المهند
25-02-2002, 01:24 PM
بقلم .. د. إبراهيم عطا الشاهد
يحتل علم البلاغة من المكانة السامية والمرتبة الرفيعة بين العلوم ما لا يستطيع أحد أن ينكره أو يشكك فيه.
وموضوع هذا العلم هو الفن الأدبي، إذ كان النظر إلى الأدب- بصفة عامة- على أنه تعبير جميل عن فكرة جميلة، وكانت علوم البلاغة هي الثمار التي أنتجتها تلك المحاولات لإحصاء مظاهر الجمال والروعة في التعبير الأدبي، وما يمكن في هذا التعببر من دقائق وأسرار.
فالبلاغة إذن لا يمكن فصلها عن موضوعها وهو الأدب الذي جاء القرآن الكريم في أعلى مراتبه، وهؤلاء العلماء الأقدمون ممن ألفوا في الفنون المختلفة، كانوا يدركون هذه الحقيقة إدراكاً تاماً ويعلمون تلك المنزلة لهذه الأصول وتلك الضوابط البلاغية، سواء قبل نضج هذه القواعد وانتظامها في سلوك العلوم أو بعد أن استقرت وأخذت صورتها النهائية، وتحددت معالمها، والناظر في مؤلفات هؤلاء الأقدمين يجدها غير بعيدة عن قواعد هذه العلوم أو شرحاً متناثراً لها.
ولعل التماس السبب في هذا سهل ميسور، فنواحي الفن الأدبي لا تكاد تنحصر إذ أن الفن وثيق الصلة باللغة وبمفرداتها، وبالنحو الذي تقوم به العبارة وتصح على هدي من قواعده، وبالتفسير الذي يستجلي ما يحويه القرآن الكريم من معان وأسرار، وبالفقه الذي يبحث عن الأحكام من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي هي في أعلى مراتب الفن الأدبي، وكذا علم الأصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم، فعالِم اللغة وعالِم النحو وعالِم التفسير أو الفقه أو الأصول أو الكلام وغيرهم، كل هؤلاء كتبوا في البلاغة العربية، وقدموا- من خلال بحوثهم- دروساً وأصولاً وقواعد تمس علم البلاغة في الصميم، ومن ثم فإن نسبة هذا العلم لعالم بعينه أو فترة بعينها هو ضرب من التسامح والتقريب وليس على سبيل الدقة والتحديد. فالمتتبع لتاريخ هذا العلم ينبغي أن يعود به إلى اليوم الذي اكتملت فيه اللغة العربية وأصبح لها كيان مستقل، وأضحت لغة قوم يعتزون بها ويتفاخرون.
فلو عدنا إلى العصر الجاهلي لوجدنا الشعراء يهتمون بتنقيح ألفاظهم وعباراتهم، ويعنون عناية فائقة بمراعاة المناسبات والأحوال في كل ما قالوا، ولا يرضون لأنفسهم أن توضع كلمة في مكان لا يليق بها، كما نجد النقاد الذين يحكمون على الأعمال الأدبية بدافع الهوى والذاتية، وإنما يبنون أحكامهم على أساس من قواعد وأصول أقروها، واعترف بها جمهورهم، وهي وإن تكن مكتوبة في كتاب يجمعها إلا أنهم يحفظونها بفطرتهم وسليقتهم.
وأكاد أقطع بأن القواعد البلاغية كأصول ومقاييس كانت واضحة في العقول العربية، وكانوا يعلمون متى يبسطون الكلام، ويطنبون القول، ومتى يكتفون بالكلام الموجز، واللمحة الدالة، ويعلمون متى يؤكدون القول، ومتى يرسلونه خلواً من التأكيد، ومتى يقدمون أو يؤخرون إلى غير ذلك من الأصول التي كانوا يدركونها إدراكاً تاماً.
أقول هذا وأكاد أجزم به في الوقت الذي كانت فيه أصول النحو وقواعده، غير موجودة في عقول العرب، أو لم تكن واضحة لهم، فلم يكونوا على علم بأسباب رفع هذا الاسم أو نصب الآخر، أو موقع هذا من الجملة إلى غير ذلك من قواعد هذا العلم، وكل ما يعرفونه من هذا أنهم يتكلمون بكلام صحيح مستقيم يؤدون به معانيهم وأغراضهم، وعندما نظر العلماء فيه- في بداية عصر التدوين- وجدوا كلاماً مضبوطاً له قياس، فضبطوا هذه الأقيسة والضوابط، ومن هنا فإني لست مع القائلين بأن علم النحو واللغة يسبقان في الوجود علم البلاغة، ويعللون ذلك بعلل وأسباب. أراها ضعيفة واهية(1).
تاريخ البلاغة- إذن- سلسلة طويلة، تبدأ حلقاتها منذ أن اكتملت اللغة العربية، ثم تعددت هذه الحلقات وتوالت في أطوار مختلفة وصور متباينة، ومرت بعوامل قوة وضعف إلى أن وقفت عند حدود ورسوم راضخة لم يضف إليها شيء.
في هذه الحلقات وتلك الأطوار، وفي مجال التأليف البلاغي، نجد كثيراً من العلماء الذين ساهموا في بناء صرح هذا العلم، والذين لمعت أسماؤهم لتضيء تاريخه، يأتي في مقدمتهم أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني(2) الذي طبقت شهرته الآفاق من خلال كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" وهو موضوع هذه الدراسة.
ألف ابن الرشيق كتاب العمدة وجعله في جزأين يضمان معاً مائة وستة أبواب، تناول فيها ما كتب عن صناعة الشعر ومسائله البلاغية عند المصنفين من قبله وعالجه وفقاً لخطة أبان عنها في مقدمة كتابه(3) "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون" العمدة في محاسن الشعر وآدابه "إن شاء الله تعالى، وعولت في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الانتصار إلا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية، فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتى بالأمر على وجهه، فكل ما لم أسند إلى رجل معروف باسمه، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه، فهو من ذلك، إلا أن يكون متداولاً بين العلماء لا يختص به واحداً منهم دون الآخر، وربما نحلته أحد العرب، وبعض أهل الأدب، تستراً بينهم، ووقوعاً دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه وجه الارتياب به، حتى أعرف باطله من حقه، وأميز كذبه من صدقه."
ففيما يتصل بالشعر ونقده، اتسع بحث ابن الرشيق حتى شمل الشعر كله: صياغته، ومعانيه، وطرقه في التعبير، وأغراضه، وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد، وهو في كل ذلك يحدد مدلول المصطلحات ويكشف عن وجوه الجمال وأسراره في النص الأدبي، منتفعاً بآراء السابقين مستخلصاً لرأيه منها، واضح الشخصية، محدد المنهج، مما جعله ينال إعجاب الباحثين فراحوا يشيدون بكتابه وينوهون به في القديم والحديث كابن خلدون الذي يقول: (4) "وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله".
وكالقفطي الذي يقول(5): "وهو أجّل كتبه وأظهرها، وأنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه، وأحسن فيه غاية الإحسان".
ويقول الأستاذ أحمد أمين: (6) "وقد نقل ابن الرشيق في كتابه العمدة فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين- كما فعل صاحب الموازنة والوساطة- إلى نقد للشعر عامة".
وفيما يتصل بالبلاغة، تناول ابن الرشيق مباحث علم البيان وهي: حد البلاغة، حد البيان، المجاز، الاستعارة، التمثيل، المثل السائر، التشبيه، الإشارة، الكتابة.
وتناول من وسائل علم البديع: الجناس، الترديد، التصوير، المطابقة، المقابلة، التقسيم، الترصيع، التسهيم، التفسير، الاستطراد، التفريع، الالتفات، الاستثناء، المبالغة، الغلو، التشكك، التكرار، المذهب الكلامي، نفي الشيء بإيجابه، الاطراد، التمليط، الاتساع. أما علم المعاني فقد درس من موضوعاته: الإيجاز، التتميم، الإيغال.
هذا مع ملاحظة أن ابن الرشيق أدخل أنواعاً في الصور البلاغية ليس له بها كبير صلة، حيث تكلم عن الحشو والاستدعاء، وهما من عيوب الشعر ولا يصح أن يذكرا من بين أنواعها، كما تكلم عن الاشتراك والتغاير، وأولى بهما السرقات الشعرية خصوصاً وأنه ذكر للسرقات باباً في كتابه، كذلك تحدث عن التضمين والإجازة، وأحـق بهما العروض والقوافي.
ومن البين أن ابن الرشيق لم يتناول مسائل البلاغة وفقاً لهذا التصنيف الذي انتهى إليه علماء البلاغة المتأخرون، وهو تقسيم البلاغة إلى علوم ثلاثة هي البيان والبديع والمعاني، وإنما عالجها دون توزيع على تلك العلوم، وقد خص كل مسألة من مسائلها بباب كان له فيه دور أو موقف، وقبل أن أكشف عن هذا الدور أو ذاك الموقف أود الإشارة إلى أن آراء الباحثين ممن عرضوا قبلاً لابن الرشيق في مجال التأليف البلاغي- قد تضاربت وشابها القصور، فالدكتور بدوي طبانة يقول(7): في معرض نقده لكتاب العمدة، معقباً على ما ذكره ابن خلدون من أن أهل المشرق أقوم على فن البيان من أهل المغرب: "والذي يطلع على كتاب العمدة يظهر له بوضوح صدق ما ذهب إليه ابن خلدون، فإن ملكة الابتكار البلاغي تكاد معالمها تكون مفقودة في هذا الكتاب وإن كان لصاحبه شيء من الفضل فهو فيما جمعه من الروايات المأثورة، وما نقله من كلام غيره من علماء البيان ونقاد الشعر".
وقريب من هذا الرأي يذهب الدكتور محمد مندور فيقول: (8) "وتلا عبد القاهر مؤلفون بل وعاصره مؤلفون كأبي الحسن ابن الرشيق القيرواني، المتوفى سنة 463هـ أو سنة 456هـ، صاحب العمدة الذي جمع في كتابه الكثير من أخبار الأدب العربي والنقد العربي وعلوم اللغة دون أن يتضح للمؤلف منهج خاص وشخصية متميزة".
أما عبد الرءوف مخلوف فيقول في سياق عرضه النقدي لكتاب العمدة: (9) "تدور مباحث كتاب العمدة حول النقد والبلاغة، وله في ذلك الباع الذي لا يطاول".
ويرى الدكتور شوقي ضيف أن(10) "قيمة العمدة في تاريخ البلاغة ترجع إلى دقة جمعه للآراء المتقابلة في فنونها المختلفة".
ويقول الدكتور حفني شرف(11): "إن لابن الرشيق من الأيادي البيضاء على البلاغة ما لا يجحده سابق ولا لاحق، وما يعد ثروة للأدب والمتأدبين والبلاغيين".
وبعد، فهل كادت ملكة الابتكار البلاغي تنضب فعلاً لدى ابن رشيق، وأن جهوده في هذا الميدان اقتصرت فقط على ما جمعه من آراء غيره من علماء البلاغة دون أن يتضح له منهج خاص وشخصية متميزة؟ أم كانت له أياد بيضاء على البلاغة وباع لا يطاول؟ وبعبارة أخرى، ما مقاييس البلاغة عند ابن الرشيق؟ وكيف تناولها في كتاب العمدة؟
يمكن القول بأن مسائل البلاغة التي اشتمل عليها كتاب العمدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مسائل نقلها ابن الرشيق ممن سبقه من علماء البلاغة دون تصرف فيما نقل، وتشمل البيان، التمثيل، التقسيم، الترصيع، المبالغة، المذهب الكلامي، التتميم، الإيجاز. وحسب ابن الرشيق من مسائل هذا القسم أنه نقلها نقلاً التزم فيه الأمانة العلمية، يؤكد ذلك على سبيل المثال ما رواه في باب التكرار حيث يقول(12): "وقد نقلت هذا الباب نقلاً عن كتاب ابن المعتز إلا ما لا خفاء به على أحد من أهل التمييز".
ولا شك أن هذا هو أقصى ما يبتغي العلماء حين يطالبون الباحث أو المؤلف بذكر المصدر والمرجع ونسبة الرأي إلى قائله ما لم يكن هو صاحبه.
القسم الثاني: مسائل نقلها ابن الرشيق ممن سبقه لكنه لم يكتفِ بنقلها فقط، وإنما ناقش ما نقل، وقبِل منه ما قبِل، ورفض ما رفض، صادراً في كل ذلك عن بصر وبيان لوجهة نظره ومذهبه فيما يأخذ ويدع، ويندرج تحت هذا القسم أيضاً ما قام به من تقسيم لبعض الألوان البلاغية تقسيماً جديداً، وما عمد إليه أحياناً من تغيير مسميات بعضها مما ورد لدى غيره، وما أبان عنه من فروق بين ألوان عدة طالما اختلطت حدودها، هذا مع التنبيه على أصل التسمية، وتتجلى مسائل هذا القسم في: المجاز، المثل السائر، التشبيه، الإشارة، الكناية، التصدير، الطباق، المقابلة، التقسيم، التسهيم، التفسير، الاستطراد، الالتفات، الاستثناء، الغلو، التشكك، التكرار.
ويلحظ الدارس لهذين القسمين أن السمة الغالبة على تناول موضوعاتهما هي النقل، ويبدو أن ذلك هو ما حدا ببعض الدارسين إلى وسم كتاب "العمدة" بافتقاده لملكة الابتكار البلاغي، أو أن مؤلفه- كما يرى الدكتور محمد مندور- "جمع فيه الكثير من أخبار الأدب العربي والنقد العربي وعلوم اللغة دون أن يتضح له منهج خاص وشخصية متميزة". ولعل ما ساعد على ترسيخ هذا المفهوم ما صرح به ابن الرشيق نفسه في مقدمة الكتاب بقوله: "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون "العمدة في محاسن الشعر وآدابه".
والحق أنه لو لم يكن لابن الرشيق غير جهد الجمع لكفاه ذلك ميزة، إذ يكفي أن كتابه من هذه الزاوية يعد من أهم المراجع التي يعتمدها الباحثون في علم البلاغة عند العرب والطالبون لفنونها التي يزخر هذا الكتاب بالكثير منها، كما يجدون فيه إشارات واضحة إلى الكتاب والمؤلفين في البلاغة، وما استطاعوا أن يخرجوه من ألقابها ومصطلحاتها، بيد أن ابن الرشيق لم يقتصر على النقل أو الجمع فقط كما ذكرنا وكما سنرى بعد قليل.
أما القسم الثالث: فهو مسائل يعزي الفضل في اكتشافها اسماً واصطلاحاً حيث نجده لم يسندها إلى غيره، وهي: التفريع، نفي الشيء بإيجابه، الاطراد، التمليط، الاتساع.
والمتأمل هذه الأقسام الثلاثة يجد أن ابن الرشيق قد نص عليها في خطته التي أشرنا إليها من قبل، حيث يندرج القسم الأول منها تحت قوله: "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون العمدة في محاسن الشعر وآدابه إن شاء الله تعالى، وعولت في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الاختصار، إلا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتى بالأمر على وجهه"، ويدخل القسم الثاني تحت قوله: وربما نحلته أحد العرب وبعض أهل الأدب، تستراً بينهم، ووقوعاً دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه لبس الارتياب به، حتى أعرف باطله من حقه، وأميز كذبه من صدقه"، وينطبق على القسم الثالث قوله: "فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه ولا أحلت فيه على كتاب بعينه فهو من ذلك".
ولما كان من غير المنطق هنا تناول تفاصيل كل قسم على حدة، لأن ذلك سيؤدي إلى التكرار، حيث إن المبحث البلاغي الواحد قد تتداخل فيه الأقسام الثلاثة، فإننا نؤثر معالجة كل مبحث على حده، فذلك أدعى إلى تبيان الدور البلاغي لابن الرشيق، سواء ما اقتصر فيه على الجمع فقط، أو ما أضافه إلى الجمع من ملاحظات لا تخلو من طرافة، أو ما ابتكره من ألوان بلاغية.
تابع ...
يحتل علم البلاغة من المكانة السامية والمرتبة الرفيعة بين العلوم ما لا يستطيع أحد أن ينكره أو يشكك فيه.
وموضوع هذا العلم هو الفن الأدبي، إذ كان النظر إلى الأدب- بصفة عامة- على أنه تعبير جميل عن فكرة جميلة، وكانت علوم البلاغة هي الثمار التي أنتجتها تلك المحاولات لإحصاء مظاهر الجمال والروعة في التعبير الأدبي، وما يمكن في هذا التعببر من دقائق وأسرار.
فالبلاغة إذن لا يمكن فصلها عن موضوعها وهو الأدب الذي جاء القرآن الكريم في أعلى مراتبه، وهؤلاء العلماء الأقدمون ممن ألفوا في الفنون المختلفة، كانوا يدركون هذه الحقيقة إدراكاً تاماً ويعلمون تلك المنزلة لهذه الأصول وتلك الضوابط البلاغية، سواء قبل نضج هذه القواعد وانتظامها في سلوك العلوم أو بعد أن استقرت وأخذت صورتها النهائية، وتحددت معالمها، والناظر في مؤلفات هؤلاء الأقدمين يجدها غير بعيدة عن قواعد هذه العلوم أو شرحاً متناثراً لها.
ولعل التماس السبب في هذا سهل ميسور، فنواحي الفن الأدبي لا تكاد تنحصر إذ أن الفن وثيق الصلة باللغة وبمفرداتها، وبالنحو الذي تقوم به العبارة وتصح على هدي من قواعده، وبالتفسير الذي يستجلي ما يحويه القرآن الكريم من معان وأسرار، وبالفقه الذي يبحث عن الأحكام من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي هي في أعلى مراتب الفن الأدبي، وكذا علم الأصول وعلم الكلام وغيرها من العلوم، فعالِم اللغة وعالِم النحو وعالِم التفسير أو الفقه أو الأصول أو الكلام وغيرهم، كل هؤلاء كتبوا في البلاغة العربية، وقدموا- من خلال بحوثهم- دروساً وأصولاً وقواعد تمس علم البلاغة في الصميم، ومن ثم فإن نسبة هذا العلم لعالم بعينه أو فترة بعينها هو ضرب من التسامح والتقريب وليس على سبيل الدقة والتحديد. فالمتتبع لتاريخ هذا العلم ينبغي أن يعود به إلى اليوم الذي اكتملت فيه اللغة العربية وأصبح لها كيان مستقل، وأضحت لغة قوم يعتزون بها ويتفاخرون.
فلو عدنا إلى العصر الجاهلي لوجدنا الشعراء يهتمون بتنقيح ألفاظهم وعباراتهم، ويعنون عناية فائقة بمراعاة المناسبات والأحوال في كل ما قالوا، ولا يرضون لأنفسهم أن توضع كلمة في مكان لا يليق بها، كما نجد النقاد الذين يحكمون على الأعمال الأدبية بدافع الهوى والذاتية، وإنما يبنون أحكامهم على أساس من قواعد وأصول أقروها، واعترف بها جمهورهم، وهي وإن تكن مكتوبة في كتاب يجمعها إلا أنهم يحفظونها بفطرتهم وسليقتهم.
وأكاد أقطع بأن القواعد البلاغية كأصول ومقاييس كانت واضحة في العقول العربية، وكانوا يعلمون متى يبسطون الكلام، ويطنبون القول، ومتى يكتفون بالكلام الموجز، واللمحة الدالة، ويعلمون متى يؤكدون القول، ومتى يرسلونه خلواً من التأكيد، ومتى يقدمون أو يؤخرون إلى غير ذلك من الأصول التي كانوا يدركونها إدراكاً تاماً.
أقول هذا وأكاد أجزم به في الوقت الذي كانت فيه أصول النحو وقواعده، غير موجودة في عقول العرب، أو لم تكن واضحة لهم، فلم يكونوا على علم بأسباب رفع هذا الاسم أو نصب الآخر، أو موقع هذا من الجملة إلى غير ذلك من قواعد هذا العلم، وكل ما يعرفونه من هذا أنهم يتكلمون بكلام صحيح مستقيم يؤدون به معانيهم وأغراضهم، وعندما نظر العلماء فيه- في بداية عصر التدوين- وجدوا كلاماً مضبوطاً له قياس، فضبطوا هذه الأقيسة والضوابط، ومن هنا فإني لست مع القائلين بأن علم النحو واللغة يسبقان في الوجود علم البلاغة، ويعللون ذلك بعلل وأسباب. أراها ضعيفة واهية(1).
تاريخ البلاغة- إذن- سلسلة طويلة، تبدأ حلقاتها منذ أن اكتملت اللغة العربية، ثم تعددت هذه الحلقات وتوالت في أطوار مختلفة وصور متباينة، ومرت بعوامل قوة وضعف إلى أن وقفت عند حدود ورسوم راضخة لم يضف إليها شيء.
في هذه الحلقات وتلك الأطوار، وفي مجال التأليف البلاغي، نجد كثيراً من العلماء الذين ساهموا في بناء صرح هذا العلم، والذين لمعت أسماؤهم لتضيء تاريخه، يأتي في مقدمتهم أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني(2) الذي طبقت شهرته الآفاق من خلال كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده" وهو موضوع هذه الدراسة.
ألف ابن الرشيق كتاب العمدة وجعله في جزأين يضمان معاً مائة وستة أبواب، تناول فيها ما كتب عن صناعة الشعر ومسائله البلاغية عند المصنفين من قبله وعالجه وفقاً لخطة أبان عنها في مقدمة كتابه(3) "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون" العمدة في محاسن الشعر وآدابه "إن شاء الله تعالى، وعولت في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الانتصار إلا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية، فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتى بالأمر على وجهه، فكل ما لم أسند إلى رجل معروف باسمه، ولا أحلت فيه على كتاب بعينه، فهو من ذلك، إلا أن يكون متداولاً بين العلماء لا يختص به واحداً منهم دون الآخر، وربما نحلته أحد العرب، وبعض أهل الأدب، تستراً بينهم، ووقوعاً دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه وجه الارتياب به، حتى أعرف باطله من حقه، وأميز كذبه من صدقه."
ففيما يتصل بالشعر ونقده، اتسع بحث ابن الرشيق حتى شمل الشعر كله: صياغته، ومعانيه، وطرقه في التعبير، وأغراضه، وكل ما يتصل به من قريب أو بعيد، وهو في كل ذلك يحدد مدلول المصطلحات ويكشف عن وجوه الجمال وأسراره في النص الأدبي، منتفعاً بآراء السابقين مستخلصاً لرأيه منها، واضح الشخصية، محدد المنهج، مما جعله ينال إعجاب الباحثين فراحوا يشيدون بكتابه وينوهون به في القديم والحديث كابن خلدون الذي يقول: (4) "وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله".
وكالقفطي الذي يقول(5): "وهو أجّل كتبه وأظهرها، وأنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه، وأحسن فيه غاية الإحسان".
ويقول الأستاذ أحمد أمين: (6) "وقد نقل ابن الرشيق في كتابه العمدة فن النقد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين- كما فعل صاحب الموازنة والوساطة- إلى نقد للشعر عامة".
وفيما يتصل بالبلاغة، تناول ابن الرشيق مباحث علم البيان وهي: حد البلاغة، حد البيان، المجاز، الاستعارة، التمثيل، المثل السائر، التشبيه، الإشارة، الكتابة.
وتناول من وسائل علم البديع: الجناس، الترديد، التصوير، المطابقة، المقابلة، التقسيم، الترصيع، التسهيم، التفسير، الاستطراد، التفريع، الالتفات، الاستثناء، المبالغة، الغلو، التشكك، التكرار، المذهب الكلامي، نفي الشيء بإيجابه، الاطراد، التمليط، الاتساع. أما علم المعاني فقد درس من موضوعاته: الإيجاز، التتميم، الإيغال.
هذا مع ملاحظة أن ابن الرشيق أدخل أنواعاً في الصور البلاغية ليس له بها كبير صلة، حيث تكلم عن الحشو والاستدعاء، وهما من عيوب الشعر ولا يصح أن يذكرا من بين أنواعها، كما تكلم عن الاشتراك والتغاير، وأولى بهما السرقات الشعرية خصوصاً وأنه ذكر للسرقات باباً في كتابه، كذلك تحدث عن التضمين والإجازة، وأحـق بهما العروض والقوافي.
ومن البين أن ابن الرشيق لم يتناول مسائل البلاغة وفقاً لهذا التصنيف الذي انتهى إليه علماء البلاغة المتأخرون، وهو تقسيم البلاغة إلى علوم ثلاثة هي البيان والبديع والمعاني، وإنما عالجها دون توزيع على تلك العلوم، وقد خص كل مسألة من مسائلها بباب كان له فيه دور أو موقف، وقبل أن أكشف عن هذا الدور أو ذاك الموقف أود الإشارة إلى أن آراء الباحثين ممن عرضوا قبلاً لابن الرشيق في مجال التأليف البلاغي- قد تضاربت وشابها القصور، فالدكتور بدوي طبانة يقول(7): في معرض نقده لكتاب العمدة، معقباً على ما ذكره ابن خلدون من أن أهل المشرق أقوم على فن البيان من أهل المغرب: "والذي يطلع على كتاب العمدة يظهر له بوضوح صدق ما ذهب إليه ابن خلدون، فإن ملكة الابتكار البلاغي تكاد معالمها تكون مفقودة في هذا الكتاب وإن كان لصاحبه شيء من الفضل فهو فيما جمعه من الروايات المأثورة، وما نقله من كلام غيره من علماء البيان ونقاد الشعر".
وقريب من هذا الرأي يذهب الدكتور محمد مندور فيقول: (8) "وتلا عبد القاهر مؤلفون بل وعاصره مؤلفون كأبي الحسن ابن الرشيق القيرواني، المتوفى سنة 463هـ أو سنة 456هـ، صاحب العمدة الذي جمع في كتابه الكثير من أخبار الأدب العربي والنقد العربي وعلوم اللغة دون أن يتضح للمؤلف منهج خاص وشخصية متميزة".
أما عبد الرءوف مخلوف فيقول في سياق عرضه النقدي لكتاب العمدة: (9) "تدور مباحث كتاب العمدة حول النقد والبلاغة، وله في ذلك الباع الذي لا يطاول".
ويرى الدكتور شوقي ضيف أن(10) "قيمة العمدة في تاريخ البلاغة ترجع إلى دقة جمعه للآراء المتقابلة في فنونها المختلفة".
ويقول الدكتور حفني شرف(11): "إن لابن الرشيق من الأيادي البيضاء على البلاغة ما لا يجحده سابق ولا لاحق، وما يعد ثروة للأدب والمتأدبين والبلاغيين".
وبعد، فهل كادت ملكة الابتكار البلاغي تنضب فعلاً لدى ابن رشيق، وأن جهوده في هذا الميدان اقتصرت فقط على ما جمعه من آراء غيره من علماء البلاغة دون أن يتضح له منهج خاص وشخصية متميزة؟ أم كانت له أياد بيضاء على البلاغة وباع لا يطاول؟ وبعبارة أخرى، ما مقاييس البلاغة عند ابن الرشيق؟ وكيف تناولها في كتاب العمدة؟
يمكن القول بأن مسائل البلاغة التي اشتمل عليها كتاب العمدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مسائل نقلها ابن الرشيق ممن سبقه من علماء البلاغة دون تصرف فيما نقل، وتشمل البيان، التمثيل، التقسيم، الترصيع، المبالغة، المذهب الكلامي، التتميم، الإيجاز. وحسب ابن الرشيق من مسائل هذا القسم أنه نقلها نقلاً التزم فيه الأمانة العلمية، يؤكد ذلك على سبيل المثال ما رواه في باب التكرار حيث يقول(12): "وقد نقلت هذا الباب نقلاً عن كتاب ابن المعتز إلا ما لا خفاء به على أحد من أهل التمييز".
ولا شك أن هذا هو أقصى ما يبتغي العلماء حين يطالبون الباحث أو المؤلف بذكر المصدر والمرجع ونسبة الرأي إلى قائله ما لم يكن هو صاحبه.
القسم الثاني: مسائل نقلها ابن الرشيق ممن سبقه لكنه لم يكتفِ بنقلها فقط، وإنما ناقش ما نقل، وقبِل منه ما قبِل، ورفض ما رفض، صادراً في كل ذلك عن بصر وبيان لوجهة نظره ومذهبه فيما يأخذ ويدع، ويندرج تحت هذا القسم أيضاً ما قام به من تقسيم لبعض الألوان البلاغية تقسيماً جديداً، وما عمد إليه أحياناً من تغيير مسميات بعضها مما ورد لدى غيره، وما أبان عنه من فروق بين ألوان عدة طالما اختلطت حدودها، هذا مع التنبيه على أصل التسمية، وتتجلى مسائل هذا القسم في: المجاز، المثل السائر، التشبيه، الإشارة، الكناية، التصدير، الطباق، المقابلة، التقسيم، التسهيم، التفسير، الاستطراد، الالتفات، الاستثناء، الغلو، التشكك، التكرار.
ويلحظ الدارس لهذين القسمين أن السمة الغالبة على تناول موضوعاتهما هي النقل، ويبدو أن ذلك هو ما حدا ببعض الدارسين إلى وسم كتاب "العمدة" بافتقاده لملكة الابتكار البلاغي، أو أن مؤلفه- كما يرى الدكتور محمد مندور- "جمع فيه الكثير من أخبار الأدب العربي والنقد العربي وعلوم اللغة دون أن يتضح له منهج خاص وشخصية متميزة". ولعل ما ساعد على ترسيخ هذا المفهوم ما صرح به ابن الرشيق نفسه في مقدمة الكتاب بقوله: "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون "العمدة في محاسن الشعر وآدابه".
والحق أنه لو لم يكن لابن الرشيق غير جهد الجمع لكفاه ذلك ميزة، إذ يكفي أن كتابه من هذه الزاوية يعد من أهم المراجع التي يعتمدها الباحثون في علم البلاغة عند العرب والطالبون لفنونها التي يزخر هذا الكتاب بالكثير منها، كما يجدون فيه إشارات واضحة إلى الكتاب والمؤلفين في البلاغة، وما استطاعوا أن يخرجوه من ألقابها ومصطلحاتها، بيد أن ابن الرشيق لم يقتصر على النقل أو الجمع فقط كما ذكرنا وكما سنرى بعد قليل.
أما القسم الثالث: فهو مسائل يعزي الفضل في اكتشافها اسماً واصطلاحاً حيث نجده لم يسندها إلى غيره، وهي: التفريع، نفي الشيء بإيجابه، الاطراد، التمليط، الاتساع.
والمتأمل هذه الأقسام الثلاثة يجد أن ابن الرشيق قد نص عليها في خطته التي أشرنا إليها من قبل، حيث يندرج القسم الأول منها تحت قوله: "فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون العمدة في محاسن الشعر وآدابه إن شاء الله تعالى، وعولت في أكثره على قريحة نفسي، ونتيجة خاطري، خوف التكرار، ورجاء الاختصار، إلا ما تعلق بالخبر، وضبطته الرواية فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه ولا معناه، ليؤتى بالأمر على وجهه"، ويدخل القسم الثاني تحت قوله: وربما نحلته أحد العرب وبعض أهل الأدب، تستراً بينهم، ووقوعاً دونهم، بعد أن قرنت كل شكل بشكله، ورددت كل فرع إلى أصله، وبينت للناشئ المبتدئ وجه الصواب فيه، وكشفت عنه لبس الارتياب به، حتى أعرف باطله من حقه، وأميز كذبه من صدقه"، وينطبق على القسم الثالث قوله: "فكل ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه ولا أحلت فيه على كتاب بعينه فهو من ذلك".
ولما كان من غير المنطق هنا تناول تفاصيل كل قسم على حدة، لأن ذلك سيؤدي إلى التكرار، حيث إن المبحث البلاغي الواحد قد تتداخل فيه الأقسام الثلاثة، فإننا نؤثر معالجة كل مبحث على حده، فذلك أدعى إلى تبيان الدور البلاغي لابن الرشيق، سواء ما اقتصر فيه على الجمع فقط، أو ما أضافه إلى الجمع من ملاحظات لا تخلو من طرافة، أو ما ابتكره من ألوان بلاغية.
تابع ...