كلمات في النقد الأدبي
إننا في النقد الأدبي، نتذكر أن النقد ما هو إلا وليد الأدب وثمرة من ثماره، لذا: وجب علينا عند البحث في نقد موضوع أدبي ما ، أن نعالجه من حيث حقيقته الأدبية وعناصره وأنواعه وعلومه ومذاهبه الأدبية عند العرب خاصة، وما يتبعها من فن؛ فمثلا: دراسة علم العروض بأصوله وقوانينه هو دراسة لموسيقى الشعر العربي ونظم الشعر تطبيقا على هذه الأصول والقوانين، فهو فن الشعر.
وبما أننا ندرس أن ننقد الأدب العربي، فحتما لا بد أن نكون على دراية كاملة بكلام العرب، فلا نرفع المنصوب ولا نجر المرفوع، فأول النقد يلحق خلو الجمل من الأخطاء القواعدية، وهذا هو الشرط الأول حتى لو استساغ الناس الوزن أو المعنى أو العاطفة أو الأسلوب أو كل هذه الأمور مجتمعة. وإلا لما كان القول من كلام العرب، ولا من الأدب: شعرا كان أم نثرا.
وأما عن عناصر الأدب التي يتكون منها، ولا يتحقق وجوده إلا بوجودها فهي:
- - العاطفة والخيال والمعنى والأسلوب.- -
أما العاطفة، فهي مظهر من مظاهر الشعور الثلاثة: الفكر والوجدان والنزوع أو الإرادة، فالعاطفة إذن انفعال قوي يتجمع حول شخص ما أو شيء أو معنى معين ويرتبط به ، فهو الناحية الحساسة في النفس، وهو موطن السرور والألم.
أما الخيال، فهو استحضار صور المدركات الحسية عند غيبتها عن الحواس، وعن هذا ينشأ التخيل أو الخيال.. . ومنها أن نقول: أقبل الصبح أو تنفس الليل أو ماتت الريح، فهذا ما نسميه المجاز.
أما المعاني، فهي قوام كل أنواع الأدب، ويشترط فيه أن يكون صحيحا وطريفا وكامل المعنى وذلك بتميم المعنى أو بتكميل المعنى التام أو بالإيغال (أي زيادة على المعنى الكامل) ويكون في القافية أو استيفاء جميع أقسام المعنى أو بالإطناب بالاعتراض مما يفيض على المعنى ظلالا من الحسن… ثم أن يكون واضحا غير غامض وذلك بأن يكون الأسلوب غير معقد بعيدا عن المبالغة بعيدا عن استخدام الكلمة في غير ما وضعت له بعيدا عن مخالفة القياس في اللغة.
أما الأسلوب، فهو المنهاج الذي ينهجه الأديب في الإفصاح عن فكر يختلج بذهنه أو عاطفة تعتمل في قلبه. أي أنه جملة ما يتذرع به الأديب من الذرائع إلى تصوير فكره أو تصوير عاطفته. إلا أن البعض عرفه بأنه طريقة اختيار الشاعر للألفاظ على الشكل الذي يرتضيه الذوق.. . وبهذا فإن الأسلوب هو خلق مستمر: خلق الألفاظ بواسطة المعاني، وخلق المعاني بواسطة الألفاظ. فهو ليس اللفظ وحده ولا المعنى وحده، وإنما هو مركب فني من عناصر مختلفة يستمدها الفنان من ذهنه ومن نفسه ومن ذوقه. تلك العناصر هي الأفكار والصور والعواطف ثم الألفاظ المركبة والمحسنات المختلفة. وقد فضل غالبية النقاد الأسلوب على المعنى، والجاحظ مثلا يرد على من يفضل المعنى على الأسلوب بقوله: "والمعاني مطروحة في الطريق ويعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماس، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة ، وضرب من النسج وجنس من التصوير" وقد جاء هذا في كتاب الحيوان للجاحظ ، في الجزء الثاني في الصفحة 121.
ويقول – في نفس المعنى- ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة: "إن المعاني موجودة في طباع الناس يستوي الجاهل فيها والحاذق. ولكن العمل على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة التأليف. ألا ترى لو أن رجلا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف،وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس، فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة لم يكن للمعنى قدر؟ وبعضهم مثل المعنى بالصورة واللفظ بالكسوة، فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس، فقد بخست حقها وتضاءلت في عين مبصرها"
والأساليب أنواع: منها الجزل والسهل والسوقي (الألفاظ الثقيلة) والحوشي (الغريبة)
ومن أمثلة اتحاد النظام والأسلوب أن تجمع بين شيئين متباينين تمام التباين ، كقول الشاعر:
وكأن الشمس المنيرة ديــنـا ** رٌ جلته حدائد الضّـرّابِ
فقد جمع بين الشمس المنيرة والدينار، ثم أنشأ بينهما اتجادا عن طريق المشابهة والتشبيه.
ومثله أيضا:
حول أعشاشها على الأشجار *** قد سمعنا "القيان" وهي تغني
فقد جمع بين مختلفين: الطيور المغردة على الأشجار والقيان المغنيات ووحد بينهما عن طريق الإستعارة
وهذا طبعا يختلف اختلافا كليا عن أن تأتي بشيء وتعيد قوله، فهذا لا معنىً به ولا أسلوب، فهو كما قالت العرب:
"يفسر الماء بعد الجهد بالماء"
وكما قال الشاعر:
كأننا والمـــاء من حولنا *** قوم جلوس حولهم الماء
وهناك مثلا شعبي أيضا حول هذا الموضوع يدور بمعناه عن الدوران حول الطاحون….
فلا وجود لترابط الأفكار ولا وجود للمضمون فيها.
كما يختلف عما فيه الغموض في الفكرة كقول الأعرابي للخياط الأعور " عمرو " الذي خاط له ثوبه:
خاط لي عمرو قباء *** ليت عينيه سواء
فلا يعرف : أهذا مدحٌ أم ذم، وهذا انتقاص في الوضوح في المعنى .
ملاحظة:
إذا أثار الشاعر عواطف حادة لأسباب واهية، فإن شعره يكون ضئيل القيمة مهما استحسنه الناس.
فنون الشعر: الغزل، المدح، الرثاء، الهجاء، الفخر، العتاب، الاعتذار، الوصف، الحماسة، الحكمة.
ملاحظة: أرجو تثبيت هذا الموضوع، والمواضيع المشابهة له


LinkBack URL
About LinkBacks




رد مع اقتباس
