هل يصدق الطفل القارئ أن الأسد ـ ملك الغابة ـ لا يعرف شكل الحصان، أو شكل الجمل، أو شكل الثور، أو شكل الحمار، وغيرها من حيوانات الغابة، ناهيك عن شكل الإنسان؟
هل يعيش ملك الغابة في عزلة كلية للدرجة التي يجهل فيها شكل بقية حيوانات الغابة، عدا الثعلب الذكي المكَّار الذي وجده الأسد في طريق جوعه، فأراد أن يأكله ليشبع. (كان الأسد مختبئا بين الأحراش يراقب الثعلب الذي يمشي سعيدا). إنه إذن يعرف أنه ثعلب، ولكن عند مرور الحيوانات الأخرى كان الأسد يسأل الثعلب: هل هذا هو الإنسان؟
وإذا كان ملك الغابة مغرورا وجاهلا إلى هذه الدرجة، ألم يكن في طفولته وصباه يخرج من عرين والده، ويمشي في الغابة فيعرف بقية الحيوانات التي تقطن الغابة معه؟
ربما يكون هذا الانطباع هو ما يخرج به القارئ الطفل لقصة "كُلني يا مولاي" للشاعر فريد أبوسعدة والصادرة عن سلسلة كتاب قطر الندى (العدد 214) بالهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، ويرأس تحريرها الناقدة د. زينب العسال.
الجميل في قصة أبوسعدة أنها تدور بين سامح وأخته هند التي كانت تشعر بالزهق فألقت بألعابها، ولكنها استطاعت أن تتغلب على زهقها هذا بفكرة أن يقرأ لها سامح قصة من كتاب الحكايات، وترسم هي أحداثها، وهو أول درس يتعلمه الطفل من هذه القصة بأنه عندما يشعر بشيء من الملل أو الزهق، يلجأ إلى الهواية التي يحبها، سواء كانت رسما أو قراءة أو ممارسة رياضة.. الخ، وأن لا يستسلم إلى ملله وزهقه الذي يجعله في حالة نفسية سيئة.
والقصة التي قرأها سامح تدور بين مثلث الأسد والثعلب والإنسان، فالأسد في حكاية سامح جوعان، فيخرج للبحث عن فريسة يأكلها، فيجد أمامه الثعلب الذي يعرف نوايا الأسد، فيستخدم حيلته وذكاءه للتخلص من تلك الورطة، فيقترح على الأسد أن يصبر قليلا ليأكل الإنسان الذي يسخر دائما من ملك الغابة ويشكك في قوته (سبب كاف لينتقم الأسد الجاهل المغرور بقوته وعظمته من الإنسان) فيقرر الأسد الانتقام من الإنسان الذي لم يعرف شكله (دلالة على الجهل بعدوه).
يسأل الأسد الثعلب عن أوصاف هذا الإنسان، فيجيب الثعلب إجابة معرفية ذكية قائلا: إنه غريب يا مولاي. فهو طويل أحيانا، وقصير أحيانا، سمين أحيانا، ونحيف أحيانا .. وحتى لونه يتغير يا مولاي فهو أبيض أو أسود .. أصفر أو أسمر. (وهو وصف شكلي مفيد لمعرفة الطفل وثقافته).
غير أن الأسد يتمادى في جهله فيرفع يديه في الهواء مزمجرا: مهما يكن سأقتله .. (ويؤكد) سأقتله بضربة واحدة. فيعرف الثعلب أن خطته بدأت تأتي ثمارها فيضحك في سره. لقد استطاع الثعلب أن يقلب الموازين لصالحه، وأن يوغر صدر الأسد على الإنسان كي يتخلص هو من تلك الورطة التي وجد نفسه فيها.
بعد هذا الموقف أو المشهد التصويري المحكم الذي صاغه أبوسعدة، يبرز تساؤلنا الذي بدأنا به، إذا كان الأسد لم يعرف الإنسان فهل حقيقة لا يعرف بقية حيوانات الغابة، ولم يرها من قبل. أعتقد أن الطفل لن يقتنع بأن الأسد لم ير أحدا من حيوانات الغابة من قبل، وأن سؤاله للثعلب عن كل حيوان يمر بهما: هل هذا هو الإنسان؟ أضعف من القصة لأنها تتجاهل ذكاء الطفل في أنه يعرف أن الأسد ـ ملك الغابة ـ من غير الممكن أن لا يعرف أشكال حيوانات غابته.
وعندما يمر الإنسان بالغابة فعلا، ويعرف الأسد أن هذا هو الإنسان الذي ينتظره لينتقم منه ويأكله (راح الأسد يدور حوله مستهينا بهذا الكائن الهزيل) ولأنه كان يظنه شيئا آخر غير ما يراه أمامه يهمس في أذن الثعلب: هل أنت متأكد من أنه هو؟ وعندما يؤكد الثعلب أن هذا هو الإنسان يردد ما أخبره به الثعلب بقوله: قالوا إنك تتحداني، وأنا قبلت التحدي، وسوف أصارعك.
وتنتصر القصة بطبيعة الحال لذكاء الإنسان في التعامل مع الأسد المغرور الجاهل الغبي، فبعد تفكير يقول الرجل للأسد أن قوته غير معه، ويمنحه الأسد مهلة ليحضر قوته ليصرعها الأسد، وينجح الإنسان في إقناع الأسد بأن يربطه حتى يحضر قوته، فيوافق الأسد، ويفر الإنسان هاربا (ركب الرجل حماره وانطلق وهو يضحك).
هنا نلمح غباء مركبا يضيفه الكاتب على جهل الأسد وغروره، ويشعر الأسد بشدة الجوع وهو مربوط هكذا فيتوسل للثعلب أن يدخل رأسه في فمه ليشبع جوعه. فيسخر منه الثعلب بطبيعة الحال.
كان من الممكن أن تنتهي القصة أو الحكاية عند هذا الحد، ولكننا نرى عودة الرجل مرة أخرى راكبا حماره، ويدور حول الأسد مزهوا، ويسأله الأسد المربوط: أين قوتك؟ لا أرى شيئا مخيفا معك. فيشير الرجل إلى رأسه قائلا: قوتي؟ إنها هنا يا غبي.
لفظة (غبي) استطاع الموقف نفسه أن يجسدها، وفهم الطفل من خلال التصوير الذكي أن هذا الأسد غبي بالفعل، لذا لم يكن هناك داع لتكرارها باللفظ. وأرى أنه لم يكن هناك داع أيضا لأن يضرب الرجلُ الأسدَ بالعصا لأنه مغررو وظالم ومستبد ويثير الرعب في الغابة.
كان يكفي أن يُربط الأسد بالحبال وأن تمر عليه حيوانات الغابة فيضحكون عليه، ويسخرون منه، ويفهمون أن هذه القيود هي الثمن الذي يدفعه الكائن المغرور الظالم المستبد، وأن الحرية لا يعادلها شيء في الوجود، وأنها ترتبط بالتواضع والتسامح والعدل والذكاء والقوة والمحبة.
ما يحسب لهذه القصة أنها أوهمتنا ـ أو أوهمت الطفل القارئ ـ أن هند هي التي كانت ترسم أحداثها أو مشاهدها أثناء قراءة سامح لها من كتاب الحكايات، وبذلك تتعانق الرسوم واللوحات مع الأحداث. وفي حقيقة الأمر أن رسوم القصة كانت للفنان محمود الهندي الذي استطاع أن يتقمص روح الأطفال في رسوماته، فتأتي الرسوم بها قدر من التجريد والخطوط الحادة والمتعرجة والمائلة التي نرى لوحات ورسوم الأطفال عليها.
أما اللغة فكانت طيعة ومناسبة لسن الطفولة بدءا من التاسعة فما فوق (الطفل العادي الذي يتمكن من القراءة والكتابة واستقبال المعرفة المبسطة في صورة حكاية أو حدوتة مسلية ومفيدة). ويزيد من أهمية اللغة في هذا الكتاب تشكيل حروفها وضبطها لتكون القراءة صحيحة إلى حد كبير، فتثرى لغة الطفل الفصحى.
عنوان القصة "كُلني يا مولاي" دال وموحٍ، فهو يوحي بالسخرية من هذا الأسد، كما يوحي بذكاء الثعلب الفطري، وهو مقتطع من قول الثعلب للأسد في بداية القصة "كلني يا مولاي لتصير قويا ولا يسخر أحد منك"، فيتنبه الأسد المغرور ويغلق فمه الذي فتحه ليأكل الثعلب متساءلا: ماذا تقول؟ هل هناك من يسخر مني؟ ومن ثم تدور أحداث القصة بعد ذلك.