. كان يوقّر خصومه الفصحاء، ويتردد في معاقبتهم مثل الجارود بن أبي سبرة، أو يعفو عنهم مثل العديل بن الفرخ العجلي الذي امتنع عن قتله في اللحظة الأخيرة قائلا "كان بيني وبين قتلك أقصر من ابهام الحباّري" ومرة قدّام امامه رجل لتضرب عنقه، فقل للحجاج " والله ل، كنّا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العفو". تمهل الحجاج، وتذكر للحظة انه بالغ فيما هو فيه، كان يريد سببا داخليا يمنعه من ذلك وأيقظته بلاغة الرجل، فقال : "أفّ لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام ! وأمسك عن القتل".
يستأثر الصبيان والحجاج باهمية بالغة في سياق النص، انهما الفاعلان الاساسيان فيه، ويعاد توزيع الادوار. ففي البدء يكون الحارس والحجاج والمجلس ضمن فئة تمثل السلطة والنظام، والصبيان الثلاثة في فئة معارضة لنسق القيم بكل وجوهها التي تتصل بالفئة الاولى، وتنتهي الحكاية، وقد أعيد توزيع الوظائف والادوار الفاعلة، يلتحق الحجاج بالصبيان، ويسعى ضمنا للتماهي في موقفهم، فيما يبتلع الحارس والمجلس الخدعة دون أن يفهموا التواطؤ السري الذي جرى بين الحجاج والصبيان. يمثل الحارس السلطة بوجهها المباشر المعتم، ويمثل المجلس ثقافة النخبة. واذا كان الحجاج قد اخترق السلطة والثقافة كونه والياً وبليغاً، فانه يكظم سخرية من هذا الانتماء المصطنع، موقفه من الصبيان يفضح ازدواجه، انه مازال يحن الى الاندماج غير المعلن بأولئك الذين ينتهكون منظومة القيم الخداعة، حتى تلك التي يظهر هو على انه مسؤول عنها.
ان التراسل الشفاف بين الصبيان والحجاج فريد من نوعه، وبوصفهما فاعلين رمزيين في الحكاية، فانهما ينطويان على تهكم لاذع وبليغ تجاه وضعيتهما الشخصية من جهة، والوضعية العامة من جهة أخرى، يبدو ازدواجهما مسوغاً، فالمواربة البلاغية في ظل التوتر العام، واحتكار الحقيقة، هي وسيلة المحكوم والحاكم.
تحياتي
المهنـــد