صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 33
Like Tree1إعجابات

الموضوع: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

  1. #1
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تقديم

    نظرا لهذه الدوامة الفكرية التي تتخبط فيها الأقطار الاسلامية، في مشارق الارض ومغاربها، متأثرة بالشرق حيناً وبالغرب أحياناً،
    ولكون الاسلام قد خطا خطوات واسعة في محاولة إنهاء هذه الدوامة من خلال تلك الصحوة الاسلامية المباركة، والتي جذبت أنظار مختلف الشعوب والامم في الارض،
    وبسبب أن أخطر ما يحتاج اليه الانسان، كائناً من كان، هو التعرف على حقيقة نفسه، وحقيقة الكون الذي يعيش فيه، وحقيقة هذه الحياة الدنيا التي يعيشها، وذلك من خلال حل شامل لتساؤلاته عن ذلك بشكل يقنع عقله وينسجم مع فطرته،
    ونظراً لأن الحلول المجتزأة لم يعد يقف عندها أحد من العلماء والمفكرين الذين ازدادت الضغوط الأيدلوجية الفكرية عليهم وهم يقفون أمام مختلف الحلول التي تقدم اليهم او تعترض سبيلهم من اسلامية وغير اسلامية،

    لذلك كله، كان حتمياً وضع هذا البيان الدقيق بأفكاره ومعالجاته لجميع جوانب الاسلام كدين وشريعة، كعقيدة وتشريعات، مع الحرص على الدراسة المقارنة بينه وبين العقائد الاخرى من رأسمالية واشتراكية شيوعية. وذلك ليرى كل ذي لبّ وبصيرة هذا البون الشاسع بين الاسلام وغيره، فيقول بملئ فيه: لقد وجدتها، لقد وجدت الحل الشامل لجميع جوانب الحياة في الاسلام، عقيدة وشريعة، وأنه ليس لأحد بدّ من الأخذ به ما دام يطلب الحق دون مواربة ولا تعصب ولا تحيز..
    ولهذا جاءت هذه الندوات مغطية العقيدة الاسلامية، ومقارنة لها مع تلكما العقيدتين الاخريين، ومنبهة الى حقيقة ما عليه النظام الاسلامي المنبثق عنها والمبني عليها من دقّة وصحة وسلامة في معالجة جميع مناحي الحياة البشرية، ومحققة كامل السعادة للانسان في هذه الحياة الدنيا وتلك الاخرى .. جاءت من خلال كتاب الله "نظام الاسلام" للعالم الاسلامي الكبير محمد تقي الدين النبهاني، رحمه الله وجزاه عن الاسلام والمسلمين خيرا …
    والله وحده هو الهادي سواء السبيل،
    وهو نعم المولى ونعم النصير ..
    المؤلف

    الطريق السليم للإيمان السليم

    الندوة الاولى

    العرض:
    لا ريب أن أهم وأخطر شيء في حياة الانسان، هو العقيدة التي بها يكيّف سلوكه كفرد وكعضو في مجتمع، هو الأيدلوجيا التي تعطي الفكر للفرد والمجتمع، ليرتقي وينهض، ولكن أي فكر إيماني يحقق نهضة الانسان ورقيّه؟
    للاجابة على هذا السؤال نقول: إن الانسان طالما يعيش على هذه الارض ويتعامل مع ما عليها من أحياء وغير أحياء، ومع ما يحيط بها من كواكب ونجوم، فانه لا بد ان تكون لديه فكرة شاملة عنها جميعا، أي شاملة الوجود كله، من كون يتمثل في النجوم والكواكب بما فيها الارض، ومن انسان يمثل أكمل المخلوقات الحية، وحياة تظهر في حركة ونمو الكائنات الحية كلها. ولكن حتى يكتمل هذا الفكر الشامل عن الوجود لا بد ان يشمل ايضا علاقة هذا الوجود بما قبل هذه الحياة الدنيا وبما بعدها. فيعرف الانسان صلته بمصدر حياته ومصدر الوجود كله، كما يعرف صلته بمصير حياته. وينظمها في ضوء هذه المعرفة الشاملة. وهذا يعني أنه لا بد من تغيير فكر الانسان الضيق بفكر شامل، وأن يكون هذا الفكر الشامل صحيحاً، حتى يرتقي وينهض من خلال ما يقدمه هذا الفكر من مفاهيم عن الاشياء التي يتعامل معها وتتولى بدورها تكييف سلوكه وتصرفه في حياته.

    ومن البدهي القول انه من الواضح أثر المفاهيم في حياة الانسان وتعامله مع الناس الآخرين. لأننا نجد الانسان يتصرف مع شخص يحبه بعكس تصرفه مع شخص آخر يكرهه تبعاً لمفاهيمه عن كل منهما. ونراه يتصرف بشكل ثالث مع شخص لا يعرفه من قبل لعدم وجود أي نوع من المفاهيم عنه. فكل هذا يؤكد أن تغيير السلوك الانساني منوط بتغيير المفاهيم التي لدى الانسان. فيلزم عند تغيير السلوك المنخفض الى سلوك راقٍ تغيير مفاهيمه التي سببت هذا السلوك المنخفض بأخرى راقية. ولا يحتاج هذا التأكيد الى دليل بعد قوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" – من آية رقم 11 من سورة الرعد –. ما يعني أن تغيير السلوك سواء للإرتقاء او الإنخفاض يجري في الانسان تبعاً لتغيير ما في نفسه من أفكار ومفاهيم ومقاييس وقناعات.

    والسؤال الآن: ما هو الطريق السليم لتغيير السلوك بالافكار والمفاهيم، وما هي الافكار والمفاهيم و .. التي تحقق تغيير السلوك عندما توجد لدى الانسان؟؟
    بالتأكيد ما دامت الافكار يجب ان تكون شاملة، كما أشرنا في بداية هذا العرض، فهذا يفرض ان تحدد حقيقة هذه الحياة الدنيا من حيث: هل هي مخلوقة او غير مخلوقة، وهل لها علاقة بخالقها أم لا. كما انه يفرض ان يشمل هذا الفكر الوجود كله وليس فقط الحياة، أي الكون والانسان ايضا. وبهذا الشمول توجد لدى الانسان الفكرة الكلية عن الوجود، وبوجود هذه الفكرة تصبح لديه القاعدة الفكرية التي يبني عليها جميع افكاره، ويتوفر لديه الحل للعقدة التي تلاحق تفكيره باستمرار حول الوجود وحول مكوناته الثلاثة، وذلك من خلال تساؤلاته عن مصدر كل منها، وعن مصيرها، ومهمتها. وبهذا الحل الفكري للعقدة الكبرى يجد الانسان لديه حل العقدة الصغرى التي تنشأ بالبداهة عن الاسئلة الفرعية حول جزئيات كل طرف من أطراف الوجود الثلاث، أي الكون والانسان والحياة.

    ولكن ما علاقة حل العقدة الكبرى بالنهضة؟
    ان علاقتها وثيقة كل الثقة، لأن النهضة هي الرقيّ الفكري أولاً فالمادي أخيراً. وحل العقدة الكبرى يوجِد الأساس للرقي الفكري. ولكن المهم ان يكون هذا الأساس وهذا الحل صحيحاً، حتى تكون النهضة صحيحة. وهذه الصحة لا تتحقق في الحل الا عندما يوافق فطرة الانسان، بأن يقرّ بنقص الانسان وعجزه واحتياجه، وعندما يقنع عقله، بأن يلمس الانسان لمساً حقيقياً أنه من المستحيل وجود النتائج دون أسبابها. وحتى يوجد هذا الحل الصحيح لا بد من الفكر المستنير الذي يوضح حقيقة الوجود كله، ومصدر هذه الحياة ومصيرها ومهمتها. وبهذه الأداة الفكرية يشكل عقيدته الصائبة التي يتخذها كقاعدة تتولى مهمة تنظيم جميع افكاره الفرعية المتعلقة بجميع أنماط سلوكه الفردية والجماعية، كما تتولى ضبط الأنظمة والتشريعات التي لا يمكن ان تستقيم حياة المجتمع بدونها.


    المناقشة:

    س- ما معنى نهضة الانسان؟
    ج- النهضة هي الارتقاء الفكري السلوكي في جميع مجالاته الفردية والمجتمعية.

    س- ألا يكفي للنهضة الفكر عن الحياة الدنيا والمفاهيم عن أشيائها دون الحاجة لغيرها من الوجود؟
    ج- لا، لا يكفي، لأن الانسان يعيش حياته في هذا الكون، وعلى الارض كإحدى كواكبه، ويتعامل مع أشيائها، فلا بد ان تكون لديه فكرة شاملة عن الوجود ككل ثم عن الحياة التي يعيشها الانسان، وبذلك يجد الاجابة عن أسئلته جميعها.

    س- ما الفرق بين الحياة كجزء من الوجود والحياة التي تعيشها البشرية؟
    ج- الحياة كحياة هي الحركة والنمو من الأحياء وفيها، وهي أحد جوانب الوجود. وأما الحياة الدنيا فهي الفترة التي تعيشها الانسانية منذ وجودها حتى فنائها.

    س- لماذا الاستشهاد بآية من القرآن الكريم في الحديث عن النهضة الفكرية بشكل عام؟
    ج- لأنه يلقي ضوءاً على ان هذا العرض الاول ليس اكثر من مقدمة للبحث عن الطريق الصحيح للإيمان والنهضة.

    س- ألا يوجد طريق آخر لتغيير مفاهيم الانسان غير ايجاد الفكر عن الحياة الدنيا وصلتها بما قبلها وما بعدها؟
    ج- لا يوجد، طالما نريد ايجاد مفاهيم عن الاشياء في هذه الحياة التي يعيشها الانسان ليحدد موقفه منها وتعامله معها.

    س- ماذا تعني العقدة الكبرى، وما هو حلّها؟
    ج- تنشأ العقدة، أي عقدة، لدى الانسان عندما لا يجد لديه جواباً على سؤال في ذهنه. فاذا كان السؤال عن الكون كجزء من هذا الوجود كانت العقدة كبيرة، ولكنه لو كان عن الوجود كله كانت العقدة الكبرى. وأما لو كان عن شيء في هذا الكون كانت العقدة صغرى. وأما الحل فهو الاجابة على السؤال. فاذا كان السؤال عن الوجود كله، كان الجواب هو حل العقدة الكبرى.

    س- ماذا نسمي حل العقدة الكبرى، ولماذا؟
    ج- نسميه بالفكرة الكلية، لأنه يعطينا أجوبة الاسئلة عن الوجود كله، ونسميه بالقاعدة الفكرية، لأنه يعطينا الفاعدة الاساسية لجميع أفكارنا.

    س- ما دامت نهضة الانسان هي ارتقاؤه الفكري أولاً فالمادي السلوكي ثانياً وأخيراً، فأين الرقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟
    ج- هي كلها تحصيل حاصل من نتاج رقيّه الفكري فالسلوكي طالما سيشمل ذلك كله بالتلازم والتبعية.

    س- هل هناك نهضة خاطئة؟
    ج- نعم، وهي كل ارتقاء فكري لا يوافق فطرة الانسان إذ لا يقرّ طبيعته الناقصة المحتاجة في وجودها وتدبيرها، كما لا يقنع عقله إذ يتجاهل ان لكل موجود موجِد، ولكل نتيجة سبب، وهذا هو ارتقاء خاطئ ونهضة خاطئة.

    س- هل من أمثلة واضحة على ذلك من واقع المجتمعات المعاصرة في الارض؟
    ج- نعم. ان ارتقاء الغرب الرأسمالي المعاصر والشرق الاشتراكي الغابر مثلان مهمان في عالم اليوم إذ ينكران فطرة الانسان. فيراه الغرب غير ناقص ولا محتاج لغيره رغم انه يعترف بهذا النقص عندما يعترف بأن لهذا الانسان خالقاً ولكنه لا يرى لهذا الخالق دخلا في تدبير شؤونه. كما كان يراه الشرق كذلك، مع إنكار وجود الخالق او الموجِد او المسبِب، مما لا يقنع العقل، ويسبب شقاء الانسان.

    س- كيف يوجد الفكر المستنير لدى الانسان عن أي شيء؟
    ج- يوجد عندما يحيط بالشيء في ذاته وصفاته وفي كل المؤثرات الخارجية فيه.
    فلو سألك شخص مثلا عن شراب قدمته اليه في كأس للشرب فأجبته بأنه الماء او عصير الليمون، لكان هذا الجواب مجرد فكرة سطحية عابرة، مما يسمى بالتفكير السطحي. ولكن لو أجبته بأنه الماء الزلال المطفئ للظمأ لأنه يتصف بكذا وكذا، ولأنك كذا وكذا، فانك تكون قد تعمقت في الاجابة مما يسمى بالتفكير العميق. ولكن لو توسعت في الاجابة العميقة وتحدثت عن العوامل الخارجية التي تدخلت في ايجاد هذه الصفات والاسباب بهذا الشكل أو ذاك لكنت قد أعطيت المزيد من النور عن كل ما يتصل به، فجعلت الشخص لا يطلب المزيد من الفهم، فكانت الاجابة مما يسمى بالتفكير المستنير ونتيجتها الفكر المستنير.

    س- كيف يحل الفكر المستنير العقدة الكبرى لدى الانسان؟
    ج- عندما يوضح للسائل حقيقة هذا الوجود من كون وانسان وحياة، ويحدد له مصدره وعلاقته بهذا المصدر، وتأثير هذا المصدر فيه، ومدى تدخله في تدبير شؤونه وفي مصيره. فبهذا التوضيح يدرك السائل هذا الوجود، ويعرف نفسه فيه، ويحدد علاقاته في إطار هذا الادراك له، فتحل العقدة الكبرى.

    س- ماذا تعني العقيدة؟
    ج- العقيدة لغة من اعتقد اعتقاداً، فهي مفرد عقائد، وهي من مادة عقد، فيقال عقد قلبه وعقّده على كذا، أي اعتقده في نفسه بأن اقتنع به عقله واطمأن قلبه. ولذلك قيل ان العقيدة ما استقرّ في القلب عن يقين ونطق به اللسان وظهر عملاً على الجوارح.

    س- لماذا يطلق على حل العقدة الكبرى لدى الانسان وصف العقيدة؟
    ج- لأن هذا الحل يعطي الانسان الاجابة على اسئلته عن مواضع الاعتقاد، اي الوجود، من حيث مصدره وتدبيره ومصيره.
    فالكون: من أين أتى، وكيف يدبّر، وماذا بعده؟
    والانسان: من أين نشأ، وما هو نظامه، والى اين مصيره؟
    والحياة: من أين صدرت، وكيف تستمر، والى اي وقت تستمر؟

    فهذه الاسئلة كلها تنصبّ على مواضع الاعتقاد، وهي أطراف الوجود الثلاثة: الكون والانسان والحياة. أما لو كانت هذه الاسئلة لا علاقة لها بمواضع الاعتقاد من مثل: كيف يسير الكون، او: كيف يفكر الانسان، او: كيف ينمو الحيوان، فالاجابة لا توصف بالعقيدة لأنها تعطي فكرة ومعرفة لا علاقة لها بالعقيدة.
    GHADEERROOZ معجب بهذا.

  2. #2
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي

    يتبع

  3. #3
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي








    الطريق السليم للإيمان السليم

    الندوة الثانية

    العرض:
    تبين لنا من العرض الاول ان الفكر المستنير عن الكون والانسان والحياة هو الذي يوجد الحل الصحيح للعقدة الكبرى. وأن هذا الحل هو العقيدة، والفكرة الكلية، والقاعدة الفكرية لكل افكار الانسان الفرعية عن سلوكه وتصرفاته وأنظمة حياته.

    والسؤال الآن: ما دور الاسلام بهذا الشأن؟
    والجواب: اننا نجد الاسلام قد جاء بهذا الحل الصحيح الموافق للفطرة الانسانية، والمقنع للعقل البشري، والمطمئن للقلب. وانه بذلك قد وضع العقيدة الصحيحة بين يدي الانسان، ودعاه لاعتناقها، دون إكراه ولا إجبار. وذلك بأن بيّن له ان لهذا الوجود، من كون وانسان وحياة، خالقاً خلقه من عدم، وهو الله تعالى، وانه الخالق بكلمة "كن" ، وكل شيء مخلوق له. فهو واجب الوجود لأنه حتمي لا يعتمد في وجوده على شيء، بينما كل المخلوقات ممكنة الوجود، لأنها تعتمد في وجودها عليه، ولولا إرادته وأمره في وجودها لما وجدت.

    والذي يدعو للقول بوجود الخالق للوجود هو لأن الاشياء فيه في مجموعها من كون وانسان وحياة تعلن بواقع كل منها بأنها عاجزة عن ايجاد نفسها او عدم ايجاده، وأنها ناقصة في كل جانب من جوانبها، وأنها محتاجة لمن يدبّرها. وهذا ظاهر لكل ذي عين بصيرة: فالكون لا يتجاوز مجموعة الاجرام من نجوم وكواكب مهما تعددت وتباعدت وتفاوتت في الأحجام، وهي خاضعة للنظام الدقيق الذي تسير عليه، والذي لا تملك التبديل او التغيير فيه ولا في ذاتها، والانسان لا يتجاوز الامكانات المحددة فيه لكل جانب من جوانبه الجسمية والعقلية والنفسية والحركية، وهو بحاجة في سعادته الحقة لتنظيم حياته الى غيره، والحياة لا تتجاوز مظهرها الفردي في نموها وحركتها على الكائنات الحية، كما لا تتجاوزه في بدئها وانتهائها. ولهذا فان التفكير السليم يجزم ان الوجود، أي الكون والانسان والحياة، قد حدث بعد أن لم يكن موجوداً، فهو ليس أزلياً، وأنه مدين في وجوده لغيره، وأن هذا الغير هو خالقه.

    وهنا يقودنا التفكير الى التساؤل عن وجود هذا الخالق فيحصره في احتماليْن لا ثالث لهما: فهو إما أن يكون وجوداً ممكناً حادثاً بفعل غيره، سواء كان هذا الغير هو نفسه، بأن خلق نفسه بنفسه، او كان غير نفسه، بأن خلقه هذا الغير، وإما أن يكون وجوداً واجباً أزلياً.
    ولتمحيص هذين الاحتمالين للوصول الى النتيجة العقلية القطعية، لا بد ان نناقش هذا الاحتمال الاول فنجده باطلاً، لأنه يفترض محدودية وجود الخالق لحاجته في وجوده لغيره. وهذا يجعل الخالق مخلوقاً، وهذا مستحيل، كما يستحيل في نفس الوقت أن يخلق الخالق نفسه، لأنه قول مرفوض عقلاً. وعليه فلا يبقى الا الاحتمال الثاني فنجده صحيحاً لأنه يرى المقابل العقلي للاحتمال الاول الخاطيء ألا وهو ان الخالق ليس محدوداً لعدم حاجته في وجوده لا لغيره ولا لنفسه، فوجوده ليس حادثاً، أي انه وجود أزلي لا أول له، أبدي لا نهاية له، وهذا الوجود هو ما يطلق عليه بالوجود الواجب، لأنه ليس ممكناً، وأنه الأزلي لأنه ليس حادثاً. وهذا الخالق، الواجب الوجود، كما يراه الاسلام، هو الله تعالى.


    المناقشة:

    س- ماذا يعني القول بأن الله واجب الوجود؟
    ج- ترد كلمة الوجوب هنا كصفة للوجود مقابل الإمكان والاحتمال، فوجوده تعالى لكونه غير مرتبط ولا معتمد على شيء فانه يوصف بالوجوب. بينما وجود غيره يوصف بالامكانية والاحتمال، لأنه مرتبط بالغير وإرادة الغير. فلولا إرادة الله سبحانه خالق الوجود لما كان هذا الوجود. ولذلك قلنا ان وجود الوجود ممكن بينما وجود خالق الوجود واجب.

    س- لماذا نقول عن الكون بأنه ناقص مع انه كما يقولون لا متناهٍ في أبعاده؟
    ج- وصف الكون بأجرامه العديدة، والتي يكتشف العلم المزيد منها باستمرار، ليس بأكثر من وصف لمدى علم الانسان وحدود هذا العلم الضيقة. فالقول باللانهائية هو إلقاء للمعلوم على ذمة المجهول، وهذا لا يجوز في مجال العلم اليقيني. ثم أن الكون المعلوم بحدود كل جرم من أجرامه لا مجال لوصفه بغير النقص ما دام هذا النقص صفة كل جرم، مما يستلزم نقص مجموعة النواقص، وأنها اذا وصفت بالكمال مع بعضها البعض فهو من باب المجاز لمعنى التكامل فيما بينها، وشتان بين الكمال والتكامل.

    س- هل يمكن تطبيق هذا القول حول النقص والكمال على عقل الانسان الذي يبدع جديداً كل وقت؟
    ج- نعم، وبالتأكيد. لأن من لم يكن يعرف كانت معرفته العقلية ناقصة لهذه المعرفة، وسيبقى يكتشف بعدها، أي سيبقى يضيف لنقصه جديداً ليتكامل ويتلاحق النقص بعضه ببعض، لا ليصبح كاملا وإنما ليضيف للنقص نقصاً جديداً، وإلا لما احتاج للمزيد من المعرفة والاكتشاف العقلي.

    س- لماذا القول بأن الانسان بحاجة لمن ينظّم له حياته من غير الانسان؟
    ج- لأن الانسان، كما سيأتي بيانه فيما بعد، يتأثر في تنظيماته بالبيئة، فتحتاج تنظيماته للتعديل والتبديل تبعاً لما يطرأ باستمرار من تعديل وتبديل على عناصر الحياة البيئية. بينما الانسان هو الانسان في حقيقته من غرائز وحاجات تحتاج الى تنظيم.

    س- نعود للتساؤل عما يقصد بالوجود الممكن والوجود الواجب؟
    ج- الوجود الممكن هو الذي قد يحصل وقد لا يحصل، كما هو الحال في وجود أي شيء لم يكن في الأصل له وجود. وأما الوجود الواجب فهو الوجود القائم دون اي فعل سابق ودون أي أثر للاحتمال فيه لأنه لا يخضع للزمان ولا للمكان، ولذلك فهو لا يرتبط بأي جزء من الزمان فيوصف بالأزلي الأبدي، من كون هذا الوصف يتجاوز حدود الزمان من قبل ومن بعد. بينما يوصف الوجود الممكن بأنه حادث، من كونه في حدود الزمان، وأنه حدث في وقت من الاوقات او زمن من الأزمان.

    س- ما المقصود بالقول بأن الخالق ليس محدوداً بينما الانسان محدود؟
    ج- المحدود هو الذي يخضع لحدود معينة في الزمان والمكان، فوجوده وصفاته خاضعة لزمان معين، ومكان معين، فهي لا تتجاوز ذلك، فكانت ناقصة وعاجزة ومحتاجة، وهذه هي صفات المخلوق ذاته. بينما الخالق على العكس من ذلك، فهو لا يخضع في ذاته للزمان ولا للمكان، ولا يخضع في صفاته كذلك للزمان ولا للمكان، لأنه يتصف بالكمال المطلق والقدرة المطلقة …
    وهذا هو وصف وحقيقة الخالق سبحانه وهو الله تعالى.

  4. #4
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي


    الطريق السليم للإيمان السليم

    الندوة الثالثة

    العرض:
    ان النظر العقلي في الاشياء المحسوسة يؤكد وجود خالق خلقها ودبّرها. فكل كوكب من الكواكب ونجم من النجوم في هذا الكون، وكل جانب في الانسان، وكل مظهر من مظاهر الحياة، يقدم الدليل تلو الدليل، وبصورة قطعية لا تحتمل الشك، على وجود الله الخالق المدبر. ذلك لأن هذه الاشياء تفصح عن حاجتها الى غيرها سواء في ذواتها او صفاتها او مساراتها او نظمها.
    هذا بالنسبة للنظر العقلي، أما النظر الشرعي، نظر القرآن الكريم، المصدر الأول للاسلام، فقد ظهر من الآيات العديدة المؤكدة لهذا المعنى. ففي سورة آل عمران، آية 190، نجد قوله تعالى "إن في خلق السموات والارض، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولي الألباب". مما يستثير العقول لتدبّر هذه الاشياء الكونية وما فيها من نقص في ذواتها، وعجز في تحركاتها وقدراتها، واحتياج فيها لغيرها. كما نجد في سورة الروم، آية 22، قوله تعالى "ومن آياته خلق السموات والارض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم"، مما يضيف بعض جوانب الانسان الى مظاهر الكون في استثارة التفكير والتدبّر. ونجد هذا في قوله تعالى في سورة الغاشية، آيات من 17 الى 20 "أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت، والى السماء كيف رفعت، والى الجبال كيف نصبت، والى الارض كيف سطحت". وإن كان النظر هنا قد لفت ايضا الى الإبل كأكثر الحيوانات قرباً من أول مَن خوطبوا بالقرآن والاسلام. وأما سورة الطارق، الآيات 5 و 6 و 7، فقد لفتت النظر الى الانسان وحده. إذ يقول تعالى "فلينظر الانسان ممَّ خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب" .. فهذه الآيات وأمثالها تطالب الانسان أن لا يمرّ بالاشياء المحسوسة من حوله دون تفكر وتمعّن وتدبّر سواءا فيها او في كل ما يتعلق بها. لأنه بذلك يصل الى الاستدلال القاطع بأن الخالق المدبر موجود، ويكون استدلاله قاطعاً لأنه استند الى محسوسات تقدم هذه القطعية والحتمية في الوصول الى النتائج. الأمر الذي يجعل الايمان بالله ليس ايمان الشك وانما ايمان الرسوخ بعد أن أجهد العقل بكل تجرّد ونزاهة واستخدم الأدلة والبينات العقلية والحسية بكل دقة وأمانة.

    وبالرغم من هذه النتائج القطعية في الايمان العقلي الا انه يبقى بين أيدينا جانبان مهمان لا بد من تسليط الضوء عليهما حتى لا يشوشا على هذا الايمان القطعي. ألا وهما تدخل الفطرة والوجدان فيه، وقصور العقل عن إدراك غير الحسّيات وغير المعقولات.

    أما الفطرة وتدخّلها في الايمان فلا شك ان الخالق المدبر مما ترشد اليه فطرة الانسان السوية وطبيعته النقية التي كما أسلفنا تعلن عن حقيقة الذات الانسانية وما فيها من نقص وعجز واحتياج في ذاتها وصفاتها الى الخالق المدبر. ولكن الخطورة في ترك الفطرة مصدراً يحتَكَم اليه وحده في الايمان تكمن في كونها تعتمد على الوجدان وحده في ذلك. والوجدان لا يجوز ان يكتفى به في الايمان، لأنه مجموعة من المشاعر والعواطف التي تزدحم بالخيالات والأوهام، مما يضفي على الايمان ما يسمى بالحقائق، وما هي الا أوهام. مما يقود المؤمن الى الكفر او الضلال .. وإلا فمن أين جاءت عبادة الاصنام، ومن أين ازدحمت في النفوس الخرافات والترّهات. انها نتيجة لخطأ الوجدان الذي تُرك وحده سبيلا للايمان، فأضاف لله سبحانه صفات تتناقض مع الألوهية، كأن تكون له سبحانه اعضاء كالبشر، او يمكن تجسّده في مادة كإنسان او حيوان، أو يمكن التقرب منه بعبادة مادة من اشياء الكون او المخلوقات الحية. وذلك كله يوقع في الكفر او الشرك إن لم يقف عند الأوهام والخرافات التي تتنافى مع الايمان السليم. ولهذا نرى كيف ان الاسلام ألزم باستخدام العقل مع الوجدان، وعدم ترك الوجدان وحده في ذلك. وأوجب على الانسان المسلم ان يستعمل عقله ويجعله الحكم في الايمان بالله تعالى، ولم يقبل منه التقليد في ذلك. والا فما معنى قوله تعالى "إن في خلق السموات والارض، واختلاف الليل والنهار، لآيات لأولي الألباب".

    وأما قصور العقل عن ادراك ما فوق الحسيات والعقليات، وكيف يحتكم اليه مع هذا القصور في الايمان بالله تعالى. فهذا القول فيه خلط في ادراك حقيقة مهمة العقل في الايمان. صحيح ان العقل عاجز عن ادراك ما وراء الحسيات والعقليات لأن قدراته لا تتجاوز هذه الحدود، ولذلك لا يمكنه ادراك ذات الله تعالى، لأنه سبحانه وراء الحسيات من كون وانسان وحياة. ولكن مهمة العقل في الايمان محصورة في وجود الخالق، وهو وجود مدرَك تبعاً لإدراك وجود المخلوقات الداخلة في حدود إدراكه. ولا علاقة لمهمة العقل بذات الخالق لأنها وراء العقل والحس. وهكذا تذهب هذه الشبهة وتنتفي ليس بإلغائها فقط بل بجعلها سبباً من اسباب قوة الايمان ذاته. وذلك لأن هذا الادراك التام لوجوده تعالى قد تحقق عندما جعلنا ايماننا به سبحانه عن طريق العقل. وكذلك تحقق الشعور اليقيني بوجوده تعالى عندما ربطنا بين الشعور والعقل عند هذا الادراك، ولم نترك الشعور بمفرده. وهو الحال الذي يزيدنا ايماناً على ايمان ويجعلنا نسلّم بكل ما قصّر عقلنا عن إدراكه ما دام لا يملك الا المقاييس البشرية في قدرته لإدراك ما قصر عنه، كإدراك ذات الله تعالى او ادراك بعض المخلوقات كالملائكة والجن، ما دام ايماننا بوجود هذه المخلوقات قد جاء عن طريق ثبت أصله بالعقل.


    المناقشة:

    س- ما المقصود بالقول بأن الله خالق ومدبّر؟
    ج- خالق من خلق، أي أوجد الاشياء من عدم بعد أنْ لم تكن موجودة. ومدبّر من دبّر أي خلق الاشياء في ذات كل منها على حال يمكنها من البقاء والاستمرار في أدائها لمهماتها ووظائفها لنفسها وغيرها، كما خلق لها كل ما تحتاجه من خارجها ومحيطها لذلك البقاء والاستمرار. فالكون خلقه على شكل نجوم وكواكب وفي طبائعها وفي محيطها ما يمكنها من هذا البقاء والسير في الافلاك وأداء المهمات بشكل فاعل ومنفعل معاً. والانسان خلقه على طبيعة وبعقل يمكنانه من أداء وظيفته ومهمته في حياته بشكل فاعل ومنفعل معاً. والحياة خلقها على حال من الحركة والنمو بشكل فاعل ومنفعل معاً. ولا يستطيع اي جانب من جوانب هذا الوجود الثلاثي الخروج عن هذا التدبير الذي يطلق عليه نظام الوجود.

    س- ما المقصود بالشكل الفاعل والمنفعل في الكون والانسان والحياة؟
    ج- يكون الكون فاعلا ومنفعلا لأنه يؤثر في غيره ويتأثر به في الاطار المادي فقط. ويكون الانسان فاعلا ومنفعلا لأنه يؤثر ويتأثر بغيره في الاطارات الانسانية والمادية. وتكون الحياة فاعلة ومنفعلة لأنها تؤثر وتتأثر في الاطار الحياتي فقط.

    س- لماذا ذكر القرآن الكريم عند النظر العقلي في المحسوسات للاستدلال على وجود الخالق المدبر؟
    ج- لا شك ان البحث هذا في اطار الاستدلال بالعقل على ان الاشياء المحسوسة تدل على وجود خالق ومدبر لها. ولما كان القرآن الكريم يستخدم نفس الاستدلال فقد ورد ذكره. وكان ذلك – من ناحية اخرى - إشعارا للمستمع والقارئ ان مصدر الاسلام الاول يعتمد على هذا الطريق في الايمان بوجود الله الخالق المدبر.

    س- ولكن الاستدلال لم يقف على القرآن كقرآن وانما على نصوص منه، مع ان القرآن نفسه لم يصل البحث بعد الى اثباته كرسالة من الله الخالق المدبر؟
    ج- صحيح ذلك. ولكن النصوص التي وردت لمجرد التأكيد ان هذه الرسالة السماوية تعتمد على العقل طريقاً للايمان، حتى اذا ثبت أنها جاءت من عند الله، ازداد المؤمن بها ككل وكجزئيات ايماناً على ايمان.

    س- ما دام الأمر كذلك، لماذا لم يرد اي نص يستدل به على الحياة ومظاهرها كما ورد على الكون والانسان؟
    ج- ان النص الذي تحدث عن خلق الانسان من ماء دافق .. يدل على بدء نشوء الحياة من باب الاشارة. وهناك نصوص اخرى تتحدث عن الحياة نفسها منها "وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما" – من الآية 259 من سورة البقرة.

    س- ما المقصود بالفطرة البشرية هنا، وكيف تقرّ بوجود خالق ومدبر لها؟
    ج- هي طبيعة الانسان التي خلقه الله عليها من كونه كائناً حياً لديه غرائز وحاجات عضوية تدفعه لممارسة حياته. كما لديه عقل يوجّه تلك الغرائز والحاجات ويضبطها لتسير وفق مسارات معينة. وهذا العقل وتلك الغرائز والحاجات العضوية تحكمها حدود معينة لا تتجاوزها لا في ذاتها ولا في مهماتها. ومن هنا قيل ان الفطرة البشرية تقرّ بالبداهة بأن الانسان عاجز وناقص ومحتاج لغيره، وهي بالتالي تقرّ بأن الانسان مخلوق لخالق.

    س- ما دام من فطرة الانسان ان يؤمن، فلماذا القول بضرورة اجتماع العقل مع الفطرة؟
    ج- لأن الخشية قائمة فعلاً بأن يقف الايمان عند الجانب العاطفي او الوجداني او الغرزي، دون ان يشمل العقل. ولذلك قيل بعدم الاحتكام الى الوجدان وحده في الايمان، بل لا بد من مصاحبة العقل له ليأمن الزلل والوقوع في الكفر او الضلال.

    س- كيف يقع الوجدان في الزلل والكفر والضلال؟
    ج- يتشكل الوجدان من مجموعة العواطف والمشاعر والميول التي تمارس الغرائز والحاجات العضوية وظائفها من خلالها. فغريزة التدين كإحدى الغرائز لديها ما يناسبها من هذه المشاعر، من تقديس وتعظيم وعبادة، فتبعاً لتداخل مشاعر الغرائز الاخرى مع مشاعر التدين، وهي كلها في كيان واحد، فانه يحصل الاختلاط على الانسان في الامور. فغريزة البقاء، وحبها للذات وميلها للدفاع عن النفس ورغبتها في التمتع بالحياة وأشيائها، تقوم بدفع الانسان للدفاع عن نفسه عندما يتخيل ان شيئاً من المخاطر يهدد هذا البقاء، او ان شيئاً يحفظه، فيجعله موضع تقديس وعبادة، وكما يحصل في تقديس بعض الحيوانات او مظاهر الكون. وهذا ظاهر حتى الآن لدى بعض الشعوب .. ومن هنا كان لا بد من تدخل العقل ليمنع هذه الخيالات او الاوهام من أن تبعد الايمان عن الطريق المستقيم.

    س- ما المقصود بما فوق الحسيات والعقليات؟
    ج- كل ما لا يقع تحت الحواس البشرية من المغيبات او المجهولات هو مما يطلق عليه فوق الحسيات او وراء الحسيات. وكذلك بالنسبة للعقليات، فكل ما لا يمكن ادراكه ولا يصل اليه عقل مما يطلق عليه فوق العقليات او وراء العقليات. فالاشياء المحسوسة من جمادات وسوائل وغازات هي ما يطلق عليه الحسيات، ويلحق بها الاشياء التي تتخذ أشكالا اخرى كأنواع الطاقة التي لا تشاهد بالعين المجردة في ذاتها. وأما الامور العقلية من معنويات ومنطقيات كالافكار والآراء فهي ما يطلق عليه العقليات.

    س- كيف يقال ان العقل قاصر وقد اجترح كل هذه العجائب من الاختراعات، وتوصل الى كل هذه الغرائب من الاكتشافات. أليس العقل الفردي يأتي بالعقل الكلي المتكامل الذي لا قصور فيه كالفردي؟
    ج- صحيح ان العقل قد اخترع ما اخترع، وسيخترع المزيد. وقد اكتشف ما اكتشف، وسيكتشف المزيد. ولكنه يبقى هو العقل الفردي. فالذي يخترع هو فلان من الناس، والذي يكتشف هو فلان من الناس. وعقل فلان مهما انضاف اليه من عقول لفلان وفلان .. الخ فسيبقى هو العقل لفرد، والعقل لفرد آخر وثالث .. الخ. والدقة والتحديد في ذلك تقتضيان مناقشة العقل الفرد الواضح الحدود في اطار تكوينه ومرتكزاته ومعلوماته وتطلعاته. وكلها تبقى مهما اتسعت وارتقت في الاطار الفردي المحدود لأن العقل والمنطق يقولان ان مجموع المحدودات مهما كثرت يبقى محدوداً.
    وأما القول بالعقل الكلي المتكامل فهو وهْم من أوهام الخيال. لأنه لا يوجد شيء اسمه العقل الكلي او المتكامل غير مجموع العقول الفردية. وكلها تندرج في اطار المحدود الذي يقصر عن تجاوز حدوده في الادراك، فلا يصل الى ادراك ما وراء قدراته وإمكاناته.

    س- كيف تحول قصور العقل الى دليل ايمان بدلا من نفي الايمان عن طريق هذا العقل القاصر؟
    ج- لما كان العقل قادرا على ادراك وجود الخالق المدبر كان طريقاً للايمان. وأما قصوره عن ادراك ذات الخالق فلا صلة له بالايمان ما دام الايمان بوجود الخالق وليس بحال ذاته. ومن هنا كان ادراك ان العقل مقصر عن ادراك ذات الخالق مدعاة للاطمئنان بصحة استخدام العقل كطريق له.

    س- ما المقصود بالأصل الذي ثبت بالعقل في الايمان؟
    ج- هو المرجع الذي ورد فيه أصلاً الشيء المعين المطلوب الايمان بوجوده. فالايمان بوجود الملائكة مثلا يحتاج لسلامته ان يكون القرآن الذي ذكرهم وطلب الايمان بوجودهم هو نفسه ثابت بالعقل كرسالة من الله لا شك فيها. فالقرآن الكريم يعتبر المرجع الاول الذي استندنا اليه كأصل للايمان بوجود الملائكة، فثبوته بأنه كتاب منـزل من عند الله بصورة قطعية بطريق العقل يعني ان الأصل الذي ورد فيه ذكر الملائكة قد ثبت بصورة قطعية بطريق العقل.

    س- ما المقصود بالقول ان العقل عاجز عن ادراك ما وراء الحسيات والعقليات؟
    ج- المقصود بذلك ان العقل عاجز عن ادراك ما يتجاوز حدود الاشياء الحسية والامور العقلية، لأن ادراكه محصور بحدود هذه الاشياء، ويحتاج ان يكون الشيء محسوساً حتى يدركه، وأن يكون الأمر معقولاً حتى يدركه لأن عملية الادراك في العقل لا تنجز مهمتها الا اذا انتقل الشيء المحسوس الى الدماغ بواسطة جهاز الحواس في الانسان ثم يجري العقل أي الربط بين هذا الشيء المحسوس والمعلومات المختـزنة سابقاً لدى العقل، وعندها يصدر عنه ادراك للشيء فيصدر حكمه عليه بأنه كذا او كذا. ولو لم يكن الشيء محسوساً لما انتقل لجهاز الحواس في الانسان، ولما أمكن ادراكه او الحكم عليه. وكذلك في الامور العقلية. فلو سمع الانسان خبرا او معلومة عن أمر غير معقول، اي لا يقبله العقل، فانه لا يدركه ولا يحكم عليه بأي حكم. وعليه فان حدود ادراك العقل تقف عند الاشياء المحسوسة والامور المعقولة ولا تتجاوز ذلك الى غير المحسوس وغير المعقول. ولما كانت ذات الله سبحانه وتعالى ليست محسوسة ولا معقولة لأنه "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" ولأنه "يدرك الابصار ولا تدركه الابصار وهو اللطيف الخبير" فقد عجز العقل عن إدراكها. وحصر مجال ادراكه في وجود الخالق سبحانه، لأن وجوده تعالى في مجال ادراك العقل، وذلك بدليل المخلوقات الشاهدة والناطقة بوجود خالقها

  5. #5
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    الطريق السليم للإيمان السليم

    الندوة الرابعة

    العرض:
    لقد انتهى بنا النظر العقلي في جوانب هذا الوجود من كون وانسان وحياة الى ضرورة الجمع بين الفطرة والعقل في طريق الوصول الى ادراك وجود الخالق المدبر سبحانه وهو الله تعالى، والى ان قصور العقل عن ادراك ذات الله سبحانه مدعاة لتقوية الايمان بوجوده تعالى ووجود كل ما ثبت أصله بالعقل.

    ولما كان ما انتهى اليه النظر العقلي السليم هو الايمان بوجود الخالق المدبر بالاستدلال اليقيني، فاللازم - استكمالا لهذا النظر - الوقوف على الكيفية التي جرت بها عملية التدبير الرباني لجوانب هذا الوجود بشكل عام والانسان بشكل خاص.

    أما بالنسبة للكون فقد قدّر الخالق سبحانه خاصية معينة لكل مادة من مواده بحيث تلازمها ولا تنفكّ عنها، الا اذا تدخل هو سبحانه وأراد لها ان تنفكّ. فكما جعل خاصية الجاذبية العامة بين الكواكب، جعل خاصيات خاصة لكل مادة من مواد هذا الكوكب او ذاك. وكما جعل للأجرام مساراتها في نظام دقيق لا تتخلف عنه، جعل لذرة كل مادة في كل جرم نظاما دقيقا بل غاية في الدقة يقف أمامها العقل البصير النـزيه مشدوهاً بل مقدساً، ومعظماً، ومسبحاً لخالقها ومدبرها سبحانه.

    أما الحياة في الاحياء فقد قدّر لها الخالق سبحانه التدبير المناسب عندما أودع في كل كائن حيّ قابلية النمو والحركة، وربطها بقدرة خفية هي الروح، وجعلها سراً من أسراره الربانية، كما ربطها في ممارسة وظيفتها بقدرة تجعل الجسم ينمو في تكاثر خلاياه بتغلّب عملية البناء على عملية الهدم فيها، وتجعله يتحرك في تنقل ضاق او اتسع تبعاً للمرسوم لكل كائن حيّ.

    واما الانسان، هذا المخلوق الحي الذي يلتقي في ظاهرتي النمو والحركة مع بقية الأحياء، فانه يمتاز عنها كلها بقدرة عقلية لم تقدَّر لغيره. وهذه القدرة مكّنته من إدّعاء التدبير لنفسه ولغيره، وتصوَّر عدم حاجته لتدبير خالقه. مما جعله يجرؤ على الزعم بالفصل بين الخالق ومخلوقاته، وإن كان لم يستطع الا ان يعترف بوجود قوة عظيمة او عظمى، كما يحلو للبعض ان يصفها، تقف وراء هذا التنظيم الدقيق لجوانب الوجود الثلاث: الكون والانسان والحياة، سواء في ذاتها او في علاقاتها فيما بينها.

    ولكن هل الخالق سبحانه مما يقبل النظر العقلي السليم ان يخلق هذا الانسان، وبهذه الخاصية العقلية والخاصية الفطرية، وهما في اطار حدود لا تتجاوزانها، كما سبق الاستدلال والإثبات، ويتركه دون أن يتولى تدبيره وهو الخبير العالم بدقائق ما خلق وأبدع، وبمدى حاجته للتدبير والرعاية والصيانة؟!

    والسؤال الآن: كيف دبّره، وبماذا دبّره؟
    وللاجابة نقول: بدون ريب ان التدبير قد انصبّ على مواطنه ولزومه، فجاء في اطار الادراك العقلي والفطرة البشرية السليمة. ذلك ان العقل الذي يدرك مدى قدرته المحدودة ينتظر التدبير الذي يسدّ عجزه ويفي بحاجته ويعوض نقصه. وان الفطرة التي يجمح بها الخيال عن الجادّة الايمانية السليمة تنتظر التدبير الذي يأخذ بيدها للطريق القويم ..

    وهنا جاء التدبير من خلال مراعاة ذاتية الانسان، بل جعل هذه الذاتية حكماً على صحة هذا التدبير وصوابه عندما جعل قناعة العقل وموافقة الفطرة هما الدليل بل المقياس على صحة ذاك التدبير وسلامته ..

    هذا بالنسبة للوضعية التي نشأ فيها التدبير الرباني للمخلوق الانساني، وأما بالنسبة لماهية هذا التدبير، فذاك يتصل مباشرة بما تطلب الفطرة ويقنع العقل.

    أما مطالب الفطرة فهما إثنان لا ثالث لهما:
    الأول: هو حاجة تديّنها للتنظيم. ذلك ان التدين يشكل جزءاً اساسيا من طاقاتها الكامنة والمقدّرة بتقدير العزيز العليم. فهو خالقها الذي خلقها على هيئة ما يطلق عليه غريزة، أي طاقة حيوية مغروزة في أعماق الانسان. وأن هذا التدين يظهر على الانسان دائماً. وهذا ما حصل على مسار التاريخ البشري، بمظاهر متعددة أبرزها التقديس والعبادة. وكانت هذه المظاهر تحدد وتبرز باستمرار العلاقة بين الانسان والخالق. وكانت هذه العلاقة تعبّر عن نفسها بأشكال متعددة ترفض في غالبها تدخل القناعة العقلية والنظر العقلي السليم لكثرة ما كان يظهر عليها من تناقض مع حقيقة الخالق وهي تعبد او تقدّس غيره. ففطرة التدين هذه لا بد من عدم تركها لذاتها هذه القاصرة، وتوفير نظام سليم لها. وهذا النظام من المستحيل ان يأتي به الانسان من نفسه ما دام هو من المستحيل عليه كما أسلفنا ان يدرك حقيقة الخالق سبحانه، فكيف يتأتى له ان ينظم علاقته به. وهذا يعني ان الفطرة تطالب بنظام من خالقها الذي يعرفها ويعرف ما يلزمها، وليس من الانسان الذي يحملها ولا يعرف كيف يربطها بخالقها، وهي التي لا تظهر ولا تستشعر الرضى والسعادة الا بهذا الارتباط. وهذا المطلب من الفطرة يعني انه لا بد من نظام يأتي من الخالق سبحانه لينظم هذا الارتباط والعلاقة. وهذا النظام اقتضت ارادة الخالق سبحانه ان يتخذ له رسلاً من البشر يكلفون بتبليغه للناس، وهذا النظام هو دين الله تعالى.

    والثاني: هو حاجة اشباع غرائزها وحاجاتها العضوية للتنظيم. ذلك ان طاقاتها الحيوية المغروزة فيها مع حاجات أعضاء الجسم التي تكمن فيه تلك الطاقات لا بد لها من اشباع بشكل سليم ومناسب لها. وهذا المستوى او الشكل من الاشباع لا بد ان يخضع لنظام معين حتى لا يقع في الخطأ او الشذوذ، ويؤدي بالتالي الى شقاء الانسان. وهذا النظام لا بد ان يأتي من خالق الانسان الخبير بما يصلح لذاك الاشباع السليم. ولا يجوز ان يأتي من الادراك الانساني، لأن هذا الادراك ثابت ثبوتا قطعيا أنه يعطي حلولا متفاوتة في مدى اقترابها وبعدها من الصحة، ومختلفة في نوعية الحلول، ومتناقضة في تناولها للمسألة، ومتأثرة بما تعيشه في بيئتها من عوامل. الأمر الذي يجعل ما تقدمه من نظام مؤدياً الى شقاء الانسان. وهذا النظام كما أسلفنا اقتضت إرادة الخالق سبحانه ان يتولى تبليغه رسل مختارون من البشر.

    هذان هما مطلبا الفطرة. وأما إقناع التدبير الرباني للعقل، فقد قام بالفعل عندما طرح هذا التدبير او النظام او الرسالة الربانية على الانسان مصحوباً بمعجزات متناسبة مع كل قوم وكل عصر. ثم انتهى الأمر للمعجزة التي لا تقف على قوم ولا عصر، وانما تمتد لتشمل الانسانية، وتغطي كل الأزمنة، حتى قيام الساعة. ألا وهي معجزة القرآن.

    ولإثبات ان القرآن منـزل من عند الله سبحانه، لا بد من أدلة تستند الى القطعي المحسوس حتى تكون قطعية لا شبهة فيها. فالقرآن كتاب عربي اللغة والاسلوب، وقد جاء به محمد عليه السلام. فلا بد ان يكون هذا الكتاب إما من محمد نفسه، او من العرب، مجتمعين او متفرقين، او من الله تعالى العالم بكل شيء وباللغة العربية وأساليبها. ولن يكون من أي واحد غير هؤلاء الثلاث.
    هكذا يحصر العقل السليم هذا الكتاب المحسوس الملموس في احتمال من هذه الاحتمالات الثلاث، ليصل من المناقشة الى النتيجة القطعية. فلو بدأنا باحتمال انه من العرب لوجدنا انه قد تحدّاهم ان يأتوا بكتاب مثله "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" – آية 88 من سورة الإسراء-. فلم يكتف في معرض تحدّيه للعرب بهم أنفسهم، بل أضاف اليهم كل الإنس وكل الجنّ. وعندما عجزوا عن الإتيان بمثله كله، تحدّاهم أن يأتوا بعدد من مثل سوره "قل فأتوا بعشر سور مثله" – من آية 13 من سورة هود- . وعندما عجزوا بعد أن حاولوا محاولات فاشلة، تحدّاهم ولو بالإتيان بسورة واحدة "قل فأتوا بسورة مثله" – من آية 38 من سورة يونس-. ولو وقفوا لا مبالين من هذا التحدّي، لاختلف القول. ولكنهم استجابوا، وحاولوا بالفعل ان يأتوا بمثله او بشيء من مثله، وعجزوا عن ذلك. مما يجزم انه ليس من كلامهم مهما نسب من تفاهات القول لبعضهم مما لا يصل الى شيء من مثله من أمثال مضحكات أبي سلمة الكذاب.

    وأما أنه من محمد عليه الصلاة والسلام فباطل ايضاً لثلاثة أسباب هي:
    الأول: لأن محمداً عليه السلام عربي الأصل واللغة. واذا كان العرب لم يأتوا بمثله او بشيء من مثله، فمن باب أولى أن محمداً العربي لا يأتي بمثله مهما كان عبقرياً لأن التحدي القرآني للعرب لم يستثن أحداً مهما كانت صفته.
    والثاني: لأن الأحاديث الصحيحة والمتواترة التي رويت لمحمد عليه السلام لا يوجد أي تشابه بينها وبين الآيات القرآنية في الأسلوب، مع انها صدرت وقت النـزول. وكلام الشخص منه ويتشابه في الأسلوب مهما نوّعه.
    والثالث: لأن العرب العالمين بأساليب اللغة العربية لم يتّهموا محمداً عليه السلام بأنه جاء بالقرآن من نفسه. وكل ما إدّعوه أنه أتى به من غلام نصراني اسمه (جبر). ولكن القرآن الكريم ردّ عليهم فقال "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر، لسان الذي يلحدون اليه أعجميّ، وهذا لسانٌ عربيٌ مبين" – من آية 103 من سورة النحل-.
    وبنفي هذين الاحتمالين لا يبقى الا الاحتمال الثالث، وهو أن الله سبحانه وتعالى العالم باللغة العربية وأساليبها، والمحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزله على محمد الذي أتى به وبلّغه للناس. ما يجعل محمداً نبيّاً ورسولاً بالدليل العقلي القطعي.

    وهكذا يظهر لنا، مع مسار هذه الندوات الأربع، كيف أن ركائز الايمان بوجود الله الخالق المدبر، وبرسالة محمد عليه السلام، وبالقرآن الكريم أنه كلام الله، قد قامت لها الحجة بالدليل القطعي العقلي القائم على المحسوس. فيكون العقل هو الطريق الى المغيبات للايمان بها كلها بعد أن أخبرنا بها سبحانه في القرآن الكريم او الحديث النبوي المتواتر اللذين ثبتا بالعقل واليقين. ويكون الواجب على كل مسلم ان يعتقد بما ثبت له بالعقل وبالسمع اليقيني، أي القرآن الكريم والحديث المتواتر. ويحرم عليه ان يعتقد بما لم يثبت عن غير هاتين الطريقين. لأن العقائد لا تؤخذ الا عن يقين، والله تعالى يقول "وأن الظنّ لا يغني من الحق شيئا" – من آية 28 من سورة النجم-.


    المناقشة:

    س- ماذا يقصد بما ثبت أصله بالعقل؟
    ج- هو ما ورد في القرآن الكريم من المغيبات. لأن أصلها وهو القرآن الكريم قد ثبت بالعقل. فتكون هذه المغيبات من أمثال الجنة والنار والملائكة والبعث والنشور والحساب والعقاب كلها مما ثبت أصله بالعقل.

    س- لماذا تقرن بين صفتي الخالق والمدبر لله تعالى، ولا تكتفي بصفة الخالق مع أنها قد يفهم منها التدبير ايضاً؟
    ج- لأن الخالق تعني الموجد من عدم. بينما المدبر تعني المنظم. ففي اعتقاد من يقولون بفصل الدين عن الحياة أنهم يرون ان الله خلق الانسان وترك له أمر تدبير شؤونه بنفسه، وذلك بواسطة قدرته العقلية. بينما يرى الاسلام ان الله لم يترك الانسان لتدبير وتنظيم عقله، وإنما أرسل له تشريعا كاملا لجميع شؤونه الحياتية، وجعل عقله طريقا لفهم هذا التشريع وتطبيقه. ومن هنا كان لا بد من قرن صفتي الخلق والتدبير لله تعالى.

    س- هل من أمثلة على الخاصيات التي قدّرها الله تعالى للأشياء بجميع أنوعها كتدبير لها؟
    ج- ان كل مادة لها خاصياتها المتميزة بها عن غيرها. فالماء له خاصيات السيولة تحت درجة حرارة معينة، والتجمد تحت درجة غيرها، والتبخر تحت درجة ثالثة. وهو بالنسبة للانسان له خاصية الإرواء، وكذلك بالنسبة للنباتات والحيوانات ما دام نقياً عادياً. ولو اختلط بمواد اخرى فقد هذه الخاصية، وهكذا كل مادة. والانسان فيه غرائز وحاجات عضوية، وكل غريزة فيها خاصيات تتميز بها عن غيرها. فخاصيات غريزة البقاء غير تلك لغريزة التدين، وغير تلك لغريزة النوع. فغريزة البقاء فيها حب الذات، وحب التملك، وحب الوطن، والدفاع عن ذلك كله .. بينما غريزة التدين فيها خاصيات التقديس والخشوع والعبادة.

    س- هل سبق أن تدخّل سبحانه وجعل الخاصية تنفكّ عن مادتها؟
    ج- نعم. وذلك عندما قال سبحانه للنار التي أُلقي فيها ابراهيم عليه السلام "قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم" – آية 69 من سورة الانبياء –. فلم يشعر بحرارة ولا برودة. ولو قال برداً دون سلام، لشعر عليه السلام بالبرد. وكذلك عندما أمر سبحانه الماء ان ينفلق ويتوقف عن السيلان لمرور موسى عليه السلام وقومه وقد أوشك فرعون وجنوده على إدراكهم.

    س- لماذا نقبل خاصية كل مادة كتدبير لها، ولا نقبل خاصية التفكير في العقل كتدبير للانسان؟
    ج- ان خاصية التفكير أعطيت للعقل الانساني بحدود معينة لا تتجاوزها. فهي لا تدرك ما يصلح للانسان وتنظيم شؤون حياته في كل زمان ومكان، وانما اذا وضعت اي تنظيم فانها تتأثر بعوامل البيئة المتوافرة في كل زمان ومكان. فهي إنما أعطيت لإدراك الأوامر والنواهي الربانية وفهمها للعمل بها. وهذه هي حدود مهمتها، وهي مناسبة تماماً للانسان. بينما خاصية كل مادة، والتي تيسّر لها القيام بمهامها وأداء وظائفها، فانها تتناسب هي ايضا معها. ولذلك لا تعتبر اي خاصية أنها مدبّرة لمادتها وانما ميسّرة لأداء وظائفها التي خلقت من اجلها. كما تساعد على استمرار بقائها ليس غير، ولا تستطيع ان تساعد بأكثر من ذلك. ولو استطاعت لخرجت عن طبيعتها، وعندها ستحمل طبيعة اخرى تتقيد بخواصها. فخواص الماء مثلا، وهو سائل، ليست مماثلة لخواصه وهو بخار او وهو جليد.

    س- ماذا تعني صفات العجز والاحتياج والنقص التي يوصف بها العقل؟
    ج- العقل عاجز عن ايجاد نفسه ابتداءاً، وعن الحفاظ عليها انتهاءاً. فهو يوجد بوجود الانسان وينتهي بموته كجهاز مفكر عاقل، وأما كإدراك وتفكير فانه يتنامى رويدا رويدا مع نمو جهازه ونضج صاحبه، حتى ينتهي الى الهرم والشيخوخة مع أرذل العمر.
    وهو محتاج لممارسة مهمته الفكرية السليمة لسلامة أعضائه وتوفر المعلومات السابقة حول ما يريد أن يصدر حكمه عليه لمعرفته وإدراكه. كما هو محتاج ايضا في ذلك الى وجود الواقع الذي يراد له ان يدركه، وبدون الحواس التي تنقل الواقع لا يمكنه ان يدركه. ومن هنا فالعقل حتى يمارس وظيفته بحاجة الى الحواس للنقل، والى الدماغ السليم الذي يستقبل المنقول اليه، والى الواقع الذي تنقله الحواس، والى المعلومات السابقة حول هذا الواقع. فعملية الادراك العقلي تتم بنقل الواقع الى الدماغ بواسطة الحواس واستعمال المعلومات والخبرات السابقة حول هذا الواقع.
    وهو ناقص لأنه لا يدرك بالعملية الادراكية اكثر من الواقع الذي نقل اليه وبمقدار المعلومات حوله. ولو نقصت المعلومات او لم يحسن الترابط بينها وبين الواقع لما استطاع الإدراك.

    س- هل من أمثلة تدل على انحراف فطرة التدين لدى الانسان؟
    ج- عبادته لكائنات حية او غير حية تقدم العديد من الامثلة على ذلك. فعبادته للكواكب والحيوانات والأصنام التي لا تستحق العبادة لأنها لا تملك له خيرا ولا شرا. وإنما توهم أنها كذلك، فحصل الانحراف. هذا بالنسبة لغير المسلمين، وأما ما يصيب المسلمين من الانحراف فهي أن يتوهم مثلا ان النصر على الأعداء في معركة يأتي بالجلوس لتلاوة القرآن او ترديد الأذكار والابتهالات او قراءة صحيح البخاري، دون الأخذ بسنّة الله في ذلك، ألا وهي إعداد العدّة المادية من قوة وسلاح تنفيذاً لأمر الله القائل " وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة .. " من الآية 60 من سورة الانفال-. وإلا لو كان مثل ذلك يأتي بالنصر، لتحقق للرسول عليه السلام بالرغم من مخالفة الرماة لأمره في معركة أحد.

    س- كيف يقع إشباع الغرائز الثلاثة خطأً او شاذاً؟
    ج- الإشباع الخاطىء لغريزة التدين بعبادة غير الله الخالق المدبر، كعبادة تلك الحيوانات والأصنام وأمثالها التي كانوا يعبدونها. أما الإشباع الشاذ لهذه الغريزة فانه عبادة الله بغير العبادة المعتادة كعبادة الفرج مثلاً.
    والإشباع الخاطىء لغريزة البقاء مثل تملّك مال غيره بطريق غير مشروع كالسرقة والغش وأمثالها. بينما الشذوذ في ذلك فهو تملّك ما لا يتملّك في العادة كفضلات الناس مثلاً.
    والخطأ في اشباع غريزة النوع مثل ممارسة الجنس في موضعه بشكل غير مشروع أي بالزنا. وأما الشذوذ في ذلك فهو ممارسته في غير موضعه المعتاد سواءا كعمل قوم لوط او السحاق مثلاً.

    س- لماذا كانت الرسالات السماوية قبل الاسلام محدودة الزمان والمكان؟
    ج- لأنه سبحانه يعلم ما يناسب كل مرحلة من مراحل النضج البشري كأفراد ومجتمعات في مسار الانسانية. كما يعلم مدى ما يتيسر للانسان من اسباب التلاقي بين الشعوب والأمم. ولذلك كانت كل رسالة يتحدد مجالها بقوم معينين، ولزمان معين. ثم تعقبها نبوّة تواصلها ونبوّة أخرى، وهكذا، حتى تظهر مشكلات لا تقدم لها الرسالة السابقة الحلول الربانية اللازمة. وعندها يرسل رسولاً آخر ويتبعه انبياء، وهكذا .. كما ظهر في بني اسرائيل مع رسالتي موسى وعيسى عليهما السلام، وما لحق موسى من الانبياء، حتى جاء عيسى ووصلت البشرية الى درجة نضجها، فلم يتبعه انبياء. وانما جاء بعده رسول الانسانية جمعاء، محمد عليه الصلاة والسلام.

    س- ما الفرق بين النبي والرسول؟
    ج- النبي من يكلَّف من الله سبحانه بحمل وتبليغ رسالة غيره من الرسل. بينما الرسول هو من يكلّفه سبحانه برسالة خاصة. وعليه فكل رسول نبي، ولكن ليس كل نبي رسول.


    x

  6. #6
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي




    الطريق السليم للإيمان السليم
    الندوة الخامسة

    العرض:
    بعد أن لمسنا في الندوة السابقة ثبوت حاجة البشر الى الرسل، وأن القرآن الكريم من عند الله وليس من أحد من الخلق، وأن محمداً عليه السلام الذي جاء بهذا القرآن نبي ورسول قطعاً، لأنه لا يأتي بشريعة الله الا النبي والرسول. بعد هذا، توفر بين أيدينا الدليل العقلي على الايمان بالله جلّت قدرته، وأنه سبحانه الخالق المدبر لهذا الوجود كله، وعلى الايمان بأن القرآن هو كلام الله سبحانه، وان محمداً عليه السلام الذي أتى به رسالة للبشرية كلها رحمة عامة للإنس والجن، بشيراً ونذيراً، هو صاحب الرسالة للانسانية جمعاء، وأنه خاتم النبيين والمرسلين.

    بهذا الاستدلال العقلي، المبني على المحسوس الملموس، نكون قد استوفينا السير في الطريق الموصل الى الايمان الحق عن طريق سليم هو طريق العقل. وتأكد لدينا أنه لا بد أن يكون عن طريق العقل، العقل الذي يستند اليه الايمان بالمغيبات التي وردت في القرآن الكريم والحديث المتواتر .. ذلك انه ما دمنا قد آمنا بأنه تعالى خالق ومدبر لكل شيء، فيجب أن نؤمن بكل ما أخبرنا به في القرآن الكريم والحديث المتواتر، ولو كان مما لا يدركه العقل او لا يصل اليه إدراكه، من أمثال البعث والنشور والجنة والنار والحساب والعذاب والملائكة والجن والشياطين وغيرها.

    صحيح ان الحديث المتواتر ثبت بالنقل السمعي وليس بالدليل العقلي المباشر، ولكن أصله ثبت بالدليل العقلي. لأن القرآن الكريم الذي ثبت بالطريق العقلي أنه كتاب الله المنـزل على محمد قد أكد ان محمداً نبي ورسول تجب طاعته في كل ما أخبر به في سنّته، والتصديق به. فقد قال سبحانه "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" – من الآية 33 من سورة محمد-، وقال سبحانه "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" – من الآية 21 من سورة الأحزاب-، وقال سبحانه "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" – من الآية 7 من سورة الحشر-.
    فيجب إلتزام كل عقيدة ثبتت بالسنّة المتواترة وليس بغيرها حتى تدخل مجال اليقين وتتخلص من الظنّ. والله تعالى يقول "وأن الظن لا يغني من الحق شيئا" – من الآية 36 من سورة يونس-. فيكون الحديث المتواتر قد ثبت اصله بالعقل ايضا. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، الحديث المتواتر في ذاته يقطع بصدق نسبته الى الرسول عليه السلام، مما يقطع بصدق مضمونه وبُعده عن الظن رواية. فيطمأن الى جعل ما يذكر من عقائد جزءا من الايمان، وبذلك يطمأن الى ان اليقين كان هو المصاحب في طريق الايمان بجميع عقائده.

    وجانب الايمان بالآخرة في العقيدة له أهميته الحاسمة كالجوانب الاخرى. لأن الايمان بالله سبحانه الخالق المدبر هو ايمان بما قبل الحياة الدنيا، أي هو سبحانه الذي خلق هذه الحياة الدنيا ودبّرها. بينما الايمان بيوم القيامة، اي يوم البعث والنشور والحساب والعذاب والجنة والنار، جزاءاً على ما صدر عن الانسان من خير او شر، هو الايمان بما بعد الحياة الدنيا. وبهذا يظهر كيف ان أوامر الله ونواهيه هي صلته سبحانه بالحياة بعد أن خلقها وأوجدها من عدم، بينما محاسبته سبحانه الانسانَ على أعماله في الحياة، بالاضافة الى البعث والنشور، هي صلة الحياة بما بعدها. كما يظهر مدى لزوم وجود صلة لهذه الحياة بما قبلها وما بعدها، ومدى وجوب تقيّد أحوال الانسان بهذه الصلة. أي يظهر أن الانسان يجب ان ينظم حياته وفْق أنظمته تعالى ليكون حسابه يوم القيامة خيرا ومصيره الى الجنة جزاءا لأعماله في هذه الحياة الدنيا ..
    وبالعودة الى ما توصلنا اليه عن طريق العقل، او ثبت أصله بالعقل، من إيمان بالله، اي ما قبل الحياة، وإيمان بيوم القيامة، اي ما بما بعد الحياة، وإيمان بوجوب التقيد بأوامر الله في هذه الحياة، اي بصلة هذه الحياة بما قبلها وما بعدها، بهذا الايمان بأطرافه الثلاث يوجد الفكر المستنير عما وراء هذا الكون والانسان والحياة، وعما قبل الحياة وما بعدها، وعن صلتها بما قبلها وبما بعدها. وبهذا الفكر المستنير يتوفر الحل الكامل لجميع اطراف العقدة الكبرى التي كانت تتشكل من التساؤلات عن هذه الاطراف الثلاث: من اين أتيت، والى اين أذهب، وما صلتي بهذا وذاك. وهذا الحل الكامل السليم، أي حسب الاسلام، هو العقيدة الاسلامية. اما الحلول الكاملة الاخرى لدى العقائد الاخرى فليست سليمة. لأنها، كما سيأتي تفصيله في ندوات اخرى ان شاء الله، لا توافق الفطرة السليمة، ولا تقنع العقل السليم.

    أما قيمة وأهمية هذا الحل في الحياة الدنيا، وهو ما يتساءل عنه بعض خاصة الناس وعامتهم، فهي أنه يمكّن الانسان من الانتقال الى الفكر اللازم عن هذه الحياة، والى المفاهيم الصحيحة المؤثرة عنها. ولا سيما ان هذا الحل سيكون هو الاساس لمبدأ الأمة في الحياة، لأن النهضة كما مرّ بنا في الندوة الاولى هي الارتقاء الفكري كأساس في الحياة. كما سيكون هذا الحل أساس حضارة ذلك المبدأ، لأن الافكار والثقافة بعامة والمفاهيم عن الاشياء بخاصة في هذه الحياة، وهي الحضارة، ستبنى على تلك العقيدة بأطرافها الثلاث. كما سيكون هذا الحل أساس أنظمة الحياة في جميع جوانبها من اقتصاد وحكم واجتماع وسياسة وغيرها. كما سيكون اساس دولة المبدأ ما دامت هذه الدولة ستتقيد في جميع قواعدها وأركانها بما في كتاب الله وسنّة رسوله، وهما صلة هذه الحياة بما قبلها وما بعدها. وهذا كله يعني ان أساس فكرة الاسلام، التي تشمل العقائد والافكار لمعالجة شؤون الحياة، وأن اساس طريقته، التي تشمل كيفيات تنفيذ المعالجات والمحافظة عليها وحمل الدعوة اليها، هو العقيدة الاسلامية.

    والآية الكريمة تشير الى أبرز جوانب العقيدة الاسلامية "يا أيها الذين آمنوا أمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالا بعيدا" – الآية 136 من سورة النساء-. فهذه الآية الكريمة ذكرت ان الايمان يجب ان يشمل الله سبحانه، ألوهيةً وربوبيةً، كما يشمل القرآن الكريم الذي أنزل على رسوله محمد عليه السلام، وعلى الكتب التي أنزلها سبحانه من قبل القرآن على رسله الآخرين، وعلى الملائكة، وأخيرا على اليوم الآخر.

    وفي ختام هذه الندوة لا بد من التأكيد على حصادها. ألا وهو ما تشمله وتقتضيه جوانب العقيدة الاسلامية التي تشكل إيمان المسلم. فالايمان بالله الخالق المدبر وأنه دبر الانسانية بشريعة الاسلام التي جاءت في القرآن الكريم والسنّة المطهرة يفرض الايمان بهذه الشريعة كلها. وأي إنكار لجزء منها قطعي الثبوت، كالقرآن الكريم والسنّة المتواترة، او قطعي الدلالة، كالآيات الكريمة المحكمة، أي التي لا تحتمل غير معنى واحد، يوقع المسلم في الكفر، سواء كانت أحكام تلك الآيات والسنن تتصل بالعبادات كالصلاة، او بالمعاملات كالبيع والشراء، او العقوبات كقطع يد السارق، او المطعومات كأكل لحم الخنزير. ذلك لأن الكفر بآية "وأقيموا الصلاة " – من الآية 20 من سورة المزمل- كالكفر بآية "وأحلّ الله البيع وحرّم الربا" – من الآية 275 من سورة البقرة – وكالكفر بآية "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" – من الآية 41 من سورة المائدة – وكالكفر بآية "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به" – من الآية 4 من سورة المائدة.

    ولا بد من الانتباه الى ان الايمان بالشريعة الاسلامية، والقبول والرضى بأحكامها، لا يتوقف على العقل، بل لا بد من التسليم المطلق بكل ما جاء من عند الله. كيف لا، والله تعالى يقول "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليما" – الآية 65 من سورة النساء-.

    المناقشة:

    س- لماذا نعتبر الايمان بالله وبالقرآن وبالرسول مستوفي للايمان؟
    ج- ان الايمان بوجود الله سبحانه، وبأن القرآن الكريم كتاب الله، وبأن محمدا عليه السلام رسول الله، قد تحقق لدينا عن طريق العقل. فاستوفينا بذلك السير في هذا الطريق لولا بقية من وقفة مع مسألة القضاء والقدر التي سنأتي عليها ان شاء الله في الندوات القادمة. وأما ما أخبرنا به الله سبحانه في الأحاديث القدسية المتواترة، فاننا نؤمن بها وبكل ما ورد في القرآن الكريم من المغيبات التي لا يصل لادراكها العقل كالجنة والنار والملائكة والجن .. وكذلك بكل ما ورد في الأحاديث النبوية المتواترة، وإن كان العقل لا يستطيع إدراكها ولا الوصول الى إثباتها. فالاستيفاء الذي وردت الاشارة اليه هنا هو بشأن الطريق العقلي الذي يجب السير فيه للوصول الى الايمان السليم.

    س- ما المقصود بالنقلي والعقلي؟
    ج- النقلي هو كل ما يصلنا من معلومات سواء من العقيدة الاسلامية وذلك عن طريق النقل من شخص او اكثر الى شخص او اكثر حتى تنتهي الى مصدرَيْ الاسلام: الكتاب والسنّة او أحدهما. والعقلي هو كل ما يتوصل اليه من الاسلام، عقيدة وشريعة، عن طريق العقل كواسطة للإثبات او الإستنباط.

    س- ما هو الحديث المتواتر؟
    ج- هو الحديث النبوي الشريف الذي وصلنا عن طريق عدد من الرواة الموثوقين الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب وهم أربعة فأكثر.

    س- وهل هناك أحاديث نبوية غير متواترة؟
    ج- الاحاديث النبوية من حيث الرواية نوعان: حديث آحاد، ورواته أقل من رواة المتواتر، وحديث متواتر ورواته أربعة فأكثر. وحديث الآحاد إما مشهور او صحيح، أما المشهور فهو الآحاد الذي اشتهر بين المسلمين لكثرة رواته في حلقة التابعين او تابعي التابعين ولكنهم في حلقة الصحابة أقل من اربعة، كحديث "إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل إمرىء ما نوى .." الذي رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما الصحيح فهو الآحاد الذي لم يشتهر في حلقة من حلقاته كالمشهور. وهناك الحديث الموضوع، وهو الذي ينسب الى الرسول عليه السلام افتراءاً وكذباً.

    س- وما معنى الدراية بالنسبة للحديث؟
    ج- هي معنى ومضمون الحديث.

    س- لماذا ربطنا الايمان بالحياة مع أن مكانه القلب؟
    ج- لم نربطه بالحياة التي واقعها الحركة والنمو على الأحياء. وإنما ربطناه بالحياة الدنيا التي تعيشها البشرية وتنتهي بيوم القيامة حيث البعث والنشور والحساب والعقاب والجنة والنار. وربط الايمان بالحياة الدنيا حتمي، لأن الايمان لا بد للانسان منه لحل العقدة الكبرى لديه. وربطه بالحياة الدنيا في ذلك يعني الاجابة على الاسئلة المتصلة بمصدر الحياة الدنيا وبمصيرها، أي بما قبلها وبما بعدها، وبالتالي تحديد صلتها بهما.

    س- كيف وجد الفكر المستنير بالايمان؟
    ج- لما كان الفكر المستنير هو الفكر الذي يتكون من التفكير العميق بالشيء وبكل ما يتصل به من مؤثرات لإصدار الحكم عليه، فانه يوجد لدى الانسان بالايمان الذي يشمل من خلَق الوجود، وأن هذا الخالق هو الذي خلق الحياة الدنيا، ودبّر المخلوقات فيها، وهو سبحانه الذي سينهي هذه الحياة الدنيا ويأتي بعدها بيوم البعث والحساب ليجزي كل انسان على ما سعى فيها سواء كان قد التزم بتدبير الله وتنظيم الله تعالى بما ارسله على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام او لم يلتزم، بل سار وفق تدبير وتنظيم عقله وهواه. فبهذه الفكرة الكلية عن الوجود، وعن الحياة الدنيا، وهي العقيدة والايمان، يوجد الفكر المستنير.

    س- هل يمكن ذكر حلول اخرى غير اسلامية للعقدة الكبرى؟
    ج- نعم. لأن العقدة الكبرى أجابت عليها ثلاث عقائد إجابات كاملة شكلت كل منها أساساً لمبدأ ينظم الحياة الانسانية وذلك كما يلي:
    السؤال الاول: من أين أتيت؟
    جواب الاسلام عليه: أتيت من الله الخالق المدبر.
    جواب الرأسمالية الديمقراطية عليه: أتيت من الله الخالق غير المدبر.
    جواب الاشتراكية الشيوعية عليه: أتيت من المادة.

    السؤال الثاني: ألى أين أذهب؟
    جواب الاسلام عليه: الى الجنة او النار (حسب ايماني وعملي).
    جواب الرأسمالية الديمقراطية عليه: لا تهمّني الآخرة وإنما الدنيا فقط.
    جواب الاشتراكية الشيوعية عليه: الى المادة.

    السؤال الثالث: ما صلتي بما قبل الحياة وما بعدها؟
    جواب الاسلام عليه: أطيع الله الخالق المدبر لأدخل الجنة.
    جواب الرأسمالية الديمقراطية عليه: أعيش بعقلي وأسعد بإشباع رغباتي.
    جواب الاشتراكية الشيوعية عليه: لا صلة لي الا بالمادة.

    س- كيف تكون العقيدة او حل العقدة الكبرى اساس النهضة في الحياة الدنيا؟
    ج- لأنها تكون المصدر الذي تنشأ منه الافكار او تبنى عليه من اجل الارتقاء في هذه الحياة. فاذا اراد الانسان ان ينظم اي جانب من حياته ليرتقي به، اي يضع افكارا لمعالجة هذا الجانب، فانه يأخذها من عقيدته، اي من خالق الحياة المدبر لها الذي يعتقد به، اذا كان مسلماً. او من غيره اذا لم يكن مسلما، سواء كان هذا الغير هو العقل، كما تراه عقيدة الرأسمالية الديمقراطية، او المادة، كما تراه العقيدة المادية، اي عقيدة الاشتراكية الشيوعية.

    س- كيف تكون العقيدة اساس الحضارة في الحياة الدنيا؟
    ج- لأنها تكون مصدر افكار الانسان ومفاهيمه التي يتعامل بها مع الاشياء في الحياة. فهو عندما يستنكر صورة عارية مثلا، اذا كان مسلما، ويراها قطعة فنية جميلة، اذا كان غير مسلم، فانه يأخذ بمفهوم عقيدته عنها. وهو عندما يعطي بسخاء، ابتغاء مرضاة الله، اذا كان مسلماً، ولا يعطي الا بقدر مصلحته النفعية، اذا كان غير مسلم، فانه يتبع مفهوم عقيدته في ذلك. والحضارة مجموعة هذه الافكار، بل هذه المفاهيم عن الاشياء في الحياة، وهذه الافكار والمفاهيم اما منبثقة من العقيدة او مبنية عليها، مما يجعل العقيدة اساس الحضارة.

    س- كيف تكون العقيدة اساس الانظمة في الحياة الدنيا؟
    ج- لأنها عندما تكون المصدر الذي تؤخذ منه معالجات شؤون الحياة، اي الانظمة، فانها تكون أساسها.

    س- كيف تكون العقيدة اساس الدولة في الحياة الدنيا؟
    ج- لأنها عندما تكون اساس الانظمة تكون اساس الدولة ما دامت هذه الدولة هي الهيكل التنظيمي لهذه الحياة الدنيا.

    س- ماذا يعني إنكار آية من القرآن الكريم؟
    ج- يعني عدم الاعتراف بها كآية، او إنكار صلاحيتها بحجة تغير الزمان او المكان.

  7. #7
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي





    الطريق السليم للايمان السليم
    التعقيب

    ما هي أهمية بحث الطريق السليم للايمان السليم في حياة المسلم التي تعصف بها المآسي من كل جانب من اجل تحقيق النهضة والتخلص من كل هذه المآسي ؟؟

    لا شك ان جماع الحل لكل مآسي المسلم كفرد وكأمة هو تحقيق النهضة للأمة الاسلامية وبالتالي للمجتمع الاسلامي. فعندما ينهض الفرد المسلم ويرتقي فانه يتخلص من الخلل الذي يسبب له الشقاء، وعندما تنهض الامة الاسلامية وترتقي فانها تتخلص من اسباب الشقاء الذي تعيشه. فكيف ينهض الفرد المسلم، وكيف تنهض الأمة الاسلامية، وبالتالي كيف ينهض المجتمع الاسلامي؟؟

    ينهض الفرد المسلم عندما يرتقي فكرياً وسلوكياً في جميع مجالات حياته. وذلك بتوفر المقومات الأربعة التالية اللازمة لذلك في حياته: العقائد السليمة، والعبادات الحقّة، والأخلاق الفاضلة، والمعاملات القويمة. فبالعقائد والعبادات تنتظم علاقته مع ربه، وبالأخلاق تنتظم علاقته مع نفسه، وبالمعاملات تنتظم علاقته مع غيره من البشر. ففي اعتناقه لأفكار العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات يرتقي فكرياً، ويكون رقيّاً صحيحاً اذا كانت كل تلك الافكار صحيحة، ولا يتم ذلك بالطبع الا بما في الاسلام ليس غير، وفي تطبيق هذه الافكار كاملة في أقواله وأفعاله، أي سلوكاته، يرتقي سلوكياً، ويكون رقيّه صحيحاً اذا كانت التطبيقات سليمة كسلامة الافكار.

    وعندما تابعنا ندوات "الطريق السليم للايمان السليم" الخمسة رأينا كيف أن ارتقاء السلوك الفردي يأتي نتيجة لارتقاء افكاره، ولذلك تابعنا موضوع كيفية تحقيق إيجاد الافكار الصحيحة لدى الفرد حتى يتحقق لديه السلوك الراقي، وبالتالي نعتبره قد نهض وارتقى.

    صحيح ان نهضة الفرد لا يمكن ان تحقق نهضة الأمة، ولا نهضة المجتمع. لأن الفرد المسلم يبقى عنصراً واحداً من عناصر بناء الأمة او بناء المجتمع. كما تبقى عناصر نهضته و رقيّه تختلف من حيث النوعية وإن التقت من حيث العددية مع عناصر رقيّ الأمة او المجتمع … ذلك ان الأمة، أي أمة، هي عبارة عن مجموعة من الناس الذين يعتنقون افكارا مبدئية معينة، أي عقيدة لها نظامها في الحياة. وهذا بالطبع لا يعني بالضرورة اعتناق هذه الافكار من قبل كل فرد في الأمة، كما لا يعني وجود العبادات والأخلاق والمعاملات اللازمة لرقيّ الفرد ونهضته في حياة كل فرد من افراد الأمة. ولكن المهم ان تعتنق الأمة بمجموعها لا بأجمعها مثل هذه الافكار المبدئية، وتصبح منسوبة اليها، وعندها ستنهض وترتقي، وإن لم ينهض ولم يرتقِ كل فرد من أفرادها بالضرورة.

    اما المجتمع فيتجاوز في تكوينه نوعية عناصر الفرد وإن التقى في العدد. فالمجتمع هو عبارة عن مجموعة من الناس تربطهم علاقات معينة تنتظم جميع مجالات حياتهم، وهذه العلاقات النظامية لا توجد في مجتمع الا بتطبيق النظم والمعالجات التي تراها العقيدة المبدئية التي تعتنقها الأمة في هذا المجتمع. فعندما نتحدث عن المجتمع الاسلامي تصبح الناحية الاقتصادية معالجة بالنظام الاقتصادي في الاسلام، اي المنبثقة أفكاره من العقيدة الاسلامية او المبنية عليها، اي التي تراها العقيدة في المجتمع الاسلامي. كما تصبح النواحي الاخرى من حكم واجتماع وتعليم وعلاقات خارجية وغيرها معالجة بالانظمة الاسلامية ايضا. وهذا ايضا لا يعني بالضرورة اعتناق هذه الافكار المطبقة في الانظمة اعتناقا من قبل كل فرد في المجتمع. ولكن المهم ان يعتنق عدد من المجتمع تلك الافكار المطبقة ويطبق نظمها في مجالات الحياة كلها، ويرتضيها تبعاً لهم بقية افراد المجتمع نظاما لهم. وعندها سينهض المجتمع وإن لم ينهض كل فرد من افراده.

    ومن خلال هذا البيان لكيفية نهضة الفرد المسلم، والأمة الاسلامية، والمجتمع الاسلامي، ندرك أهمية الفكر في الحياة الفردية والمجتمعية. وندرك أهمية أن يكون هذا الفكر مبدئياً، لأن الفكر المبدئي المشتمل على العقيدة ذات الانظمة هو الذي يعطي المفاهيم عن الاشياء في الحياة، وبالتالي ينتظم سلوك الفرد والأمة والمجتمع … وبهذا الادراك لأهمية الفكر المبدئي نلمس أهمية وجود الايمان السليم في حياتنا بعقيدة مبدئية، أي عقيدة ذات أفكار تضبط وتنظم جميع مجالات الحياة. ووجود هذا الايمان السليم يقتضي بالطبع أن نسلك طريقا سليما حتى نصل اليه، ونحققه في حياتنا كمسلمين افرادا وجماعات.

    ومن هنا جاءت أهمية وضع هذا البحث في هذه الندوات الخمسة في رأس كل البحوث التي سنتابع بعون الله وتوفيقه ورعايته عرضها ومناقشتها …

    واذا كنا نرجو شيئا من هذه العروض والمناقشات فانما نرجو ان تجذب نظر المسلمين بخاصة، وكل قارىء او مستمع لتسجيلاتها، باللغة العربية او ترجمتها للانجليزية، او اي لغة اخرى، بعامة، وذلك بهدف التدبّر والإلتزام، بحثاً عن خيري الدنيا والاخرة …

    والله وحده الموفّق والهادي الى سواء السبيل ..
    والحمد لله ربّ العالمين أولاً وآخراً …
    التعديل الأخير تم بواسطة rajaab ; 19-07-2005 الساعة 09:13 PM

  8. #8
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي

    يتبع

  9. #9
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي




    عقيدة القضاء والقدر
    الندوة الاولى
    العرض:
    بسبب علاقة مسألة القضاء والقدر بالعقيدة، كان لا بد من إعطاء الرأي فيها ومناقشتها بالطريق العقلي الذي أدرنا فيه الندوات السابقة للوصول الى الايمان السليم. وهو الطريق الذي يرفض اتباع البراهين الفلسفية والمنطقية القائمة على التجريد والتخيل وليس على الواقع المحسوس الملموس. وهكذا كان اثبات وجود الله سبحانه الخالق المدبر، الأساس الأول في الايمان، بالطريق العقلي المبني على المحسوس. وكان القرآن الكريم رسالة الله للبشر كافة، الأساس الثاني في الايمان، بالطريق العقلي المبني على المحسوس. وكان بالتالي محمد عليه السلام رسول الله للناس كافة، الأساس الثالث في الايمان، بالطريق العقلي المبني على المحسوس. وكانت المغيبات التي اشتمل عليها القرآن والسنّة المتواترة، الأساس الرابع في الايمان، بالطريق العقلي المبني على المحسوس. فلم يبق أمامنا من أسس الايمان الا موضوع القضاء والقدر. فلا بد أن يسلك فيه نفس الطريق العقلي المبني على المحسوس، ويرفض فيه كل تجريد منطقي او توهّم فلسفي لأن مردود ذلك كله الظن، والعقيدة لا يجوز ان تكون الا يقينية، ولا يوصل الى اليقين الا اليقين، وصدق الله العظيم القائل "إن يتّبعون الا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا" – من آية 28 من سورة النجم-.

    فهل مسألة القضاء والقدر مما طلب القرآن الكريم والسنّة المتواترة الايمان به؟ وكيف نشأت هذه المسألة وشكلت جزئية من العقيدة الاسلامية؟ وما هو الرأي اليقيني القاطع فيها الذي تطمئن اليه النفس ويقنع العقل ليكون جزءا أساسيا من العقيدة الاسلامية؟ أي كيف نشأت مسألة القضاء والقدر في الفكر ألا سلامي وأصبحت من أسس العقيدة الاسلامية؟ وهل يطلب القرآن الكريم والسنّة المتواترة من المسلمين الايمان بالقضاء والقدر؟؟ هذا ما تجيب عليه هذه الندوة.
    بعد اتساع الفتوحات الاسلامية حصل اصطدام فكري عنيف بين المسلمين وأصحاب الأديان الاخرى بسبب ما كان لديهم من أفكار فلسفية. مما جعل المسلمين بحرصهم على الدعوة الاسلامية يتسلحون ببعض الأفكار الفلسفية ضد خصومهم. خاصة وان الإسلام يأمر بمجادلة خصومه "وجادلهم بالتي هي أحسن" – من الآية 125 من سورة النحل-، فظهر من جراء ذلك ما يسمى بعلم الكلام والمتكلمين. وهم الذين أخذوا يدافعون عن الإسلام بمنهجهم الخاص في البحث والتقرير والتدليل. وهو المنهج الذي يخالف منهج القرآن والحديث والصحابة، ويخالف في نفس الوقت منهج الفلسفة اليونانية. وجاءت مخالفته لمنهج الإسلام لأن القرآن سار على اساس الفطرة والعقل القائمين على المحسوس وليس التجريد المنطقي والخيال الفلسفي. وجاءت مخالفته لمنهج الفلسفة اليونانية لأن هؤلاء يعتمدون على البراهين العقلية فقط، بينما أراد المتكلمون ان يبرهنوا بالأدلة العقلية على إيمانهم بالله ورسوله وكتابه. فجاء خطأ هذا المنهج من كونه اعتمد في إقامة البراهين على الأساس المنطقي وليس الحسّي، فجاء مناقضاً للإسلام. ولا سيما أنه استند على البحث في ما وراء المحسوس، أي في ذات الله وصفاته. وقاسوا الله سبحانه في ذلك على الانسان، وهذا مستحيل لأنه تعالى "ليس كمثله شيء" – من آية 11 من سورة الشورى-، ثم لكونه اعتمد على العقل فقط في بحث الايمان كله، مع انه يجب ان يقف عندما يستند اليه عند المحسوس ولا يتجاوز ذلك الى المغيبات التي قصر العقل عن إدراكها. مما يوجب الاعتماد في الايمان بها على ما يقدمه القرآن والحديث المتواتر فقط. ثم كونه اتخذ من خصومة الفلاسفة أساساُ لبحثهم مع أنهم، أي المتكلمين، كان يجب ان يقفوا عند ما ورد في القرآن والحديث فقط ولا يلتفتوا لأي إنسان. وخلاصة القول انه كان لا بد لهم من اعتماد منهج القرآن وحده في الدعوة على الأساس الفطري- العقلي، وفي حدود البحث في المحسوسات فقط.
    أما كيف نشأت مسألة القضاء والقدر لدى علماء الكلام، فذاك يتضح من استجابتهم لما طرحه عليهم خصوم الإسلام من أفكار من الفلسفة اليونانية، وتصدّيهم لبحثها ومناقشتها وإعطاء الرأي فيها. فسواء سميت هذه المسألة "القضاء والقدر" او "الجبر والاختيار" او "حرية الإرادة" فإنها من طرح الفلاسفة، وكلها بنفس المعنى، أي حرية او إجبار الانسان على ما يحدث من أفعال او يترك من أفعال.

    فالأبيقوريون رأوا حرية الاختيار، والرواقيون رأوا جبرية الاختيار. وتصدّى المسلمون لهذه البحوث مستندين الى صفة العدل بالنسبة الى الله سبحانه. فبرز بحث المعتزلة كأصل في هذه المسألة، بينما جاءت البحوث الاخرى كردود عليه. فقد نزّهوا الله عن الظلم، فقرروا حرية الإرادة في الإنسان واختياره في القيام او عدم القيام بالفعل. وقاسوا الله على الانسان، وأخضعوه لقوانين هذا العالم كما فعلت الفلاسفة الإغريق. ثم استدلّوا على أقوالهم بالقرآن، وأوّلوا الآيات التي لا توافق رأيهم، فاستدلّوا بقوله تعالى "وما الله يريد ظلماً للعباد" – من الآية 31 من سورة المؤمنون-، وبآيات اخرى كثيرة. وأوّلوا أمثال هذه الآية "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة" – من الآية 7 من سورة البقرة-. وقالوا بأن الانسان يخلق أفعاله بنفسه. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة" – آية 38 من سورة المدثر-، وأوّلوا أمثال قوله تعالى "والله خلقكم وما تعملون" – من الآية 96 من سورة الصافات- . كما قالوا بان الاعمال التي تتولد من اعمال الانسان كالألم من الضرب والقطع من السكين .. هي كلها من فعل الانسان وهي مخلوقة له.

    ان رأي المعتزلة هذا قد أثار حفيظة المسلمين لجرأته في العقيدة. فانبروا يردون عليهم. فقالت الجبرية بعكس رأي المعتزلة تماماً، أي ان الانسان مجبور ولا إرادة له ولا قدرة على خلق أفعاله، وأن الله هو الذي يخلق الأفعال على يديه. واستدلوا بآيات كثيرة منها "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" – الآية 29 من سورة التكوير-، ومنها "والله خلقكم وما تعملون" – الآية 96 من سورة الصافات-. وأوّلوا الآيات الاخرى المخالفة لرأيهم. كما قال أهل السنّة والجماعة بأن أفعال الإنسان كلها بإرادة الله ومشيئته. وعندما أحسّوا أنهم يرددون رأي الجبرية، أوّلوا معنى الإرادة والمشيئة بأن الله يريد الكفر من الكافر والفسق من الفاسق باختيار كل منهما وليس جبراً عنهما. كما أوّلوا معنى خلق الأفعال من الله على يد الانسان بأن الله هو الخالق للفعل ولكن الانسان هو الكاسب للفعل. وأوضحوا ذلك بقولهم ان الانسان يكسب عندما تتوجه إرادته وقدرته للفعل، ولكن الله يخلق الفعل الذي تتوجه اليه الإرادة في نفس الوقت الذي تتوجه فيه اليه. واستدلوا على رأيهم بنفس الآيات التي استدل بها الجبرية من مثل "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" – من الآية 286 من سورة البقرة -. أي استدلوا بذلك في مجال الكسب من العبد. وأما في مجال خلق الفعل عند قدرة الانسان وارادته فقد استدلوا بنفس الآيات التي قال بها الجبرية دون أي اختلاف. وبالرغم من انهم اعتبروا انفسهم انهم ردّوا على المعتزلة والجبرية، لكنهم في الحقيقة يلتقون من الجبرية تماماً. وحتى في مسألة الكسب لا دليل لهم عليها، لا من العقل ولا من النقل، لأنها محاولة توفيق بين المعتزلة والجبرية، ليس أكثر.
    والمهم ان المتكلمين قد جعلوا موضع البحث في مسألة القضاء والقدر فعل العبد، وما يتولّد فيه من خاصيات بفعل العبد. وذلك من حيث إن كان فعل العبد وما يتولد عنه من خاصيات من خلق الله أم من خلق العبد؟ وهل حصل بإرادة الله أم بإرادة العبد؟ وانساقوا في ذلك وراء الفلسفة اليونانية. وبهذا تحددت مسألة القضاء والقدر بأنها مسألة أفعال العباد وخاصيات الاشياء التي يحدثها الانسان بفعله في الاشياء. أي ان القضاء هو ما يتصل بأفعال العباد، والقدر هو خاصيات الاشياء.

    وبعد ضمور المعتزلة وغلبة أهل السنّة، مال النقاش الى جانب رأيهم. ولكن الآراء اختلفت بين المتناقشين. فقال بعضهم بأن القضاء والقدر لا يجوز البحث فيه بحجة ان الرسول عليه السلام قال "إذا ذكر القدر فأمسِكوا". وقال بعضهم بالفرق بين القضاء والقدر، وان القضاء هو الحكم الكلي في الكليات فقط، وأما القدر فهو الحكم الجزئي في الجزئيات. وقال بعضهم بأن القدر هو التصميم، والقضاء هو التنفيذ. وقال بعضهم بان القدر هو التقدير، واما القضاء فهو الخلق. ومنهم من جمع بين القضاء والقدر فجعل القدر الأساس، وأما القضاء فهو البناء فوق الأساس. ومنهم من فرّق بينهما. والمهم ان بحث القضاء والقدر قد صار مسألة في بحث العقيدة وركناً من أركانها. ولا بد من اتباع الطريق العقلي القائم على المحسوس في بحثها والوصول الى رأي قاطع بشأنها.

    وعند العودة لما قاله المتكلمون في معنى كل من القضاء والقدر نجدهم قد ابتعدوا عن معانيهما في اللغة وفي النصوص الشرعية. فكلمة القضاء وكلمة القدر من الكلمات التي تحمل كل منهما عدة معانٍ. إذ نجد كلمة قضاء لغة تعني: قضى الشيء أي صنعه، وقضى بين الخصمين أي حكم، وقضى الأمر أي أمضاه. ونجدها شرعاً تعني: أبرم، وأمر، وحتم، وحكم. فلا وجود لمعانيهم ومنها حكم الله في الكليات او كما نرى من معاني القدر بأنه حكم الله في الجزئيات. كما نجد كلمة قدر لغةً تعني: دبَّر، وهيّأ، وقاس، وعظم، وقضى، وقسم، وضيق. ونجدها شرعاً تعني: نفس المعاني اللغوية. ونتبين من ذلك ان ما يقصد بكلمة القدر في جميع الآيات والأحاديث هو تقدير الله وعلمه، ولا علاقة لها بما أورد المتكلمون من معان. وأما قول الرسول عليه السلام "اذا ذكر القدر فأمسِكوا" فيعني اذا ذكر علم الله وتقديره للأشياء فلا تخوضوا في ذلك لأن ذلك من صفات الله التي يجب الايمان بها والتسليم بها ما دام سبحانه "ليس كمثله شيء" – من الآية 11 من سورة الشورى-، وكذلك قول الصحابة "كل شيء بقدر" يعني بتقدير من الله أي بعلم منه سبحانه. وقوله عليه السلام "قل قدّر الله وما شاء الله فعل" أي كتب الله في اللوح المحفوظ أي علمه.

    وبالرجوع الى جميع المصادر الشرعية في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، نجد ان المسلمين لم يعرفوا في ذلك العصر ولا طيلة القرن الاول الهجري بحث مسألة القضاء والقدر ككلمتين مجتمعتين. وكل ما ورد هو وجود كلمة قضاء وحدها وكلمة قدر وحدها. فقد قال عليه السلام في دعاء القنوت: "واصرف عني شر ما قضيت، فانك تقضي ولا يقضى عليك" أي اصرف عني شر ما حكمت به. قال عليه السلام: "قل قدّر الله وما شاء الله فعل"، أي أن ذلك من تقدير الله وعلمه. وكل ذلك، مع ما ورد من معانٍ لغوية وشرعية للكلمتين، يؤكد ان هاتين الكلمتين لا علاقة لهما ببحث القضاء والقدر. وإنما يجب ان يُقتصَر فيهما على معانيهما اللغوية والشرعية، ونبذ تلك المعاني التي أضافها لهما الفلاسفة والمتكلمون. وبذلك تبقى كل منهما تحمل تلك المعاني اللغوية والشرعية الموقوفة عليهما. وأما موضوع القضاء والقدر، او مسألة القضاء والقدر، فهو أفعال العباد وخاصيات الاشياء. ولكن لا بد من تحديد أساس هذا البحث او المسألة، وبتحديد هذا الاساس يمكن الوصول الى النتيجة اللازمة لهذا الاساس دون تمحُّل ولا تخيُّل ولا توهُّم. وهذا يعني ضرورة أن تطرح تلك الآراء الفلسفية او المنطقية حولها، وخاصة أنه لم يرد اي نص شرعي يقول بأن هذه المسألة سرٌّ من أسرار الله. ثم لكون موضوع القضاء والقدر محسوساً، فيجب ان يبحث ويعطى فيه الرأي لأنه بحث عقلي محسوس الواقع، ولأنه يتعلق بالأيمان بالله، ولهذا فقد صار جزءا من العقيدة.

    وعند التدقيق في هذه المسألة يظهر ان اساسها هو موضوع الثواب على الفعل والعقاب عليه، وليس أي شيء آخر. وسيظهر ذلك جليّاً في الندوات الثلاث التالية التي تغطي بحث هذه المسألة ومناقشتها.

    المناقشة:

    س- ما المقصود بالاصطدام العنيف بين المسلمين وخصومهم من أهل الديانات الاخرى؟
    ج- هو الخروج على المسلمين ودولتهم بالسلاح، كما فعل القرامطة وغيرهم متأثرين بالأفكار الفلسفية البعيدة عن الإسلام. وأما الخوارج فهم مسلمون وخصومتهم لو لم تنتقل الى السلاح مع الدولة لبقيت أفكارهم حية في محيطهم محبطهم ما انتهوا اليه حديثا في سلطنة عمان.

    س- ولكن القرآن الكريم يقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن"، فلماذا السلاح؟
    ج- لم تستعمل الخلافة الاسلامية السلاح ضد الرأي الا عند الردّة، وهذا ما يفرضه الشرع، وعند الإفساد في الارض بقوة السلاح، وهذا ما يفرضه الشرع ايضاً.

    س- كيف سار القرآن الكريم على منهج الفطرة والعقل بواقعه المحسوس؟
    ج- لأن الفطرة تقرّ بوجود الخالق المدبر، والقرآن قد خاطبها واستثارها للإيمان اليقيني المرتبط بالحجج والبراهين العقلية المعتمدة على استنطاق الوقائع المحسوسة او المادية الحية وغير الحية، والتي تقرُّ كلها بأن لها خالقاً خلقها، ومدبراً يدبرها.

    س- كيف يختلف منهج المنطق عن منهج القرآن الكريم؟
    ج- المنطق يعتمد على المقدمات العقلية المجردة دون اي اعتبار للواقع المحسوس. فيقول مثلاً بأن كلام الانسان صفة له، والكلام مخلوق لأن الانسان مخلوق، ثم يصدر حكماً بأن القرآن الكريم لأنه كلام يعتبر مخلوقاً. وهذه نتيجة منطقية لا تستند الى المحسوس لأن القرآن الكريم قد ثبت بالدليل العقلي المبني على المحسوس بأنه كلام الله و صفة من صفاته. وهذا يرفض مثل تلك النتيجة المنطقية لأن الله تعالى "ليس كمثله شيء" – من الآية 11 من سورة الشورى-.

    س- ماذا يعني قول الأبيقوريين بحرية الاختيار، و مَن تأثر بهم؟
    ج- يعني ان الانسان حر في اختياره القيام بأي فعل او عدم القيام به، ولا توجد اي سيطرة على إرادته في ذلك من أحد في جميع أفعاله وتصرفاته. وقد تأثر المعتزلة بهذا الرأي وأخذوا يرددونه بحر فيته.

    س- ماذا يعني قول الرواقيين بجبرية الاختيار، و مَن تأثر بهم؟
    ج- يعني ان الانسان مجبور في القيام بأي فعل وفي ترك أي فعل، ولا يملك اي إرادة ولا مشيئة في القيام بأفعاله او تركها، فهو كالريشة في مهبّ الريح .. وقد تأثر الجبرية بهذا الرأي وردّدوه بحر فيته.

    س- كيف استند المسلمون الى صفة عدل الله في مخاصمتهم الفكرية للمتكلمين والفلاسفة؟
    ج- استندوا الى ذلك بقولهم بأن الله تعالى عادل، وعدله مطلق، ولا يوقع الظلم بأحد. ولذلك قال المعتزلة بحرية الاختيار في القيام بالفعل والترك على اساس ان الانسان يتحمل مسؤولية أفعاله، أداءاً وتركاً، وقد رفضوا رأي الجبرية لأنهم رأوه يتناقض مع عدل الله. وأما الجبرية فقد أوّلوا النصوص لتتناسب مع معنى العدل الذي نسبوه الى الله تعالى قياساً على العدل البشري.

    س- لماذا ينظر الى المتكلمين على أنهم لم يراعوا الثواب والعقاب مع انهم راعوا صفة العدل الإلهي؟
    ج- لأنهم انساقوا في آرائهم وراء أفكار الفلاسفة، وحاولوا ان يجدوا أدلّة شرعية تدعم آراءهم. فلم يكن القرآن اساس البحث بل كانت آراء الفلاسفة اليونانيين هي الأساس، وما كان الرجوع الى القرآن الكريم الا لتبرير آرائهم.

    س- ألا تعتبر مناقشة مسألة القضاء والقدر انسياقاً وراء و ردّ فعل على آراء الفلاسفة؟
    ج- لمعرفة اساس هذه المسألة لا يعتبر بحثها للوصول الى نتيجة قطعية انسياقاً وإنما لوضعها في موضعها الصحيح. مما يجنّب العقيدة الاسلامية هذا المنزلق الخطر، ويقي المسلمين شر هذه الفتنة. أما أن المناقشة رد فعل فهذا صحيح اذا نظرنا للأمر على انه مجرد مناقشة لمسألة سابقة. ولكن عندما ينظر للمسألة كبحث عقلي يدخل في العقيدة، ولا يجوز تركه دون إعطاء الرأي فيه، ليحدد الموقف منه، فان كونها رد فعل لا ينتقص من المناقشة والبحث شيء، لأنه سيكون من ردود الفعل الواجبة، لأن موضوعه العقيدة، وهي اساس كل الأفكار والأحكام، ومن الواجب تبعاً لذلك أخذ العقيدة بشكل سليم. والمناقشة هي التي تحقق الواجب، فكانت واجبة لأنه ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب.

    س- من أين اعتبرنا أساس موضوع القضاء والقدر عقليا بواقع محسوس؟
    ج- لكون الاساس مرتبطاً بأفعال الانسان، وهي واقع محسوس، وبخاصيات الاشياء، وهي واقع محسوس، وبالثواب والعقاب المرتبط بالقيام بالأعمال آو تركها، وهو واقع محسوس.

  10. #10
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي


    عقيدة القضاء والقدر
    الندوة الثانية

    العرض:
    بالوقوف عند العديد من الآيات الكريمة التي يستدل بها على مسألة القضاء والقدر نجد ان هناك مجموعة منها يستشهد بها الكثيرون على اساس ان الانسان مجبور على القيام بأعماله بإرادة الله ومشيئته، وأن الله سبحانه هو الذي يخلق فيه أعماله. فهم لا يكتفون بما تدل عليه أمثال هذه الآيات من أن الأجل بيد الله "وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتابا مؤجلا" – الآية 75 من سورة آل عمران-، وبهذه الآية "ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" – الآية 34 من سورة الأعراف-، ولكنهم يستدلون بغيرها على جبرية الاعمال مثل "ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرئها، إن ذلك على الله يسير" – الآية 32 من سورة الحديد- وقوله تعالى "قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون" – الآية 51 من سورة التوبة-، وقوله تعالى "لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر الا في كتاب مبين" – الآية 3 من سورة سبأ-، وقوله تعالى "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار، ثم ببعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم اليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون" – الآية 60 من سورة الأنعام-، وقوله تعالى "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا" – الآية 28 من سورة النساء-، وقوله تعالى "والله خلقكم وما تعملون" – الآية 96 من سورة الصافات- … ويحاولون ان يدعموا رأيهم بأحاديث شريفة من مثل قوله عليه الصلاة والسلام "نفث روح القدس في روعي: لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وما قُدِّر لها".

    فبهذه النصوص، وأمثالها كثير، يستدل الجبريون على ان الله تعالى هو الذي يخلق العبد ويخلق أفعاله، فهو مجبور على أفعاله وليس له اي اختيار. وعلى النقيض من الجبريين، رأى المعتزلة ان الانسان هو الذي يخلق أفعاله وليس لأحد تدخّل في إرادته، فهو الذي يتحمل مسئوليتها والمحاسبة عليها. وبين هذين الرأيين رأى أهل السنّة والجماعة رأياً ثالثاً، وهو ان للإنسان نصيب اختياري في اعماله يحاسَب عليه.

    فما هو مدى الدقة والصحة في مسألة القضاء والقدر في هذه الآراء ‏الثلاث؟؟

    حتى نعرف ذلك لا بد ان نعرف اساس بحث هذه المسألة:
    هل هو كون الانسان يخلق فعله، أم الله هو الذي يخلقه، أم هل هو كون الله يعلم بأن الانسان سيعمل عمله ويحيط علمه به، أم هل هو تعلّق إرادة الله بفعل الانسان وأنها تفرض وجوده، أم هل كون فعل الانسان مكتوباً في اللوح المحفوظ وأن هذه الكتابة تلزم بالقيام به؟؟؟

    وباختصار: هل اساس بحث مسألة القضاء والقدر هو قدرة الله على ايجاد الانسان وفعله، او علمه المحيط بكل شيء، او إرادته المتصلة بجميع الممكنات، او احتواء اللوح المحفوظ لكل شيء؟؟؟

    عند التدقيق في هذه المسألة يظهر ان اساسها ليس ذلك كله، لأنه لا بد ان يتصل الاساس بموضوع الثواب على العمل والعقاب عليه، لأنه يحدد من يتحمل مسئولية القيام بالفعل: أي القيام بالعمل سواء كان خيرا او شرا: هل الانسان ملزم عليه او مخير فيه، بمعنى: هل لدى الانسان الاختيار في القيام بأي عمل او تركه، او انه مجبر على ذلك سواء كان العمل خيرا او شرا؟؟؟

    والآن لنتفحص دور الانسان وصلته بالأفعال التي تقع منه او عليه لنرى مدى مسئوليته عن القيام بها وتحمّله الحساب عليها، فنجد ان هناك نوعين من الاعمال:

    نوع يقوم به باختياره، والنوع الآخر يقوم به او يقع عليه دون اختياره.

    أما الأفعال التي تجري باختياره فهي مجموعة الاعمال التي يسيطر عليها ويقوم بها بإرادته، آو تتم بتدخّله، سواء كان في اطار شريعة الله او غيرها، وهي قسمان:

    القسم الاول: هو تلك الاعمال التي يقوم بها لإشباع جوعا ته الغريزية والعضوية بصورة مباشرة، مثل إشباع غريزة التدين بالصلاة، وإشباع غريزة البقاء بالتملك، وإشباع غريزة النوع بممارسة الجنس، وإشباع جوعة المعدة بالأكل … وهكذا.

    والقسم الثاني: هو تلك الاعمال التي يقوم بها لتحقيق هذا الإشباع بصورة غير مباشرة عندما يضع او يتبنى تشريعات معينة ينظم بها إشباع كل جوعة من جوعا ته بشكل معين. سواء كانت هذه التشريعات يضعها بعقله وتفكيره او يتبنّاها من تشريعات وضعية او تشريعات ربانية.
    وفي كلا القسمين نجد ان الانسان يقدم على العمل في اي وقت يشاء ويمتنع عنه في اي وقت يشاء، ولا يوجد اي تدخّل خارجي في إرادته عند القيام بالعمل او الامتناع عنه.

    وأما الأفعال التي تجري دون اختياره فهي مجموعة الاعمال التي لا يسيطر عليها ولا دخل لإرادته في وقوعها او في دفعها عند وقوعها، وهي ايضا قسمان:

    القسم الاول: هو الاعمال التي تدخل ضمن نظام الوجود من كون وانسان وحياة. فالشخص يعيش ويعمل في هذا الوجود وفق النظام المخصوص الذي يسير عليه الوجود. فالجاذبية مثلا تحكم حركته في هذا الكون، وجوعاته تحكم سعيه للإشباع كانسان، وأطوار نموه تحكم حركته في الحياة. فأعمال نظام الوجود كلها تجري دون اختياره وإرادته، وهو مجبور على مراعاتها والسير وفقاً لها دون اختيار. فلا يستطيع بحكم الجاذبية أن يطير في الهواء دون التغلب بوسيلة ما على ذلك، ولا يستطيع ان يتدخل في مجيئه الطبيعي الى هذه الدنيا او ذهابه منها. ولا أن يحدد لنفسه شكل جسمه او لونه. فكل ذلك لا أثر له كفرد مخلوق في اي شيء منه، لأن الله سبحانه هو الذي خلق نظام الوجود، وجعله على حال ينظم ويدبر هذا الوجود بشكل ثابت ودائم.

    والقسم الثاني: هو الاعمال التي لا تدخل ضمن نظام الوجود ولكنها تقع من الانسان دون إرادته واختياره. كأن يطلق النار بقصد وإرادة صيد طير، ولكنها تقتل خطأً شخصاً آخر لا علم له بوجوده. أو كأن يسقط شخص وهو نائم من فوق عمارة على شخص آخر فيقتله. هذا من ناحية ان تقع الاعمال من الانسان دون إرادته، وأما أن تقع عليه ولا يملك دفعها، فكالمقتول في الصيد او تحت العمارة وأمثالهما.

    نلاحظ في كلا القسمين ان الانسان واقع تحت سيطرة هذه الأفعال ولا إرادة له ولا مشيئة لا في وجود أفعال القسم الأول التي تدخل ضمن نظام الوجود، ولا في وقوع او دفع أفعال القسم الثاني التي لا تدخل ضمن نظام الوجود. وهذه الأفعال بقسميها هي التي يطلق عليها اسم "القضاء". ذلك لأن الله سبحانه هو وحده الذي قضاها، أي أمر بوجودها او بوقوعها دون أي صلة او تدخّل من الانسان. وهذا يخرج العبد من دائرة المسؤولية تماماً عن هذه الأفعال سواء ألحقت بالإنسان نفعاً آو ضراً، وسواء أحبها أم كرهها، أي سواء فسرها الانسان حسب قدرته العقلية الناقصة وعلمه المحدود بالخير او بالشر. وهذا القضاء مطلوب من الانسان ان يؤمن به من أنه من الله سبحانه وتعالى ما دام قد آمن به تعالى كخالق ومدبر وليس مجرد خالق فقط.

    المناقشة:

    س- هل يدخل الموت والأجل في مسألة القضاء والقدر مع انه ليس من أفعال الإنسان؟
    ج- نعم يدخل. لأنه فعل مادي يقع على الانسان، ولا بد من تحديد مدى مسئوليته عنه، وهذا هو صلب مسألة القضاء والقدر.

    س- هل تدخل الكتابة الواردة في الآيات الكريمة في مسألة القضاء والقدر مع أنها منسوبة الى الله سبحانه وتعالى؟
    ج- نعم تدخل. وذلك من ارتباطها بالأفعال التي تقع من الانسان او عليه، وهذه لا بد من معرفة المسؤول عنها كما أسلفنا.

    س- كيف يدخل علم الله في مسألة القضاء والقدر؟
    ج- يدخل من باب صلة اعمال الانسان به، ومن كونه سبحانه يحيط علمه بكل شيء وكل فعل قبل وجوده وبعده. فلا بد من معرفة مدى تأثير هذا العلم على الاعمال الإنسانية ليحدد مدى مسؤولية الانسان عنها.

    س- ماذا تعني الآية الكريمة التي تقول بأن الحسنة التي تصيب الانسان من عند الله وكذلك السيئة؟
    ج- تعني ان الله سبحانه الخالق المدبر قادر على كل شيء، وأن من قدرته المطلقة أنه خلق الانسان بهذا الشكل، ومن تدبيره له أنه وضع له هذا النظام. فلو وقع عليه فعل وفسّره بالحسن او بالسيئ بحسب ما ينتفع به او يتضرر منه فان هذا الفعل من الله، مع أنه من القضاء الذي لا دخل للإنسان به و لا إرادة له بوقوعه و لا قدرة له على دفعه.

    س- ما الخطأ في رأي الجبريين والمعتزلة وأهل السنّة، وهم كلهم يحاولون تحديد صلة الانسان بأفعاله ومسئوليته عنها؟
    ج- الخطأ في ذلك كله أنهم توقفوا عند قدرة الله على الخلق، وعلمه سبحانه بالأشياء والأفعال، وكتابة هذه الأفعال في اللوح المحفوظ، وإرادة الله ومشيئته المتعلقة بهذه الأفعال. فحصروا موضوع الأفعال في صلتها بالإنسان من حيث كيفية إيجادها في الواقع او وقوعها او دفعها اذا وقعت. ولم يلاحظوا صلة هذه الأفعال بالثواب والعقاب عليها. ولو لاحظوا ذلك وأدخلوه في حظيرة الايمان لما وقع الجبريون فيما قالوا، والذي يعني في النهاية عدم عدل الله جل وعلا عندما يوزع الناس جبراً عنهم بين الجنة والنار لأنهم، كما يقول الجبريون، لم يكونوا مسؤولين عن اعمالهم. ولما قال المعتزلة ما قالوه، والذي يعني في النهاية شطب وإنكار الكثير من النصوص الشرعية التي تقرر أن الانسان تقع منه او عليه أعمال لا يتحمل مسئوليتها، ناهيك عن وجوده هو أصلاً وفنائه. ولما قال أهل السنّة والجماعة ما قالوا، والذي يعني في النهاية أنهم راعوا آراء الطرفين السابقين وردّوا عليهما لا برأي بديل، وإنما برأي يجمع بينهما. بينما الواجب ان يحددوا أصل مسألة القضاء والقدر ويجعلوه حكما لهم وعليهم.

    س- لكن أصل هذه المسألة كما ورد في العرض هو مسؤولية الانسان عن الأعمال، وهذا ما قالته الأطراف الثلاثة المذكورة؟
    ج- تحدثت الاطراف الثلاثة عن المسؤولية من حيث الخلق والإيجاد للأعمال، وليس من حيث الثواب والعقاب عليها، ولو راعوا ذلك لما قالوا ما قالوه.

    س- ولكنهم قالوا بالمحاسبة على هذه المسؤولية، وهذا يعني الثواب والعقاب؟
    ج- لو تجاوزنا قول الجبرية الذي لا معنى للمحاسبة فيه ما دام الانسان مجبورا على كل أفعاله ولا إرادة له فيها، وأتينا للطرفين الآخرين لوجدناهما أشارا الى المحاسبة ولكن ليس من باب أساس بحث المسألة لأنهم جعلوا الاساس مسؤولية ايجاد الفعل في الواقع او تركه. فكانت الإشارة إلى المحاسبة نتيجةً وليس أساساً، هذا بالاضافة الى ان موضوعها ايجاد وخلق الفعل وليس الثواب او العقاب عليه.

    س- ما الفرق بين الاعمال التي يقوم بها الانسان بإرادته والتي يتدخل فيها فقط؟
    ج- الفرق ان التي يقوم بها بإرادته هي التي يقوم بها بنفسه وبكامل إرادته واختياره، وأما تلك التي يتدخل فيها فقط فهي التي يقوم بها غيره، وما تدخله هو بانجازها الا من باب اشتراك إرادته مع إرادة غيره في ذلك.
    س- لماذا القول بالتدخل في ارادة الانسان؟
    ج- لأنه قد يقول قائل او يتصوّر شخص أن هناك تدخلاً داخلياً في إرادة الانسان من باب كونه، كما تقول الجبرية، مخلوقاً بشكل يجعل إرادته ملكاً لفطرته وطبيعته.

    س- ماذا يقصد بنظام الوجود؟
    ج- نظام الوجود هو النظام الذي وضعه الخالق سبحانه لمخلوقاته من كون وانسان وحياة. وذلك بأن خلق كلا منها ووضع لها نظاما وتدبيرا يسير عليه ولا يتخلف عنه. فمثلا: كل جرم من أجرام الكون يسير في فلك معين وفقا لما يسمى بالناموس العام للوجود. وكل مادة في هذه الأجرام لها مميزاتها عن غيرها. وكذلك الانسان: خلقه الله على هذا الشكل ووضع فيه أعضاء ودبّر كل عضو بنظام خاص به في اطار نظامه العام او ناموسه الكلي. وكذلك الحياة: فقد خلقها الله تعالى في الكائنات الحية مرتبطةً بسرّها بحيث تتوقف اذا فقدت هذا السرّ وهو الروح، ووضع لها نظاما تجري عليه مع وجود هذه الروح، فينمو الكائن ويتكامل وينضج مدى ما تبقى فيه الروح، ويتوقف ويرمّ بمغادرتها له، كما يتحرك بالقدر المحدد له ما دام حياً. هذا هو الوجود: الكون والانسان والحياة، وهذا هو نظامه.

    س- ولكنك تحصر الحديث عند الانسان في مكونات الوجود وتتجاوزه الى الأحياء الاخرى عند البيان؟
    ج- لأن الانسان وهو أكمل المخلوقات، كما قال خالقه سبحانه "لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم" – من سورة التين- يمثل ما ينطبق عليه ما هو دونه في الكمال من الأحياء.

    س- ما دام يمكن للانسان أن يتغلب على الجاذبية فيطير في الهواء بالطائرة مثلا، فلماذا نعتبر نظام الوجود في هذه الناحية إجبارياً؟
    ج- القول بأن الانسان مسيَّر ومجبور على اعماله في اطار نظام الوجود يعني ان الانسان بجسمه الطبيعي مجبور على المشي على الارض ولا يستطيع الطيران، ولكنه لو أخذ بالطائرة فانه أخذ بجانب آخر ليس من نظام الوجود وإنما من أفعال الانسان التي يقوم بها في هذا الوجود وهو الطيران بغير جسمه الطبيعي. وأخذه هذا ليس من الجبرية وإنما من الإرادية الموجودة لديه، وذلك باستخدام ما تسمح به السنن الكونية.

    س- ماذا يعني أن الانسان لا يتدخل في مجيئه الطبيعي الى هذه الدنيا او ذهابه عنها؟
    ج- ذلك يعني ان عملية ولادته وموته لا دخل له فيهما ما دامت بالشكل الطبيعي، وأنهما في حق الانسان من القضاء المسيّر له او المسيّر فيه.

    س- لماذا اقتصر أمر الله بوجود او وقوع الافعال على القضاء، مع ان كل الافعال لا تخرج عن أمر الله؟
    ج- لأن اعمال القضاء سمّيت كذلك بسبب أنها توجد او تقع دون أي تدخّل إرادي او أي اختيار من الانسان. بينما اعمال الانسان الإرادية توجد او تقع بتدخّل الانسان ومشيئته وإرادته، وإن كان ذلك ليس جبراً عن الله تعالى.

    س- هل يعني وجود الاعمال او وقوعها أن الخير او الشر من الله تعالى؟
    ج- نعم، طالما كان التفسير الانساني للخير او الشر بحسب ما يصيبه منها من النفع او الضرر. وأما هل هذا التفسير الانساني صحيح او خطأ، فذاك تابع لله تعالى الذي يوجد الافعال او يوقعها اذا كانت قضاءا وقدرا، او يأذن بذلك دون سلب إرادة الانسان اذا كانت ارادية. والله تعالى يقول "فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً" – من الآية 19 من سورة النساء-.

    س- ما معنى الايمان بالقضاء؟
    ج- معناه أن يؤمن المسلم بأن كل عمل يقع منه او عليه جبراً عنه أنه من الله تعالى، ويمضي في سبيله صابراً محتسباً مهما أصابه من ضرر او نفع، عملا بقوله تعالى "فلا تذهب نفسك حسرات عليهم" – من الآية 8 من سورة فاطر- وقوله تعالى "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم" – من الآية 23 من سورة الحديد-.

    س- لماذا قسمت أعمال الانسان غير الارادية الى قسمين: أحدهما ضمن نظام الوجود، والأخر ليس ضمنه مع أن الاعمال الانسانية كلها تجري في هذا الوجود؟
    ج- نعم إن اعمال الانسان تقع كلها في هذا الوجود، ولكن تبعاً لطبيعة كل عمل. فلا بد من هذا التقسيم إذ نجد بعض الاعمال الارادية كتلك التي يحكمها نظام الوجود تختلف عن تلك التي لا تخضع له.

    س- هل يمكن بيان الخيط الرفيع الذي يربط بين إرادة الله والقضاء؟
    ج- إرادة الله سبحانه تعني أنه لا يوجد شيء ولا يقع فعل في هذا الوجود بعيداً عن او ضد إرادة الله ومشيئته، وهذا يعني ان الله سبحانه وتعالى قادر على التدخل في أية لحظة لمنع استمرار او حتى وجود اي فعل، ومنع وجود اي شيء او استمرارية وجوده. وهذه هي إرادة الله ومشيئته. وأما القضاء فانه ذات التدخل الفعلي من هذه الارادة والمشيئة الالهية في اية لحظة سواء في ايجاد الشيء او وقوع الفعل من الانسان او عليه. وهكذا يظهر ان الخيط الرفيع بين إرادة الله سبحانه و القضاء هو وجود صفة الارادة لديه سبحانه، وأنه لا يقف دون تدخّلها في اية لحظة أي شيء او فعل من الانسان.

  11. #11
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    عقيدة القضاء والقدر
    الندوة الثالثة

    العرض:
    وقفنا في الندوة السابقة حول هذه المسألة على موضوع القضاء وأنه كل الافعال التي توجد او تقع، سواء كانت ضمن نظام الوجود أم لا، دون أن يكون للانسان أي دخل فيها و لا ارادة له في وقوعها او دفعها، وهو مسيّر فيها، ولا يملك جلبها او دفعها. ونقف الآن على موضوع القدر.
    إننا عندما نرى الأفعال القضائية او الإرادية، أي التي تسيطر على الانسان او التي يسيطر عليها، لا تقع الا من أشياء و على أشياء من مادة الكون والانسان والحياة، ندرك ان الأفعال كلها مادية، وأن الناموس العام الذي خلق الله تعالى الوجود عليه هو الذي يمكّن من وجود او وقوع هذه الأفعال من الاشياء، فماذا في هذه الاشياء؟

    لو دققنا في كل شيء لوجدنا أنه قد اختص بميزة لا توجد لدى غيره. وأن هذه الميزة او الخاصية هي التي تمكّنه من وقوع الفعل منه او عليه. وأن الله تعالى الذي خلق نظام الوجود هو الذي خلق لكل شيء ميزته الخاصة. فخاصية الإحراق في النار، وخاصية الاحتراق في الخشب، وخاصية القطع في السكين، وخاصية الانقطاع في اللحم، كلها خواص خلقها الله تعالى في هذه الاشياء وجعلها حسب نظام الوجود ملازمة للأشياء و لا تتخلف عنها. ولو تخلفت لكان ذلك بسبب تدخّل الخالق المدبر سبحانه مباشرة، وهو أمر خارق للعادة، كما حصل لكل الأنبياء وكان من معجزاتهم. فالنار ما كانت لتترك ابراهيم عليه السلام وقد ألقي فيها دون أن تحرقه ويحترق هو فيها لولا تدخّل الله سبحانه وأمره تعالى لها "يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم". وخاصية السيولة في الماء، وخاصية التجمد في الثلج، هما خاصيتان لا تتخلفان الا بمعجزة لنبيّ، فقد أنشق ماء البحر وظهر كأنه تجمّد معجزة لموسى عليه السلام "فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم".
    هذا بالنسبة للأشياء الكونية، وما خلق الله سبحانه لها من خواص لا تتخلف. وأما بالنسبة للأشياء البشرية من دماغ وغرائز وأعضاء اخرى، فقد خلق الله لكل منها خاصية معينة ايضاً، وجعلها ملازمة لها حسب نظام الوجود. فالدماغ خلق فيه خاصية التفكير، وغريزة النوع خلق فيها خاصية الميْل الجنسي، وغريزة البقاء خلق فيها خاصية حب الذات، وغريزة التدين خلق فيها خاصية الميْل للتقديس. وجعل لكل خاصية من هذه الخاصيات مظاهر متعددة تظهر فيها في الواقع لتؤدي مهمتها في الحياة. وهذه الخاصيات في الغرائز والاعضاء، وتلك في الأشياء، خلقها كلها الخالق المدبر سبحانه، وقدّر فيها خاصياتها المميزة لكل منها، و لا أثر للانسان في ذلك. الأمر الذي يفرض على الانسان المسلم بالذات أن يعتقد صادقاً ويؤمن مخلصاً بأن الله تعالى وحده هو الذي قدّر هذه الخاصيات في كل الأشياء خارج الانسان و داخله.

    والسؤال الآن: الى أي مدى تُلزم هذه الخاصيات الانسانَ على أن يقوم بها بأعمال معينة؟ بمعنى هل من طبيعتها أن تجبر الانسان على ان يقوم بها بأعمال محددة دون غيرها فيكون مسيَّراً لا مختاراً ؟

    عندما نقرأ قوله تعالى في سورة الشمس –الآيات من 7 الى 10 – "ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها" ندرك ان الخالق المدبر سبحانه عندما خلق النفس البشرية، وسوّاها في أحسن تقويم، ألهمها أي خلق فيها القدرة على الفجور والقدرة على التقوى. أي أنه سبحانه جعل بتدبيره الحكيم للانسان في غريزة التدين الخاصية المميزة لها وهي القدرة على أن تفجُر وتعصي الأوامر الالهية فتكون أعمالها شراً، او تتقي وتطيع أوامر الله فتكون أعمالها خيراً. فلم يكن إلهامه سبحانه للنفس وتدبيره لها بسلب استطاعتها الاختيار بين الشر والخير وإنما بوضعه في أعماقها. ولذلك نجده تعالى يحمّل النفس الانسانية مسؤولية ما يصدر عنها من اعمال. فيرتب الفلاح والخير عندما تقدم على الاعمال الطيبة، كما يرتب الخيبة والشر عندما تقدم على الاعمال السيئة. ففي الخاصيات التي أودعها الله سبحانه في الاشياء والغرائز والاعضاء البشرية القابلية على ان تدفع الانسان ليقوم بأعماله وفقاً لأوامر الله او مخالفة لها دون أن تجبره على عمل معين او محدد بالذات. وإنما تدفعه فقط لاستخدام الأشياء تبعاً لما في الواحد منها من خاصية، وللاستجابة للغريزة او حاجة العضو تبعاً لما في هذه او تلك من خاصية مميزة. وبهذا يظهر جلياً أن الخاصيات لا تفرض على الانسان أي عمل من باب الإجبار او الإلزام وإنما دورها يبقى محصوراً في مجال الدفع للإشباع ليس غير.
    صحيح أن خاصيات الأشياء والغرائز والأعضاء البشرية ملازمة لها بشكل لا يمكن أن تنفكّ عنها ولا تتخلف، بحيث يظهر أثرها على نتيجة كل فعل يصدر عن الانسان. ولكنها تبقى دائماً طوع بنان الانسان ليستعملها متى شاء. فهو الذي يوجِد العمل بها، وهو الذي يمتنع عن ايجاده. فغريزة النوع بما فيها من خاصية الميْل الجنسي تقدم للانسان مجال استعمال هذا الميْل عندما يدفعه لإشباعه. ولكن هذا الميْل، وما فيه من دافع، لا يفرض على الانسان ان يشبعه بشكل دون آخر. لأن في هذا الميْل القابلية للإشباع بأكثر من شكل، أي فيه القابلية ليفسح للانسان المجال لاستعمال عدة خيارات. فهو كميْل، ملازمٌ للغريزة، ولكنه عند الدفع للإشباع، لا يُلزم صاحب الغريزة بالإشباع حسب اوامر الله او مخالفاً لها. فالانسان الذي يحمل الغريزة كطاقة حيوية ملازمة لها خاصية الميْل للإشباع، هذا الانسان هو الذي يُحدث الاعمال للإشباع سواء كانت خيرا او شرا.

    ولكن كيف تتخذ هذه الاعمال للإشباع شكل الخير او الشر ؟؟ سؤال نجيب عليه فيما يلي:
    إن الله سبحانه وتعالى كما خلق في الغريزة خاصية الميْل لإشباعها، وجعل في هذا الميْل القابلية للاشباع بطريق الخير او الشر، خلق للانسان العقل وقدّر فيه خاصية التمييز والإدراك، فقال "وهديناه النجدين" أي جعلنا فيه القدرة العقلية لإدراك طريقي الخير والشر .. فعندما تدفعه الغريزة او حاجة العضو للإشباع يتولى العقل بتمييزه بين الخير والشر ضبط وتوجيه الاستجابة للإشباع. فإن كان صاحب العقل يختزن في عقله عقيدة الاسلام، وما تفرضه من حلال وحرام، فانه يوجه الاستجابة وفق أوامر الله ونواهيه. وإن كان يختزن عقائد اخرى فانه يوجه الاستجابة وفقاً لما تراه من أوامر ونواهي. فصاحب العقل هو الذي يُحدث فعل الإشباع سواء كان حلالاً او حراماً وفقاً لخياراته العقلية. أي أن عملية إختزان المعتقدات بجميع انواعها في العقل هي عملية يُجريها الانسان بإرادته واختياره وقناعته ثم يختزنه ليتخذه ضابطاً وموجّهاً في إشباعاته. وعليه فان التمييز بين الخير والشر كخاصية للعقل قدر ملازم له، ولكن فعل الخير والشر يقرره صاحب العقل فقط، وما خاصية التمييز الا عوناً له لتعريفه بالطرق والخيارات المتوفرة أمامه.

    ولكن اين دور المشاعر في هذا الضبط والتوجيه؟
    للجواب على ذلك نقول: ان المشاعر هي الميول والدوافع، فتبقى على فطرتها تتجه نحو خالقها حتى يتدخل الانسان بما يختزنه من عقائد في عقله. فإما ان يستجيب للفطرة فيشكّل مشاعرها بما يقتنع العقل به من عقائد صحيحة، فتكون مشاعر اسلامية، او بعقائد اخرى غير اسلامية. ثم تتركز هذه المشاعر، مع طول الممارسة، وتشكل نفسية صاحبها على وصف معين بقدر ما يحرص على الترابط بين مفاهيم معتقداته وميول غرائزه وحاجاته.


    المناقشة:

    س- هل يمكن ان تذكرنا بمفهوم القضاء؟
    ج- القضاء كلمة سواء صاحبت كلمة القدر أو انفصلت عنها فإنها تعني في بحثنا العقيدة الاسلامية شيئاً آخر غير ما عرف لها من معانٍ لغوية او شرعية. فهي تعني كل الأفعال التي تقع من الانسان او عليه دون إرادته واختياره، سواء كانت ضمن نظام الوجود أم لا.

    س- ما معنى ان الانسان لا يملك دفع فعل القضاء؟
    ج- معناه انه عندما يوشك فعل القضاء ان يقع على الانسان فانه لا يملك القدرة والخيار لدفعه.

    س- هل هناك من تمييز بين ملكية القدرة وملكية الخيار لدفع الفعل؟
    ج- نعم. إذ أن ملكية القدرة تعني ان يكون الانسان الذي يوشك الفعل ان يقع عليه قادر على دفعه، وأما ملكية الخيار فتعني ان يكون لديه إمكانية اختيار الدفع او عدم الاختيار. فقد يكون الانسان قادراً على الدفع ولكنه لا يملك القدرة، فهما أمران مختلفان متمايزان.

    س- ما المقصود بكلمة مادة بالنسبة للشيء هنا؟
    ج- المادة هي كل طاقة سواء كانت ظاهرة ولها حيّز نحسّه ونلمسه أو خفية نعرف وجودها من آثارها كالهواء والمغناطيس والكهرباء.

    س- هل كل شيء له خاصية واحدة لا تتعدد، أم يمكن للشيء ان تكون له عدة خواص؟
    ج- نعم يمكن للشيء ان تكون له عدة خواص. فالماء فيه خاصية السيولة وخاصية التبخر وخاصية التجمد وذلك تحت درجات حرارة مختلفة. ولكل خاصية من هذه الخواص مظاهر متعددة تظهر فيها. فالسيولة تظهر بالجريان وبالحركة البطيئة او السريعة، حسب الانحدار، وبالسماح للأجسام الاخرى ان تخترقها او تختلط بها، وبالاستطراق، وغيرها.

    س- أين الأفعال الروحية اذا كانت اعمال الانسان كلها مادية؟
    ج- الناحية الروحية في الأفعال شيء وطبيعة الأفعال شيء آخر. فأي فعل يجري بين شيئين في هذا الوجود هو فعل مادي لأن أشياء هذا الوجود مادية. ولكن كون الانسان يراعي الحلال والحرام عند القيام بالفعل فانه يراعي الناحية الروحية في الاشياء من كونها مخلوقة لله، وأن خالقها سبحانه يأمر بأفعال معينة عند استعمالها. وهذا ما يطلق عليه مزج المادة بالروح، أي جعل الفعل موجّهاً ومسيّراً بالناحية الروحية. فالفعل مادي، ومراعاة الناحية الروحية هي الروح. ولا يوجد فعل روحي. وإنما يوجد فعل يمزج بين المادة – وهي طبيعة الفعل – والروح – وهي الحرص على الناحية الروحية في أشياء الفعل.

    س- ما دامت خاصيات الاشياء ملازمة لها ولا تتخلف عنها، لماذا لا نقول وهي القدر أن القدر جبري؟
    ج- الخاصية كقدر ملازم للشيء يجبرنا على استخدام هذا الشيء وفقاً للخاصية .. هذا صحيح، ولكن أن نستخدم هذه الخاصية في حلال او حرام فلا يوجد جبر لنا في ذلك. وإنما نحن بتمييز عقولنا نستخدم مثلاً خاصية القطع التي تلازم السكين في عمل خير كقتل عدو او في عمل شر كقتل غير عدو. فبإرادتنا نفعل هذا الفعل او ذاك ودون إجبار من الخاصية، وإنما هو مجرد استخدام إرادي لهذه الخاصية بهذا الشكل او ذاك.

    س- وخاصيات الغرائز وحاجات الاعضاء التي لا تتخلف عنها، لماذا لا نعتبرها قدرا جبريا؟
    ج- لأنها هي ايضاً لا تفرض ولا تلزم ولا تجبر الانسان على استخدامها بشكل دون آخر. وإنما هي فقط تيسّر له هذا الاستخدام، وتترك له كامل الخيار في نوعية هذا الاستخدام. فغريزة التدين لا تفرض خاصيتها بالميل التعبدي على الانسان ان يعبد هذا المعبود او ذاك وإنما فقط تدفعه للعبادة. وهو الذي يقرر ماذا يعبد، وكيف يعبد، بناءا على خياراته. فلا يوجد أي جبر في كيفية استخدام الخاصية، وإنما الجبر فقط في ذات وجودها ليس غير.

    س- والغرائز والحاجات العضوية: هل لكل منها خاصية واحدة فقط أم متعددة؟
    ج- هي ايضا متعددة الخواص في كل منها. فغريزة التدين فيها خاصية العبادة والميل للمعبود، وخاصية التقديس والخوف من المقدَّس، فهي تجمع بين خاصيتي الطمع والخوف، "يعبدون الله خوفاً وطمعاً". وغريزة النوع فيها خاصية الميل الجنسي للذكر والأنثى، وبهذا يظهر التزاوج، وفيها خاصية حنان الأمومة والأبوة، وبهذا يظهر التعاطف الأسري. وغريزة البقاء فيها خاصية حب الذات، وبهذا يحاول الدفاع عن نفسه لو تعرضت ذاته للخطر، وخاصية حب المال بجميع أنواعه، وبهذا يركض ويسعى حتى لحظة وفاته، وخاصية حب الوطن، وبهذا يحنّ الى أرض منشأه، او مسكنه ويدافع عنها أمام اي عدوان لاغتصابها. وحاجة المعدة فيها جوعة للطعام وجوعة للشراب ولا تحلّ إحداهما محل الاخرى، وبهذا يسعى للأكل والشرب.

    س- ولكن لماذا تحدثت في العرض عن خاصية واحدة لكل غريزة ولكل عضو؟
    ج- ذلك كان من باب الذكر لا من باب الحصر، والذكر إنصبّ على أبرز الخصائص لكل غريزة ولكل حاجة.

    س- هل هذه الخصائص في الغرائز والأعضاء تتعدد ايضا في المواد الجامدة كالسائلة؟
    ج- نعم، فالحديد مثلا فيه خاصية الصلابة على درجة حرارة معينة، والسيولة على درجة اخرى، وخاصية التفاعل مع مواد دون اخرى ليشكل مادة اخرى لها خواص معينة تختلف عن خواص مادة اخرى تشكلت بتفاعله مع مادة غيرها … وهكذا.

    س- هل للدماغ خاصية التفكير فقط؟
    ج- لا، لأن له خاصية التفكير عند سلامته، وخاصية المركز الحسّي لاستقبال وتوجيه الحواس والمشاعر والحركة بأعصاب منفصلة بعضها عن بعض، حتى لو لم يكن الدماغ سليم التفكير، ما دامت اعضاء تلك المهمات لم تتعطل.

    س- هل كلمة القدر في هذا العرض تعني ما ورد في اللغة والشرع؟
    ج- لا، وانما تعني خاصيات الاشياء، حية وغير حية، التي دبّر الخالق بها هذه الاشياء لتؤدي وظائفها.

    س- هل نفصل بين إلهام النفس و هداية الانسان أم هما شيء واحد؟
    ج- لا شك أنهما شيئان مختلفان. لأن إلهام النفس بالتمييز بين الفجور والتقوى، وبين الشر والخير، هو الخاصية التي قدّرها الله في النفس البشرية. ولما كان موضع التمييز في النفس هو العقل فتكون هذه الخاصية هي للعقل من دون غيره في النفس.
    صحيح ان الشعور والعاطفة والوجدان هي الفطرة في النفس الإنسانية، ولكن هذه الفطرة لم تعطَ خاصية التمييز.
    هذا بالنسبة للتمييز كخاصية للعقل، اما الهداية للإنسان فهذه كما قال تعالى "وهديناه النجدين" و "إنا هديناه السبيل، إما شاكراً وإما كفوراً" قد تحققت عندما انزل الله الهداية على رسله، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس باتّباعه وبيّن لهم في خاتم الرسالات ان طريق الخير في طاعة أوامر الله ونواهيه، وطريق الشر في عصيانهما. فالهداية منـزلة والإلهام مودَع، ولولا إنزال الهداية لما أحسن استخدام الإلهام، ولولا الإلهام لما أمكن معرفة الهداية.

    س- هل تحرّك الإشباع في الغرائز والحاجات العضوية منفصل عن تمييز العقل عند القيام بالفعل؟
    ج- قد ينفصلان وقد يتصلان، وهذا تابع لمدى جعل الميل في الغريزة او الحاجة العضوية مرتبطاً بما استقر في العقل من أفكار ومفاهيم ومقاييس وقناعات، بعد أن تمت عملية تمييزها وإدراكها من قبل، وتأكدت ممارساتها وإثباتاتها مرات ومرات.

    س- ما معنى "فألهمها فجورها وتقواها" إذن؟
    ج- الإلهام هنا يعني ايداع القدرة بأن أودع سبحانه في النفس خاصية القدرة على عمل الشر وعمل الخير دون إجبار على أي منهما.

    س- كيف تمارس الغريزة وظيفتها في الحياة؟
    ج- إنها تدفع صاحبها الى اشباع جوعاتها وذلك مثلا عندما تثار غريزة التدين بالتفكير في عظمة الخالق المعبود سبحانه فانها تميل نحو عبادته فتدفع صاحبها لهذه العبادة، وهو يحدد بما يختزنه في دماغه من معتقدات نوعية وشكل الاستجابة. وغريزة البقاء عندما تثار بتهديد الذات فانها تميل للدفاع عنها فتدفع صاحبها لاتخاذ الموقف الدفاعي فيتدخل صاحبها بما يختزنه في دماغه من معتقدات وخيارات ويحدد نوع ومقدار الدفاع. وغريزة النوع عندما تثار، سواء من حيث جوعة الجنس او جوعة الحنان، وسواء كانت الإثارة بالمشاهدة الحسية او العقلية، فان صاحبها يميل نحو عنصر الاثارة فتدفع صاحبها بهذا الميل للاستجابة للاشباع، فيتدخل صاحبها بما له من معتقدات يختزنها في دماغه ليحدد نوع وشكل الاستجابة .. وهكذا.

    س- إذن أين الخير والشر، والحلال والحرام، في الممارسات الغريزية؟
    ج- يكون الخير والحلال عندما تتدخل معتقدات صاحب الغريزة، اذا كانت معتقدات وافكار اسلامية، فتوجّه الدفع للاشباع ليكون اسلامياً. ويكون الشر والحرام، عندما تكون المعتقدات غير اسلامية، او اسلامية ضعيفة لا تملك قوة الضبط والتوجيه لدى صاحبها. لذلك يحتاج صاحب المعتقدات أن يسقيها دائماً من رعايته وعنايته، حتى لا تضعف وتذوى وتسقط ويحلّ محلها غيرها. كيف لا والانسان لا يملك الا ان يسير سلوكه بنوع من المعتقدات، ولا يبقى هذا النوع ثابتاً على حال معينة، وبمستوى معين، الا بمقدار ما يحرص صاحبه عليه بالرعاية والعناية. وإلا فما معنى قوله تعالى "فذكّر إن نفعت الذكرى". فهذا بالطبع في حق من اختلّت معتقداتهم فلم تعد الذكرى ذات مردود طيب مضمون لديهم. وأما قوله تعالى "وذكّر فان الذكرى تنفع المؤمنين" فقد قرر المضمون الطيب والمردود الجيد في حق من يحتفظ بإيمانه ويستجيب تبعاً لذلك للتذكير.

  12. #12
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي






    عقيدة القضاء والقدر
    الندوة الرابعة

    العرض:
    بعد أن أشرنا في الندوة السابقة الى دور المشاعر في إحداث الأفعال من الانسان، وانها من حيث وجودها مجرد خواص مقدرة لا انفكاك منها، ولكن من حيث تدخّلها في إيقاع الفعل ليس لها الا الدفع او الميل اليه، والانسان صاحبها هو الذي يستجيب لهذا الميل او لا يستجيب، وبهذا الشكل او ذاك، الأمر الذي يقودنا للحديث حول تحديد المسؤولية في ذلك كله: فهل المسؤولية بايجاد الميل لدى الانسان، أم ان المسؤولية والمحاسبة هما على إحداث الفعل استجابةً لهذا الميل؟

    للاجابة على هذا التساؤل نقول: لقد أوضحنا أن ذات الميل ووجوده الملازم لكل غريزة او حاجة عضوية هو القدر. وهذا يعني ان الله وحده هو الذي خلقه في الانسان، فلا دخل للانسان في ذلك، وبالتالي لا حساب ولا مسؤولية في وجوده على احد من البشر وإنما ذلك كله جرى بحكمة الله وحده ومن تدبيره سبحانه لخلقه وهو القائل "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" – الآية 23 من سورة الأنبياء -. وعليه فان المسؤولية وما يتصل بها من محاسبة تبقيان محصورتين بإحداث الفعل او تركه "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" – الآيتان 7 و 8 من سورة الزلزلة -. فعندما خلق الله الغرائز وحاجات الاعضاء والاشياء جعل في كل منها خاصيتها التي تتميز بها عن غيرها لكي تؤدي مهمتها في الحياة على الوجه الذي قدّر لها. فهي تبقى مجرد طاقة جاهزة للاستعمال تحت الطلب.
    وعندما خلق الله الانسان، وخلق له الغرائز والحاجات العضوية خلق له العقل، وخلق فيه خاصية التمييز. وأعطاه القدرة على أن يختار بين القيام بالفعل او تركه. وترك له الارادة بالفعل او الترك. فلا الاشياء في ذاتها تلزم بفعل او ترك، ولا الغرائز في ذاتها تلزم بذلك، ولا الحاجات العضوية في ذاتها تلزم بذلك ايضا، ولا الخاصيات في أي منها تلزم بذلك اولاً وأخيراً. ومن هنا كان للانسان كامل الاختيار بين القيام بالفعل وإحداثه في الواقع وبين تجنب ذلك. وذلك من خلال تدخل خاصية التمييز التي وهبها الله وقدّرها للعقل الانساني. وبالتالي ترتيب المسؤولية والمحاسبة على الانسان عندما توجد لديه هذه الخاصية، أي انه سبحانه وتعالى قد رتّب الثواب على فعل الخير الذي يقوم به الانسان لأن عقله بتمييزه يختار القيام به، تنفيذاً لأوامر الله واجتناباً لنواهيه. كما رتّب سبحانه العقاب على فعل الشر الذي يقوم به الانسان لأن عقله بتمييزه يختار القيام به مخالفاً لأوامر الله ومستجيباً لدوافع الغرائز والحاجات العضوية على غير الشكل الذي حددته أوامر الله ونواهيه.

    وهنا يبرز أمامنا التساؤل التالي: بعد أن أصبح واضحاً دور الغرائز وحاجات الاعضاء والاشياء في إحداث الافعال او تركها من خلال خصائصها، وأن ذلك مرتبط بإرادة الانسان واختياره القائم على خاصية التمييز الموهوبة للانسان، نتساءل عن صلة ذلك كله بمسألة القضاء والقدر، من جهة، وتأثير علم الله وارادته ومشيئته في ذلك، من جهة ثانية، وأثر ذلك في حياة الانسان، من جهة أخيرة ؟؟؟

    أما صلة الغرائز والحاجات العضوية والاشياء، وما في كل منها من خاصيات، والعقل وما فيه من خاصية، بمسألة القضاء والقدر كجزء من عقيدة المسلم وإيمانه، فهي ان الله تعالى قد خلق هذه كلها، وأن الانسان لا أثر له في هذا الخلق، وما عليه الا ان يؤمن بذلك من باب إيمانه بأنه تعالى "لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون". وبهذا تكون الخاصية المخلوقة في كل واحدة منها كقدر لها لا أثر للانسان في وجودها ولكن أثره يظهر باستعمالها على وجه معين، أي بأعمال معينة. وهذه الاعمال إما ان تكون مسيطرة عليه ولا إرادة له في إيقاعها، سواء كانت مما يقتضيه نظام الوجود أم لا، او يكون هو مسيطراً عليها. فاذا كانت من المسيطرة عليه كانت هي القضاء. وهكذا يظهر ان القدر هو الخاصيات المخلوقة في الاشياء والعقل والغرائز والأعضاء البشرية الاخرى. وأن القضاء هو الاعمال التي تقع إما ضمن نظام الوجود او لا، من الانسان او عليه، دون ارادة منه، وذلك وفقاً للخاصيات المقدرة في هذا الوجود. فالقدر يُعِدُّ الاشياء بجميع انواعها في هذا الوجود للاستعمال، والقضاء يفرض على الانسان ان يستعملها على وجه معين دون ارادة منه، دون ان يستطيع جلبها ولا دفعها، فهو إذن غير مسؤول عنها ولا محاسب عليها ما دامت خارجة عن ارادته واختياره. وأما عندما يستخدمها بارادته واختياره، أي على الوجه الذي يريده ويختاره، فانه يكون مسؤولاً عنها ومحاسباً عليها "كل نفس بما كسبت رهينة"، "كل امرئ بما كسب رهين" ، "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
    وبهذا تظهر صلة مسألة القضاء والقدر بذلك، وأما علم الله وإرادته ومشيئته وصلتها بمسألة القضاء والقدر، فان علم الله سبحانه الذي تشير اليه العديد من النصوص فانه يعني إحاطته سبحانه المطلقة بكل الوجود، وما يقع فيه من أعمال، سواء كان حدوثها بارادة الانسان او بغير ارادته. فلا علاقة للعلم بوجود الاشياء من حيث الإيجاد، لأن هذا مرتبط بالخلق لها، وإنما علاقته بها من كونها ستوجد وموجودة وينتهي وجودها بشكل كذا ووقت كذا. وأما ارادته او مشيئته سبحانه التي تشير اليها نصوص اخرى فانها تعني انه لا يوجد ولا يقع شيء مهما كان نوعه، ولا خاصية لشيء مهما كان وضعها، في هذا الوجود، الا ويكون وجوده او وقوعه ليس بالرغم من الله سبحانه، سواء كان الفعل من القضاء والقدر الذي لا ارادة للانسان فيه او من الافعال الاختيارية التي تصدر وفق ارادة الانسان. فلا علاقة للارادة الربانية بوجود الافعال الجبري الا تلك الداخلة في اطار القضاء والقدر، وذلك من باب كونها توجد بأمر الله سبحانه ودون ارادة واختيار من الانسان. وأما الافعال الداخلة في ارادة الانسان فارادة الله بالنسبة لها من باب كونها لا تقع جبراً عن الله سبحانه لأن ارادته تعالى مطلقة وتملك التدخل، كما هو في شأن القضاء، فتمنع الفعل المراد من الانسان او تفرض وقوعه على شكل آخر، وكونها لم تتدخل وتركت للانسان ان يوقع الفعل او يتركه فقد فعل الانسان الفعل بارادته وبإذن الله تعالى في آنٍ واحد. وهنا تظهر صلة القضاء والقدر بعلم الله وارادته ومشيئته.

    وأما أثر مسألة القضاء والقدر على حياة الانسان فانه عندما تصبح حقيقة الاشياء وخصائصها بجميع انواعها وأحوالها واضحة مفهومة للانسان يدرك ما له وما عليه. ويعرف ما يجب ان يكون موضع ايمان وتصديق واعتقاد، وما يجب ان يكون موضع عمل وفعل. فينطلق في هذه الحياة غير هيّاب ولا وجل ليملك ناصية الاشياء ويستخدمها بكل ما تسمح به او يمكن ان يُكتشف من سماحها، وذلك وفقاً لأوامر الله ونواهيه ودون ان يسمح لتدخل الأمور الغيبية في إقدامه للحصول على النتائج بأسبابها وفقاً لهذا الناموس والنظام الذي وضعه الله لهذا الوجود، معتمداً في ذلك على ما وهبه الله من قدرات على إدراك الاشياء وخصائصها، ومتوكلاً عليه سبحانه ليعينه في هذه الحياة الدنيا على ضعفه ليتمكن من المزيد من المعرفة للأشياء بكل انواعها، وخصائصها بكل اصنافها، وبالتالي المزيد من العطاء والإعمار في هذا الكون. وهنا يظهر مدى أهمية وضوح مسألة القضاء والقدر في حياة المسلم من أنها ستكون عامل دفع قوي جبار له، وليس عامل كسل وقعود عن العمل والإعمار.


    المناقشة:

    س- من اين تأتي ارادة الانسان للقيام بفعل معين او تركه؟
    ج- ان الميل لاشباع غريزة او جوعة عضو يدفع للقيام بفعل يؤدي الى هذا الاشباع. ولكن هذا الميل او الدفع للفعل لا يحدد نوع الفعل ولا مقداره ولا وقته، وإنما هو مجرد دفع لفعل للاشباع. ولأن في خاصية الميل نفسها عدم الإلزام بفعل معين، فانه يبقى لدى صاحب الميل خيارات متعددة ليختار بين فعل وآخر. وهذا الاختيار ليس من طبيعة الميل وإنما من قدرة او خاصية التمييز الموهوبة للعقل. فهي التي تطرح هذه الخيارات وتبين الفروق فيما بينها، وتدعو بما يختزنه العقل المميز من معتقدات للإقدام على خيار من بينها دون الأخرى. ومن هنا تتشكل ارادة الانسان: فهي دفع الميل للإشباع دون تحديد لعمل معين يحقق هذا الاشباع، وتدخل من تمييز العقل لتحديد نوع معين من الاعمال المطروحة والمحققة لهذا الاشباع.

    س- إذن لا صلة لإرادة الانسان بغير اشباع غرائزه وحاجاته؟
    ج- من حيث الميول ودوافعها، هذا صحيح. ولكن الارادة لا تتشكل من ذلك فقط وإنما بعد ضبط الميول والدوافع وتوجيهها وجهة معينة بما يختزنه العقل من معتقدات، يستخدمها عندما يمارس خاصية التمييز الموهوبة له في تحديد اي الافعال يقدم عليه لتحقيق الاشباع وأي الافعال يتجنبه. ومن هنا كان للاشباع دور أولي في تشكيل الارادة، ولكنه يبقى حبيساً حتى يخرج في وضع معين ولون معين حدّدته الافكار والمعتقدات المختزنة في الدماغ، تحت طلب العقل عند التمييز بين الاعمال.

    س- فأين علاقة ذلك كله بأوامر الله ونواهيه؟
    ج- إن اوامر الله ونواهيه هي الافكار والمعتقدات والاحكام التي يختزنها الدماغ تحت الطلب ليمارس العقل مهمته في التمييز بين الافعال الممكنة للاشباع على اساسها، فيوجه الميل لعمل معين تحدده تلك الافكار والمعتقدات والأحكام وترك ما يخالفها. وأما لو حصل العكس فتوجّه الميل لعمل آخر يخالف تلك الأفكار والمعتقدات والأحكام لكان هذا يعني أنها مجرد معارف مختزنة وليست قناعات موجّهة، كتلك التي تكون عن الاسلام لدى الكافر به، فهي لا تجعله يلتزم بها، بل العكس من ذلك فانه يلتزم بعكسها تبعاً لمخزونه من هذا العكس.

    س- فكيف إذن يمكن التوفيق بين ما يختزنه الدماغ من أفكار ومعلومات وبين الاعمال الصادرة عن صاحبه؟
    ج- يتم ذلك بالجمع بين المعلومات والدوافع على لون واحد، وذلك بأن تصبح المعلومات مفاهيم ومقاييس وقناعات لدى الشخص، وتكون دوافعه مرتبطة وموجّهة تماماً بتلك المفاهيم والمقاييس والقناعات. وهذا ما يسمى بوحدة الفكر والمشاعر، أو وحدة العقلية والنفسية، او وحدة الشخصية.

    س- وكيف يؤثر وضوح مسألة القضاء والقدر على اندفاع الانسان المسلم للعمل والعطاء والإعمار؟
    ج- عندما يدرك أن ما قضاه الله من أعمال، وما قدّره من خاصيات، هي موضع اعتقاد وإيمان كجزء من عقيدة المسلم، وأن الأعمال الارادية الخارجة عن القضاء يستحثّها القدر بخاصياته ويستثيرها للمزيد من الإقدام على الاعمال في جميع الميادين الانسانية لمزيد من المعرفة والاستخدامات دون قيود و لا حدود … وأن المسلم يجب ان يعتقد بأن له إرادة تتحداها الخاصيات للإقدام على الإستكشاف والبناء باستمرار.

  13. #13
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي







    عقيدة القضاء والقدر

    التعقيب

    فما هي مسألة القضاء والقدر في حياة المسلم؟

    إن هذه مسألة تدخل في صلب الايمان. لأن المسلم عندما يعتقد بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقه ومدبّره فانه مطالَب بأن يرى مدى هذا التدبير، وحدود مسؤوليته عن الاعمال التي تصدر منه او تقع عليه في اطار هذا التدبير، ليتبين ما له وما عليه، فيستزيد مما له ويتجنب ما عليه.
    فعندما يتضح له ان حدود هذه المسؤولية تقع في اطار الاعمال الارادية، أي التي تقع من الانسان او عليه بارادته، وأنه يتحمل الحساب والعقاب على ما يفعله بارادته واختياره فقط، بينما ما يفعله بغير ارادته واختياره، او يقع عليه بغير ارادته واختياره فانه لا يقع ضمن مسؤوليته ولا يحاسب عليه – عندما يتضح ذلك كله - فانه يطمئن لمدى اعمال القضاء، اي التي قضاها الله بحكمته على عباده، ولمدى خاصيات القدر، أي التي قدّرها الله بحكمته في الاشياء الحية وغير الحية، يتحدد له مدى القيام بالاعمال او تركها، ويطمئن لعدل الله في حسابه وجزائه.

    وهنا لا بد من توضيح معنى تدخّل الارادة الالهية، والمشيئة الالهية، والإذن الالهي، والعلم الالهي، والكتابة في اللوح المحفوظ، في اعمال الانسان/ أي هل لهذه، او لأي منها، أي دور في إلزام الانسان بالقيام بفعل او ترك فعل أم ليس لها ذلك؟

    وللإجابة على ذلك نقول:
    ان من صفات الله سبحانه الكمال المطلق في العلم بكل شيء، والارادة لكل شيء، والمشيئة بكل شيء … فلا يقع في ملكه شيء الا ويعلمه، ولا يقع في ملكه شيء الا بإذنه، او بمشيئته، او بإرادته. ولكن معنى هذا كله أنه لا يقع في ملكه سبحانه شيء جبراً عنه، لأنه سبحانه قادر وقدرته مطلقة على التدخل لمنع وقوع الشيء، وأنه عندما يتركه ليحصل فقد حصل بإرادته وإذنه ومشيئته وفي إطار علمه. وهو سبحانه عندما خلق الاشياء الحية وغير الحية دبّر كلا منها بتدبير خاص، وهي تمارس عملها بهذا التدبير. فعندما يتركها تمارس عملها تكون ضمن ارادته لأنه سبحانه يملك القدرة على أن ينـزع منها هذا التدبير. وهذا التدبير يأخذ طابع الجبر والإلزام بحق الاشياء والمخلوقات الحية غير الانسان، لأنها لم تختص كالانسان بإرادة ذي طبيعة عاقلة. فالانسان الذي أُعطي مع الخاصيات في غرائزه وأعضائه وعقله إرادةً تتشكل لديه مما اختـزنه من معتقدات في عقله وأعماقه، له ارادة وسيطرة على جانب من أعماله يتحمل المسؤولية الكاملة عنها، فيثاب عندما يوجّهها بأمر الله ونهيه، ويعاقب عندما يوجّهها بغير ذلك.

    وعليه فان تلك النصوص الشرعية التي تتحدث عن العلم والارادة والمشيئة والإذن والكتابة لا تعني انتزاع ارادة الانسان ومصادرتها منه. وإنما على العكس من ذلك تبقيها لديه وترتّب على بقائها والمحافظة عليها المسؤولية والمحاسبة. والله تعالى يقول "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" ويقول "ولا يظلم ربك أحدا".

    وأما تهجّم أعداء الاسلام على المسلمين بحجة أن عقيدتهم في القضاء والقدر هي من أهم اسباب قعودهم عن العمل وتخلُّفهم عن الأمم، وأنه لا بد من التخلص من هذه العقيدة حتى يتخلصوا من تخلُّفهم ويسيروا في طريق النهضة والارتقاء … فان هذا التهجم مردود وساقط حتماً بوضوح مسألة القضاء والقدر. وذلك عندما يدرك المسلم تمام الادراك أن الله سبحانه قد خلق هذا الوجود ودبّره بنظام محكم، يقوم على ارتباط النتائج بأسبابها، وأنها لن تتخلف الا اذا كان هو سبحانه فعل ذلك كمعجزة لأحد من الأنبياء. وأما في الحياة العادية وسيْرها فسنّة الله في خلقه هي ارتباط النتائج بأسبابها فمثلا: لا نصر في المعركة دون أخذ أسبابه من الإعداد المادي والروحي. ولا نجاح في امتحانٍ دون دراسة جادة، ولا إنتاجاً زراعياً وفيراً الا بالعناية الزراعية. فعقيدة القضاء والقدر توضح للانسان ان الحياة مفتوحة بجميع مجالاتها أمامه. وانها كلها نتائج رتبها الخالق سبحانه بتدبيره على أسبابها. وأي تقاعس عن الاخذ بالاسباب يعني الفشل في الوصول الى النتائج. ولنا في حياة الرسول عليه السلام خير دليل: فنـزول الرماة عن جبل أُحُد كان سبباً للهزيمة، ونزوله عليه السلام وجيشه على ماء بدر ليشربوا ويمنعوا عدوهم كان عاملا من عوامل النصر، وحفر الخندق حول المدينة كان من اسباب النصر، وحرصه عليه السلام على إسلام احد العمريْن من البحث عن اسباب النصر، وذهابه عليه السلام الى مضارب القبائل يدعوهم ويتقصّد رؤساءهم من طلب اسباب النصر … ففي ذلك – وأمثاله كثير – عمل بالأسباب للوصول الى نتائجها.

    هذا هو الاسلام، وهذا هو ما يقتضيه الفهم الصحيح لعقيدة القضاء والقدر. وأي قعود عن الأعمال بحجة أنها من علم الله منذ الأزل، أو انها من إرادة الله ومشيئته وإذنه، يعتبر من الخروج عن العقيدة الاسلامية الحقّة …
    ويكفي أن نتذكر أنه لو استسلم المسلمون منذ عهد الرسول عليه السلام، وطيلة عهود الخلافة والفتوحات الاسلامية، لمثل هذه النظرة الغيبية، او ما يسمى بالقدرية الغيبية، لما تحققت لهم تلك الفتوحات، ولما انتشر الاسلام في أركان المعمورة بتلك الصورة المذهلة.

    فاتقوا الله ايها المسلمون في عقيدتكم، وخلّصوها مما علق بها من شوائب. واعلموا ان قضاء الله وقدره يقفان بجانبكم ويشدّان من أزركم. فانطلقوا في الأخذ بزمام نهضة أمتكم أولاً ثم إنقاذ شعوب الارض أخيراً. ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتبوءوا بخيبة الدنيا والآخرة … والله وحده الميسِّر لكم تحقيق أهدافكم ما دمتم على يقين بأنه "ولينصرنّ الله من ينصرُه، إن الله لقويّ عزيز" …

  14. #14
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي







    القيادة الفكرية للبشرية
    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية فكرياً


    الندوة الاولى

    العرض:
    ما دام سلوك الانسان مرتبطاً بدوافعه الفطرية الموجهة بأفكاره ومفاهيمه، وما دامت دوافعه نتيجةً لجوعاته الغريزية والعضوية، وأفكاره مع مفاهيمه نتيجةً لقناعاته العقلية، فان هذه القناعات والجوعات هي التي تتحكم في سلوكه، سواء كان فرديا او جماعيا، وسواء كان عابرا أم ثابتاً.
    أما الجوعات بشقّيها فانها لا تتغير ولا تتبدل لدى الانسان كإنسان، وإن تفاوتت في قوة مظاهرها واندفاعاتها. وذلك تبعاً لمؤثرات داخلية او خارجية في الانسان او عليه. وأما الافكار والمفاهيم فانها تتغير وتتبدل تبعاً للحجج والبراهين التي تؤكد القناعات السابقة او تغيرها وتبدّلها.
    ولما كان موضوعنا عن طريقة الاسلام في قيادة البشرية، وهي طريق فكري، كان لا بد من النظر في أشكال التجمع البشري، والعوامل المؤثرة في هذه الأشكال، ومدى رقيّ كل منها وصحّته وملاءمته مع المستوى الانساني السليم.
    ولا بد أن نتذكر أولاً وقبل كل شيء أن غرائز الانسان هي غريزة البقاء وغريزة النوع وغريزة التدين. وأن لكل غريزة مظاهرها المتعددة. فغريزة البقاء تظهر بالدفاع عن النفس وعن البلد والارض التي يعيش فيها او يملكها، وحب السيادة والسيطرة، وغير ذلك من الدوافع والمظاهر. وغريزة النوع تظهر بالميل الجنسي بين الرجال والنساء والحب الأبوي والأموي وغيرها. وغريزة التدين تظهر بالميل للتقديس والعبادة والخشوع والدعاء وغيرها.

    هذه الغرائز بمظاهرها يشترك فيها من حيث الوجود الانسان والحيوان والطير على حد سواء. وإن كنا نلاحظ وندرك وجود غريزتي البقاء والنوع لدى هذه الكائنات الحية من بشرية وغير بشرية، وإن كنا نجزم بوجودها ايماناً بقوله تعالى "ألم ترَ أن الله يسبّح له من في السموات والارض والطير صافات، كل قد علم صلاته وتسبيحه، والله عليم بما يفعلون" – الآية 41 من سورة النور -، وقوله تعالى "تسبح له السموات السبع والارض ومن فيهن، وإن من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليماً غفوراً" – الآية 44 من سورة الإسراء-.
    وعليه فان هذه الدوافع الغريزية والعضوية تشكل الأساس الأول للتحرك الانساني لإشباع جوعاته. ولكنها تخضع لتوجيه المعتقدات والقناعات العقلية التي تحدد لها كيفية هذا الاشباع او ذاك، ومدى الإقدام عليه او الإمتناع عنه. فكلما كانت هذه الافكار سليمة راقية مناسبة للانسان، كلما كان ضبطها وتوجيهها للدوافع الغريزية والعضوية سامياًن، والعكس صحيح. فعندما ينحطّ فكر الانسان تتحكم فيه الدوافع الغريزية المناسبة لهذا الإنحطاط. وفي ميدان حديثنا عن الروابط الانسانية فان الانحطاط الفكري يوجد بين الناس الترابط الذي تدعو اليه غريزة البقاء من خلال الحرص على الدفاع عن النفس، وبالتالي الدفاع عن المكان الذي يساعد على الحفاظ على النفس، وعن الارض التي ارتبطت بها النفس، وعن البلد التي ترعرعت في جنباتها النفس. وهذا الترابط هو ما يسمى بالرابطة الوطنية. والملاحظ ان هذه الرابطة يشترك فيها الانسان والحيوان والطير، وانها لا تظهر الا عند تعرض النفس والارض والبلد للخطر سواء بالهجوم او الإستيلاء، وتختفي بعد ذهاب هذا الخطر. ولذلك يمكن القول ان هذه الرابطة لا تليق بالانسان أن يتخذها في تجمّعه سبباً طالما كانت منخفضة، وعاطفية ومؤقتة.
    وأما اذا كانت الافكار التي توجه الدوافع الغريزية والعضوية ضيقة الأفق، بأن تكون غير شاملة للناس كافة، وإنما محصورة في اطار الترابط العائلي او القبلي او القومي، فان غريزة البقاء تتحكم في الترابط من خلال دافع آخر من دوافعها، ألا وهو حب السيادة. بحيث يدفع صاحبه للعمل في سبيل أن يكون رئيساً على عائلته او على قبيلته او على قومه، تبعاً لمستوى التفكير عنده. إذ كلما إتّسع تفكيره أتّسع حبّه للسيادة. فيكون سيادة لقومه على غيرهم عند أوسع مجالات هذا التفكير الضيق غير الانساني. وبهذا توجد الرابطة القومية بين الناس. وهي رابطة تغلب عليها العصبية والهوى والمخاصمات. فتظهر عدم صلاحيتها للمستوى الانساني، طالما كانت لا توجد الترابط الراقي بين الناس، وتعتمد على العاطفة الغريزية المتقلبة، ولا تتخذ طابع الدوام والاستقرار اللازمين للترابط البشري.
    وأما اذا كانت الافكار لا ترى سبباً للترابط البشري غير المصلحة، وأنه حيثما وجدت للانسان مصلحة مع غيره كانت بينهما رابطة، واذا انتفت انتفت الرابطة، فانها ستؤدي بأي تجمع بشري يقوم عليها الى التمزق والضياع، ولا سيما انها ستعصف بها اشكال من المساومات وتباين المصالح. ولذلك يلاحظ ان التجمعات المعاصرة التي تتحكم بها الافكار المصلحية في الغرب والشرق تحرص على جعل هذه المصالح مرتبطة بأفكار مبدئية أي مرتبطة بعقيدة ونظام للحياة يجمع بني المجتمع فيما بينهم. ولا ننسى ان مثل هذه الرابطة المصلحية الخطرة المدمرة لكل تجمع بشري تحركها غريزة البقاء ايضاً بحب الذات وحب التملك. ولذلك كانت غير صالحة لترابط بني البشر بل خطرة عليهم، كما لا ننسى ان الغرائز كلها قد تتدخل فيها.
    وأما اذا انفردت غريزة التدين بالميل للتقديس والعبادة، ودفعت الانسان للتدين دون اهتمام بالحياة وشؤونها، أي دفعته للإنصراف للناحية الروحية دون أي اهتمام بشؤون الحياة وتنظيمها فانها تكون رابطة روحية. فينصبّ تفكير الانسان على توجيه كل طاقاته للعبادة ويشلّ كل جوانب الحياة الاخرى. مما يحكم عليها بأنها لا تصلح للترابط بين ابناء المجتمع الواحد. كما هي العقيدة النصرانية التي لم تصلح للربط بين الشعوب الاوروبية مع أنها تعتنقها. ولا بد حتى تكون الرابطة صحيحة من أن تشمل كل بني البشر، وأن تكون ثابتة دائمة ومستقرة، وأن تقدم تنظيماً لجميع جوانب حياة البشرية.

    فأين هي هذه الرابطة الصحيحة ما دامت كل الروابط الأربعة السابقة غير صحيحة؟
    هذا ما سنقف عليه في الندوة التالية من هذا الموضوع.

    المناقشة:

    س- ماذا تعني عبارة القيادة الفكرية؟
    ج- هي قيادة الناس من قبل فرد او جماعة من خلال قناعاتهم ومعتقداتهم وأفكارهم، وليس بالحديد والنار.

    س- وكيف ذلك؟
    ج- بأن يعتنق الناس عقيدة عقلية واحدة فيكونون في معظمهم – إن لم يكن بأجمعهم - موجهين بنفس التوجّه في نظرتهم للحياة وتنظيم شؤونها بحيث لا يترددون في طاعة من يتولى أمرهم بنفس توجهاتهم.

    س- وما علاقة هذه النوعية من القيادة بالغرائز والاعضاء البشرية؟
    ج- ما دامت القناعات العقلية لا تتم لدى الانسان بشكل عميق في النفس الا بعد الاطمئنان للحجج والبراهين المتعلقة بشأنها، فانها لا بد أن تكون موافقة للفطرة الانسانية المشتملة على الدوافع والميول الناتجة عن الجوعات الغريزية والعضوية، كما أسلفنا في ندوات سابقة حول الايمان.

    س- ولكن قيادة الجماعات والمجتمعات تختلف عن قيادة الافراد؟
    ج- نعم، هذا صحيح. ولكن حديثنا هنا يشمل الطرفين، فالفرد - وهو الركيزة الاولى لكل جماعة ومجتمع – يضبط سلوكه وتصرفاته ومعاملاته بقناعاته ومعتقداته الفكرية. ومتى التقى في ذلك مع آخرين، شكلوا جماعة سرعان ما تصبح مجتمعاً متى عاشت على تلك الافكار والمعتقدات في تنظيم شؤون حياتها.

    س- هل صحيح ان الانسان حيوان اجتماعي؟
    ج- هذا غير دقيق. لأنه اذا قصد بالحيوان الجسد بما فيه من أعضاء ووظائفها في الحياة، وما فيه من غرائز وميولها، فان هناك تشابهاً في أشياء واختلافاً في اشياء، ووجوداً وعدم وجود في اشياء اخرى. فلو تشابه الانسان والحيوان في تركيب الجسد من حيث الدم واللحم والعظم والاعصاب، فانهما يختلفان في قيمة الغرائز ومظاهرها في الحياة. ويوجد العقل والادراك العقلي لدى الانسان، ولا يوجد هذا النوع لدى الحيوان، وإنما يوجد لديه ادراك شعوري غريزي فقط. وأما "الاجتماعي" فالحيوان فيه هذه الصفة اذا قصد بها اجتماع الجنسين المذكر والمؤنث للتوالد والإبقاء على النوع. واما اذا قصد بها اجتماع الافراد لتشكيل جماعات ومجتمعات فذاك لها وإن تفاوت حاله او شكله عما لدى البشرية. وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في الآية الثامنة والثلاثين من سورة الأنعام إذ يقول "وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم". والمثلية هنا هي مثلية التجمع، وليس نوعيتها.

    س- ما دامت الدواب والطيور أمماً كالبشر، فلماذا نرفض نوع المثلية؟
    ج- لأن الترابط بين الدواب والطيور قائم على الادراك الغريزي، بينما الترابط بين البشر قائم على الادراك العقلي.

    س- لكننا نسمع من علماء النفس والاجتماع من يقول أن للدواب والطيور إدراكاً كالانسان؟
    ج- صحيح أن لديها ادراك كما لدى الانسان إدراك. ولكن نوعية الادراك تختلف لدى الانسان عما لدى الطيور والدواب. وهذا ما أوضحناه في ندوات سابقة من أن دماغ الانسان فيه قابلية الادراك والعقل، في حين لا يوجد مثل ذلك في دماغ الدواب والطيور. فإدراكها مرتبط بوظائف غرائزها وحواسّها، أي انه إدراك شعوري ليس غير.
    س- لماذا نصف فكر الانسان بالإنحطاط عندما توجّه سلوكَه غرائزُه وعواطفُه؟
    ج- لأن السلوك الغريزي يليق بالدواب والطير. بينما المفروض في الانسان ان يرتقي سلوكه ليكون وفقاً لأفكاره التي تميزه عنها والتي توجّه الغرائز ولا توجهها الغرائز والعواطف.

    س- ولكن لماذا وصفنا الفكر بالضيّق عند نشوء الرابطة القومية بين الناس، بينما وصفناه بالانحطاط عند نشوء الرابطة الوطنية، مع أن كلا منهما تتحكم فيه غريزة البقاء؟
    ج- صحيح أن منشأ الرابطتين غريزة واحدة هي غريزة البقاء. ولكن بدافعين ومظهرين مختلفين لنفس الغريزة. فمع انحطاط الفكر او انخفاضه يتبع السلوك الانساني الميل للدفاع عن النفس والارض والبلد. ومع ضيق الفكر يتبع السلوك الميل لحب السيادة، وعندما يحب السيادة لنفسه كفرد دون جماعته فان فكره يكون منحطاً ومنخفضاً، ولكن عندما يتّسع حب السيادة ليراه لعائلته وقبيلته فان فكره يكون أكثر ارتقاءاً، وعندما يتّسع أكثر ليراه لقومه فانه يكون ضيقاً، وعندما يتّسع أكثر فأكثر ليراه لأمته بما تحمل من افكار وعقائد فانه يكون راقياً وابتعد عن كونه غريزياً واصبح، أي حب السيادة، غير تسلّطي وإنما إنساني.

    س- لماذا تنشأ المخاصمات بين أصحاب الرابطة القومية؟
    ج- لأنها عندما تكون في مستواها المنخفض يحب الفرد السيادة لنفسه على أسرته فيتخاصم من أفراد الأسرة والعائلة الآخرين. وعندما تكون في مستواها الضيق تحب كل قبيلة او قوم السيادة لنفسها على القبائل او الأقوام الاخرين فينشب الصراع فيما بينهم.

    س- ولكن متى تنتهي هذه المخاصمات بين التجمعات البشرية؟
    ج- عندما يقودها فكر عقائدي انساني، أي يريد الخير والإرتقاء للانسان كإنسان بغض النظر عن اي اعتبار آخر.

    س- ولكن أصحاب الفكر الوطني والفكر القومي يرون أن فكرهم إنساني؟
    ج- ما يرونه غير الواقع والحقيقة. وإلا لما وصف الفكر بهاتين الصفتين الناطقتين بعدم الشمول لجميع الأوطان وجميع الأقوام. بينما الفكر الشامل للانسانية لا تحدّه حدود الوطن ولا حدود القوم.

    س- والرابطة المصلحية: هل هي نوع من الفكر المنخفض او الضيق ؟
    ج- إنها تتبع لنوع المصلحة. فان كانت مصلحة ناشئة عن دوافع غريزية لا توجهها معتقدات لخير الانسان كإنسان، فانها إما ان تكون منخفضة كالوطنية والدفاع عن النفس وعن الارض وعن البلد وعن المال، وإما أن تكون ضيقة كالقومية وحب السيادة على القوم والأقوام الآخرين. وأما إن كانت ناشئة عن فكر عقائدي لخير الانسان بغض النظر عن وطنه وقومه، فانها تكون مصلحة راقية، ويكون الفكر المبدئي الذي يحددها هو الرابطة.

    س- والرابطة الروحية: لماذا اعتبرت غير صالحة هي ايضاً؟
    ج- لأن الترابط بين البشر لا يكون الا بما يليق بالبشر، من حيث الادراك العقلي، وبما يشمل جميع شؤون الحياة وليس شأناً واحداً فقط، وبما لا تحدّه حدود الارض والقوم، وإنما حدود الانسان ليس غير. ولما كانت الرابطة الروحية تقف عند التدين من شؤون الحياة ولا تتعداه لغيره كانت خطرة ومدمرة للحياة.

    س- ما دامت غريزة البقاء توجد الرابطة الوطنية عند انحطاط او انخفاض الفكر، وتوجد الرابطة القومية عند ضيق الفكر، فلماذا توجد عند إتّساع الفكر وشموله؟
    ج- عند إتّساع الفكر وشموله يرى الانسان البقاء لكل ما يشمله ويسميه الفكر، فيحصل لديه ما يسميه بسموّ الغريزة، أي بانقيادها للفكر العقائدي الشامل للانسانية والتخلص من إسار الشهوات الحيوانية الآنية.

    س- وأين هو تأثير غريزة النوع في الروابط بين البشر؟
    ج- إنها تنشئ الترابط الأسري.

    س- وأين هي غريزة التدين ايضا في الترابط بين البشر؟
    ج- إنها تنشئ الرابطة الروحية.

    س- وكيف يستطيع الانسان أن يحقق السموّ في غرائزه الثلاثة هذه ليوجد الرابطة الصحيحة التي تليق به كإنسان وتشمل بني البشر جميعاً؟
    ج- عندما لا يترك غرائزه تتحكم في سلوكه مع غيره لأي دافع من الدوافع، وإنما يوجّه غرائزه بالفكر العقائدي الذي يستهدف الانسان أينما وجد، وفي اي وقت وجد، وبحيث يقدم الحلول لكل شؤون حياته وليس لشأن واحد فقط.

    س- وهل من أمثلة على هذا الفكر العقائدي الانساني؟
    ج- نعم. إنها المبادئ الثلاث: الاسلام والرأسمالية والاشتراكية الشيوعية. فهي تقدم هذا الفكر العقائدي الانساني بغض النظر عن الصحة والخطأ فيها وفي معالجاتها، والتي سنأتي على بيانها في الندوات القادمة إن شاء الله.

  15. #15
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي




    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية
    الندوة الثانية

    العرض:
    إنتهينا في الندوة الاولى الى التساؤل عن وجود الرابطة الصحيحة بين بني البشر، والتي تمتاز بأنها قائمة على عقيدة عقلية وليس على ردود فعل غريزية، وأنها تقدم الحلول الشاملة لجميع مشاكل الانسان حيثما وجد، ومتى وجد، ولا تكتفي بمعالجة شأن واحد من شؤونه في ظروف معينة … إنها الرابطة المبدئية.

    والسؤال الآن:
    ماذا تعني هذه النسبة للرابطة بأنها مبدئية؟
    وللاجابة نقول: ان المبدأ، أي مبدأ، هو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام لجميع شؤون الحياة. وكما سبق أن أوضحنا في بحث "الطريق السليم للايمان السليم" فان العقيدة هي الفكرة التي توضح حقيقة الوجود من كون وانسان وحياة، وحقيقة ما قبل هذه الحياة الدنيا، وما بعدها، وعلاقتها بما قبلها وما بعدها. فان كانت فكرة العقيدة كما في الاسلام، فانها ترى ان الوجود مخلوق لله تعالى وهو سبحانه المدبّر له بتدبيره، وان ما قبل هذه الحياة هو خالقها ومدبّرها ليس غير، وأن ما بعدها هو يوم الجزاء على ما اجترح الانسان من افعال حيث يجزى إما بالجنة او النار، وأن علاقتها بما قبلها، أي خالقها، هي علاقة الخلق والايجاد والتدبير، وعلاقتها بما بعدها الحساب على الافعال والمعتقدات في هذه الحياة. وأما إن كانت فكرة العقيدة كما في الرأسمالية الديمقراطية او الاشتراكية الشيوعية، فانها تختلف عن ذلك تماماً، كما سيأتي بيانه في ندوات قادمة إن شاء الله.

    هذا بالنسبة للعقيدة، وأما بالنسبة للنظام المنبثق عنها فهو مجموعة الأنظمة التي تعالج جميع مشاكل الانسان، وتبين كيفية تنفيذ تلك الانظمة، وكيفية المحافظة على العقيدة نفسها سليمة نقية مما يحتمل ان يلحق بها من شكوك، وكيفية حمل المبدأ للناس كافة.

    فماذا نسمي العقيدة كفكرة شاملة، والانظمة كأفكار تفصيلية لشؤون الحياة؟ إننا نسميها فكرة المبدأ.
    وماذا نسمي الكيفيات الثلاثة لتنفيذ انظمة العقيدة والمحافظة عليها وحملها؟ إننا نسميها طريقة المبدأ.

    وهذا يعني ان المبدأ، أي مبدأ، هو مجموع الفكرة والطريقة الخاصتين به. ولكن كيف ينشأ أي مبدأ ويوجد؟
    بالطبع إن نشوء المبدأ لا بد أن يحصل في ذهن انسان وذلك بإحدى طريقتين: إما بالوحي اليه من الله وأمره بتبليغه، وإما بإدراك عبقري لديه. فان كان موحى به من الله الآمر بتبليغه فهو المبدأ الصحيح لانه جاء من الخالق المدبر لهذا الوجود. وإن كان من عبقرية ذهنية فهو باطل لانه جاء من عقل يعجز عن إدراك الوجود ويقدم انظمة فيها التفاوت والاختلاف والتناقض والتأثير بالبيئة، كما سبق أن أوضحنا، مما يؤدي الى شقاء البشرية. وهذا يعني ان المبدأ الموحي به من الله هو الصحيح في عقيدته وفي نظامه، بينما المبدأ الوضعي هو الباطل في عقيدته ونظامه.

    وقبل أن نوضح سبب وجوب اشتمال المبدأ على فكرة وطريقة، وإلا لا يجوز أن يطلق عليه هذه التسمية، لا بد أن نتساءل عن هذه التسمية نفسها من أين جاءت؟

    إن كلمة مبدأ لغةً تعني مصدر الابتداء، وهي في مجال بيان حقيقة الوجود في مصدره ومصيره و صلته بهما تعني مصدر بدء هذا الوجود و صلة هذا الوجود به. وهذا يعني الفكرة الشاملة للوجود وما تقدمه هذه الفكرة من انظمة للحياة. وهكذا أطلقت كلمة مبدأ على الفكرة الشاملة وأنظمتها، أي على العقيدة ومعالجاتها. أما لماذا لا بد من وجود الفكرة والطريقة حتى يوجد المبدأ مجرد وجود في الواقع، ولا بد من الطريقة بالذات حتى تجعل المبدأ موجوداً بشكل حتمي في واقع الحياة، فذاك ظاهر من كون المبدأ هو الفكرة والطريقة بحيث اذا وجدت فكرة شاملة عن الوجود وطريقة لهذه الفكرة فان المبدأ يصبح موجودا في ذهن صاحبه. وأما ان ينتقل من الذهن والتفكير الى واقع الحياة والممارسة والتطبيق فلا بد من الطريقة كسبيل وحيد تتخذه الفكرة الشاملة الكلية لتنـزل الى معترك الحياة. واذا نقص جانب من جوانب هذه الطريقة الثلاث، ألا وهي كيفية التنفيذ وكيفية المحافظة وكيفية الحمل للدعوة، فان الخلل يتطرق الى قيمة الفكرة في الحياة ومدى شموليتها وقدرتها على تقديم الحلول لجميع الشؤون الحياتية، الأمر الذي ينقلها من فكرة عملية الى فكرة فلسفية خيالية.

    هذا بالنسبة لمجرد وجود المبدأ كمبدأ، من ناحية، ولعمليته في الحياة، من ناحية اخرى، ولكن هل وجوده وعمليته كافيان للحكم عليه بالصحة؟
    للاجابة على هذا التساؤل نقول:
    ان صحة المبدأ او بطلانه مرتبطة بعقيدته، لأنها الاساس الذي تنبثق عنه الانظمة لشؤون الحياة. فإن صلح الاساس صلحت الانظمة، والعكس صحيح. ولكن من أين تجيء صحة عقيدة المبدأ.
    سبق أن أوضحنا في بحث "الطريق السليم للايمان السليم" أن صحة العقيدة آتية من كونها تتفق مع فطرة الانسان ومبنية على العقل. واذا لم يتحقق هذان الشرطان فهي عقيدة باطلة. ومعنى اتفاقها مع الفطرة هو كونها تقرر ما في الفطرة الانسانية من عجز و حاجة للخالق المدبر، فهي توافق غريزة التدين ولا تنكرها او تتجاهلها. ومعنى بناؤها على العقل هو أنها غير مبنية على المادة، كما سنرى في الاشتراكية الشيوعية، ولا على الحل الوسط، كما في الرأسمالية الديمقراطية.

    المناقشة:

    س- من أي منطلق يجري تحديد الصحة والخطأ في الروابط؟
    ج- من قواعد محددة وهي المرتكزات التي تليق بالانسان كإنسان، وتناسب تجمّعه وتصلح للسير به في طريق الرقي والنهضة.

    س- ما هي هذه القواعد والمرتكزات؟
    ج- أن تكون الرابطة عقلية وليست عاطفية غريزية، وأن تكون دائمية لكل زمان ومكان وليست مؤقتة، وأن تقدم حلولاً شاملة لجميع شؤون الحياة وليس لشأن واحد فقط.

    س- ولكن الانسان عاطفي كما هو عقلي؟
    ج- هذا صحيح، ولكن العاطفة الانسانية وإن اختلفت عما لدى الحيوان من شعور فانها متقلبة مما لا يقيم عليها ترابطاً بين بني البشر.

    س- ولكن كيف فصلت بين العاطفة والعقل في الانسان؟
    ج- العقل هو وظيفة الدماغ ولا تتم عمليته الا بنقل الواقع الى الدماغ عن طريق الحواس وتفسيره في ضوء ما يختزنه الدماغ من معلومات حوله. فالحواس هنا هي واسطة للجمع بين الواقع المنقول والمعلومات في الدماغ. وأما العاطفة فهي وظيفة الغرائز. والحواس لها دورها الكبير في إثارة الغرائز لتظهر عليها العواطف والمشاعر، كما أن التفكير له دور آخر. ويمكن للعقل والعاطفة ان يسيطر أحدهما على الآخر ولكن لا يمكن الفصل بينهما.

    س- لقد تم توضيح معنى العقيدة بأنها الفكرة الشاملة الكلية للوجود، ولكن لماذا تم وصفها بالعقلية؟
    ج- لأن العقيدة قد تكون وجدانية قائمة على ردود فعل الانسان الغرزية في غريزة التدين بالذات عندما يتوهم الانسان مثلاً أن الصنم يستحق العبادة او يتصور ان الصليب يستحق التقديس. مع انه لو ناقش حقيقة ذلك بالحجة العقلية لظهر له عدم أحقّيّتها لا للعبادة ولا للتقديس.

    س- هلا تذكرنا بمعنى ان العقيدة توضح حقيقة الوجود؟
    ج- نعم، إنها تبين لنا فيما اذا كان الوجود كإنسان وكون وحياة مخلوقاً لخالق او ليس بمخلوق، وأنه يحتاج لتدبير هذا الخالق او لا يحتاج لذلك. فالشاهد الملموس في الوجود أنه مادة، وأن هذه المادة ناقصة وعاجزة ومحتاجة. ولذلك كانت مخلوقة لخالق ليس بناقص ولا بعاجز ولا بمحتاج، وهو الله تعالى، سواء في ايجادها او تدبيرها.

    س- هذا ما يراه الاسلام في حقيقة الوجود، فماذا ترى الرأسمالية الديمقراطية والاشتراكية الشيوعية؟
    ج- ترى الرأسمالية الديمقراطية الحل الوسط بين الاسلام الذي يقول بالخلق والتدبير الالهي والاشتراكية الشيوعية التي تنكر الخلق والتدبير الالهي وتراهما ماديين فقط. أي تقول بأن الخلق الالهي موجود ولكن التدبير الالهي مفقود.

    س- ما معنى انبثاق النظام عن العقيدة العقلية؟
    ج- معناه صدوره عنها. فعندما تقول العقيدة الاسلامية ان الله خالق مدبر، وهذا هو معنى "لا إله الا الله محمد رسول الله" فإنها تصدر للانسان مجموعة الانظمة اللازمة لتدبير جميع شؤون حياته. لأن معنى "لا إله الا الله" أنه لا معبود بحقّ الا الله، ومعنى "محمد رسول الله" أنه جاء برسالة من عند الله للانسان ليعيش عليها وينظم حياته في جميع جوانبها وفقاً لها.

    س- وهل هذا التحديد للمبدأ كفكرة وطريقة خاص بالاسلام؟
    ج- لا، بل لكل مبدأ. فالرأسمالية الديمقراطية والاشتراكية الشيوعية يدخلان تحت هذا التحديد ايضاً لأن لكل منهما فكرة كلية شاملة من حيث العقيدة والانظمة التي تعالج شؤون الحياة. كما ان لدى كل منهما الكيفيات الثلاثة لتنفيذ الانظمة والمحافظة على العقيدة وحمل الدعوة.

    س- وهل من مبدأ آخر غير هذه المبادئ الثلاثة؟
    ج- لا، لا يوجد، ولا يمكن ان يوجد اي مبدأ رابع غيرها طالما كانت في افكارها وطرائقها قد غطت الجوانب المحتملة كلها. فبالنسبة للعقيدة إما أن تؤمن بوجود خالق مدبر لهذا الوجود او خالق غير مدبر له او لا خالق ولا مدبر له. ولا يوجد أي احتمال رابع لها. وبالنسبة للطريقة إما أن تكون لهذه العقيدة طريقة للحياة شاملة جميع جوانبها او خاصة لبعض الجوانب، ولا يمكن ان تكون لا طريقة لها وهي مجرد عقيدة لا علاقة لها بالحياة. والمبدأ حتى يكون مبدأ لا بد ان تكون عقيدته فكرة شاملة ولها انظمة شاملة لجميع جوانب الحياة. وأما العقائد الاخرى لغير المبادئ كعقيدة النصرانية فانها شاملة ولكن ليس لها الا نظام العلاقة بين الانسان وخالقه وهو العبادة. وأما العلاقة مع النفس والعلاقة مع الآخرين فلا نظام لهما وإنما هي تردّ ذلك الى التوراة "ما بعثت لأنقض الناموس ولكن لأتمم الناموس". وأما عقيدة التوراة فانها محدودة الانظمة للحياة بعد أن نضجت وتشعبت وهي لا تقدم غير الانظمة لبني اسرائيل وفي زمان موسى عليه السلام. وأما الاسلام فعقيدته هي الشاملة والتي تقدم الانظمة للناس كافة في كل زمان ومكان "وما أرسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيراً" ، "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين". وأما الرأسمالية والاشتراكية فعقيدتهما تقدمان حلولاً أو نظماً لجوانب الحياة حسب قدرة الانسان العقلية على التنظيم ما دامتا من وضع عقل الانسان وليستا من خالق الانسان العالِم بكل ما يحتاجه في كل زمان ومكان كما هي حال الاسلام في عقيدته وأنظمته.

    س- لماذا تحرص على تسمية الكيفيات بالطريقة؟
    ج- لتمييزها عن الاسلوب والوسيلة، وهما متغيران متبدلان. بينما الطريقة تمتاز بالثبات والتفرد. فعندما يقال أن لكل انسان طريقته في الحياة فهذا ينصرف الى معتقداته وقناعاته من حيث كيفية العيش عليها. ولكن عندما يقال أن هذا هو أسلوبه في فهم الشكل الذي يتبعه عند الفهم، وشتان بين الطريقة والاسلوب او بين الاستراتيجية والتكتيك اذا جاز لنا المقارنة بالميدان العسكري.
    س- ولماذا شملت الطريقة هذه الكيفيات الثلاثة؟
    ج- لأن كيفية تنفيذ الأنظمة ضرورية التحديد من قبل المبدأ، وإلا كان مجرد فكرة لا علاقة لها بمشاكل الحياة، ولأن كيفية المحافظة على العقيدة ضرورية التحديد من قبل المبدأ، وإلا كان أساس هذا المبدأ غير مصون ومعرضاً للخطر، ولأن كيفية حمل الدعوة ضرورية التحديد من قبل المبدأ، وإلا كانت عقيدته وأنظمته ليستا للناس كافة في تدبير شؤونهم مع تصويب عقائدهم سواءا بسواء. ولهذا لا بد من هذه الكيفيات الثلاثة حتى تكتمل الطريقة لكل مبدأ.

    س- ولماذا حصرت منشأ المبادئ بالوحي او العبقرية؟
    ج- لأنه لا يوجد غير إحدى هاتين الطريقتين لنشوء المبادئ وظهورها في واقع الحياة. فإما أن يوجد المبدأ من وضع الانسان فيسمى المبدأ الوضعي، وإما أن يوحي به الله سبحانه لرسوله ويأمره بتبليغه فيسمى المبدأ الالهي.

    س- هل من لفظة او تعبير معاصر يقابل كلمة مبدأ؟
    ج- نعم. آيدولوجيا، والتي تعني مجموعة النظرية والانظمة في الحياة.

    س- ماذا تعني عبارة "إن فلاناً من الناس ليس له مبدأ"؟
    ج- إنها تعني أنه لا يضبط تفكيره وسلوكه وتعامله بقواعد ثابتة، وإنما هو متغير متلون تبعاً للهوى.

    س- ماذا يعني وجود المبدأ مجرد وجود، ووجوده في واقع الحياة، وما الفرق بينهما؟
    ج- وجود المبدأ مجرد وجود يعني نشوءه وظهوره كأفكار في ذهن صاحبه اذا كان عبقرياً وتوصل اليه بتفكيره، او اذا كان رسولا وأوحي به اليه وأمر بتبليغه. أما وجود هذا المبدأ في واقع الحياة فهو نقله من ذهن صاحبه، سواء كان الرسول او العبقري، الى الآخرين بحيث يؤمنون به معه ويعملون لتطبيقه في حياتهم وينجحون في ايجاده في واقع حياة مجتمعهم. وشتان بين مجرد وجوده كفكرة او افكار وبين وجوده كواقع اوتطبيق.

    س- لماذا تربط صحة المبدأ وبطلانه بعقيدته وليس بأنظمته؟
    ج- لأن العقيدة هي الأساس، ولا يقوم بناء بدون أساس، ولا يستمر بقاء البناء الا بأساس سليم. ولا بد للأنظمة، وهي البناء، من العقيدة وهي الأساس السليم. وأي خلل يتطرق الى العقيدة تتهاوى الأنظمة وتزول من واقع الحياة كما يتهاوى البناء وينهار مع تحطم أساسه.
    س- هل من مزيد توضيح لمعنى بناء العقيدة على العقل؟
    ج- ان هذا البناء يعني ان العقل قد توصل اليها بالحجج والبراهين المبنية على الوقائع الحسية المقطوع بوجودها. فعندما فكر العقل بالإبل كيف خلقت وبالسماء كيف رفعت وبالارض كيف سطحت، توصل الى وجود خالق مدبر لها. فاعتقد بوجوده وتدبيره. فكانت العقيدة مبنية عليه وليس على غيره.

  16. #16
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية
    الندوة الثالثة

    العرض:
    رأينا ان العقيدة لا تكون صحيحة الا اذا كانت مبنية على العقل وموافقة لفطرة الانسان وغريزة التدين فيه. وأن بناءها على العقل يعني عدم الاكتفاء بالوجدان، والحرص على الأدلّة الحسية في الحجة والبرهان، سواء من داخل او خارج الانسان او من عالم الحياة والحيوان او من سابحات الأفلاك وآفاق الكون. وأن موافقتها للفطرة وغريزة التدين تعني عدم تجاهل ما في داخل الانسان من غرائز. وأنها بمظاهرها وميولها بحاجة لتنظيم وإلا فسدت حياته وشقيت. وأن غريزة التدين منها بالذات عاجزة عن تقديم النظام الذي تتدين وفقاً له والكيفية التي تتدين بها وقبل ذلك تحديد المعبود بحقّ لها.

    وعند المناقشة أشرنا الى مقتضى بنائها على العقل بأن لا تكون مبنية على المادة ولا على الحل الوسط. والسؤال الآن هو:

    ما هي المادة التي من الممكن أن تبنى عليها العقيدة؟ وهل من عقيدة موجودة الآن تبنى على المادة؟ وما هو الحل الوسط؟ وهل له وجود في عالم العقائد والمبادئ اليوم؟؟؟

    إن عالم اليوم زاخر بالافكار والآراء والمعتقدات. منها ما يتصل بالسماء، ومنها ما يرفض الاتصال الا بالارض، ومنها ما يجمع بين السماء والارض بهذا الشكل او ذاك. ولما كان حديثنا مركزا في عالم الافكار الكلية أي التي تعطي تفسيراً لكل الوجود من كون وانسان وحياة، وما قبل هذه الحياة، وما بعدها، وصلتها بما قبلها وما بعدها. وذلك استجابة لتساؤلات الانسان عن مصدر مجيئه ومصيره وصلته بهما. وأن هذا التفسير او الاستجابة للتساؤلات يعطي للانسان القاعدة الفكرية التي تضبط افكاره ومفاهيمه في حياته. فاننا لم نقف عند الافكار الجزئية التي تحاول ان تفسر بعض جوانب الوجود او حتى الحياة الدنيا ولا تتجاوزها لغيرها. كما تفعل البوذية التي ترى الروحانية وطقوسها الوضعية واسطةً للسمو الانساني في فرديته، دون أي اهتمام بالمجتمع وتشريعاته ورقيّه وتطلّعاته. وكما تفعل الهندوسية التي تهبط في مقدساتها الى البقر، وتغرق في تمزيقها للمجتمع الى طوائف منها من هم دون البقر.

    هذا في عالم الافكار الجزئية التي اتصلت بشكل ما بالسماء. أما تلك التي رفضت مثل هذا الاتصال، كالوجودية، فانها لا ترى الا هذا الوجود الانساني كصورة لهذا الوجود ككل، وترفض الاعتراف او الإقرار بتدين الانسان وحاجته لغيره مهما كان هذا الغير. وكالعبثية التي ترى في التفلّت من جميع قيود الحياة وارتباطاتها الاجتماعية والمجتمعية أساساً تدعو اليه الافراد والجماعات. وما هي في الحقيقة الا ردود فعل ضد الفكر المادي والشهواني الذي طحن المجتمعات الشرقية والغربية.

    ولو تجاوزنا ما في هذا الخضمّ الهائل من أفكار لا ترتقي الى مستوى المبادئ، وأتينا الى الافكار المبدئية لما وجدنا في عالم اليوم غير مبادئ ثلاثة هي: الرأسمالية الديمقراطية في العالم الغربي بشكل خاص كوطن أم والشرقي بشكل عام كوطن تابع، والاشتراكية الشيوعية، والاسلام. أما لماذا رتّبناها بهذا الترتيب فذاك تابع لوجودها النافذ المسيطر الفعال في الارض اليوم. لأن للرأسمالية دولاً تتحكم في العالم كله حتى باتت دول الاشتراكية الشيوعية تستجديها بل تلغي فكرها المبدئي لتلتقي معها. بينما لا نجد للاسلام لا دولة ولا دولاً في عالمه المترامي الأطراف تجعل منه مبدأ لها، وإنما نجد بعضها تتمسح به بشكل من الأشكال تزلّفاً لشعوبها، كما نجد البعض الآخر يعلن الحرب عليه بأشكال أخرى وأسماء أخرى.

    ولنقف فيما بقي من هذه الندوة عند منشأ كل مبدأ من هذه المبادئ الثلاث. ثم نتحدث بأسلوب المقارنة عن عقائدها، وكيف حققت القيادة الفكرية لمجتمعاتها، ونظمت جميع جوانب الحياة بتشريعاتها.

    ولنبدأ بأخطر هذه المبادئ وأكثرها أثراً في العالم اليوم، إنه الرأسمالية الديمقراطية. فنسأل: من أين جاءت هذه التسمية؟ فنجد أنها قد جاءت من واقع فرضته عقيدة هذا المبدأ على المجتمع. وهو بروز الرأسمالية وسيطرة المال وأصحابه على مجتمعهم. ولكن كيف نشأت هذه العقيدة وحققت كل هذه السيطرة في مجتمعاتها وفي العالم؟؟؟

    لقد كان حكام اوروبا وروسيا يتخذون الدين وسيلة للسيطرة على الشعوب واستغلالها، وواسطتهم في ذلك رجال الدين. ولا ننسى في هذا السياق الحروب الطاحنة فيما بينهم، والتي ظهر أثناءها الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين أنكر بعضهم الدين كلياً، بينما رأى بعضهم فصله عن الحياة وتنظيم شؤونها. واستقر الرأي أخيرا عندهم على فكرة واحدة هي إبعاد الدين عن التدخل في شؤون الحياة. مما أدى الى فصل الدين عن الدولة التي تتولى تلك الشؤون بالبداهة. وانتهى الأمر الى تجاهل الدين وعدم بحثه من باب أن يُعتَرف به او لا يُعتَرف، وحصر بحثه في باب لزوم فصله عن الحياة.
    ولكن لماذا تعتبر فكرة فصل الدين عن الحياة حلاً وسطاً .. ذلك لأنها حاولت ان توفّق بين رجال الدين الذين يريدون إخضاع كل شيء لهم باسم الدين، وبين الفلاسفة والمفكرين الذين ينكرون الدين وسلطة رجال الدين. ففكرة فصل الدين عن الحياة تعترف بوجود الدين، ولكنها ترفض تدخله في الحياة وشؤونها. ومعنى اعترافها بالدين أنه يوجد خالق للوجود كما يوجد يوم القيامة، مما يعني اعترافها بما قبل الحياة وما بعدها. وبهذا تكون هذه الفكرة عقيدة شاملة عن الوجود وعليها تبنى جميع الافكار وعلى أساسها تعالج شؤون الحياة.

    وأما كيف نشأت عقيدة الاشتراكية الشيوعية .. فذلك من تفكير أولئك المفكرين الذين ظهروا في اوروبا وعلى رأسهم هيغل وكارل ماركس ولينين. وكانوا ينكرون الدين وسلطة رجال الدين، ولم يروا الحل الوسط الذي اتفق عليه اكثرية زملائهم، والذي انتهى الى فكرة فصل الدين عن الحياة، وبالتالي عن الدولة، كما أسلفنا. وإنما رأوا رفض الدين ككل. ومعنى هذا أنهم رفضوا وجود ما قبل الوجود، كما رفضوا وجود ما بعده، ولم يروا الا وجود هذا الوجود المادي من كون وانسان وحياة. ورأوا أن المادة هي أصل الاشياء كلها. وأن تطور المادة يوجِد الاشياء. وهذا يعني أنهم أنكروا وجود الخالق للأشياء، أي رفضوا الناحية الروحية في الاشياء واعتبروا الاعتراف بها خطراً على الناس. مما جعلهم يعتقدون ان الدين أفيون الشعوب، كما يقول ماركس الذي تنسب اليه عقيدتهم. وهكذا كانت المادة هي أصل الفكر عندهم لأنهم رأوه مجرد انعكاس المادة على الدماغ ليس غير. وكان التطور المادي هو سبب وجود الاشياء. وينكرون وجود الخالق ووجود يوم القيامة، ويرون المادة قديمة أزلية لا أول لها ولا آخر، ولا يرون وجوداً الا للحياة فقط في هذه الدنيا. وعلى هذه الفكرة الكلية بنيت جميع افكارهم وانظمة الحياة عندهم. فكانت فكرة مبدئية وليست فلسفية خيالية. وعليها ايضا ظهرت دول عديدة كانت دولة الاتحاد السوفيتي السابق تمثل أقواها في العالم والدولة الثانية بغض النظر عما جرى من انهيار هذه الدولة وتجزئتها الى دول غير اشتراكية ولا شيوعية وإنما رأسمالية ديمقراطية.

    أما كيف نشأت عقيدة الاسلام، فذلك بوحي من الله سبحانه الى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمره بتبليغ رسالة الاسلام للناس كافة مبتدئاً بالعرب الذين نزلت الرسالة بلغتهم ومنتهياً بجميع أطراف المعمورة، لا عملياً بذاته وإنما إلزاماً لأتباعه في الدعوة والتطبيق. فكانت "لا إله الا الله محمد رسول الله"، أي لا معبود بحقّ الا الله، توجب طاعته بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه. كما توجب "محمد رسول الله" إلتـزام العمل برسالته. وهذا يعني ان لهذا الوجود خالقاً وأنه المدبّر المنظّم لهذه الحياة وأنه سيبعث الناس يوم القيامة ليجزي كل نفس بما آمنت وعملت. وعليه فان الاسلام يرى ان لهذا الوجود خالقاً خلقه ودبّره، وأن صلة هذه الحياة به هي كونه خلقها ونظّم شؤونها، وأن صلتها بما بعدها أي يوم القيامة هي إعطاء الجزاء على جميع المعتقدات والاعمال. فكانت عقيدة الاسلام بهذا الواقع عقيدة عملية تقدم الحلول لجميع مشاكل الحياة، وبالتالي عقيدة مبدئية.


    المناقشة:

    س- هل من فرق بين فطرة الانسان وغريزة التدين لديه؟
    ج- نعم. الفطرة تشمل جميع الغرائز وليس غريزة التدين فقط.

    س- فكيف توافق العقيدة الفطرة؟
    ج- بأن تقرّ عجز الانسان عن الإتيان بتنظيم سليم لعلاقاته الثلاثة مع ربه ونفسه وغيره، كما تقرّ احتياجه لخالقه سبحانه بإرسال هذا التنظيم الشامل الصالح لكل زمان ومكان.

    س- وكيف توافق العقيدة غريزة التدين؟
    ج- بأن تقرّ بعجزها عن الإتيان بتنظيم للانسان مع ربه وأنها تحتاج اليه سبحانه لكي ينـزل هذا التنظيم من لدنه.

    س- كيف يرتبط معتقد بالسماء فقط؟
    ج- هذا تعبير عن الاعتقاد بوجود خالق السماء. وإلا فوجود السماء المحسوس الملموس ليس بمحل اعتقاد. وارتباط المعتقد بخالق السماء معناه أن ينحصر فقط بالعبادات ولا يتعداها الى شؤون الحياة الاخرى في علاقة الانسان بنفسه وعلاقته بالآخرين. وهذا ظاهر في المتصوفة والعبّاد والزهّاد أصحاب الصوامع المنقطعين للعبادة.

    س- وكيف يرتبط معتقد بالارض فقط؟
    ج- هذا ليس تعبيرا عن الاعتقاد بوجود خالق للأرض. وانما تعبير عن الاعتقاد بالمادة التي تمثلها الارض كما ترى عقيدة الاشتراكية الشيوعية المشار اليها سابقاً.

    س- وكيف يجمع معتقد بين السماء والارض؟
    ج- هذا تعبير عن الاعتقاد بأن خالق السماء هو خالق الارض ومدبر شؤون كل من يعيش عليها. ولكن اذا رأى المعتقد ان الخالق هو مجرد خالق لهذا الوجود وهذه الحياة وهذا الانسان، ولكنه لا علاقة له بالارض وشؤونها وتدبيرها، فانه يفصل بين الخالق ومخلوقاته ويجعله سبحانه خالقاً غير مدبّر، او بتعبير آخر خالقاً تاركاً.

    س- لماذا جمعت في تسمية المبدأ الرأسمالي بين الرأسمالية والديمقراطية؟
    ج- من باب حقيقة هذا المبدأ الكلية من كونه يجمع بينهما معاً، وأن حمل اسم الرأسمالي من باب تسمية الشيء بأبرز ما فيه.

    س- ومن أين جاءت الديمقراطية الى المبدأ الرأسمالي؟
    ج- من فكرة الحريات الأربعة التي تدعو عقيدته للمحافظة عليها بين بني البشر.

    س- وكيف كان ذلك؟
    ج- عندما رأت العقيدة الرأسمالية فصل الدين عن الحياة وإعطاء الانسان الصلاحية في وضع تشريعاته بنفسه دون حاجة للعودة الى خالقه الذي كما تقول خلقه وتركه، فانها أعطت الانسان الحق في التمتع بالحرية التي تمكنه من أن يكون سيد نفسه بعد أن شطبت السيادة الربانية عنه. والتمتع بالحرية لا يتم الا اذا شمل كما تقول جميع جوانب حياته: العقيدة والرأي والتملك والذات. أي يتمتع بحرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية. ومن حرية الملكية ظهر النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرز حتى سيطر على المبدأ، فسمي المبدأ به. ومن الحريات الاربعة ظهرت الديمقراطية التي ترى سيادة الفرد لنفسه يتصرف بها كيف يشاء، وسيادة الشعب لنفسه يحكم بما يشاء، وسيادة الفرد على عقيدته يعتقدها صباحاً ويتخلى عنها مساءاً، وسيادة الفرد على رأيه يقول به كما يشاء ومتى يشاء.

    س- ولماذا تجمع بين الاشتراكية والشيوعية في المبدأ الاشتراكي؟
    ج- لأن الاشتراكية انواع عديدة منها ما تنبثق منه الشيوعية، ومنها ما لا علاقة له بالشيوعية، كالاشتراكيات الغربية او حتى التي تسند زوراً وبهتاناً للاسلام.
    س- إذن لماذا لم تطلق على هذا المبدأ اسم الشيوعي وليس الاشتراكي؟
    ج- لأن الشيوعية لا وجود لها في الارض، والموجود هو اشتراكيتها. فمن باب التوضيح نذكر الاسم المناسب للواقع القائم ولا سيما ان اصحابه يدّعون ان واقعهم هو المرحلة السابقة للشيوعية. وإن كان الواقع الجاري الآن في عالمهم الاشتراكي ينقض ذلك، إذ أن اشتراكيتهم قد أخذت تتقهقر الى الوراء حسب مراحلهم وتعود الى الرأسمالية.

    س- ولماذا لا يوجد للاسلام دولة او دول كما تقول، بينما نسمع في وسائل الاعلام بوجود دول اسلامية؟
    ج- لأن الدولة لا توصف بأنها رأسمالية او اشتراكية او اسلامية جزافاً او مجازاً. وإنما لأنها تعتنق عقيدة هذا المبدأ وتطبق أنظمته على مجتمعها وتدعو لها. والاسلام لا يوجد دولة واحدة في العالم اليوم تفعل في حقه ذلك كله. وأما ما نسمعه في وسائل الاعلام اليوم فهو من باب كون هذه الدول من العالم الاسلامي، وأن أكثرية سكانها من المسلمين. ولذلك نلاحظ في هذه الدول انتشار الدعوات الاسلامية التي تسعى لتطبيق الشريعة الاسلامية في حياتها لتصبح في النهاية دولة اسلامية بحق وليس بالمجاز ومجرد التسمية غير الحقة.

    س- لماذا وصفت المبدأ الرأسمالي بأنه أخطر المبادئ الثلاث؟
    ج- لأنه يتحكم في مصائر اكثر سكان الارض اليوم سواء من كان في العالم الغربي او الشرقي، هذا من جهة، ولكون الدولة الاولى في العالم الآن وهي أميركا تعتنقه وتعمل لإخضاع العالم له حتى بات العالم الاشتراكي وعلى رأسه روسيا ومن بعدها الصين في طريق الانهيار النهائي، من جهة اخرى.

    س- كيف يسيطر الاقتصاد والمال في المبدأ الرأسمالي على الجوانب الاخرى؟
    ج- لكون المنفعة المادية هي القيمة الغالبة على كل شيء في نظر هذا المبدأ. مما يجعل من يملك منها أكثر يسيطر على المجتمع ويتحكم بدولته ويوجهها بوجهته. لذلك نجد أن ملوك المال والاقتصاد في أميركا هم الذين يأتون برئيسها ويوجهونه.

    س- هل من أمثلة على الحروب باسم الدين في تاريخ اوروبا؟
    ج- هناك حرب الوردتين، وحرب السبع سنين، وحرب المائة عام، والحرب الدائرة الآن بين الايرلنديين والبروتستانت في بريطانيا.

    س- هل من امثلة على المفكرين والفلاسفة الذين قادوا الحملة الفكرية ضد الكنيسة واستخدامها لاستغلال الشعوب من قبل الملوك والقياصرة؟
    ج- هناك روسو، وفولتير، ودوركايم، وفرويد، وديكارت، وكانت، وارزموس، وزوينجلي، وغيرهم.

    س- هل من مثال على من أنكر الدين كلياً؟
    ج- لورباخ الذي يعتبر الأب الروحي لماركس. وإن كان لهيغل صاحب نظرية العقل الأول أثره على ماركس، بالرغم من أنه هاجم فكرته وقال بصحة عكسها، أي أن أصل الوجود ليس العقل الاول وإنما العقل هو الثاني بعد المادة، وأنه مجرد انعكاس لها على الدماغ.

    س- وهل بقي رجال الدين يتفرجون على كراسيهم وهي تتهاوى أم حاولوا إنقاذها؟
    ج- لقد حاولوا إنقاذها بأمرين: أحدهما في الداخل: عندما ظهرت حركات الاصلاح الديني كما يسمونها مثل اللوثرية والكلفينية، وثانيهما في الخارج: عندما حاولوا قيادة الحملات الصليبية على الدولة الاسلامية ووضعوا انفسهم تحت خدمة الملوك والأمراء في اوروبا بحجة حماية الأماكن المقدسة، وما هي الا وسيلة لتقاسم الغنائم والتعبير عن أحقاد الصليبية ضد الاسلام الذي سعى دائماً لإنقاذ شعوبهم من الظلام والظلم.

    س- ما معنى قول ماركس: "الدين أفيون الشعوب"؟
    ج- تأثراً بواقع اوروبا الرهيب باسم الدين وقيادة رجال الدين مع الملوك والأباطرة والقياصرة، أصدر ماركس حكمه على الدين كدين بأن الاعتقاد به يعطل الحياة ويشلّ الشعوب عن الحركة ضد الظلم والاضطهاد. مما جعله بهذا الاعتقاد يقع في خطأين قاتلين: أحدهما شمولية الحكم على جميع الأديان سواء قبل الاسلام او الاسلام نفسه، مع أنه لو جاز هذا الوصف بحق الأديان السابقة للاسلام لأنها استخدمت من رجالها لاستغلال الشعوب وتخديرها عن القيام ضد هذا الاستغلال من جهة، ولأنها عملت فيها اصابع العبث والتحريف عملها من جهة اخرى. فكيف يجوز ان يوصف بذلك الاسلام وآثاره الباهرة النيرة ما زالت تدوي في الآفاق بعامة وفي أطراف بل قلب اوروبا بخاصة!

    س- لماذا ننكر قول الاشتراكية بأن الفكر انعكاس الواقع على الدماغ؟
    ج- لأن الفكر لا يتم فيه انعكاس مطلقاً. وكل ما يحصل هو شيء آخر. لأن الانعكاس حتى يتم يحتاج الى مرآة عاكسة، وهي غير موجودة في واقع الدماغ. وكل ما يحصل هو انتقال وليس انعكاساً للواقع الى الدماغ. ولكن هل هذا الانتقال كافٍ لإيجاد الفكر في الدماغ مهما كان عبقرياً! بالتأكيد، لا. لأن الانتقال بشكل سليم ودقيق او غير سليم ولا دقيق هو مهمة الحواس، ولا بد أن تكون هذه الحواس سليمة حتى يتم الانتقال بشكل سليم ودقيق. وأي خداع حسّي يؤدي الى الفكر الخطأ. ثم: هل نقل الواقع بالحواس السليمة الى الدماغ يوجِد الفكر؟ اننا نشاهد ان الطفل الصغير لا يتحقق لديه الفكر كالرجل البالغ. صحيح أن هذا عائد لنضج الحواس من جهة، ولكنه ايضاً عائد الى سبب آخر مهم كأهمية سلامة الحواس ونضجها، ألا وهو وجود مخزون من المعلومات، واستعانته بها، وأن يفهم الواقع المنقول اليه ويصدر حكمه عليه. وإلا، فمن أين يمكن لانسان لا يجيد اللغة الصينية او لا يعرف حروفها أن يقرأ صفحة كتاب من كتبهم، بل أن يعرف أنها مكتوبة بلغتهم اذا لم يعطَ معلومات عن تلك اللغة وحروفها. فالحواس ستنقل صورة الصفحة بحروفها وكلماتها و جملها الى الدماغ، ولكنه لن يستطيع ان يصدر حكمه عليها الا بعد ان يعطى معلومات عنها.

  17. #17
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية
    الندوة الرابعة

    العرض:
    بعد أن رأينا في الندوة السابقة كيف نشأت عقائد المبادئ الثلاث، وكيف كانت عقائد عملية تحقق الحلول لجميع مشاكل الحياة، مما جعلها عقائد مبدئية لا فلسفية خيالية، نأتي في هذه الندوة للمقارنة بين هذه المبادئ في نظرتها للانسان ومثله العليا والمجتمع وقيمه وتنظيمه وتنفيذ أنظمته.

    أما الرأسمالية والاشتراكية فانهما بالرغم من اختلافهما في الفكرة الاساسية عن الانسان ومعه الكون والحياة، الا انهما تتفقان في أن المثُل العليا للانسان هي تلك القيم العليا التي يضعها الانسان لنفسه، وأن السعادة لدى كل منهما هي التمتع بأكبر حظ من المتع الجسدية في حياته، وأن هذا التمتع هو واسطة السعادة بل السعادة نفسها. كما أنهما متفقتان على اعطاء الانسان حريته الشخصية ليتصرف كما يشاء ويريد لتحقيق سعادته، مما يجعل الحرية الشخصية من مقدسات هذين المبدأين.

    هذا بالنسبة لاتفاقهما، اما بالنسبة لاختلافهما فهما تختلفان في النظرة الى الفرد والمجتمع. فالرأسمالية ترى ان المجتمع مكون من افراد، ولذلك فهي مبدأ فردي، وتركز تقديرها حول الفرد وضمان الحريات له، مما جعل حرية العقيدة من مقدسات هذا المبدأ. وجعل الحرية الاقتصادية ايضا من مقدسات هذا المبدأ. ولكن هذه الحرية، اي الاقتصادية، لا تقيد بفلسفتها التي تعني التصرف في هذا المجال بلا موانع ولا حدود وإنما تقيد بتدخل الدولة لضمان الحريات للآخرين. والدولة تنفذ هذا التقييد بقوة الجندي وصرامة القانون، وإن كانت الدولة تبقى بهذا المفهوم وسيلة لا غاية، وتبقى السيادة للافراد لا للدولة. هذا بالنسبة للرأسمالية. وأما الاشتراكية فانها ترى ان المجتمع مجموعة عامة من البشر وعلاقاتهم بالطبيعة بحيث تكون أجزاء هذه المجموعة، أي الانسان والطبيعة والعلاقات كلها شيئا واحداً. وتتطور كلها معاً تطوراً واحداً بحيث لا يستطيع الفرد الا السير مع المجموعة كما يسير السن في الدولاب. وهذا يعني ان الفرد لا يملك حرية العقيدة ولا حرية اقتصادية. فالدولة هي القيّمة على العلاقات وهي التي تقيّد العقيدة وتقيّد الاقتصاد، مما يجعلها (أي الدولة) من مقدسات هذا المبدأ.
    وأما الاسلام فانه لا يرى ان المثُل العليا للانسان والمجتمع من وضع الانسان نفسه بل هي من أوامر الله ونواهيه. فلا يلحقها التغير ولا التطور. فنرى ان المحافظة على نوع الانسان، وعلى عقله، وعلى كرامته، وعلى نفسه، وعلى الملكية الفردية، وعلى الدين، وعلى الأمن، وعلى الدولة، هي أهداف عليا ثابتة للحفاظ على الفرد والمجتمع دون أن يصيبها اي تغيير ولا تطور. ولذلك وضع للمحافظة عليها عقوبات قاسية من حدود وقصاص وتعازير. كما اعتبر المحافظة عليها أهدافاً واجبة لأنها أوامر ونواهٍ من الله وليس لأنها تحقق قيماً مادية في الحياة. مما يجلب الطمأنينة للمسلم، ويحقق السعادة لديه، وهي التي تتمثل في نوال رضوان الله سبحانه وتعالى وليس في إشباع الجسد وتوفير متعه.

    ولكن كيف نظر الاسلام الى الانسان في ذاته اولاً، وفي عضويته في المجتمع ثانياً وأخيراً؟
    أما بالنسبة للانسان في ذاته فقد رآه الاسلام صاحب حاجات عضوية وغرائز، كحاجة المعدة وغيرها من اعضاء الجسم، وغريزة النوع وغيرها من الغرائز. ونظّمها جميعها ليشبع جوعاتها بشكل منسق دقيق لا على حساب بعضها البعض ولا بكبت بعضها وإطلاق البعض، وإنما بما يحقق للانسان الهناءة والرفاه ويبعده عن مستوى الحيوان بفوضوية الغرائز.

    وأما بالنسبة لعضوية الانسان في المجتمع فقد رآه جزءا غير منفصل عن الجماعة كجزئية العضو من الجسم لا كجزئية السن في الدولاب. فاعتنى به بحيث تؤدي هذه العناية الى المحافظة على الجماعة، واعتنى بالجماعة في نفس الوقت بوصفها كلا من أجزاء بحيث تؤدي هذه العناية الى المحافظة على الفرد. فقال عليه السلام " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها اذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً". فبهذه النظرة للفرد والجماعة يرى الاسلام للمجتمع مفهوماً خاصاً هو أنه مجموعة من الناس بينهم علاقات ناشئة عما يلتقون به من افكار ومشاعر لديهم وعما ينظمون شؤونهم به من أنظمة، وأن هذه الافكار والمشاعر والانظمة هي مجموعة الأوامر والنواهي الشرعية. فيكون المسلم مقيداً في الحياة كلها بالاسلام ولا ترد عنده الحريات ولا افكارها، كما في الرأسمالية او الاشتراكية. فلا حرية في العقيدة بعد إيمان، وكل ارتداد يستحق القتل "من ارتد منكم عن دينه فاقتلوه" .. ولا حرية شخصية، فكل زنا يعاقب عليه بحد الجلد او الرجم "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" وكل شرب للخمر يعاقب بحد الجلد .. ولا حرية اقتصادية فالتملك بأسبابه الشرعية دون سرقة ولا نهب ولا غش ولا ربا .. والانفاق بحدوده دون إسراف او تبذير. فالاسلام، ومبدأ الاسلام، والأوامر والنواهي الشرعية، هي المقيدة والحافظة، والدولة هي المنفذة. أي ان الشرع هو صاحب السيادة، وليس الدولة كما في الاشتراكية، ولا الأمة كما في الرأسمالية، وإن كانت الأمة هي صاحبة السلطان أي طريقة تنفيذ النظام بالاعتماد على تقوى الله في الفرد المؤمن بالاسلام.


    المناقشة:

    س- ما هي الفكرة الاساسية لدى الراسمالية؟
    ج- هي ان الوجود من كون وانسان وحياة مخلوق لخالق، ولكنه سبحانه غير مدبّر لهذا كله، وإنما تارك له لتدبير نفسه وتنظيم الانسان.

    س- ما هي الفكرة الاساسية لدى الاشتراكية؟
    ج- هي ان هذا الوجود غير مخلوق لأحد، وإنما هو مادة، ولا يأتي تدبيره وتنظيمه الا من المادة وتطورها المادي.

    س- ماذا تعني عبارة "المثل العليا"؟
    ج- هي الأهداف الكبرى التي لا يهنأ الانسان بدونها.

    س- ما الفرق بين المثل والقيم؟
    ج- إنهما بمعنى واحد من حيث ان المثل قيم في حياة الانسان، وأن القيم مثل يتمثلها في حياته، وإن كانت قد تقلّ او تكثر تبعاً لمجالاتها فتكون أربع قيم وثمانية مثل عليا.

    س- كيف تتفق الرأسمالية والاشتراكية في المثل العليا؟
    ج- لكونهما تريان ان الانسان هو المدبّر لنفسه وحياته، وبالتالي فهو يضع قيمه وأهدافه الكبرى بنفسه.

    س- لماذا تريان ان السعادة هي المتع الجسدية؟
    ج- لأن من يضع قيمه ومثله وأهدافه الكبرى بنفسه لا يرى الا نفسه وجسده، ولا يستشعر الا الراحة والطمأنينة بجانب هذه المتع الجسدية.

    س- وكيف تتفقان في اعطاء الانسان حريته الشخصية؟
    ج- لأنها السبيل الى المتع الجسدية.

    س- ماذا تعني الحرية الشخصية؟
    ج- أن يتصرف الانسان بشخصه كما يشاء ويفعل ما يريد دون تدخل من غيره.

    س- ماذا تعني حرية العقيدة؟
    ج- ان يعتقد الانسان ما يشاء من معتقدات، متى يشاء، ويتركها متى يشاء، دون تدخل من غيره في ذلك.

    س- ماذا تعني الحرية الاقتصادية؟
    ج- أن يملك الانسان ما يشاء، وبأي كيفية وكمية يشاء، ويتصرف به كما يشاء، دون تدخل من غيره في ذلك؟

    س- ماذا يعني ان الحرية الاقتصادية لا تقيّد بناءاً على فلسفتها؟
    ج- أي ان تحديد كيفية التملك او مقداره، او كيفية التصرف بما يملك، لا يأتي من حقيقتها التي تعني عدم التحديد. وإنما يأتي من غيرها، وهو عندهم الدولة وقوة جندها وشدة قانونها.

    س- ماذا يعني ان الدولة لدى الرأسمالية وسيلة وليست غاية؟
    ج- أي انها لتقييد الحريات وحفظها. فمتى تحقق ذلك، أمكن الاستغناء عنها.

    س- ماذا تعني ان السيادة للأفراد لا للدولة؟
    ج- أي انهم يقررون كل شيء في الحياة بملء إراداتهم ومشيئاتهم تبعاً لحرياتهم. وما الدولة في حياتهم الا من صنع إراداتهم لتقييد هذه الحريات وصيانتها ليس غير.

    س- ماذا يعني هذا في واقع الحياة بالنسبة للدين؟
    ج- يعني ان الدين يجب فصله عن الحياة وأنظمتها وتشريعاتها. لأن الفرد هو الذي يضع ذلك باتفاق ارادته مع ارادات الآخرين.

    س- ماذا تعني نظرة الاشتراكية ان العلاقات بين البشر والطبيعة حتمية في وجودها وفي الخضوع لها؟
    ج- أي ان البشر تعتبر الطبيعة جانباً من شخصية كل منهم، بحيث لا يتطور الانسان الا مع هذا الجانب. فهو خاضع له خضوع الشيء لجزئيته.

    س- ماذا تعني الطبيعة لدى الاشتراكية؟
    ج- إنها البيئة المادية بكل ما فيها من أدوات في ذاتها وفي علاقة الانسان بها.

    س- فماذا يعني المجتمع لديهم إذن؟
    ج- إنه البشر + أدوات الانتاج + علاقات الانتاج. أي البشر وعلاقاتهم بالأدوات.

    س- لماذا أدت هذه النظرة للمجتمع الى عدم وجود حرية عقيدة وحرية اقتصادية للفرد؟
    ج- لأن الفرد يعيش مع الأدوات وعلاقاتها، ولا يملك غير ذلك. والأدوات هي التي تملي عليه – كما يرون – نوع العلاقات، وبتطورها الى اشكال اخرى تتطور تلك العلاقات. فهو خاضع لهذا التطور المادي. فلا حرية له أن يعتقد خارج هذا التطور المادي، ولا أن يملك او يتصرف في ملكه خارج هذا التطور ايضاً.

    س- فمن أين يأتي تقييد العقيدة عندهم إذن؟
    ج- من إرادة الدولة. وهي ايضا التي تقيد الاقتصاد. والدولة عندهم هي خلاصة او جماع العلاقات المادية في التطور المادي.

    س- ماذا يعني ذلك في واقع الحياة بالنسبة للدين؟
    ج- أنه لا وجود للدين أصلاً في واقع الحياة عندهم. وإنما هو من صنع البشر لعلاقاتهم بالنسبة للطبيعة سواء من خوفهم من مظاهرها او تقرّبهم اليها.

    س- ماذا يعني في الاسلام ان الأهداف العليا لحفظ المجتمع ثابتة لا تتغير ولا تتطور؟
    ج- يعني ذلك أن أوامر الله سبحانه ونواهيه التي حددت كيفية صيانة المجتمع من جميع جوانبه ثابتة لكل زمان وكل مكان. وليست خاضعة لا لارادة الانسان ولا لارادة المجتمع. وإنما خاضعة فقط لارادة رب الانسان الذي خلقه ويعلم بحق ما يصلح لبقائه فرداً ومجتمعاً.

    س- ما الفرق بين المحافظة على نوع الانسان وعلى النوع الانساني؟
    ج- نوع الانسان من حيث أنه ذكر او أنثى. والمحافظة عليه تتم بنظام خاص لغريزة النوع هو نظام الزواج في الاسلام. وأما النوع الانساني فمن حيث أنه غير النوع الحيواني. والمحافظة عليه تتم بنظام لغريزة البقاء سواء في حبه للتملك او الدفاع عن النفس او الدفاع عن الوطن او حب السيطرة … وغيرها.

    س- كيف يحافظ الاسلام على أهداف المجتمع العليا؟
    ج- بالعقوبات الصارمة من حدود وقصاص وتعازير يتناسب كل منها مع كل هدف من الأهداف العليا تلك.

    س- هل جوعة الاعضاء والغرائز تختلف عن الميل؟
    ج- لا. وإنما هي نفسها لأن جوعة الجنس مثلاً هي ذات الميل الجنسي، وهو أحد مظاهر غريزة النوع التي تظهر بها في الحياة البشرية.

    س- ما الفرق بين نظرة الاسلام للفرد والجماعة وبين نظرة الاشتراكية؟
    ج- الاسلام يرى الجماعة كلا مكونا من افراد بحيث يراعي الفروق الفردية لكل فرد في ذاته، كأن يشجع قدراته ويمكنه من إشباعها إشباعاً كلياً يحقق له الطمأنينة، كما يراعي فروقه في مكانته بين جماعته، كأن يعطيه الحق للتمتع بما هو لمثله. بينما الاشتراكية لا تسمح للفرد بالخروج عن جزئيته كسنّ في دولاب الجماعة. فلكل من الفرد والجماعة حقوقهما في الاسلام دون طغيان وطمس لحقوق الآخر. بينما في الاشتراكية لا حقوق اخرى غير حقوق الجماعة. ولذلك قالوا بدكتاتورية الطبقة العاملة او ما يسمونها البروليتاريا.

    س- هل معنى انه لا يوجد في الاسلام حريات أنه قائم على العبودية؟
    ج- معناه التقيد بأوامر الله ونواهيه في كل شأن من شؤون حياته. وهذا يعني الإلتـزام والإنطلاق بإرادته وفقاً لهذا الإلتـزام دون تقييد من أحد المخلوقات. وشتان بين العبودية للخالق والعبودية للمخلوق. ففي الاولى تحرير لارادة الانسان من سيطرة جميع المخلوقات، وفي الثانية مصادرة لارادته وسلبها منه بسيطرة مخلوقات اخرى عليه.

    س- وهل مكونات المجتمع تختلف بين المبادئ الثلاثة؟
    ج- نعم، طالما ان الاسلام يرى ان المجتمع مكون من مجموعة من الناس تربطهم افكار معينة ومشاعر معينة وأنظمة معينة. بينما الاشتراكية ترى ان المجتمع هو مجموعة من الناس تربطهم فيما بينهم أدوات الانتاج وعلاقات الانتاج. بينما الرأسمالية ترى ان المجتمع هو مجموعة من الافراد يتمتعون بالحريات الاربع بتقييد من الدولة للحفاظ على الحريات الفردية لا من فلسفة هذه الحريات التي لا تسمح بالتقييد.

    س- ما زال تعبير ان الحريات لا تقيد في الرأسمالية من فلسفتها وإنما من الدولة يحتاج للمزيد من التوضيح؟
    ج- الحرية، أي حرية، تعني في حقيقتها عدم التقييد. وهذا يعني أنها في معناها الحقيقي، أي فلسفتها، لا تقبل التقييد، وإلا كانت غير حرية. وعندما تتدخل الدولة في الرأسمالية بحجة حماية الحريات فانها في الحقيقة تقيد حركة الانسان في جميع تصرفاته الفردية والمجتمعية. أي انها تقيد حرياته الاربع كما يقولون، وهكذا الحريات في معناها ضد التقييد. ويكون التقييد من الدولة بحجة حماية هذه الحريات ليس من حقيقة معناها، أي ليس من فلسلفتها.

  18. #18
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية
    الندوة الخامسة

    العرض:
    بعد أن عقدنا المقارنة في الندوة السابقة بين المبادئ الثلاث في نظرتها للفرد والمجتمع، نأتي في هذه الندوة لعقد مقارنة اخرى فيما بينها من حيث عقيدة كل منها التي تنبثق عنها أنظمتها، ومن حيث مقياس أعمال الانسان في الحياة، ونظرتها الخاصة للمجتمع، وطريقة تنفيذها للنظام الذي ينبثق عن عقيدته.

    أما بالنسبة للعقيدة، فالشيوعية ترى المادة أصلاً لكل شيء، وكل شيء يصدر عنها بالتطور المادي. بينما ترى الرأسمالية فصل الدين عن الحياة وبالتالي فصله عن الدولة وترفض بحث وجود الخالق وتصرّ على بحث أنه لا دخل للخالق في الحياة. واما الاسلام فيرى ان الله سبحانه وتعالى خالق الوجود ومدبره بما أودع فيه من نظام وأرسل الى البشر من أديان يحاسب كل انسان بناءا عليها على إيمانه وأعماله يوم الحساب، فتشمل عقيدته وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى.

    وأما بالنسبة لكيفية انبثاق الانظمة عن العقيدة، فالشيوعية ترى ان الانظمة تؤخذ من أدوات الانتاج. فالنظام الإقطاعي يؤخذ من الفأس، والرأسمالي يؤخذ من الآلة، وهكذا تبعاً للتطور المادي للأدوات. وأما الرأسمالية فترى ان الانسان يأخذ أنظمته من واقع حياته بعد أن فصلها عن الدين. وأما الاسلام فيرى ان الله أرسل للانسان سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالأنظمة التي بلّغه إياها فصار الانسان ملزماً بالسير عليها بدراسة كل مشكلة واستنباط حلّها من كتاب الله وسنّة رسوله.

    وأما بالنسبة لمقياس الأعمال في الحياة، فالشيوعية ترى النظام المادي هو المقياس، ولذلك يتطور هذا المقياس بتطور النظام، كما يقولون. وأما الرأسمالية فترى النفعية هي المقياس، فحيثما وجدت وجد العمل. وأما الاسلام فيرى الحلال والحرام هو المقياس، فحيثما وجد الحلال يجري العمل وحيثما وجد الحرام يتوقف، دون تطور ولا تغيير. فلا تحكّم للنفعية ولا تطور او تغيير، وإنما أحكام للشرع فقط.
    وأما بالنسبة للنظرة للمجتمع، فالشيوعية ترى أن المجتمع مجموعة عامة مكونة من الانسان والطبيعة والعلاقات باعتبارها كلا واحدا هو المادة. وبتطور الطبيعة وظهور ادوات انتاج جديدة يتطور معها الانسان وتظهر علاقات انتاج جديدة فيتطور المجتمع كله بهذا التطور المادي. فدور الانسان في هذا التطور هو إيجاد التناقضات ليعجّل هذا التطور في المجتمع، مما يوجد التطور في الفرد، فيجعله يدور مع المجتمع كما يدور السن في الدولاب. وأما الرأسمالية فترى ان المجتمع مكون من افراد، بحيث اذا انتظمت أمور الفرد انتظمت أمور المجتمع، وبحيث ان الدولة إنما تعمل للفرد فقط. وأما الاسلام فيرى ان اساس المجتمع هو العقيدة بما تحمل من افكار ومشاعر وما ينبثق عنها من انظمة. بحيث يوجد المجتمع الاسلامي متى سادت الافكار الاسلامية والمشاعر الاسلامية والانظمة الاسلامية. وبحيث يشكل الانسان مع الانسان وحده جماعة، ولكن لا يشكل مجتمعاً الا بالعلاقات فيما بينهم. والعلاقات لا توجد الا بوحدة الافكار والمشاعر والانظمة. وأي فقدان لواحدة منها لا يوجِد علاقات، وبالتالي لا يوجد المجتمع. وهكذا كان المجتمع في نظر الاسلام مكوناً من الانسان والافكار والمشاعر والانظمة. بحيث لو كان جميع الناس مسلمين وافكارهم رأسمالية ومشاعرهم وطنية ونظمهم ديمقراطية، فان مجتمعهم غير اسلامي. فلا بد ليكون مجتمعهم اسلامياً من ان تكون افكارهم من عقيدتهم ومشاعرهم من عقيدتهم ونظامهم من عقيدتهم.

    وأما بالنسبة لتنفيذ النظام في واقع الحياة، فالشيوعية ترى الدولة هي المنفّذة بقوة الجندي وصرامة القانون. وأما الرأسمالية فترى الدولة مشرفة على الحريات وتمنع أي اعتداء فردي او جماعي عليها بحيث لا تتدخل عند حصول الاستغلال وأخذ الحقوق بالرضى. وأما الاسلام فيرى التنفيذ من الفرد المسلم بدافع تقوى الله، ومن الدولة بدافع شعور الجماعة بعدالة الاسلام، ومن الأمة بتعاونها مع الحاكم بدافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن سلطان الدولة بتنفيذ العقوبات، إذ بعد أن تتولى شؤون الجماعة وشؤون الفرد اذا عجز، تعاقب من يخالف. فالدولة في الاسلام ليست كالشيوعية تتولى شؤون الجماعة والفرد وتطور النظام، وإنما هي تتولى شؤون الجماعة فقط في جميع الاحوال ولا تتولى شؤون الفرد الا عند عجزه، وهي لا تطور النظام ولا النظام يتطور أبداً وإن كانت تبقى صاحبة الصلاحية في تبنّي الأحكام الشرعية عند تعدد نتائج الاجتهاد للمسائل الجارية او المستجدة. كما أنها ليست كالرأسمالية لمجرد ضمان الحريات الفردية ولو مهما حصل من استغلال، إذ الافراد مقيدون بالأوامر والنواهي الشرعية ولا يسمح باستغلال أحد لا بالرضى ولا بالإكراه.

    المناقشة:

    س- ما معنى قول الشيوعية بأن الاشياء تصدر عن المادة بالتطور المادي؟
    ج- يقصدون بالتطور المادي انتقال المادة من حال الى حال. ويرون أن هذا التطور يحصل طبيعياً في المادة بذاتها لما فيها من تناقض بين السالب والموجب، ويحصل طبيعياً في الاعمال المادية لما فيها من تناقض بين السلبية والايجابية. فالتناقض في رأيهم هو سبب التطور المادي في كل مادة وكل عمل مادياً كان او معنوياً او روحياً.

    س- كيف يرفض الرأسماليون بحث وجود الخالق بينما يبحثون أنه لا دخل له في الحياة؟
    ج- لأن بحث هل الخالق موجود أولاً يتركز حول الخالق ووجوده وما يترتب على نتيجة هذا الوجود عندما يثبت. وهم لا يريدون هذه النتيجة سلفاً، لما نال مجتمعاتهم من استغلال الدين ورجاله في العصور الوسطى الاوروبية. ولذلك فهم يحصرون البحث في إبعاد أي تدخل للخالق في الحياة سواءا ثبت وجوده لدى من ثبت او لم يثبت وجوده كلياً. وهم في الحقيقة يتهربون من نتيجة ثبوت وجوده سبحانه ليس غير، حتى لا يلتزموا بالدين الذي أنزله.

    س- هل الاسلام يستوي مع الأديان الاخرى في العقيدة؟
    ج- نعم. يستوي معها من حيث الايمان بالخالق، مرسل الرسالات لبني البشر، ومحاسب الانسان يوم القيامة على كل ما يصدر منه بإرادته واختياره من أعمال سواءا إتصلت بالايمان او بالمعاملات مع الآخرين او غيرها. ولذلك يلتقي الاسلام مع الأديان الاخرى من حيث أصل الدين وهو التوحيد، ولكنه يختلف فيما انبثق عن الأصل من تشريع "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" – الآية 48 من سورة المائدة.

    س- ما معنى الايمان بالقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى؟
    ج- القضاء كما بيّنا سابقاً، هو الاعمال التي تقع من او على الانسان دون إرادة منه ولا يملك جلبها او دفعها، فان الانسان يفسّر ما يلحقه منها في تقديره من ضرر بالشر وما يلحقه من منفعة بالخير، فالايمان يقتضي أن يؤمن المسلم بالقضاء الذي يقع من او على الانسان، مهما كان تفسيره له بالخير او بالشر، بأنه من الله تعالى. وكذلك القدر فقد بيّنا سابقاً بأنه الخاصيات والقابليات التي أودعها الله تعالى في الاشياء والمواد، الحية و غير الحية. والانسان باستخدامه لهذه الخاصيات والقابليات قد ينتج ضرراً حسب تصرف الانسان وقد ينتج منفعة حسب تصرف آخر فيفسره بالخير او الشر. فالايمان يقتضي ان يؤمن المسلم بهذا القدر مهما أنتج حسب تصرفات الانسان من خير او شر، وأنه من الله تعالى.

    س- ما معنى إنبثاق النظام عن العقيدة؟
    ج- إنه صورة عنها. فعندما يكون من العقيدة الاسلامية، أي الايمان بالكتاب والسنّة، فعنهما يؤخذ النظام. وعندما ترى العقيدة الشيوعية ان التطور المادي هو خالق الاشياء، فإنه منه النظام، وذلك بأن أدوات الانتاج التي تتغير وتتطور من فأس الى آلة هي التي يؤخذ منها النظام، فالفأس يعطي نظام الاقطاع والآلة تعطي النظام الرأسمالي. وعندما ترى العقيدة الرأسمالية فصل الدين عن الحياة، فان وقائع الحياة يؤخذ منها النظام بما يراه الانسان صالحاً لنفسه ومجتمعه.

    س- كيف ينبثق النظام من القرآن والسنّة؟
    ج- بأن يدرس المسلم المشكلة حتى يعيها تماماً، ثم يدرس ما يتعلق بها من أدلّة من القرآن والسنّة، وما أرشدا اليه من قياس وإجماع اذا لم يجد في الكتاب والسنة، ويستنبط حلّها من الأدلة المتعلقة بها. وهذه الحلول المستنبطة هي النظام.

    س- كيف يتطور مقياس الاعمال لدى الشيوعية؟
    ج- يتم ذلك بتطور النظام المادي الذي يرونه مرتبطاً بأدوات الانتاج وتطورها. فنظام الاقطاع الذي يقدم مقياسه المعين يتطور هذا المقياس في النظام الرأسمالي تبعاً لتطور أداة الانتاج من الفأس الى الآلة.

    س- ولماذا لا نعتبر مقياس الاسلام في الحياة، وهو الحلال والحرام، قابلاً للتطور ما دام يراعي المصلحة الفردية والجماعية في كل زمان ومكان؟
    ج- المصلحة في نظر الاسلام هي حيث الحكم الشرعي في حل كل مشكلة، أي حيث الحلال والحرام. فاذا رأى الاسلام ان شيئاً حلال فهناك المصلحة وليس العكس. واذا رآه حراماً فهناك المنفعة وليس العكس. ومعنى القول بأن ما يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، أن ما يرونه تبعاً للحلال والحرام، وليس مخالفاً لهما.

    س- هل من مثال او اكثر على ذلك؟
    ج- نعم، لحم الخنـزير، لو استحسنه مسلم – تبعاً لتأثره بغير المسلمين – لا يرى الاسلام في أكله مصلحة، ولا في تجارته مصلحة، لأنه محرم مهما أتى منه من منفعة. وكشف المرأة لجسمها، لو استحسنه مسلم – تبعاً لغيره من غير المسلمين – لا يراه الاسلام مصلحة، مهما كان في ذلك من استحسان او منفعة، لأنه محرم. وحكم الديمقراطية، لو استحسنه أي تجمع من المسلمين – تبعاً لتأثرهم بالواقع - لا يراه الاسلام مصلحة، لأنه محرم لخروجه على سيادة الشرع الى سيادة الشعب، مهما كان في ذلك من منفعة … وهكذا.

    س- هل الطبيعة لدى الشيوعية تعني الأرض والبيئة المناخية المحيطة بها؟
    ج- لا. وإنما تعني طبيعة الارض والبيئة والأدوات من حيث خاصية السالب والموجب التي تتصف بها. والتي يسمونها بالتناقض وينسبون اليها سبب التطور، متجاهلين مَن خلقها على هذا النظام وعجز هذا النظام عن تعيير ذاته، ناهيك عن ايجاد هذه الذات.

    س- ماذا يعني ان دور الانسان - في نظر الشيوعية - هو ايجاد التناقضات ليعجّل التطور المادي؟
    ج- هذا يعني ان يوجِد الانسان الصراع بين الأغنياء والفقراء في المجتمع لينتقل او يتطور من حال الى حال، كما يقولون. أو يوجِد الأدوات الانتاجية الجديدة المتطورة التي توجِد كما يقولون أنظمة جديدة في المجتمع فيتطور المجتمع تبعاً لها من حال الى حال.

    س- وهل الدولة في الرأسمالية لا تعمل للجماعة بل تعمل للفرد؟
    ج- إن عملها للجماعة الذي يظهر ليس من باب تولّي شؤون الجماعة جنباً الى جنب مع شؤون الفرد، وإنما من باب تدخلها وتقييدها للجماعة من أجل مصلحة الفرد. فالحريات الفردية والمصلحة الفردية هي الأساس والغاية، وما تنظيم الجماعة إلا من أجل الفرد والفردية ليس غير.

    س- ما دامت المصلحة في نظر الاسلام هي التي توجِد العلاقة بين الناس ليتشكل المجتمع، فلماذا تستنكر مراعاة المصلحة في الاعمال؟
    ج- المصلحة ما يراه الناس صالحاً لجماعتهم وأفرادهم، وهذه الرؤية تتشكل من أثر أفكارهم ومشاعرهم وأنظمتهم الاسلامية، ولا تتشكل من النظرة المادية او النفعية، أي من أوامر الله ونواهيه. ومراعاة وجود هذه الأحكام الشرعية يوجِد المصلحة فيراعى وجودها في الحياة لتوجد المصلحة في كل جانب من جوانب الحياة، فلا نستنكر المصلحة التي تقررها الاحكام الشرعية وإنما نستنكر أن تقرر المصلحة لنا الأحكام.

    س- هل كثرة المسلمين او قلّتهم هي التي تقرر نوعية المجتمع الذي يعيشون فيه؟
    ج- لا. وإنما الذي يقرر نوعية المجتمع من حيث أنه اسلامي او غير اسلامي هو وجود جميع عناصره او فقدانها كلها او بعضها. فهو مجتمع كافر اذا فقدت كلها، وغير مسلم اذا فقدت بعضها.

    س- ما الفرق بين الشيوعية والاسلام اذا كانت الدولة في كل منهما تتولى عن الفرد وعن الجماعة شؤونهم؟
    ج- في الشيوعية تتولى الدولة عن الفرد وعن الجماعة شؤونهم كلها. ولكن في الاسلام لا تتولى الدولة إلا شؤون الجماعة، اما الفرد فلا تتولى شؤونه الا عند عجزه عن تحقيق سعادته وطمأنينته.

    س- ما الفرق بين قوة الجندي وصرامة القانون في الشيوعية، وسلطان الدولة في الاسلام؟
    ج- عند تنفيذ النظام تلجأ الشيوعية للعنف المادي دائماً لأنه السبيل الوحيد لتنفيذ نظام لا يشعر الناس بعدالته. وأما في الاسلام فانها لا تلجأ للعنف المادي الا ضد العدد النادر ممن يخرجون على النظام، لأن جماعة المسلمين يؤمنون بعدالته كما ينفذونه بدافع تقوى الله وتعاونهم مع الحاكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا يظهر العنف المادي الا عند تنفيذ الحدود وغيرها من العقوبات فقط. وشتان بين العنف المادي عند تنفيذ النظام أصلاً وبين ذلك عند الخروج على بعض أحكامه فقط، ومن قبل النادر القليل من جماعة المسلمين.

    س- ما زال قول الشيوعية بصدور الاشياء عن المادة بتطورها يحتاج للمزيد من التوضيح؟
    ج- لما كان قول الشيوعية بالتطور المادي، وأنه عندهم يعني انتقال المادة من حال الى حال، فان هذا الانتقال هو الذي ينتِج الاشياء. فمثلاً عندما ترتفع درجة حرارة الماء الى الغليان فانه يتحول الى بخار، وهذا البخار ينتِج حركة دفع قوية تنتِج بدورها اشياء جديدة من المصنوعات التي تصنع بهذه الحركة، او تحرك اشياء كالقطارات التي تتولى بحركتها نقل الاشياء من مكان الى آخر. وبهذا الانتقال المادي تنتج افعال وتنتج اشياء. وهذا ما يعنونه بقولهم صدور الاشياء بالتطور المادي.

  19. #19
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي


    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

    الندوة السادسة
    العرض:
    بعد أن عقدنا في الندوتين السابقتين مقارنات بين المبادئ الثلاث حول صلتها بالانسان والمجتمع من جوانب معينة، بقي أن نكمل هذه المقارنات بأخرى بل أخيرة، ولكنها خطيرة، إن لم تكن أخطرها.

    لقد قلنا في اول ندوة من هذه الندوات الاسلامية ان مقياس صحة العقيدة، أي عقيدة، هو اتفاقها مع فطرة الانسان وبناؤها على العقل. ذلك لأن الفطرة الانسانية والعقل الانساني هما الصفتان الوحيدتان اللتان تميزان الانسان عن غيره من المخلوقات. ولأن أي عقيدة اذا لم تكن ايجابية معهما فهي لن تكون انسانية، لا في اساسها من حيث انها لم تراعي ذاتية الانسان، و لا في غايتها من حيث انها لن تحقق الخير والسعادة للانسان.

    فما هو مدى موافقة المبادئ الثلاث لفطرة الانسان، وبنائها على العقل؟
    أما بالنسبة لموافقة الفطرة فان الاسلام هو وحده من بينها الموافق لها. لأن التدين فطرة في الانسان. والتدين هو الإحتياج الى الخالق المدبر الناشئ عن العجز الطبيعي في الانسان. وهو غريزة ثابتة لها رجع معين هو التقديس. ولذلك كانت الانسانية في جميع العصور متدينة تعبد شيئاً. فعبدت الانسان والأفلاك والحجارة والحيوان والنيران وغير ذلك. وجاء الاسلام ليخرج الانسانية من عبادة المخلوقات الى عبادة الله الخالق المدبر. ولكن الشيوعية أنكرت وجود الله ووجود الروح، ونقلت تصور الانسان وإدراكه وتقديسه لخالقه الى تقديس المبدأ وحمَلَتِه من المخلوقات، فرجعت بالانسان الى الوراء. ولم تستطع القضاء على فطرة التدين فيه، وإنما حوّلتها بالمغالطة تحويلاً رجعياً. ولذلك كانت عقيدة هذا المبدأ مخفقة من ناحية فطرية. لأنها تختلف عن طبيعة الانسان، مما إضطرها أن تلجأ للقوة لإخضاع الناس لمبدئها. وكذلك الرأسمالية فانها مخالفة لفطرة الانسان، فطرة التدين، التي كما تظهر في التقديس تظهر في تدبير الانسان لأعماله في حياته لظهور اختلافه وتناقضه حين يقوم بهذا التدبير. وهذا هو دليل العجز. وهذا يفرض ان يكون الدين هو المدبر لأعمال الانسان في الحياة. والرأسمالية قد ابعدت الدين من الحياة الانسانية. علماً بأن وجوده فيها لا يقف عند العبادات بل يشمل ايضاً التزام النظام الذي أمر الله به كخالق ومدبر التزاماً كلياً في معالجة جميع مشاكل حياة الانسان. فهذه العقيدة ايضاً عندما أبعدت الدين من الحياة كانت مخالفة لفطرة الانسان. وكانت مخفقة من ناحية فطرية. وكانت سلبية بفصلها للدين عن الحياة وجعله مسألة فردية. فيكون الاسلام وحده بعقيدته التي تقرّ التدين ومظهريه في التقديس والتدبير هو الموافق للفطرة الانسانية والناجح من هذه الناحية.

    واما بالنسبة للبناء على العقل، فعقيدة الاسلام هي وحدها العقيدة الايجابية للانسان. لأنها تجعل العقل أساس الايمان بوجود الله، بما تلفت النظر اليه في الكون والانسان والحياة، ليجزم بوجود الله الخالق المدبر. وتدل الانسان الى ما يبحث عنه بفطرته من كمال مطلق، وترشد عقله اليه ليدرك وجوده ويؤمن به. كما أنها تفرض على المسلم ان يؤمن مع وجود الله بنبوّة محمد وبالقرآن الكريم عن طريق العقل، والمغيبات التي أتى بها شيء ثبت وجوده بالعقل من قرآن وحديث متواتر. أما الشيوعية فهي مبنية على المادية وليس على العقل، وإن توصل اليها العقل. لأنها ترى وجود المادة قبل الفكر، وأن المادة هي أصل الاشياء كلها. وتقول بأن المادة حين تنعكس على الدماغ يوجد الفكر، وذلك عندما يفكر الانسان بالمادة التي انعكست على دماغه. فلا فكر قبل الانعكاس. وهذا الزعم خطأ من ناحيتين: الاولى: لأن الانعكاس بين المادة والدماغ غير موجود، لعدم وجود قابليته بينهما كما هو بين المرآة وغيرها. والموجود بينهما هو انتقال الاحساس بالمادة الى الدماغ بوساطة الحواس. وهذا متحقق في العين وغيرها من الحواس. والثانية: أن الاحساس بالواقع لا يوجِد فكراً وإنما إحساساً فقط مهما تعدد. فلا بد من وجود معلومات سابقة عند الانسان لتفسير الواقع الذي أحسّ به حتى يحصل الفكر. فالحس بكتاب بالصينية مثلاً لا يمكن ان يوجِد أي فكر عن هذه اللغة لمن يجهلها مهما تنوع إحساسه بالكتاب. ولكن عندما نعطي الانسان الذي يحاول ذلك معلومات عن الصينية فانه يستعملها فيدرك بالفكر انها اللغة الصينية. وهذا ما يسمى بالادراك العقلي. وهو ما يمتاز به الانسان عن باقي المخلوقات. أما الادراك الشعوري فناتج عن الغرائز والحاجات العضوية، كما يحصل لدى الحيوان ويحصل لدى الانسان دون العقل. ولهذا لا يمكن ان يوجد الفكر والعقل والادراك لدى الانسان الا اذا وجدت المعلومات السابقة مع نقل الاحساس بالواقع بواسطة الحواس الى الدماغ. وعليه فان العقيدة الشيوعية مخطئة في فهمها للفكر وفاسدة في عدم بنائها على العقل. وأما الرأسمالية فهي مبنية على الحل الوسط بين رجال الكنيسة والمفكرين، وهو فصل الدين عن الحياة. أي الاعتراف بالدين ضمناً وفصله عن الحياة. ولذلك كانت حلّ ترضيةٍ او وسطٍ أنهى الصراع العنيف الذي استمر قروناً بين المفكرين ورجال الكنيسة. مما جعل الحل الوسط فكرة أصيلة عندهم تظهر بالتقريب بين الحق والباطل والايمان والكفر والنور والظلام، مع أن كلا منها لا يلتقي مع الآخر. ولذلك كانت عقيدتهم فاسدة لأنها غير مبنية على العقل.

    وهكذا كانت العقيدة الاسلامية هي الوحيدة الصحيحة السليمة. لأنها موافقة لفطرة الانسان ومبنية على العقل. بينما تلكما الأخريان – الشيوعية والرأسمالية- باطلتان فاسدتان، لأنهما تتناقضان مع فطرة الانسان وغير مبنيتين على العقل.


    المناقشة:

    س- ما معنى أن الانسان متدين بفطرته؟
    ج- معناه أنه بطبعه يشعر أنه ناقص بجانب قوة أكمل منه تستحق التقديس، وأنه محتاج لتدبير هذا الخالق المدبر بسبب عجزه الطبيعي.

    س- كيف عبدت الانسانية المخلوقات وفيها نبوّات ورسل؟
    ج- كما تعبد اليوم، وفي كل عصر، خروجاً على النبوات والرسل. لأن الانسان يملك أن يؤمن بشيء او بآخر او يكفر به، باختياره وليس جبراً عنه.

    س- كأن أصل العبادة هو التقديس؟
    ج- بل هو ملازم لها دائماً ولا تحل محله، بحيث لا يحصل أحدهما دون الآخر.

    س- كيف كانت العقيدة المادية سلبيةً؟
    ج- لأنها لا تتفق مع طبيعة الانسان المتدينة في فطرتها، وتدّعي بأن التدين رجع للخلف في أصله، مع أنه في الحقيقة فطرة مغروزة في الانسان. وما الخوف من الله او من غيره في التقديس الا مظهراً لها.

    س- كيف يًتَحيَّل للمادية الشيوعية لإنجاحها بالمعدة والبؤس والحقد والشذوذ العقلي؟
    ج- لأنها مناقضة لفطرة الانسان وطبيعته، فان دعاتها يستغلون جوع المعدة وبؤس المحتاج وحقد المخفق في الحياة. ويصوّرون لهم أن الايمان بها والالتزام بفكرها هو السبيل للرفاه والسعادة والخروج مما هم فيه. ويستخدمون في ذلك التشدّق بالنظرية الجدلية الباطلة حسّاً وعقلاً، مما جعلهم شاذين عقلياً.

    س- ولكن القوة الفكرية ظاهرة في مناظراتهم مع غيرهم؟
    ج- هذه قدرة على الجدل بالتهرب من أصل الانسان والبحث فيه الى حاجات معدته وجسمه المادية.

    س- الرأسمالية تعترف بالدين، فكيف تخالف فطرة الانسان؟
    ج- هي ترفض البحث في الاعتراف بالخالق ووجوده او إنكاره. وتقول بأن ذلك متروك للفرد يقرر فيه ما يشاء دون أدنى قيمة له في الحياة وشؤونها. بينما فطرة الانسان تقول بأن الحياة لا تستقيم للفرد والمجتمع الا بالدين: تقديساً للخالق من دون غيره، والتزاماً بأوامره ونواهيه في تنظيمات الحياة الفردية والمجتمعية دون غيرها.

    س- لماذا تتناقض الشيوعية مع الرأسمالية في تطبيق كل منهما، مع أن كلا منهما مناقض للفطرة؟
    ج- لأن الشيوعية تستخدم القوة لإخضاع الناس لمبدئها بالضغط، كما تستخدم القلاقل في وصولها للمجتمعات، طالما هي لا تعترف بفردية الفرد الا كالسن في الدولاب، وأن المهم هو المجتمع وتطبيق المبدأ عليه. وأما الرأسمالية فهي قائمة على فكرة الحريات الأربعة، والفرد والفردية هما الاساس في تطبيقها في المجتمع دون ضغط. فليؤمن الفرد بما شاء وليكفر بما شاء وكلما شاء، وليتصرف كما شاء وبما شاء. وما تدخل الدولة عندهم الا لحماية هذه الحريات الفردية. ومن هنا كان التناقض في التطبيق.

    س- ماذا يعني إذن أن العقيدة الاسلامية هي الايجابية الوحيدة؟
    ج- يعني أنها الوحيدة التي توافق الفطرة الانسانية بإقرار تدينها الغريزي، وأنها الموافقة او المبنية على العقل، لأنها تجعله أساس الايمان بوجود الله والتزام طاعته.

    س- وهل وجد فكر الانسان قبل أن يوجد هو حتى نقول بخطأ الشيوعية التي تقول بوجود المادة قبل الفكر؟
    ج- نعم. وجدت مادة التفكير السابقة قبل الانسان نفسه، كما توجد الآن المعلومات التي نعلمها لأطفالنا قبل وجودهم هم.
    س- من أين وجدت مادة التفكير الاولى او المعلومات السابقة؟
    ج- من خالق المادة والانسان الذي قال في كتابه الكريم "وعلّم آدم الأسماء كلها … " .

    س- والتفكير كيف تحصل عمليته في الانسان؟
    ج- بأن ينتقل أي واقع بواسطة حاسة او اكثر من حواس الانسان الى دماغه، فيحس بهذا الواقع ويكرر الاحساس مرات ومرات وهو يستنجد بما في دماغه من معلومات سابقة حول هذا الواقع، فيصدر حكمه عليه أنه كذا او كيت بعد وصول النجدة الفكرية الى موقع الحكم والتفكير. ولولا وجود الدماغ السليم للعملية أصلاً، ووجود مخزون من المعلومات السابقة عن الواقع لديه لكان الإحساس بهذا الواقع هو مجرد إحساس ولم ينتقل الى فكر مهما تكرر وتكرر.

    س- فلماذا لا نسمي هذا الانتقال للواقع انعكاساً كما تقول المادية؟
    ج- لأن انتقال الحس بالواقع الى الدماغ لا يشبه الانعكاس، لعدم وجود قابلية الانعكاس لا في الواقع ولا في الدماغ. اللهم الا اذا أمكن تصوّر أحدهما بأنه مرآة فيها هذه القابلية، وهذا غير موجود.

    س- ما الفرق بين الادراك لدى الانسان ولدى المخلوقات الحية الاخرى؟
    ج- إن ادراك الانسان يجري بواسطة العملية العقلية في دماغه من خلال إعمال ما يختزنه هذا الدماغ من معلومات سابقة، نظرية كانت او عملية، عندما تنقل الحواس اليه اي واقع يريد إدراكه. فالادراك لديه إذن عقلي. وأما الادراك لدى غير الانسان فيتم بواسطة العملية الغرزية فيه عندما تدعوه اية غريزة لاشباعها فان رجعها الشعوري فيه التمييز بين ما يشبعها وما لا يشبعها طبيعياً. فيميز الطفل مثلاً بين ثدي أمه وبين القطعة من الحجر بهذا الشعور الغريزي، كما يميز الحيوان بين العشب الصالح لغذائه والضار او قطعة الحجر غير الصالحة له. فالادراك لديه شعوري.

    س- كيف تبنى العقيدة الرأسمالية على الحل الوسط؟
    ج- الحل الوسط هو فصل الدين عن الحياة. وسمي بالحل الوسط لأنه وسط بين مطلب رجال الكنيسة بالإبقاء على الدين في الحياة، ومطلب المفكرين بإنكار الدين كلياً. فكان وسطاً لأنه اعترف ضمناً بالدين ولم ينكره، فأرضى رجال الكنيسة، ولكنه أبعده وفصله عن الحياة، فأرضى رجال الفكر المادي بالذات والمؤمنين بالعلم ونتائج تجاربه ومختبراته.
    س- ما الفرق بين الايمان بوجود الدين في الحياة ووجوب وجوده فيها؟
    ج- مجرد وجوده في الحياة يعني الوجود الفطري الطبيعي في حياة الانسان كغريزة مخلوقة في الانسان. وأما وجوب وجوده فيها فيعني الالتزام بكل ما يحمله الدين من معانٍ ويشتمل عليه من أوامر ونواهٍ. فوجود الدين يعني الايمان بأن الله سبحانه خالق للوجود. ووجوب وجوده يعني الايمان بأن الله سبحانه هو المدبر للوجود وأن تدبيره هذا بأوامره ونواهيه هو الذي يجب أن يسيّر جميع شؤون الحياة.

  20. #20
    نجــم العربي الموحد
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    المشاركات
    226
    معدل تقييم المستوى
    9

    افتراضي



    هل الاسلام قادر على قيادة البشرية


    الندوة السابعة
    العرض:
    بعد أن رأينا في الندوات الثلاث السابقة نتيجة المقارنات المتعددة بين المبادئ الثلاث أن الاسلام هو وحده المبدأ السليم الصحيح الذي يستطيع أن يأخذ بيد الانسان الى البناء والرفاه في الدنيا والسعادة في الآخرة، جاء دور الاجابة على هذا السؤال:

    هل نفّذ المسلمون الاسلام في حياتهم، أم أنهم اعتنقوه عقيدة وطبّقوا غيره ؟

    للاجابة على هذا السؤال نقول مجملاً بأنه لم يطبق المسلمون منذ عهد الرسول عليه السلام حتى سقوط الدولة الاسلامية الممثلة بالخلافة العثمانية غير الاسلام. ثم نقول بشيء من التفصيل أن مَن يطبق الاسلام ونظامه في الحياة هو الدولة. والتطبيق في الدولة يتمثل في شخصين: الاول القاضي، الذي يفصل في الخصومات بين الناس، والثاني الحاكم، الذي يحكم بين الناس.

    فهل فصل القاضي الخصومات بين الناس بالشريعة الاسلامية؟
    من الثابت بالنقل المتواتر ان القضاة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية الخلافة في اسطنبول كانوا يفصلون الخصومات بين الناس حسب أحكام الشريعة الاسلامية في جميع شؤون الحياة. سواءا في ذلك بين المسلمين وغيرهم او فيما بينهم وحدهم. وأن المحكمة كانت محكمة واحدة تحكم بالشرع الاسلامي وحده. وأن الوضع قد استمر على ذلك حتى فصلت المحاكم بتأثير الاستعمار الى شرعية ونظامية. ونظرة مخلصة في سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في القدس وبغداد ودمشق والقاهرة واسطنبول وغيرها تظهر صدق ذلك. وأما القوانين الغربية التي أُدخلت فكان بناءا على فتوى العلماء بعدم مخالفتها لأحكام الاسلام. ومنها قانون الجزاء العثماني الذي أُدخل عام 1275هـ/ 1875م، وقانون الحقوق والتجارة الذي أُدخل عام 1276هـ/ 1858م. وأما المحكمة فلم تقسم الى شرعية ونظامية الا عام 1288هـ/ 1870م ووضع لها نظام خاص. وأما في عام 1295هـ/ 1877م فقد وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية، وتبعها في عام 1296هـ/ 1878م وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية. واستُبعد القانون المدني عام 1286هـ عندما وضع العلماء المجلة ولم يجدوا مبرراً لإدخاله الى الدولة ومعاملاتها. وبذلك يظهر ان كل هذه القوانين لم توضع موضع العمل الا بعد الفتوى بإجازتها وإذن شيخ الاسلام بها، وأن الاسلام قد طًبّق قضائياً في جميع عصور الدولة الاسلامية.

    ويبقى السؤال الآخر: وهل طبّق الحاكم الاسلام في جميع جوانب الحياة طيلة عهود الدولة الاسلامية كما طبّقه القاضي؟
    للاجابة على هذا السؤال نقول: أن تطبيق الاسلام من قبل الحاكم يظهر في خمسة جوانب في الحياة: الجانب الاجتماعي، والاقتصادي، والحكم، والتعليم، والسياسة الخارجية. ولو تتبّعنا هذه الجوانب الخمسة لوجدنا ان الدولة الاسلامية قد طُبّق فيها ذلك كله. ففي الجانب او النظام الاجتماعي، الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة، لم يطبق الحاكم غير الاسلام، وحتى كل البلاد الاسلامية تقريباً ما زالت تطبق هذا الجانب. وأما الجانب او النظام الاقتصادي، الذي يتمثل في كيفية أخذ الدولة للمال من الناس لتعالج مشاكلهم وفي كيفية إنفاقه، فقد أخذت الزكاة بجميع انواعها ووزعتها على أصنافها الثمانية فقط، ولم تستعملها في إدارة شؤون الدولة. وأخذت الاموال كالخراج والجزية والجمارك حسب الشريعة لادارة شؤون الدولة والأمة. وأنفقت الاموال على العجزة والمحتاجين من فقراء ومساكين وأبناء سبيل وغيرهم، بغض النظر عن الإهمال والتقصير الذي كان يحصل أحياناً. وأما جانب او نظام الحكم فيقوم جهاز الدولة فيه على ثمانية أركان هي: الخليفة، ومعاون التفويض، ومعاون التنفيذ، وأمير الجهاد، والقضاة، والولاة، والمدراء، ومجلس الأمة. وكان هذا الجهاز موجوداً طيلة العهود: فالخليفة كان موجودا دائما حتى أزال الكافر المستعمر على يد أتاتورك الخلافة عام 1334هـ/ 1924م. والمعاون سواءا للتفويض او للتنفيذ كان موجوداً يعاون الخليفة في الحكم عند التفويض وفي الادارة عند التنفيذ. والجيش وأمير الجهاد كانوا من الشهرة بحيث طغت على غيرها. والولاة والقضاة والمدراء لشؤون الدولة ومصالح الناس لا يحتاج وجودها لدليل. ومجلس الأمة في تقديمه الشورى والمشورة وجد بشكل من الاشكال حيناً ولم يوجد أحياناً اخرى، لأنه حق من حقوق الرعية لا يؤثر عدم وجوده على نوعية الحكم، كما هو الحال في مجالس النواب الديمقراطية التي تعتبر من أسس وقواعد الحكم. وأما جانب التعليم فكان مبنياً على اساس الاسلام سواء في التثقيف بالثقافة الاسلامية او تجنب الثقافة الاجنبية اذا ناقضت الاسلام، او التعليم بجميع مستوياته والذي جعل البلاد الاسلامية محل أنظار العلماء والمتعلمين بعلمائها وجامعاتها. وأما السياسة الخارجية فكانت مبنية على اساس اسلامي، إذ كانت الدولة تبني علاقاتها مع الدول الاخرى على اساس الاسلام، وجميع الدول تنظر اليها كدولة اسلامية ليس غير، وكانت هذه الناحية أشهر من أن تعرّف.
    وهكذا يظهر للعيان أن الحاكم قد طبق في جميع عهود الدولة الاسلامية الشريعة الاسلامية في جميع جوانب الحياة الخمسة دون استثناء. كما ظهر لنا ان القاضي لم يفصل في الخصومات طيلة عصور الدولة الاسلامية بغير الاسلام. مما يجزم أن الاسلام قد طُبق في دولة اسلامية تطبيقاً ناجحاً بشكل منقطع النظير في نجاحه.

    وهنا يرد تساؤل: ولكن بيعة الخليفة قد اضطربت او اهتزت بعد العهد الراشدي حتى كادت تصبح وراثة! والحقيقة ان ذلك الاضطراب والاهتزاز لم يلغِ البيعة وإنما أُسيء اليها. لأن الثابت أن الخلافة لم تتحول الى ملكية وراثية. ولم تصبح الوراثة فيها حكماً مقرراً في أي عهد من عهود الدولة الاسلامية. وكانت البيعة هي الحكم المقرر في الدولة. أما كيف تؤخذ هذه البيعة من كل المسلمين، فهذا ما اختلف من عهد الى آخر. فكانت تؤخذ من المسلمين في بعض العصور، وتؤخذ من أهل الحل والعقد في البعض الآخر، وتؤخذ من شيخ الاسلام في آخر العصر العثماني الهابط.
    ولو رجعنا الى مسار الدولة الاسلامية في مختلف العصور لوجدنا البيعة في العهد الراشدي قد أخذت من المسلمين جميعاً ولم تقتصر على فئة معينة او مكان معين. وأما في العصور التالية: الأموي والعباسي وغيرهما فكانت تقصر على فئة أهل الحل والعقد في الدولة. واستمر الحال كذلك حتى نهاية العهد العثماني حين اقتصر أخذها على شيخ الاسلام.
    وعليه، يمكن الجزم ان العمل قد جرى في جميع عصور الدولة الاسلامية على تنصيب الخليفة بالبيعة. ولم ينصّب اي خليفة بالوراثة دون بيعة مطلقاً. ولم تستثنى في ذلك حادثة واحدة.
    أما كيف كانت تجري الاساءة في تطبيق أخذ البيعة، فقد كان ذلك عندما كان يأخذها الخليفة من الناس في حياته لإبنه، او أخيه او إبن عمه او اي شخص آخر من أسرته. ولكنها كانت تُجدّد لذلك الشخص بعد وفاة الخليفة. مما يجعلها تبقى بيعة ولا تصبح لا وراثة ولا ولاية عهد.

    وعليه فان النظام الاسلامي وحده قد طُبق عملياً دون غيره طيلة عصور الدولة الاسلامية.




    المناقشة:

    س- ماذا يقصد بتطبيق الاسلام عملياً؟
    ج- يقصد بذلك وجود أنظمته في واقع الحياة بجميع جوانبها من جهة، وللفصل في القضايا بين الناس من جهة اخرى.

    س- وهل هناك تطبيق نظري للاسلام؟
    ج- نعم. وذلك عندما يعيش الناس في بلد وهم أكثرية أهله الساحقة على بعض المظاهر الاسلامية فيدّعي من يدّعي بأنهم يطبقون الاسلام، وما هي الا رقع الديمقراطية.

    س- ولماذا فصلنا بين تطبيق القاضي والحاكم؟
    ج- الحاكم هو المتبنّي للتشريع في جميع جوانب الحياة. بينما القاضي هو المنفّذ له في رفع المنازعات بين الناس فقط.

    س- هل طبّق الاسلام على المسلمين فقط من رعايا الخلافة طيلة عصورها؟
    ج- لا. وإنما طبق ايضاً على غير المسلمين، مع اختلاف عن المسلمين حيث يلزم شرعاً احياناً كمأكلهم ومشربهم مثلا.

    س- ماذا يقصد بالخصومات والجزاء ؟
    ج- الخصومة في الحق أن يتنازع شخصان على ادعاء أن حقاً معيناً ملك لكل منهما، كملكية دار او سيارة. وأما الخصومة في الجزاء فتكون عندما يطلب المعتدى عليه معاقبة من اعتدى عليه، كأن ضربه او شتمه.

    س- ما المقصود بالأحوال الشخصية؟
    ج- هي كل الاحوال التي تتصل بشخص ما من حيث تصرفاته بشخصه من الزواج والطلاق والميراث.

    س- كيف فصلت المحاكم بتأثير الاستعمار الى شرعية ونظامية؟
    ج- جعل للحقوق والجزاء محكمة، وللأحوال الشخصية محكمة اخرى. وعندما احتلت جيوش المستعمرين البلاد الاسلامية عمدوا الى فرض تشريعاتهم في مجالات الحقوق والجزاء، وجعلوا لها محكمة مستقلة بقصد إبعاد الاسلام عن الحياة العامة.

    س- كيف نجحوا في ذلك وهم يحكمون مسلمين؟
    ج- باستضعاف المسلمين وهم المغلوبون على أمرهم، وباستئجار نفر من أبناء المسلمين صنعوا عقولهم، ممن يسمون بالمثقفين، على ذلك.

    س- ماذا يقصد بالمجلة كقانون للمعاملات؟
    ج- هي ما أطلق عليه مجلة الاحكام الشرعية. وهي مجموعة من القواعد العامة التي وضعت من المذهب الحنفي لتنظيم شؤون معاملات الرعية عام 1286هـ/ 1868م.

    س- كيف كان يفتي العلماء بإدخال قوانين غربية الى أنظمة الدولة الاسلامية؟
    ج- بمدى علمهم وتشابه الأمر عليهم وفقدانهم للقدرة على استنباط التشريع، وقد ساد الإنحطاط الفكري.

    س- متى فصلت المحاكم الى شرعية ونظامية؟
    ج- عام 1288هـ/ 1870م.

    س- هل تطبيق الاسلام قضائياً ملازم لتطبيقه تشريعياً؟
    ج- لا. لأن التطبيق القضائي ولو الجزئي قد استمر، وما زال مستمراً، في بعض البلدان الاسلامية بعد إلغاء الخلافة وذهاب الحاكم الذي يطبقه تشريعياً بما يتبناه من تشريعات لجميع شؤون الحياة.

    س- وهل يعتبر الحكم اسلاميا اذا طبق الاسلام قضائياً فقط؟
    ج- لا. لأن الحكم الاسلامي مرتبط بالخليفة الذي يستنبط او يتبنى التشريع من الكتاب والسنّة. وما القاضي الا منفّذ في مجاله لما سنّه الخليفة.

    س- لماذا حصرنا النظام الاجتماعي في علاقة الرجل بالمرأة وما يترتب عليها؟
    ج- لأن هذه العلاقة التي تنشئ الأسرة هي أصل تجمّع البشر فيما بينهم لذات الاجتماع، وأما أشكال التجمع الاخرى فهي لأهداف اخرى.

    س- لماذا لم تذكر كيفية تنمية المال في النظام الاقتصادي؟
    ج- لأن تنمية المال مهمة علم الاقتصاد وليست من النظام. العلم مكانه المختبر حيث التجارب التي لا يجوز للنظام ان يتدخل بها، كما لا يجوز ان يكون النظام محل تجارب.

    س- كيف لم تأخذ الدولة بأي نظام للضرائب مع انها أخذت بضرائب الجمارك؟
    ج- إنها لم تأخذ لا بنظام الضرائب التصاعدي ولا غيره مما هو معمول به في النظم الاخرى. وأما ضرائب الجمارك فهي ليست من ذلك، بل من باب الاشراف على التجارة الخارجية والداخلية وتطبيقاً لسياسة التعامل بالمثل.

    س- ولكن العوز والفقر كانا منتشرين في الدولة الاسلامية، فأين عدالة التوزيع؟
    ج- لم ينتشرا الا في ظروف معينة سرعان ما تذهب، وما تلك الظروف الا احياناً من التقصير والإهمال وإساءة التطبيق للنظام الاقتصادي الاسلامي وليس عدم تطبيقه.

    س- هل من أمثلة تظهر حرص الدولة على ازالة العوز والفقر؟
    ج- الإنفاق على العاجز اذا لم يوجد من ينفق عليه من المكلفين شرعاً، والحجر على السفيه والمبذر حتى لا يقع في الحاجة، وإقامة الوصيّ عليه لتحقيق ذلك، وتشييد أمكنة في كل مدينة، وفي طريق الحج، لازالة حاجة المحتاجين.

    س- هل من الحرص على أخذ الثقافة الاجنبية الترجمات التي كانت تكافأ في العهد العباسي؟
    ج- كان ذلك لترجمات العلوم وليس الثقافات المناقضة للاسلام.

    س- هل جرى تقصير في فتح المدارس من قبل الدولة الاسلامية؟
    ج- نعم. جرى في العهد العثماني، وفي أواخره بالذات، بسبب الانحطاط الفكري العام.

    س- هل من أمثلة على رقيّ التعليم في الدولة الاسلامية؟
    ج- جامعات قرطبة وبغداد ودمشق والاسكندرية والقاهرة وغيرها خير امثلة على ذلك.

    س- كيف كانت تبنى السياسة الخارجية على اساس الاسلام؟
    ج- بأن كانت علاقات الدولة الاسلامية مع الدول الاخرى على اساس الاسلام ومصلحة المسلمين سواء من حيث التعامل على اساس دار الاسلام و دار الكفر، او دار السلام و دار الحرب، او من حيث نظم المواثيق والمعاهدات الشرعية مع الدول في جميع الاحوال.

    س- كيف توجد الدولة الاسلامية بوجود الخليفة؟
    ج- لأنه المتبني للأحكام الاسلامية لتنظيم شؤون الحياة في الداخل، وحامل لواء الجهاد لنشر الاسلام في الخارج. وهذه هي مهمة الدولة الاسلامية كلها.

    س- ما الفرق بين الخليفة والإمام في رئاسة الدولة الاسلامية؟
    ج- لا فرق بينهما. فلو سمّي رئيس الدولة الاسلامية بهذه التسمية او تلك مما لهما دلالة شرعية صحيحة جاز، وإلا فلا.

    س- كيف أزال الكافر المستعمر الخلافة عام 1924م على يد كمال أتاتورك؟
    ج- بمؤامرات استغلت فيها الظروف الحربية، ويمكن معرفة التفاصيل من كتاب (كيف هدمت الخلافة).

    س- وهل يختلف معنى لقب وزير عن معاون شرعاً حتى نقرّ هذا ونرفض ذاك؟
    ج- في العصر العباسي لم يكن من خلاف بينهما، فاستعمل لقب وزير للمعاون للدلالة على اللفظية الواحدة في اللغة والشرع معاً. وأما في العصر الحاضر، فقد حمل الوزير دلالة الحكم الديمقراطي المخالفة للاسلام.

    س- ما الخلاف بين الاسلام والديمقراطية في ذلك؟
    ج- في الاسلام السيادة للشرع والسلطان للأمة. وأما في الديمقراطية فالسيادة والسلطان معاً للأمة، لأنهم يفصلون ويبعدون الاسلام كغيره من الأديان عن الحياة.

    س- ما دامت كل الصلاحيات للخليفة ألا نسمي ذلك دكتاتورية او استبداداً دينياً؟
    ج- الدكتاتورية استئثار الفرد بالسلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية حسب التقسيمات الديمقراطية. وهذا مردود في الاسلام، لعدم وجود هذا التقسيم أصلاً، لأن السيادة للشرع وليس للشعب حتى تعتبر مصادرة السيادة منه دكتاتورية، وكذلك الاستبداد الديني.
    س- كيف كان الجيش في الدولة الاسلامية اسلامياً؟
    ج- بالنظام الاسلامي الذي كان يخضع له ديوان الجند، وبالقيود الشرعية المرعية في تصرفات الجندي والقائد، وبالمهمة الجهادية لحماية الثغور وإزالة الحواجز المادية أمام نشر الاسلام في الخارج.

    س- كيف لا تعتبر الشورى من قواعد الحكم في الاسلام والسلطان للأمة؟
    ج- لأن الشورى مجرد أخذ الرأي مطلقاً، وهي غير ملزمة. وقواعد الحكم ملزمة، وسلطان الأمة يمكن ممارسته بفسح المجال بأي شكل لتمارس الأمة هذا الحق وهو أخذ رأيها وليس لتحكم كما في الديمقراطية.

    س- لماذا التركيز على البيعة كنظام لوصول او تنصيب الخليفة في رئاسة المسلمين؟
    ج- لأن القاعدة الثانية من قواعد الحكم في الاسلام هي ان السلطان للأمة. ولا يظهر ذلك عملياً في التطبيق الا عندما تمارس الأمة كلها – كما كان العهد الراشدي- او بعضها – كأهل الحل والعقد في العهود الاخرى- او حتى أحدها المعتبر في نظر الأمة الناطق باسمها- كشيخ الاسلام في أواخر العهد العثماني، هذا السلطان.

    س- ما الفرق بين النظام الملكي الوراثي وبين البيعة التي كانت تؤخذ بالوراثة في عهود مختلفة؟
    ج- النظام الملكي قائم على الوراثة كحكم مقرر ونظام نافذ، ولا يملك أحد من الأمة التدخل في تنصيب الملك. وأما رئاسة الدولة الاسلامية فكان الرئيس او الخليفة فيها لا يستند الى مثل ذلك الحكم او النظام في تنصيبه في الرئاسة، وإنما يستند الى حصوله على البيعة، وكان هذا صريحاً وواضحاً طيلة عصور الدولة الاسلامية.

    س- ولكن الخلفاء بعد العهد الراشدي كانوا يتوارثون رئاسة الدولة؟
    ج- لم يكن التوارث هو نظام أخذ الرئاسة دون أن تسانده البيعة. بل كان اي خليفة عندما يورث المنصب لابنه او اخيه او اي ذي قرابة يحرص على اخذ البيعة له في حياته. ويعود هذا الخليفة ويأخذها من الناس كلهم او بعضهم بعد وفاة الخليفة الذي أخذها له قبل وفاته.

    س- ألا يعتبر هذا تحايلاً على أخطر منصب في الدولة؟
    ج- يعتبر بدون شك إساءة لتطبيق الحكم المقرر شرعاً لتنصيب رئيس الدولة. سواء سمي تحايلاً أم لا، لأن وصفه بالتحايل لا يلغيه من استيفائه البيعة كنظام شرعي.

    س- هل من تشبيه يقرب هذه الصورة من اساءة التطبيق الى الذهن؟
    ج- الانتخابات النيابية في النظام الديمقراطي تبقى تسمى انتخاباً ولا تسمى تعييناً حتى لو فاز فيها الاشخاص الذين تريدهم الحكومة. فلا يعتبر هذا إلغاءاً للانتخابات وجعلها تعييناً، وإنما يعتبر اساءة تطبيق لهذا النظام.
    [/size]
    التعديل الأخير تم بواسطة rajaab ; 22-07-2005 الساعة 04:48 PM

 

 
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 3 (0 من الأعضاء و 3 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •